بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المحلة: إضراب جديد ومطالب قديمة وآفاق تفتح

 مكافأة الأرباح السنوية والحد الأدنى للأجور والرعاية الصحية والمواصلات وتطهير الشركة ممن تسببوا في خسائرها. هل هي مصادفة أن تكون مطالب عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة في يوليو 2012 هي نفسها مطالبهم في 2006 و2007 و2008. نفس المطالب بعد تغير أربع حكومات والإطاحة بمبارك نفسه الذي تحطمت صوره في مدينة المحلة قبل سقوطه بثلاثة سنوات.

لا يكاد يمر أسبوع دون عدد من الإضرابات العمالية على مدار السنوات الست الماضية. بل إن يوم واحدا قد يشهد عددا من الإضرابات العمالية في عدة مواقع عمالية. ولكن إعلان الإضراب في شركة غزل المحلة أهم من مجرد خبر إضراب جديد.

لقد كان كل إضراب أو احتجاج لعمال شركة غزل المحلة على مدار السنوات الستة الماضية نقطة تحول في الحركة العمالية. وكان أول تلك الإضرابات إضراب ديسمبر 2006 والذي جاء عقب فترة ركود طويلة نسبيا في الحركة العمالية. فقد كان آخر إضراب عمالي ضخم قبل هذا التاريخ هو إضراب عمال شركة غزل كفر الدوار في سبتمبر 1994 والذي واجهته قوات الأمن بعنف شديد وفضته بالقوة وسقط فيه ثلاثة من أهالي كفر الدوار برصاص الأمن. وقد كانت تلك هي الطريقة التي تعامل بها الأمن عادة مع الإضرابات العمالية في مصر. وكانت هذه هي نقطة التحول التي أحدثها إضراب المحلة في ديسمبر 2006. فقد استمر الإضراب لثلاثة أيام واضطرت الحكومة إلى التفاوض مع العمال وتنفيذ مطالبهم التي تلخصت في صرف مكافأة سنوية بواقع أجر شهرين تحت بند الأرباح. بعد هذا الإضراب أصبح التفاوض مع العمال المضربين وتنفيذ مطالبهم أو جزء منها أو حتى التعهد بتنفيذها هو القاعدة في تعامل الدولة ورجال الأعمال مع الإضرابات العمالية. هذه القاعدة الجديدة حفزت أكبر موجة من الإضرابات العمالية شهدتها مصر على مدار أكثر من نصف قرن. وبحسب إحصاء لاتحاد عمال الصناعة الأمريكي شهدت الفترة من 2005 حتى 2009 دخول أكثر من مليوني عامل في إضرابات وهو المعدل الذي تزايد بشكل ملحوظ في السنوات التالية على هذا الإحصاء.

خبرات نضال طويل

افتتح عمال غزل المحلة مرحلة جديدة في النضال العمالي في مصر بإضراب 2006 لم تتميز فقط بحجم الإضرابات وعدد العمال المضربين، ولكنها تميزت أيضا بطول فترة الإضرابات فعدم استخدام القمع والاتجاه للتفاوض جعل فترة الإضراب أطول مما أظهر إمكانية لظهور حركات تضامن مع الإضرابات. والأهم أظهر ضرورة وجود تنظيم عمال. خاصة بعد تخلي النقابة الرسمية التابعة للدولة عن إضراب العمال ووقوفها إلى جانب الإدارة ومحاولة العمال سحب الثقة منها وإقالتها دون جدوى لحماية البيروقراطية النقابية لها.

وكانت تلك بالذات نقطة التحول التالية؛ فالإضراب التالي لعمال غزل المحلة كان في سبتمبر 2007 وكان في شهر رمضان. واستمر لمدة أسبوع كامل للمطالبة بتحسين الأجور وأوضاع العمل وإقالة الإدارة الفاسدة للشركة المملوكة للدولة. على مدار هذا الأسبوع ظهرت أهمية التنظيم داخل الإضراب، خاصة بعد طرد أعضاء النقابة الرسمية من الشركة. فكان لابد من وجود لجان عمالية لحماية المنشآت والمعدات حتى لا تقع أي مؤامرات للتخريب وإدانة العمال من خلالها. كذلك كان لابد من وجود لجان للإعاشة لتنظيم الإفطار والسحور ولجان لحشد العمال وحثهم على البقاء في الشركة للحفاظ على قوة الإضراب. وبالطبع وجود لجان للتفاوض وتجديد المطالب بالتشاور مع العمال. كل هذا كان يتم بتلقائية وعفوية ودون خطط مسبقة. ولكن آليات التنظيم الذاتي تلك هي ما جعلت بناء تنظيمات نقابية مستقلة عن الدولة وهيمنتها أمرا ممكنا في المرحلة التالية من الحركة العمالية.

إن عمال المحلة الذين بدأوا المراحل الأولى للتنظيم العمالي في إضراب سبتمبر 2007 لم ينجزوا بناء النقابة المستقلة لهم، ولكن خبرتهم في التنظيم بالذات هي ما استفاد منها آخرون لبناء نقابات مستقلة صارت فيما بعد علامة في الحركة العمالية المصرية. فأول ما قام به موظفوا الضرائب العقارية في إضرابهم الذي أعقب إضراب غزل المحلة عام 2007 هو تأسيس لجنة لقيادة الإضراب منتخبة من المحافظات المختلفة وممثل فيها جميع المضربون بشكل ديموقراطي، وأوكل لتلك اللجنة تنظيم الإضراب وإجراء المفاوضات واتخاذ القرارات بعد التشاور مع المضربين. وبعد النهاية الناجحة للإضراب وفي نهاية ديسمبر 2007 اجتمع العمال ليقرروا مصير لجنة قيادة الإضراب، وكان القرار هو تحويلها لنقابة مستقلة والانسحاب بشكل جماعي من النقابة الرسمية الموالية للدولة. هكذا انطلقت حركة النقابات المستقلة في مصر والتي اتسعت اليوم لتشمل أكثر من مائتي نقابة وكان لخبرة عمال غزل المحلة تأثيرا حاسما في بدايتها.

الخطوة التالية لعمال المحلة كانت قفزة حقيقية. لقد كانت مطالب الإضرابات والاحتجاجات العمالية قاصرة على المطالب المباشرة الخاصة بعمال شركة أو مصنع أو موقع عمالي بعينه. ولم تظهر إضرابات أو احتجاجات ترفع مطالب عامة تشمل أوضاع العمال ككل أو حتى صناعة أو قطاع عمالي. وهذا هو التحول الذي صنعه عمال غزل المحلة؛ ففي السابع عشر من فبراير 2008 خرجت مظاهرة ضخمة من عمال غزل المحلة ضمت أكثر من عشرة ألاف عامل لرفع مطلب واحد فقط وهو الحد الأدنى للأجور لكل عمال مصر. وطالب العمال بأن يكون هذا الحد الأدنى 1200 جنيه شهريا. وكانت حساباتهم بسيطة ومقنعة. فقد اعتمد العمال في تحديد الحد الأدنى للأجر على خط الفقر الأعلى المقرر دوليا وهو دولارين في اليوم. واعتبروا أن الحد الأدنى هو ما يكفي أسرة مكونة من أربعة أفراد عند خط الفقر الأعلى وبسعر صرف الدولار ساعتها كانت تساوي 1200 جنيه. وكانت المناسبة لهذه المظاهرة هي الإعلان عن انعقاد المجلس القومي للأجور المنوط بها مناقشة قضية الحد الأدنى للأجور وتحديده. المطلب الذي رفعه عمال غزل المحلة في مظاهرتهم تحول إلى الشعار الناظم للحركة العمالية في أغلب الإضرابات سواء في القطاع العام أو الخاص أو الحكومة. وأصبح من المعتاد أن يرفع عمال النقل العام مطالبهم الخاصة بهم إلى جانب المطالبة بالحد الأدنى للأجور لكل عمال مصر.

ولكن المفارقة الحقيقية في مسيرة نضال عمال المحلة أن أهم إضراباتهم على الإطلاق وأكثرها تأثيرا في كل مصر هو الإضراب الذي لم يحدث. وهو إضراب السادس من أبريل 2008. الصعود المتتالي للحركة العمالية في تلك الفترة والانتصارات التي كانت تحققها الإضرابات لفتت انتباه القوى السياسية المختلفة لأهمية وتأثير الحركة العمالية. خاصة مع تراجع حركة الإصلاح الديموقراطي عقب تعديلات الدستور وانتخابات الرئاسة في عام 2005. لذا تلقفت الحركات السياسية في مصر إعلان عمال المحلة عن نيتهم الإضراب في السادس من أبريل 2008 لتعلنه موعدا للإضراب العام في مصر. حتى أن حركة شباب 6 أبريل التي أصبحت ذائعة الصيت فيما بعد بدأت كجروب على "الفيس بوك" للدعوة لتأييد الإضراب العام في الموعد الذي قرره عمال المحلة.

بذلت كافة أجهزة الدولة جهودا خارقة لمنع عمال المحلة من الإضراب وبكل السبل. وفي صباح يوم الإضراب نفسه تواجدت أعداد كثيفة من الأمن داخل الشركة لمنع أي تجمع عمالي ولو لعدد محدود ولاصطحاب العمال من البوابات حتى أماكن عملهم. وبالفعل نجحت أجهزة الدولة في إجهاض الإضراب عبر استعدادات أمنية غير مسبوقة. ولكن المفاجأة أن انتفاضة شعبية انفجرت في مدينة المحلة نفسها، وللمرة الأولى حطمت المظاهرات الغاضبة صور مبارك المعلقة في الشوارع والميادين بالمدينة. كانت المواجهات الأكبر والأعتف بين قوات الأمن والمظاهرات الشعبية قبل ثورة يناير. ورغم القمع الوحشي لم تهدأ المظاهرات حتى توجه رئيس مجلس الوزراء أحمد نظيف للمدينة في صحبة وفد وزاري كبير وتعهد بطرح سلع مدعومة في المدينة وضخ استثمارت في شركة غزل المحلة وعدد من التعهدات لامتصاص الغضب الذي اعتبره الكثيرون فيما بعد الإشارة الأولى للثورة التي ستنفجر بعد ثلاث سنوات على نطاق أوسع وتجبر مبارك على ترك السلطة.

هكذا لعبت إضرابات المحلة دور المرشد والموجه للحركة العمالية في مصر على مدار السنوات الست الماضية. وربما بروز دور العاملات في إضراب المحلة في ديسمبر 2006 عندما بدأت العاملات بالإضراب ورددن الشعار الذي اشتهر فيما بعد "الرجالة فين السات اهم" هو ما أثر فيما بعد في بروز دور العاملات في العديد من الاحتجاجات والإضرابات العمالية وغير العمالية. فقد كان مبيت العاملات في إضرابات غزل المحلة في الشركة تحديا حقيقا للميراث الرجعي الذي يحرم المرأة من حقها في النضال بكافة الصور وهو التحدي الذي ظهر في ثورة يناير على نطاق أوسع وأكثر جذرية.

إضراب المحلة: علامة على الطريق

واليوم بعيدا عن لعبة اقتسام السلطة بين المجلس العسكري والقوى الإسلامية وصراع المقاعد وجني ثمار الثورة بين الأحزاب والنخب السياسية، يعلن عمال غزل المحلة إضرابا جديدا يذكرون به بالدور الذي لعبوه من قبل وجعل الثورة ممكنة. ويذكرون أيضا عندما يطالبون بتحسين أوضاعهم وصرف مستحقاتهم وإقالة القيادات الفاسدة وضخ استثمارات في شركتهم أن ثمار الثورة التي تتسارع الأيدي لقطفها لم تصل بعد لمن زرعوها وأنضجوها. فقد كان للإضرابات العمالية خلال ثورة يناير دورا حاسما في الإطاحة بمبارك خاصة في الأيام الأخيرة عندما انتشرت الإضرابات في كل مكان في مصر. وأعلن العديد من العمال احتلال الشركات حتى رحيل النظام منها مثلا عمال شركة السويس للأسمدة والسويس للصلب والجامعة العمالية وعمال النقل العام وغيرهم.

ولكن عقب الإطاحة بمبارك مباشرة صدر قانون بتجريم الإضراب وشنت وسائل الإعلام الرسمية والمستقلة هجوما شرسا ضد الحركة العمالية واتهم العمال بتعطيل عجلة الإنتاج وصاغت الصحف مصطلحا جديدا وهو "الاحتجاجات الفئوية" معتبرة أن العمال يطالبون في احتجاجاتهم بمطالب تخص فئات محدودة. رغم أن أغلب الإضرابات العمالية كانت تطالب إلى جانب حقوقها المشروعة في الأجر العادل والتثبيت في العمل بمحاسبة الفاسدين وتشغيل الشركات المتوقفة وحماية المال العام. في الوقت نفسه التي كانت تغير فيه أغلب القوى السياسية والأحزاب تحالفاتها واتفاقتها وفق تغير المصالح وموازين القوى في انتهازية لم ينجو منها الكثيرون.

قد يرى البعض في إضراب غزل المحلة الذي بدأ الأحد 15 يوليو مجرد أحد الإضرابات التي لا تتوقف يوما واحدا في مصر. ولكن من يطالع التأثير الذي أحرزته إضرابات المحلة سيرى أن نقطة تحول جديدة قابلة للتحقق بعد هذا الإضراب. ليس فقط على مستوى الحركة العمالية، ولكن أيضا على مستوى الثورة التي يصر البعض على اختصار أهدافها في تقسيم مقاعد البرلمان والرئاسة والجمعية التأسيسية. بينما لا تزال جماهير العمال والكادحين التي كانت جيشا ووقودا لهذه الثورة تبحث عن "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية" وربما كان إضراب غزل المحلة هو أحد أهم العلامات التي تدلهم على الطريق الذي يتوجب السير فيه.

التعليقات