بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النقابة المستقلة.. من الضرائب العقارية إلى كل مصر

الحديث حول استقلال النقابات العمالية عن الدولة وتحريرها من هيمنة البيروقراطية النقابية الجاثمة على صدور العمال منذ عام 1957 (عام تأسيس اتحاد نقابات عمال مصر). يقدم اتحاد العمال نفسه، وقد دارت حولها مناقشات استقلال النقابات في أغلب الأحوال حول قضيتي التعددية والمركزية النقابية ومحاولة موظفي الضرائب العقارية اليوم بناء نقابة مستقلة تضع قضية استقلال النقابات العمالية على أرضية مختلفة تماما عن النقاشات التي دارت طوال الوقت.

فحركة الاستقلال النقابي التي يقودها مناضلوا الضرائب العقارية اليوم تنطلق من أرضية نضالهم الطويل الذي انتهى باعتصام الأيام العشرة أمام مجلس الوزراء منتهيا بأكبر مكاسب حققها إضراب على الإطلاق والتي تمثلت بزيادة أجور الموظفين 325% دفعة واحدة نتيجة لمساواتهم بمصلحة الضرائب المالية. هذا النصر الكبير في حد ذاته يخلق ثقة غير محدودة لدى الموظفين في نضالهم ويدعمهم في الانتقال بالحركة من المكاسب الاقتصادية إلى الحرية النقابية، وأهم ما يميز حركة الاستقلال النقابي في الضرائب العقارية أنها تلت ممارسة نقابية على أعلى مستوى، ففي الوقت الذي وقف فيه التنظيم النقابي الرسمي بكل مستوياته ضد نضال الموظفين، تشكلت بين الموظفين « اللجنة العليا لقيادة الإضراب»، والتي مثلت بشكل ديمقراطي كل المحافظات وقامت بكل الأدورا النقابية الحقيقية من تنظيم الإضراب وصياغة المطالب والتفاوض عليها والإعاشة أثناء الاعتصام والتزمت بمرجعية قواعد الموظفين دائما ومن أول لحظة حتى انتهاء الاعتصام، لقد انطلقت فكرة التنظيم النقابي المستقل من أرضية ممارسة نقابية حقيقية في مواجهة تواطؤ التنظيم النقابي الرسمي ضد مصالح الموظفين وحركتهم وهو ما يجعل النقابة المستقلة للضرائب العقارية فكرة غاية في الواقعية.

وانطلاق محاولة بناء النقابة المستقلة من الضرائب العقارية، أي من بين العاملين بالحكومة، يحمل في حد ذاته دلالة خاصة جدا. فتبعية التنظيم النقابي للدولة يهدر بشكل عام استقلال النقابات ولكن في حالة تبعية النقابات التي تمثل الموظفين بالدولة التي تعتبر هي نفسها «صاحب العمل» بالنسبة للموظفين يعد وضعا مشوها للغاية. ممثل العمال يتحول إلى ممثل لصاحب العمل، وتتحول البيروقراطية النقابية إلى فراغ نقابي حقيقي، ينتظر من يقوم بسده، ولا أقدر على ذلك من الذين قاموا بالفعل بالنضال من أجل المصالح الجماعية للموظفين وشكلوا أقوى نقابة عرفتها مصر طوال النصف قرن الماضي وإن لم تتخذ بعد شكلها التنظيمي.

إن الطريق أمام موظفي الضرائب العقارية ليس سهلا، حتى مع ما يعاني منه التنظيم النقابي الرسمي من تداعي وتآكل وغرقه في الصراعات تجعله في أضعف لحظاته ومع تدهور سمعته على المستوى الدولي، فانتزاع التنظيم النقابي المستقل أمر لن يتم التعامل معه بتسامح لا من جانب التنظيم النقابي الرسمي ولا من جانب الدولة، والمعركة لا زالت في بدايتها وتحتاج إلى أقصى تعبئة مكثفة بين موظفي الضرائب العقارية وتدعيمها بالمزيد من المحاولات في الأوساط العمالية وخلق البيئة التضامنية معها على المستوى المحلي والعالمي، والأهم ربط معركة بناء النقابة المستقلة بالمطالب المباشرة والمصالح الجماعية للموظفين.

إن الجسارة والبطولة التي خاض بها الموظفون معركتهم وانتصروا فيها هي أكثر ما يبعث على الأمل في أن معركة انتزاع التنظيم النقابي المستقل هي الخطوة الأولى في طي نصف قرن من مصادرة النقابات العمالية وتبعيتها للدولة، خطوة تفتح طريق طويل أمام الطبقة العاملة المصرية من أجل الوعي بذاتها كقائد للمجتمع في مسيرة تغير طويلة.

   

التعليقات