بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحركة العمالية المصرية حتى 1952

النشأة:
كان النشاط الأساسي لغالبية المصريين حتى القرن التاسع عشر، هو الزراعة، والحرف اليدوية في المدن، كان نمط الإقطاع الشرقي يجعل الأرض ملكًا للدولة، ويعتمد في استغلالها على طبقة الوسطاء والملتزمين. وقد صدرت عدة لوائح خلال القرن التاسع عشر تبيح حق الملكية، والتأجير، والانتفاع، والتوريث، وإنهاء الحظر على انتقال الفلاحين، والسخرة الزراعية، المعروفة منذ عصر المماليك، والسخرة في الأشغال العامة، وإن بقيت الأخيرة بصورة أو بأخرى. أدى ذلك إلى ظهور طبقة كبار الملاك، مقابل الفلاحين المعدمين، الذين تضاعفت حركة نزوحهم إلى المدن.

أما الحرفيون، فقد كانوا العمود الثاني للإنتاج السلعي والخدمي، وكانوا في بداية القرن التاسع عشر منظمون في 64 نقابة، لكل منها شيخ، هو الوسيط بينها وبين السلطة. أدى نظام احتكار الخامات والتسويق، في عهد محمد علي، إلى جانب جمع الحرفيين للعمل في المصانع الحربية والمدنية، التي ضمت ثلاثين ألف عامل-من2.8مليون نسمة تقريبا-يتعاملون بشكل من أشكال الأجور، علاوة على جمع الأطفال، عنوة، للتدريب الحرفي، أدى كل ذلك لانهيار الطوائف الحرفية.

ولكون مشروع محمد علي قائم على الاحتكار، والعمل أشبه بالتجنيد الصناعي أو السخرة، بدون قواعد للأجور، ثم انهيار المشروع ككل، فلا يمكننا الزعم بنشوء “طبقة عاملة” مصرية، بالمعنى الحديث في عصره.

لم تسنح الفرصة بانتعاش الطوائف الحرفية من جديد، كما أن الخديو سعيد قد ألغى صلاحيات الشيوخ، في جمع الضرائب والقضاء والتأديب، رسميًا. وقد استُخدم عدد ضخم من العمال في المشروعات العامة، التي أدت إلى تضخم القروض الحكومية، وبالتالي التدخل الأجنبي، في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، وتصدير رأس المال الأوروبي. إلا أن الاستثمارات الأجنبية، قد اقتصرت على الإقراض، وزراعة وتجارة القطن، وبيع المنتجات الأوروبية، وكلها لا تتطلب التوسع في العمالة.

كان المجال مفتوحًا، في الامتيازات الأوروبية لمد المرافق العامة، وفي الصناعات، المرتبطة بالزراعة، غالبًا، وفي حدود متطلبات السياسة الاستعمارية. ورغم اعتمادها على العمالة الأوروبية، اضطرت لاستخدام العمالة المصرية، من فلاحين وحرفيين، فتحولت دكاكين الحرفيين إلى مقاهٍ وإلى دكاكين لبيع السلع الأوروبية. كما تحولت بعض الحرف إلى تقليد السلع الأوروبية، بينما انقرضت بعض الحرف، أو انزوت في الريف. وقد كان “دكريتو 1890” الذي أطلق الحرية لرأس المال وللتشغيل، بمثابة القشة التي قصمت ظهر الصنائع الحرفية.

احتكر الأجانب الوظائف الذهنية والإشرافية، ومعظم الحرف الماهرة، في حين عمل المصريون بأجور متدنية، ويوم عمل من 13-17 ساعة، في ظل غياب تام لأي قوانين للعمل.

شهدت الفترة من 1899-1907، بوادر العمل الجماعي، الذي بدأ بإضراب عمال السجائر، وهم من الأجانب، والعمال الإيطاليين في خزان أسوان. ثم انتقلت فكرة “الاعتصاب”، بلغة هذا العصر، إلى المصريين، فأضرب عمال نقل الفحم في مينا البصل، وعمال ترام الإسكندرية، والغزل والمطابع، بل والترزية وصبية الحلاقين، وكتبة المحامين.

لاشك أن العمالة الأجنبية، والتي شملت، أيضًا، الأرمن والشوام، كانت صاحبة فكرة الإضراب، وهي إن تميزت عن العمالة المصرية، إلا أنها وجدت نفسها تعمل في ظروف أقل من نظيرتها الأوروبية، وهي التي دفعتها الأزمة الاقتصادية، إلى البحث عن ظروف أفضل في مصر. ويرى البعض أنها لم تكن وفية لطبقتها “العاملة” وأنها كانت تعمل لمصلحة رأس المال الأجنبي، أو لمصالحها الضيقة. وإن كنت أتفق على أن العمالة الأوروبية لم تكن تعمل من منطلق بروليتاري أممي، إلا أنه من الظلم، ومن الخطأ، اتهامها بالتبعية للاستعمار، والخطأ ينبع أساسًا من تعميم الحكم، دون النظر إلى الملابسات، العامة والخاصة، بكل تحرك عمالي. فعلى سبيل المثال شمل إضراب عمال السجاير في ديسمبر 1903، مصريين وأجانب، وكانت الشرطة المصرية تقف إلى جانب أصحاب المعامل، كما تنكرت القنصلية اليونانية لعمال بلادها، بل ونفت قادة الإضراب إلى الخارج.

وقد تبلور، خلال تلك السنوات التمايز بين العمال، أجانب ومصريين، وبين أصحاب العمل، كما حدث تجميع، كبير نسبيا، للعمالة، وبشكل غير موسمي. وقد تعلم العمال خلال تجربتهم فعالية إطالة الإضراب، وجمع التبرعات من المواطنين، وكسب تعاطفهم. أما الصحف فكانت تدين “الاعتصاب”، لاعتباره بدعة أوروبية، وإن أبدت صحيفة “اللواء” تعاطفها. أما الشركات، فلم تكن تستجيب بسهولة للمطالب، أو تفي بما تصل إليه من اتفاقات، كما كانت تنكل بقيادات الإضراب. كانت الشرطة تقف، على طول الخط، إلى جانب أصحاب العمل، في تهديد العمال، أو إحلال عمال جدد محل المضربين، وكان اشتراك العمال الأجانب يكبل يديها.

النقابات
ظهرت خلال الإضرابات، وكان يُطلق عليها، في البداية، “الجمعيات” لتمييزها عن “النقابات”الحرفية، وكان يرأسها أجانب، وهدفها إلى صيانة مكاسب الإضراب، أو تحقيق ما لم يتحقق منها.

تجدد نشاط الحركة الوطنية، بزعامة المثقفين الشبان، مصطفى كامل ومحمد فريد، و اتجهت إلى الفئات الوسطى والطبقة العاملة، التي ضجت بممارسات الاحتلال، وبإغراق السوق بالبضائع الأجنبية. وهكذا ارتبطت الحركتان، الوطنية والعمالية، كما ازداد التناقض بين العمل ورأس المال، وهو رأس مال أجنبي في معظمه، واستقلت النقابات عن القيادات الأجنبية. في المقابل اشتدت وطأة الغلاء، وصدر قانون المطبوعات 1909، وقانون النفي الإداري 1910.

في 1907، نجح عمال الفحم في بورسعيد، في إلغاء نظام “المشايخ”، مقاولي الأنفار. لكن الأهم هو إضراب عمال الترام، بالقاهرة والإسكندرية، أكتوبر 1908، حيث صاغ العمال مطالب تتعلق بالأجر، وساعات العمل، والجزاءات، كما طالبوا بتشكيل لجنة تحقيقات، نصف أعضاءها من العمال، ومحام ممثل عنهم، وتوثيق أي اتفاق وحفظ نسخة لدى المحافظة. شارك في الإضراب 1200 عامل، من إجمالي 1500، وصمدوا، هم وأسرهم، أمام وحشية الشرطة، المصرية والبريطانية، وبالرغم من الدعاية المضادة والمضللة، كانت الجماهير متضامنة للغاية، بجمع التبرعات، والتظاهر، بل ومواجهة الشرطة، وكان موقف الصحف متباين. وفي النهاية حصل العمال على بعض المطالب، أهمها إعادة من فُصلوا خلال الإضراب، وتكوين “جمعية” للعمال في 8 مارس 1909، وشارك “الحزب الوطني” في تشكيلها وعضويتها الشرفية. وقد تجدد نضال عمال الترام أكثر من مرة، والجديد فيها أن المواجهات كانت أكثر عنفًا، حتى أن الجماهير حرقت عربات الترام الذي حاولت الشركة تسييره، كما أن الإضراب تم بالتنسيق بين عمال القاهرة والإسكندرية. وفي النهاية ناورت الشركة كثيرًا في تفاوضها، فقامت، على سبيل المثال، بتقسيم العمال إلى فئات خمسة في دراسة مطالبهم.

تجلى نشاط “الوطني” بين العمال في “مدارس الشعب”، ونقابة “الصنائع اليدوية”، وبرغم أنها كانت موجهة للحرفيين الذين تأثروا بإغراق السوق بالبضائع الأوروبية، شكل غالبيتها عمال السكة الحديد، هذا المرفق الذي ضم12ألف عامل، بدأ التذمر بينهم 1906-1908، لكن الإدارة البريطانية، زادت في عقوبتها، بل وضعت ساعات على المراحيض، لحساب الوقت الذي يقضيه العمال بها. قام العمال في أكتوبر 1910 بإضراب، دون مخاطبة الشركة وديًا، فكانت المواجهات عنيفة بين الشرطة والشركة من جهة، وبين العمال وأسرهم من جهة أخرى. وبالطبع كانت “اللواء” تدعم الإضراب، بينما حرضت “المقطم” ضده.

سنوات الحرب العالمية الأولى(1914-1918):
أدت الحرب إلى وضع مرير، حيث أعلنت الأحكام العرفية، وتعرض “الوطني” بالذات لحملة عنيفة، وبلغت الزيادة في الأسعار بين81% و195%، إلى جانب توقف التجارة الخارجية، وتصفية عدد كبير من الأجانب لأعمالهم، وتجميد المشروعات، فاستفحلت البطالة، واستخدمت الشرطة قانون التجمهر، ضد العمال الذين تظاهروا مطالبين الحكومة بالعمل أو بالقوت، كانت الحلول المطروحة من الحكومة والأعيان، هي: توزيع الخبز، أو تشغيل العاطلين في نقل السباخ والأتربة، بينما اكتفت “الجمعيات” بالشكاوى والالتماسات.

لكن سنوات الحرب أدت إلى النمو العددي للطبقة العاملة المصرية، كما وصل عدد المصريين في “فرقة العمل المصرية” إلى مليون ومائة وسبعين ألفا، تم تشغيلهم لصالح الجيش البريطاني، في سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا، علاوة على رديف الجيش.

في المقابل، أدت ظروف الحرب، السابقة، إلى نمو رأسمالية صناعية مصرية، واكبها نشاط تجاري ومصرفي. كان طلعت حرب متزعما لدعوة إنشاء بنك مصري، وقد تشكلت “لجنة التجارة والصناعة”، التي قدمت توصيات لدعم وتثبيت الرأسمالية المصرية، ودعت لتشكيل غرف تجارية وصناعية، وفي الواقع ضمت هذه الغرف، رأسماليون أجانب، مما يفضح التناقض بيد دعاية الرأسمالية المصرية، وبين مصالحها الحقيقية، فالأدق أن يُطلق عليها “محلية” وليست “وطنية”، كما نعتت نفسها. وكانت الدعاية تدعو إلى تفضيل المنتج “الوطني”، لكنها كانت تشجب كل محاولات تعويق الإنتاج!. وجدير بالذكر أن الصناعات المصرية، خلاف الغزل والنسيج، لم تكن كثيفة العمالة، وقطاعات منها كانت موسمية، بسبب ارتباطها بالزراعة. وقد نشأ “اتحاد الصناعات بالقطر المصري”، أيضا، في إطار تجميع جهود الرأسماليين، وضم 90 عضواً، مصريين وأجانب، برؤوس أموال 40 مليون جنيه، ويستخدمون 150 ألف عامل، 97% منهم مصريين. وقد أنشأت الحكومة مصلحة التجارة والصناعة، وأودعت مائة ألف جنيه في بنك مصر، لتمويل المشروعات الصغيرة، واتجهت للتوسع في التعليم الفني.

مع مشارف نهاية الحرب، بدأت التحركات العمالية، أولاً، في القطاعات غير الحيوية، مثل السجائر، التي أدت ميكنتها، إلى عمليات تسريح جماعية، وقد عمد أصحاب العمل إلى الدعاية السلبية ضد العمال، ودب الفرقة بينهم، ثم إلى النكوص عن تنفيذ أي اتفاق، بينما حرص العمال على الهدوء وكسب تعاطف الشارع، ومخاطبة الصحف. وقد انتقلت العدوى تدريجيا، حتى إلى المرافق، ولعل عودة القيادات الأجنبية للحركة، وتضامن العمال الأجانب، كانت حائلا، دون بطش الشرطة بالمضربين، كما عادت نقابة الصنائع اليدوية للنشاط في الإسكندرية، وأصدرت بيانات تحذر من الدعوة لإنشاء “نقابات” جديدة، لكن الأهم هو صياغتها لـ”مشروع قانون حماية العمال”، 2 مارس 1919. والجدير بالذكر أن محاولات عدة، قام بها مثقفون، من أجل إيجاد قوانين للعمل، وفي النهاية صدرت عدة تشريعات هزيلة تتعلق بتراخيص العمل وعمالة النساء والأطفال.

كان قانون العضوية في المجالس التشريعية في مصر حائلا منيعا دون وصول الطبقة العاملة، ويكاد يكون مقتصرا على الأعيان. وفي يوليو 1908 ظهرت دعوة من مدير مدرسة محرر جريدة لإنشاء حزب للعمال، لكنها لم تسفر عن شيء.

أولى الإشارات للفكر الاشتراكي كانت في 1902 خلال الإضرابات وكانت في صورة تحذير من “خطر الاشتراكية”، ومنذ 1908 ظهرت مؤلفات لمفكرين: شبلي شميل، سلامة موسى، الذي كان يدعو إلى الاشتراكية البرلمانية، مصطفى المنصوري، الذي كان يعتقد ان مصر لم تكن في حاجة آنية لحزب اشتراكي.

من ثورة 1919 حتى الأزمة الاقتصادية 1929:
ظلت الطبقة العاملة في طور التكوين، حيث لم يسمح نمو الرأسمالية، بتحول سريع للفئات المتأرجحة، من حرفيين وفلاحين معدمين، إلى عمال صناعيين، ولكن النمو السكاني الحضري قد زاد بفعل الهجرة من الريف، كما نمت الإدارة الحكومية بعد إعلان الاستقلال، فتزايدت فئات ذوي الياقات البيضاء التي كانت تنتمي، واقعيا، إلى العمال المأجورين، لكنها كانت حريصة على البقاء خارج إطار الطبقة العاملة. وقد ظلت الطبقة العاملة هي الأقل حظًا من حيث الدخل والنفوذ السياسي.

كانت الأحزاب السياسية في مصر قبل ثورة1919 مكونة من حزب الأمة، وهو حزب كبار الملاك، والحزب الوطني، وهو حزب الطبقة الوسطى من المثقفين والطلبة والتجار، وقد تلقى ضربة قاصمة، كما ذكرنا. ثم تشكَّل “الوفد” من أعضاء في حزب الأمة، وأعضاء من الجمعية التشريعية، وهو ما يفسر تمسكه بالأسلوب “السلمي”المحافظ، وهو ما دفعه إلى جمع التوكيلات، كسند قانوني لاعتباره ممثلا للشعب المصري، وكان الهدف، جمع توقيعات أعضاء الهيئات النيابية ومجالس المديريات، والأعيان…إلا أن الطبقة العاملة فرضت وجودها، وصمدت أمام التعسف البريطاني، وكان قرار ترحيل سعد زغلول وزملائه إلى مالطة في8مارس1919، مفجر للثورة، ورغم ذلك، تبرأ أعضاء الوفد من الثورة. كما أن الطلبة أعربوا عن أسفهم “مما وقع من الغوغاء” خلال مظاهرة الطلبة في9 مارس.

كانت مشاركة الطبقة العاملة في ثورة1919 تتم بشكلين؛ الشكل الفردي التلقائي، والشكل الجماعي، سواء بالمسيرات الجماعية وعمليات التخريب، الموجهة ضد الاحتلال، أو بالإضرابات المطلبية، التي اشتعلت في أكثر القطاعات حيوية، كالسكة الحديد والترام والموانئ. كما قام الفلاحين بقططع السكة الحديد، وحتى البدو شاركوا في الثورة. وصل عدد الشهداء إلى ثلاثة آلاف، معظمهم من العمال والفلاحين، كما طالت الاعتقالات العمال والنقابيين خاصة. وكان موقف “الوفد” مخزيًا، حيث وصف أعمال الثورة، بأنها مخالفة للشرع والقانون، وناشد الأعيان للقيام بواجبهم، وهو ما يوافق موقف القصر. ثم قرر الجنرال “اللينبي”، بعد اجتماعه بقيادة الوفد، عودة سعد ورفاقه، وكان الهدف هو تهدئة الأوضاع، وإبعاد الطبقة العاملة، والجماهير عن الحركة الوطنية. تشكلت وزراة محمد سعيد باشا، 21مايو1919، وتم الإفراج عن المعتقلين، وإلغاء الحظر على الصحف. وقد تدخلت السلطات السياسية والعسكرية، لدى بعض الشركات لتسوية مطالب العمال، وعندما استجابت شركة الترام لبعض المطالب، شجع ذلك قطاعات أخرى، من الصناعات والمرافق، والمصالح الحكومية، والمهم أن هذه التحركات اتفقت حول مطلب يوم عمل من8ساعات، ومكافأة نهاية الخدمة، والإجازات المدفوعة. بعض المطالب تمت تسويتها، والقليل منها تم تنفيذه فعليا، وهو ما يفضح نية السلطات.

جاء شهر أغسطس، فاتسعت دائرة التحركات العمالية، لتشمل قطاعات أخرى، من بينها المخابز الأفرنجية والمقاهي. أما موظفو الحكومة، فقد كانت أوضاعهم أكثر استقرارًا، كما تمتعوا بعلاوة غلاء خلال الحرب، أما الموظفين المؤقتين والظهورات وعمال اليومية والدائمين، وهم خارج لائحة المستخدمين والمعاشات، فقد شاركوا في الثورة، وفي تحركات أغسطس، لذا صدر قرار حكومي يقر لهم ببعض الحقوق، ضمن لها استقرار الأوضاع لمدة طويلة. وقد روجت الصحف الموالية للقصر والإنجليز، الأهرام والمقطم، لفكرة تشكيل لجنة للفصل في المنازعات، ومن هنا نشأت “لجنة التوفيق”، التي استثنت العاملين بالحكومة، ووصفت بالـ”حيادية” بين العمال وأصحاب الأعمال، ولكن اللجنة، التي كانت تضم اثنين من البريطانيين، لم تكن تتحرك دون تلقي شكوى أو أوامر عليا، وتتلافى التعامل مع النقابات، وإن اعتبرها البعض خطوة إيجابية في سحب الشئون العمالية من دائرة الأمن، إلا أن ذلك، عمليًا، لم يتحقق، لاسيما وهي لا تستند إلى أية تشريعات، ولا تمتلك سلطة تنفيذية.

واجهت اللجنة في بداية عملها عدة إضرابات، وقد وصفت تقاريرها العمال بالبؤس والجهل، وانعدام الثقة بينهم، وأن الفاقة جعلتهم مؤهلين لسماع “المحرضين السياسيين”. بينما أعطت لأصحاب العمل مبررًا ساذجا، وهو أن المديرين والوكلاء، لم يطلعوهم على واقع العمال ومعيشتهم. وهكذا، وإن لم يسفر النشاط المطلبي عن نتائجه المرجوة، إلا أنه لم يتوقف، وتبلورت مطالب الطبقة العاملة، علاوة على ما يتعلق بساعات العمل والأجور، ومكافأة نهاية الخدمة، تعويضات إصابات العمل، والاعتراف بالوجود النقابي.

اندلعت موجة من الإضرابات، في نهاية عام1919 شملت شركات الكهرباء والمياه، والترام، وقد كشفت هذه الإضرابات، عن صلف الشركات الاحتكارية، وتواطؤ الحكومة معها، وعجز لجنة التوفيق، كذلك موقف صحيفتي الأهرام والمقطم، التي نشرت معلومات مضللة وحرضت الجمهور على المضربين. أما عمال الموانئ، وهم ينتمون إلى قطاعات متباينة، فقد لجأوا إلى وسيلة، نزع أجزاء الآلات، لشل العمل، وهو ما أدى إلى الاستجابة لمطالبهم. أما عمال السجائر، فقد واجهوا عملية الميكنة المتزايدة، وحركة الإغلاق التي قام بها أصحاب الأعمال. وقد تأسست معامل سجائر ملك للعمال، وبدعم من بعض المتعاطفين معهم، لكن عمرها كان قصيرًا، وكانت هذه الأفكار منتشرة في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، ويطلق عليها “السنديكالية”، وإن كان ذلك لا يعني، تبني هذه الإيديولوجية في مصر. كما حدثت تحركات في قطاعات صناعية وحرفية أخرى، كما قام موظفو البنوك بالإضراب مطالبين بزيادة 50% في الأجور، واهم ما يميز تحركهم هو الإضرابات التضامنية بين البنوك المختلفة.

شهد عام 1919 تجدد الحركة النقابية في اتجاهين، الأول: إحياء “نقابة الصنائع اليديوية” كنقابة عامة، والثاني إنشاء نقابة لكل حرفة أو صناعة أو مرفق، أو منشأة، وكان هو النمط السائد والملائم للظروف وقتها، فتشكلت عشرات النقابات، شملت عمال وموظفين وحرفيين، ومهنيين، في ورش ومصانع وشركات، ومرافق ومصالح حكومية، بل تكونت نقابة للحكيمات. وقد ضمت النقابات عضوية عاملة، وعضوية شرفية، للمثقفين المتعاطفين، والمحامين والمستشارين، ولم تخرج لوائحها عن لائحة “الصنائع اليدوية”.

كان التنظيم النقابي، هو العمود الثاني، إلى جانب الإضرابات، للعمل العمالي الجماعي، وكان دورها هو الحصول على مطالب العمال، والحفاظ عليها وضمان تنفيذها، وتوقفت قوتها على تماسكها وصلابة عضويتها، وتأثرت بظروف الموقع النضالي نفسه، وقد اتجهت النقابات في المواقع المتماثلة إلى تنسيق تحركاتها، كما ظهرت نقابات قطرية، مثل السائقين، والحكيمات، والدخان.

خلاف “الصنائع اليدوية”، كانت هناك محاولة، في 1920 لإنشاء اتحاد عام للنقابات، حمل مبادرته الحزب الاشتراكي، لكنه لم يضم كل النقابات، ولم يكن له نشاط بارز، وقد تأثر بالظروف السيئة التي مر بها الحزب الاشتراكي.

كان التقاء الفكر الاشتراكي مع الحركة العمالية المتصاعدة، سببا في تصاعد قلق السلطات البريطانية والمصرية، التي لم تدخر أية ممارسات قمعية وتعسفية، إلا أنها قامت بإصدار تشريعات تقنن ممارستها. صدرت قوانين تجرم الإضراب، والترويج للشيوعية، وقانون التشرد، الذي استخدم ضد المضربين والعاطلين، كما منعت تحويل المرتبات إلى النقابات.

حققت الطبقة العاملة المصرية، عبر تنظيماتها الذاتية، أو تلك التي ارتبطت بالأحزاب، نموًا وثقلاً سياسيًا، وقد ظهرت محاولات لتكوين حزب للعمال، لم يكن لها جذور عمالية، فباءت بالفشل، وكان الحزب الوطني أهم الأحزاب التي تفاعلت مع الطبقة العاملة. كما نشأ “الحزب الديموقراطي”في8سبتمبر1919 من مجموعة من المثقفين، حمل برنامجه فقرت تنص على “ترقية الطبقة العاملة أدبيا وماديا”، وكان مصيره الذوبان في حزب الأحرار الدستوريين. أما الحزب الاشتراكي المصري(1919-1920) فقد نشأ من مجموعة من الطلاب المصريين الذين تعرفوا على الاشتراكية، الفابية والماركسية، في الخارج، ومجموعات من المهاجرين واللاجئين الأجانب، حيث يرجع البعض النشاط الاشتراكي بين المهاجرين الروس إلى 1905.

وفي البداية تجنب الحزب طرح برنامج عمالي، خوفًا من اتهامه بالبلشفية، لكن مجموعة الحزب في الإسكندرية، كان لها نشاط عمالي في الإسكندرية والدلتا، وهذه المجموعة هي التي قادت الحزب بعد انقسامه واستبعاد العناصر الفابية، وأصدر جريدة تحمل شعار المنجل والمطرقة، وبرنامج ذو طابع ماركسي.

نشط الحزب بوجه خاص في “اتحاد النقابات العام”، الذي حمل مبادرته جوزيف روزنتال، وحسب بيانات الاتحاد، وصلت عضويته 20 ألف عضو. وقد كان الحزب صاحب المبادرة، والمساندة الأساسية، للتحركات العمالية، خاصة في الإسكندرية.

أما حزب الوفد، فكانت الطبيعة الطبقية لقيادته، هي المحدد لعلاقته بالحركة العمالية، وحتى التنظيمات، التي أنشأها سرًا وعلنا، وتصنف على يسار الحزب، لم تدع فرصة لجماهير المنظمة من العمال، للنشاط. وما كان سعد زغلول ليتسامح أبدًا مع الحركات الاجتماعية، بل أنه لم يكن يستسيغ السياسة الاجتماعية لحزب العمال البريطاني!. وقعت عدة إضرابات، بدعم من “الاتحاد العام” و الحزب الاشتراكي، في عهد حكومة سعد، وقد انتهج العمال أسلوب احتلال المصنع، وأرسلت الحكومة القوات لدعم “كين بويد”، مسئول القسم الأوروبي في إدارة الأمن العام، بل أن سعد زغلول قد أرسل نداءً إلى العمال المضربين في أحد المصانع، فانسحبوا على الفور، وهو في الحقيقة كان إنذار وتهديد، وانتهت الإضرابات لصالح الشركات، ثم قامت حكومة الوفد بهجمة شرسة على الحزب الاشتراكي، وشنت الأهرام، وصحف أخرى، حملة شعواء على الشيوعية، كما عقدت النقابات مؤتمرات لتعلن التبرء من تهمة الشيوعية.

أدت حملة الوفد إلى تصفية أول اتحاد نقابي، والنقابات المرتبطة به، وحتى “الصنائع اليدوية”، والتي ضمت إجمالاً ما يقرب من عشرين ألف نقابي. واصل العمال، خاصة في الحكومة، تقديم الالتماسات، التي تطورت إلى التجمهر بعد قطع علاوة الغلاء، التي ترجع لسني الحرب، وقد شمل ذلك عمال الدخان و السكة الحديد والترام والموانيء والبريد والتلغراف والتليفون…، لكن بعض النقابات أصرت على التحركات الجماعية حول المطالب المعتادة، ورفضت الاستجداء، بينما عملت “الصنائع اليدوية” على الضغط على الحكومة دون مواجهة مباشرة، فنظمت حملة تطالب بتشريع عمالي. أصبح موقف الوفد شديد الحرج، خاصة بعد قراره، بتصفية “لجنة التوفيق”، واستبدالها بلجان محلية في كل مديرية.

تم تكليف عبد الرحمن فهمي، وهو من المقربين من سعد، بتشكيل “الاتحاد العام لنقابات العمال بوادي النيل”، والذي اتجه عمال الحكومة، وبسرعة رهيبة، تم إعلان تشكيل 120نقابة في القاهرة والأقاليم، تضم معظم الحرف، كانت عضوية مجالس الإدارة من أعيان الوفد، وكانت لها كل الصلاحيات، ويحظر الإضراب دون تصديقها. وقد افتضح موقف هذا الاتحاد، عمليا في إضرابات المعصرة للأسمنت، والفحم بالإسكندرية وبورسعيد. كان فهمي يدعو العمال إلى”العمل من أجل العمل وللذة العمل..والاعتماد على عطف الحكومة…وإقناع أصحاب الأعمال” كما كان يحذر دوما من “رجس الشيوعية”. انهار الاتحاد بعد القبض على فهمي في قضية اغتيال سير لي ستاك. وكان الاتحاد بصورته تلك، بداية ظاهرة ارتباط الأحزاب بالطبقة العاملة، بشكل يختلف تماما عما عُرف عن “الوطني” و”الاشتراكي”، يمكن وصفه بالانتهازية النقابية من حيث المبدأ والمضمون. وقد انتشرت الصراعات من أجل السيطرة على النقابات، وعلى الاتحادات النقابية.

خلال حكم زيور القمعي انحسر اليسار إلى البحوث النظرية، بينما غلب على العمل العمالي أسلوب الالتماسات. وعندما تولت حكومة عدلي يكن، 1926، التي تساندها أغلبية برلمانية بزعامة سعد زغلول، تجدد العمل الجماعي، في الترام والمياه والنور وتكرير الزيوت، والسكة الحديد الضيقة، والسائقين، من أجل إحياء الاتفاقات الجماعية القديمة، وقد شابه الصراعات داخل النقابات. وقد تكرر مشهد 1924 حيث سقطت حكومة النحاس الوفدية وتولى محمد محمود الوزارة، فتفوق على زيور في قمعه للحريات. وقد ظهر تيار يدعو لتشكيل “حزب للعمال”، مقابل تيار يدعو لاتحادات إقليمية للنقابات، والأهم هو الدعوة لتولي العمال زمام نقابتهم.

كان أهم مشروعات التشريع العمال، ذلك الذي صاغته “الصنائع اليدوية” لكن أحداث ثورة 1919، جمدت المشروع، كما لم تملأ لجان التوفيق هذا الفراغ، وقد ماطلت حكومة الوفد الأولى بعد الثورة في استصدار تشريع، حتى سقطت، وتولت حكومات قمعية عطلت الدستور. وكانت عودة الحياة الدستورية لشهور معدودة خلال1926-1928، فرصة ضئيلة لذلك، وفي يوليو1927، تم تشكيل لجنة عبدالرحمن رضا، الذي قام بمجهود مخلص، من أجل إعداد مشروع قانون عمالي، برغم ضغوط أصحاب الأعمال، والصراعات الحزبية. لكن الحكومة في الأساس، كانت تهدف إلى تخدير الطبقة العاملة.

من 1929 حتى مشارف الحرب العالمية الثانية 1939:
تعرض الاقتصاد العالمي إلى أزمة اقتصادية، لم تسلم منها مصر، التي تعرضت لموجة غلاء فاحش، رغم هبوط الأسعار عالميا، بسبب تغير نظام الجمارك، من القيمي إلى النوعي، وما تبعه من التلاعب والاحتكارات. وقد حدث تخفيض لأجور العمال، حتى في الحكومة، ففي عام 1931 تم إلغاء كادر 1921. وبينما لم يتبق من النقابات العمالية إلى القليل، كانت الرأسمالية، أجنبية ومحلية، متمثلة في “اتحاد الصناعات” وفي الغرف التجارية، وكان إسماعيل صدقي، رئيس الاتحاد، قد تولى الوزارة 19 يونيو 1930. كان الاتجاه الإصلاحي قد تغلب على الحركة العمالية، لعله بسبب السياسة القمعية لمحمد محمود، وحفلت الصحافة بالثناء على الملك ورعايته للعمال. ومع تولي النحاس للحكومة، تحمس العمال حتى أنهم طالبوا بتخصيص دائرتي كرموز ومينا البصل للعمال. وقد حدثت إضرابات في بعض المرافق والصناعات، وتجاهلت حكومة الوفد مشروع لجنة رضا، ورفضت مطالب مؤتمر العمال الذي دعا إليه عمال الترام، بشأن تشريع عمالي، وذلك بزعم تولية الاهتمام بقضية مصر الكبرى، أي الاستقلال، فظل المشروع معطلا حتى سقطت الحكومة. لم يكن من مصلحة القصر أو الإنجليز أو الرأسماليين، بقاء حكومة الوفد. جاءت حكومة صدقي لتلبية مطالب هؤلاء، فوقف ضد المصالح الوطنية، والتحركات الاجتماعية، كما قام بتخريب الحياة النيابية، وانتقل الصراع بين الأحزاب للشارع، وأسس حزب “الشعب” ردا على مقاطعة الأحزاب للانتخابات.

لعل صدقي كان قد وضع حساباته مسبقا، فقد أنشأ مكتب العمل ملحقا بإدارة عموم الأمن بالداخلية، ورأسه “ر.م جريفز” من رجال الأمن البريطانيين، واكتفى المكتب ببعض التشريعات المتهالك المتعلقة بتشغيل الأحداث، مع طرح الوعود بدراسة الشئون العمالية، لسحب البساط من تحت الأحزاب الأخرى، وكسب الوقت.

ظهرت على الساحة شخصية عباس حليم، وهو نبيل، ينتمي إلى فرع من الأمراء الساخطين على القصر، وعلى حكومة صدقي، وقد بدأ حليم في النشاط بين العمال منذ1928، وفي نهاية1930 تم تنصيبه رئيسًا لاتحاد النقابات. لكن حليم لم يخرج عن الرؤية الإصلاحية السابقة. حاول حليم بناء “الاتحاد العام لنقابات عمال القطر المصري”، وصياغة “قانون” اقتصادي وتنظيمي وثقافي، وهذا القانون، أو اللائحة، لا تنم عن إدراك حقيقي لمشكلات العمال، وقد سعى هذا الاتحاد إلى إنشاء فروع إقليمية، بلغت 54فرع ونقابة، حتى وجه إليه صدقي ضربة. واكتفى حليم باللجوء إلى القضاء وبعض المؤسسات الدولية، كما نقل المقر من شار ع فؤاد إلى قصره الذي لم يسلم من مضايقات الشرطة. ومن هنا جاءته فكرة تأسيس حزب للعمال، إلا أنه تخلى عنها بسهولة باتفاق بينه وبين الوفد.

لم تتوقف الحركة المطلبية العمالية، ففي غضون ذلك وقع إضراب عنابر السكة ببولاق والورش الأميرية، الذي أسفر عن سقوط قتلى وفصل أربعمائة عامل. وكانت سياسة الحكومة، سببا في تمادي أصحاب الأعمال، ونكوصهم عن الاتفاقيات الجماعية. وبينما اكتفت بعض القطاعات، خاصة الحكومية، للالتماسات والشكاوى، أصرت قطاعات أخرى على الإضراب، مثل عمال مينا البصل وترام الإسكندرية وفوسفات القصير، والفحم والنحاس، وثورنيكروفت للنقل العام، وهو الإضراب الدموي، الذي كان فرصة لعودة حليم للضوء، وقامت “الأهرام”بدور مشبوه لصالح الشركة، كما كانت الشرطة تتلقى أوامرها من مدير الشركة مباشرة.

وصل حجم البطالة، حسب اللجنة الرسمية لحكومة صدقي 1931-1932 إلى 24 ألف عامل، وقد أوصت هذه اللجنة بتخفيض أيام العمل، والتوسع في أعمال البلديات، لكن هذه التوصيات، رغم عبثيتها، لم تُنفذ. وقد تراخت قبضة صدقي في نهاية عهده، وقد تخلى القصر والإنجليز عنه، وظهرت الحاجة لحكومة ائتلافية، تصلح للتفاوض، وقد خلفه نائبه في حزب الشعب عبدالفتاح يحيى، الذي اتبع سياسة أستاذه بحذافيرها، وتم التعامل مع الإضرابات عن طريق الشرطة، التي كانت أحيانا تقوم بالتفاوض والفصل بين العمال وأصحاب الأعمال.

حاولت حكومة عبدالفتاح يحيى تكوين “جمعية تضامن هيئات ونقابات العمال”، في الإسكندرية، ككيان مقابل للاتحاد العام، لكن المحاولة فشلت. كما فشلت محاولة أخرى قام بها أحد النقابيين. أدت ملاحقة الشرطة لنشاط حليم، واعتقال الموالين له، ثم اعتقاله شخصيًا، إلى ارتفاع مكانة “الاتحاد العام”، وقد أصدر حليم كتيبًا بعنوان”العمال المصريين في العشرين سنة الماضية”، وفي نواح كثيرة منه ينم عن سطحية وارتجالية في رؤيته للقضايا العمالية. وبعد سقوط حكومة عبدالفتاح يحيى، أعاد حليم صياغة أفكاره بشكل أكثر واقعية، ولكنها لم تجد استجابة لدى محمد توفيق نسيم، رئيس الحكومة، وقد دأب حليم على إصدار بيانات في القضايا المعاصرة، وأعاد النشاط “الاتحاد العام”، الذي لاقى ترحيبا من العمال.

دفع الوفد بعزيز ميرهم إلى ساحة الحركة العمالية، وكان ميرهم حريصًا، في الأساس، على تمجيد الوفد، وقدم رؤية لا تختلف عن رؤية حليم كثيرًا، ولكنه لم يحاول إحياء فكرة تكوين اتحاد موالي للوفد، كما مضى، وربما أراد الحفاظ على علاقة متوازنة مع حليم، لكن ذلك لم يرض الوفديين، فطالبوا بتشكيل “مجلس أعلى” يضم أعضاء من الوفد مع “الاتحاد العام”، وسرعان ما تحول الخلاف حول تقسيم العضويات إلى صراع عنيف ومصادمات ومحاولات الاستيلاء بالقوة على المقرات. وقد أعلنت معظم النقابات سحب ثقتهم من حليم وتأييدهم للوفد، فيما عدا نقابة الموانيء التي قررت الاستقلال والابتعاد عن الصراع، ومقر الاتحاد في دمياط الذي حدث فيه توافق بين الفريقين.

لم تتوقف النضالات اليومية، برغم الصراع الدائر، وقد تخلى الوفد، حتى عن المواقع التي أيدته في الانتخابات، بينما قدم “الاتحاد العام” بعض المعونة والاستشارة للعمال. وقد تجلى التردي في الحركة، في عدم قدرة الطبقة العامة على المشاركة في المظاهرات الطلابية ضد تصريحات صموئيل هور، وزير خارجية بريطانيا، الذي ادعى عدم أحقية الشعب المصري، ولا أهليته للحكم الدستوري، كذلك تمرير مكتب العمل لقانون عقد العمل الفردي، الذي يلغي الحق في مكافأة نهاية الخدمة، وقد كان ذلك القانون حافزًا للعمال والاتحاد العام، للعودة للنشاط ضد هذا القانون، الذي برره “جريفز” بأن ظروف أصحاب الأعمال تحول دون دفع مكافأة نهاية الخدمة.

قبيل الانتخابات العامة، طرح حليم فكرة ترشيح خمسة نواب عماليين غير حزبيين، بالتعاون مع الجبهة الوطنية، أما الوفد، فلم يعلن رفضه، لكنه كان ضد ترشيح عمال في المجلس النيابي، باعتبار مرشحيه من أجل العمال وأطلق على النحاس لقب “العامل الأول”، لذا، عندما أسفرت الانتخابات عن تشكيل النحاس لحكومة وفدية، أصبح الوفد عاجزا عن تنفيذ وعوده للعمال، وهو ما كشفت عنه التحركات العمالية في عدد من الصناعات والمرافق.

كانت نهاية الثلاثينات، أشبه بنهاية العشرينيات، فقد خرجت حكومة الوفد وجاءت حكومة محمد محمود التي ضمت، إلى جانبه، مجموعة من الأسماء ذات الماضي الأسود مع الحركة الوطنية والطبقة العاملة. وقد أراد حليم أن يعود للساحة مرة أخرى، لكنه لم يكن مستعدا للإنفاق كما مضى، كما أن نزعة استقلالية سرت بين صفوف الطبقة العاملة، التي لم تكن قيادتها الشابة أسيرة الانقياد الأعمى وراء الوفد، بل نما وعيها في ضوء التحديات الجذرية التي واجهت النظام على كافة مستوياته، إلا أنها لم ترفض التعاون مع حليم، مع تحجيم سيطرته، فتم تشكيل “الاتحاد العام لنقابات عمال المملكة المصرية”-واستخدام اسم المملكة ينطوي على مغازلته للقصر- واستهل نشاطه بمظاهرة تطالب بتشريع عمالي، بدأت بتحية جلالة الملك أمام قصر عابدين، وهي إن لم تسفر عن شيء، لكنها رفعت أسهم الاتحاد، أم بقايا الاتحاد الموالي للوفد، فقد انفض نهائيا. وكانت المهام المطروحة أمام الاتحاد العام لنقابات عمال المملكة المصرية” هي إعادة توحيد الصف النقابي وخوض معركة من أجل تشريع عمالي، علاوة على التفاعل مع الحركة المطلبية، التي كلت بأسلوب الاستجداء والالتماسات، وقام عدد من أعضاءها من العمال بإضراب عن الطعام، مطالبين بإصدار تشريع عمالي خلال خمسة عشر يومًا، وقد بدأت في يومه الثالث حملة لجمع التبرعات لصالح أسر المضربين، بينما أرسل صالح العشماوي رسالة باسم الإخوان ينصح العمال بالعدول عن الإضراب، الذي انفض في يومه الرابع بعد طرح “مشروع مصطفى العسال” على جدول البرلمان، لكن الدورة البرلمانية انتهت، واستقالت حكومة محمد محمود، دون اتخاذ أي قرار.

مالت التحركات العمالية إلى الهدوء النسبي، كما انتقل أسلوب الإضراب عن الطعام إلى بعض المواقع، وازداد إيقاع الحركة في 1938-1939 لكنها كانت تتسم بالمحلية دون تنسيق أو ترابط، وقد وقع حدث مأسوي في “سكر نجع حمادي” حيث هادنت الشركة حتى نهاية الموسم ثم انقضت على العمال بمساعدة الشرطة.

تتفق الأحزاب القديمة، الوفد والأحرار والاتحاد والوطني، في أن لوائحها تنص على عنايتها بالشأن العمالي، كما أنها، عدا الاتحاد، قامت بمحاولة لتشكيل اتحادات عمالية موالية. لكن علاقتها بالعمال كانت تتسم بالفوقية. أما عن الأحزاب الجديدة، فقد سار حزبي “الشعب” و”العمال” على نهج الأحزاب القديمة، بينما خلت برامج كل من “مصر الفتاة” و”جماعة الإخوان المسلمين” من أي ذكر للعمال، وأثبتت المواقف نفورهما من العمل النقابي، حيث تتبنى فكر شمولي يرفض التحليل الطبقي. أما اليسار، فقد أدت الظروف التي تعرض لها إلى تشتته وعجزه، بينما تحولت بعض الشخصيات اليسارية، غير المنظمة إلى أنشطة أهلية.

منذ العشرينات، كانت هناك اتصالات بين الحزب الاشتراكي والأممية الثالثة، بسبب طبيعة الحركة الشيوعية. أما في الثلاثينات، فكانت هناك اتصالات بين النقابات المصرية والاتحاد الدولي للعمال، فكان هناك قناعة أن الحركة النقابية الأوروبية، خاصة البريطانية، قادرة على التأثير في مجرى الأحداث في مصر.

من 1939 حتى 1952:
في السنوات الأخيرة قبيل الحرب كانت حصة العاملين من الدخل القومي (1937-1938) 31%في صورة مرتبات وأجور، مقابل 36.5% لأصحاب الأموال والمديرين. أدت ظروف الحرب إلى أزمة اقتصادية شديدة على 15مليون من الفقراء من ناحية، وثراء فاحش على الرأسماليين، الأجانب والمتمصرين والمصريين، الذين سيطروا على الأراضي والعقارات والأسهم والسندات والأرصدة، والذين لم يتعدوا نصف المليون شخص. لكن الحرب خلقت فرصة لنمو رأس المال الصناعي من 86: 106 مليون جنيه، بنسبة 38%، وزادت حصتها في الناتج القومي من 8: 12%، حيث انقطعت الواردات، عن المنطقة بأكملها، ولسد احتياجات عشرات الآلاف من جنود الحلفاء، كما التحق 300 ألف عامل بالورش والمصانع الحربية البريطانية. وبدأت الطبقة العاملة في التركز في وحدات صناعية كبيرة، كما ظهرت مناطق سكنية عمالية تضم الآلاف، مما زاد من ثقلهم كطبقة اجتماعية، ودعم النشاط النقابي، مما يعني تخلص الطبقة العاملة من وصاية الأحزاب البرجوازية، علاوة على إيفاد بعض الشركات لبعض البعثات العمالية. كما أن إلغاء الامتيازات الأجنبية، وفق معاهدة 1936، حيّد القضية الوطنية، التي كانت تؤدي، أحيانا إلى الالتباس والتداخل، في القضايا الاجتماعية. فاشد الاحتجاجات العمالية عنفًا، في الفترة من نهاية الحرب، وحتى ثور يوليو، كانت في المصانع التابعة لبنك مصر، وهو ما ينبي باكتمال الانفصال بين الطبقة العاملة والرأسمالية.

شرعت حكومة النحاس، في 1942، في بعض الإصلاحات، للتخفيف من وقع طريقة وصولها للوزارة، بأوامر بريطانية، فصدرت قوانين التأمين الإجباري ضد حوادث العمل، وتحديد ساعات العمل والأجور، وإن لم تشمل جميع العمال، خاصة الزراعيين، وسمحت بنودها بفرصة كبيرة لتلاعب أصحاب العمل، لكن الأهم هو الاعتراف بالنقابات، حتى وصل عدد النقابات إلى 210 نقابة، تضم 106 ألف عضو. ولكن علينا أن نأخذ في الاعتبار أن الاعتراف بالنقابات قد صدر قبل قرار الوفد، بحكم المحكمة الدستورية بالاعتراف بنقابة العاملين في ترام القاهرة، كما أن قرار الحكومة جعل النقابات تعمل تحت درجة من سيطرتها، وحظر عليها الاشتغال بالسياسة، بل ومنعها من تكوين اتحادات نقابية عامة. ولكن الوفد نفسه حاول إنشاء اتحاد عام، أطلق عليه اسم “رابطة نقابات عمال القاهرة وضواحيها”، واقتُرح تولية فؤاد سراج الدين، الذي لم يستنكف أن يظهر اتجاهاته الإقطاعية الفجة، في مطالبته للعمال بـ”الانخراط في العمل دون إثارة المشاكل”، لكن المحاولة الوفدية انتهت بإقالة الحكومة. ومن مظاهر استقلالية الطبقة العاملة، ترشيح فضالي عبد الجواد، رئيس نقابة عمال النسيج بشبرا الخيمة، لعضوية البرلمان، مستقلاً عن الأحزاب، وقد جرت محاولة من الحكومة أن تستقطبه للحزب السعدي، فلما رفض، عملت على إسقاطه.

وكان نزوح الفلاحين المعدمين إلى المدن سببا في انخفاض الأجور، حسب قانون السوق، ومع انتهاء الحرب تفاقمت مشكلة البطالة والغلاء، الذي بلغ ما يقرب من 300% خلال سنوات الحرب. فقد توقفت كل الصناعات المتصلة بالحرب، كما لم تكن الحكومة جدية في مشروع شراء المصانع البريطانية.

قام العمال في 9 ديسمبر 1944 بتأسيس اتحاد عام لنقاباتهم، أطلقوا عليه “مؤتمر عمال الشركات والمؤسسات الأهلية”، وذلك بعد إعلان كادر عمال الحكومة في نوفمبر من العام نفسه، وقد حضر المؤتمر ستون مندوبًا عن ثلاثين نقابة، وانتهوا إلى تقديم مذكرة للحكومة والقصر بتطبيق الكادر الجديد على جميع العمال في البلاد، وقد وصل عدد المنضمين في القاهرة وحدها 15 ألفا، من 25 نقابة، علاوة على 70 نقابة من الأقاليم.

في 20 ديسمبر 1946، طالبت حكومة النقراشي بريطانيا إعادة النظر في معاهدة 1936، لكن بريطانيا رفضت، فخرج الطلبة في 9 فبراير، وقمع البوليس مظاهرات الطلبة، ومظاهرات الأقاليم، ثم اضطرت وزارة النقراشي للاستقالة وتولى إسماعيل صدقي، الذي سمح بخروج المظاهرات، مع الاحتياطات الأمنية. اتصل الطلبة بالعمال، وتم تشكيل اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، وكان “مؤتمر عمال الشركات..”عضوا باللجنة، وتحدد يوم 21 فبراير، للإضراب العام باعتباره يوم الجلاء. أصد “المؤتمر” بيانا يهاجم “الإخوان” لقيامهم بتأليف لجنة الطلبة والعمال، بل وقيام أعضاءها بالاعتداء على عمال شبرا الخيمة. رفع اشتراك “المؤتمر” في نضالات 1946 من أسهمه، وطموحاته، لتمثيل كافة نقابات العمال، فخرج بلائحة جديدة، نصت مادتها الثامنة على تنظيم العاملات في رابطات، وكان الهدف منها الدفاع عن حق العاملات في المساواة التامة، وأنهن والعمال في كفة واحدة أمام عدو واحد، فتعمل الرابطة على تخليص المرأة من استغلال أصحاب الأعمال، وكذلك من استغلال الرجل. وهي المحاولة الأولى لتنظيم العاملات، بعد محاولة “اتحاد وادي النيل” الموالي للوفد في 1924، حيث خصصت جريدته صفحة للمرأة، ولاسيما بعد مشاركتها في ثورة1919، لكن ذلك لم يسفر عن خطوات عملية.

نتيجة لتردي أوضاع العمال، والمثال الأبرز في مصانع نسيج شبرا الخيمة، الذي تعاملت معه الحكومة بوحشية، كما شنت “الإخوان” حملة ضد العمال، وقد تكرر المشهد في نسيج الإسكندرية. وقد أعلن المؤتمر، الذي بدأ يعاني من مضايقات الشرطة، مطالب العمال، في أول مايو، ولم تحرك الحكومة ساكنًا، حتى دنا موعد الإضراب العام، 5 يونيو، فحاولت حكومة صدقي المماطلة لتأجيله، كما استطاعت شق الصف العمالي، بانسحاب عمال النقل، وفي11يوليو تم القبض على زعماء “المؤتمر” في إطار حملة عارمة شملت كل المعارضين لاتفاقية صدقي-بيفن.

كان للشيوعيين دورا هاما في تأسيس “المؤتمر” وقيادة نشاطه، عن طريق سعي العمال الشيوعيين للوصول إلى مناصب القيادة، أو جذب القيادات النقابية للمنظمات الشيوعية، ويتضح أثر الشيوعيين في لائحة النظام الأساسي للمؤتمر، وفي شعاره: “يا عمال مصر..اتحدوا”. وهناك من يلوم على “المؤتمر”، معتبرًا أنه اشتط في مطالبه الوطنية والعمالية، بسبب عدم نضجه سياسيا!

أعقب القضاء على المؤتمر موجة من الإرهاب الموجه للعمال، بالفصل والاعتقال ومصادرة الاجتماعات، لكن بعض الاحتجاجات استطاعت نزع مكاسب من الشركات، مثل الترام، وغزل إسكندرية في1949. وفي1950 أصدر نقابيا شيوعيان كتيبًا، تضمن برنامجًا، أصبح أساسًا لبرنامج “اللجنة التحضيرية للاتحاد العام لنقابات عمال القطر المصري”1951-1952. انضم إليه النقابيون الذين تمرسوا في “المؤتمر”، وقد تناول البرنامج المطالب الاقتصادية والتشريعية للعمال، فيما يتعلق بالأجور وساعات العمل والجزاءات، والفصل، والمكافآت، والمساواة بين الجنسين، والتشكيل النقابي، وصياغة التشريعات. وقد استجابت أكثر من مائة نقابة للجنة التحضيرية، التي أوفدت، أيضًا، مندوبين إلى الاتحاد العالمي للنقابات، وإلى “مؤتمر الاتحاد العام لنقابات العمال في السودان”. وكان من المفترض أن يعقد المؤتمر التأسيسي “للاتحاد العام لنقابات العمال بالقطر المصري”، في 27 يناير 1952، لولا نشوب حريق القاهرة، في 26 يناير، وإعلان الأحكام العرفية، فأصدرت اللجنة بيانا لشجب الحريق والتخريب. وفي مايو من العام نفسه، جرت محاولة إعادة تشكيل اللجنة، وقد نوقش موضوع الاتحاد في مؤتمر العمل الدولي بجنيف، وأخيرا تقرر الإعداد لمؤتمر تأسيسي في 14-16 سبتمبر، لكن سلطات “الثورة” رفضت السماح بانعقاد المؤتمر لدواعي أمنية!.

المراجع:
* أمين عز الدين: تاريخ الطبقة العاملة المصرية، منذ نشأتها حتى سنة 1919، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1966.

* أمين عز الدين: تاريخ الطبقة العاملة المصرية، 1919-1929، دار الشعب، القاهرة، 1970.

* أمين عز الدين: تاريخ الطبقة العاملة المصرية، 1929-1939، دار الشعب، القاهرة، 1972.

* رؤوف عباس: الحركة العمالية في مصر 1899-1952، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2009.

* جويل بنين، زكاري لوكمان: العمال والحركة السياسية في مصر، الجزء الأول، ترجمة أحمد صادق سعد، مركز البحوث العربية، ط1، القاهرة، 1992.

* جويل بنين، زكاري لوكمان: العمال والحركة السياسية في مصر، الجزء الثاني، ترجمة إيمان حمدي، وعصمت صلاح الدين، مركز البحوث العربية، ودار الخدمات النقابية، ط1، القاهرة، 1996.

* محمد السعيد إدريس: حزب الوفد والطبقة العاملة المصرية 1924-1952، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1989.

* أحمد صلاح الملا: الطبقة العاملة المصرية والحياة السياسية 1945-1952، دار زويل للنشر، ط1، القاهرة، 2000.

         

التعليقات