بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المناضل أحمد شرف.. وداعاً محامي الفقراء

فى 16 نوفمبر الماضي ودع عالمنا المناضل الاشتراكي ومحامي العمال والفقراء الأستاذ أحمد شرف الدين، لتنطفئ شمعة أخري كانت تساهم بكل ما لديها من قوة فى تبديد عتمة الاستبداد والاستغلال والقهر التى نعيشها.

أحمد شرف ابن أحد المناطق الشعبية الموجودة في كل أحزمة الفقر في مصر، عزبة أولاد علام بمنطقة الدقي بالقاهرة، والتي هي بالأساس حكر يعيشه مهمشون عبارة عن صعايدة مصر، ممن أتوا من محافظة سوهاج في أواخر الستينات وأوائل السبعينات. كان أحمد هو بطل هذا المكان في الذاكرة الجماعية لأهالي عزبة أولاد علام، فلم يكن مجرد محامي البسطاء والفقراء، ولكنه كان أيضاً المناضل الذي وقف في مواجهة أجهزة الدولة عندما كانت تحاول استعادة أراضي الحكر. ويتذكر أصدقاء شرف كيف تضامن أهالي العزبة جميعاً لتهريب أحمد عندما كانت جحافل أمن الدولة تأتي للقبض عليه، حيث قاموا بتهريبه عن طريق سلم من البيوت الفقيرة لكي يصل إلي شارع وزارة الزراعة، وبهذا الشكل تفشل مهمة القبض علي أحمد شرف.

عمل أحمد شرف في فصول محو الأمية في داير الناحية وأولاد علام، وهي الفترة التي تعرف فيها علي رفاق جيله، ومنهم كمال خليل، وشاكر عرفة، وحمدي عبد الفتاح، وغيرهم، كما تعرف شرف على الثقافة الثورية وانخرط مع رفاقه فى نضال الحركة الاشتراكية فى السبعينات. وكان شرف من هؤلاء الذين انتقدوا بشدة في هذه الفترة مفهوم تطبيق عربي للاشتراكية، وظهر ذلك جلياً فى كتاباته بمجلة الطليعة اليسارية التى صدرت فى السبعينات وغيرها من الكتابات التى كانت تنضح بثورية ناضجة.

لم تبد ثورية أحمد شرف في كتاباته فقط وإنما أيضاً فى نضاله العملي. فقد كان أحمد أحد قادة الحركة الطلابية بجامعة القاهرة في مطلع شبابه بالسبعينات، وأحد مؤسسي أسرة الفجر الجديد في كلية الحقوق، ورفيق نضال في حلقة الشروق، والتي كانت البدايات الأولي لحركة السبعينات، مثلها مثل حلقة الاستمرار التي أصبحت بعد ذلك تنظيم 8 يناير. و بعد عمر تنظيمي قصير أصبح في مركز قيادي لتنظيم من تنظيمات الحركة الثالثة، وهو التنظيم الشيوعي المصري المسمي 8 يناير، الذي كان يطرح قطيعة من الأفكار التصفوية للحركة القديمة، وأفكار الحل، والالتحاق بما يسمي بالحركة الاشتراكية العربية، حيث كانت مجموعة الاستمرار ممن رفضوا تصفية وحل الحزب الشيوعي داخل المعتقل. وقد كان أحمد يمثل ظاهرة بها قدر من التجاوز الذي يسمح له بطرح سجال نظري جدلي هدفه نضالي بحت، مما دفعه لانتقاد الديمقراطية داخل تنظيمات الحركة الثالثة.

فقد كان أحمد شرف، كما يقول رفاق نضاله، يتسم بعقل جدلي وقدرة فائقة علي تحليل الواقع والتعاطي مع المتغيرات الجديدة التي تطرأ عليه. لذا فرغم كل الإنهيارات التي حدثت للتنظيمات الشيوعية فى التسعينات كان شرف يمتلك رؤية وتحليل لطبيعة الأخطاء، رغم أنه كان جزء منها فى يوم من الأيام. وقد تختلف أو تتفق مع رؤيته وتحليله لهذا الانهيار، لكنك لا تملك فى نهاية المطاف إلا أن تقف إحتراماً لصلابة هذا المناضل الذي رغم كل ذلك ظل مؤمنا بالاشتراكية كنظام اجتماعي انساني. ولم يتوقف الأمر عند الإيمان بالفكرة فقط، ولكن أيضاً استمرار النضال من أجل تحقيقها، الأمر الذي بدا واضحاً فى اشتراكه مع رفاق دربه فى تأسيس مركز العدالة كمنبر نضالي اشتراكي اعتباراً من سنة 1998.

هذا وقد كان أحمد شرف ممن حملوا علي أكتافهم هموم وقضايا العمال والفلاحين. فقد كان ممن بنوا اللجنة القومية للدفاع عن حقوق العمال، لأنه لم يكتف بدوره كمحامي للعمال يتطوع للدفاع عنهم. كذلك ساهم شرف بشكل أساسي في إعداد المشروع البديل لقانون العمل الموحد، والذي كان المعركة الأساسية للجنة القومية. ورغم أن النضال ضد هذا القانون لم يستطع إيقاف صدوره، لكنه استطاع أن يعطله لسنوات طوال. كما أن هذا النضال ساهم في التعديل في بعض مواد هذا القانون الكارثي علي العمال. ولأن أحمد شرف كان مؤمناً بأن الدفاع عن حقوق العمال يجب أن يبدأ من العمال أنفسهم، فقدكان يقوم بدوره كمناضل يذهب للعمال في مواقعهم لكي يناقشهم في القانون الكارثة، ويحثهم على مواجهته. كذلك ساهم شرف في بناء كل من اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية، وحركة عمال من أجل التغيير.

هذا وقد كان للفلاحين نصيب كبير من نضاله في قضاياهم ضد عودة الإقطاع، وسلب أراضي الفلاحين، بعد القانون 96 لسنة 92. ففي بهوت ودكرنس شارك الفلاحين نضالهم سواء السياسي أو القانوني، كما كان أحد المحامين الأساسيين المتطوعين للوقوف مع فلاحي سراندو ضد بطش وتحالف أجهزة الدولة الممثلة في قسم شرطة دمنهور، والإقطاعي صلاح نوار. وقد شهد أحمد شرف براءة أول مجموعة من الفلاحين لفقت لهم التهم، ولكنه رحل قبل أن يحصل باقي فلاحي سراندوا علي براءتهم، ولا حقوقهم في أرضهم.

لقد غاب أحمد شرف بجسده عن حياتنا، لكنه سيظل بيننا بقيمته ونضاله وسنتذكره دائماً فى كل معركة نضالية ونتعلم من روحه ومواقفه المناضلة… وداعاً أحمد شرف.

   

التعليقات