بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النقابات المستقلة.. الفرص والتحديات

2012_04_30_-المستقلة-للعاملين-بالبريد-المصري

إن واحدة من أهم السمات المميزة للحركة العمالية في مصر منذ بدء الثورة هي قدرة العمال على تنظيم أنفسهم في المصانع ومواقع العمل في الكثير من الأشكال التنظيمية التي يجد العمال حاجة ماسة لها لضبط صفوفهم أثناء النضال.

فخلال أكثر من 1300 احتجاج عمالي في 2011 ومئات أخرى في الربع الأول من 2012، أنشأ حوالي مليوني عامل نقاباتهم المستقلة التي تجاوز عددها اليوم الـ 250 نقابة من قلب النضال من أجل مطالبهم الاقتصادية المباشرة، وللدفاع عن حقوقهم. ولا شك أن هذه النقابات تعبر عن مصالح العمال، فقط بالقدر الذي تظل به نقابات ديمقراطية وذات مشاركة عمالية أوسع في اتخاذ كافة القرارات، وأيضاً بالقدر الذي تبتعد به عن هيمنة وسطوة الدولة.

مصاعب وتحديات

إلا أن موجة إنشاء النقابات العمالية المستقلة في مصر تواجه العديد من الأخطار والتحديات التي تضع الكثير من الاحتمالات بشأن مستقبل العمل النقابي برمته.

أولاً، هناك القمع المباشر للاحتجاجات العمالية بشكل عام من جانب المجلس العسكري، والحصار والتضييقات التي يفرضها رجال الأعمال. وبالطبع يصير من الأسهل لهؤلاء مواجهة عمالاً مبعثري الصفوف في مواقع العمل المختلفة، عن مواجهتهم في أشكال تنظيمية موحدة ومتماسكة. وهكذا يشن أصحاب الأعمال هجوماً مستعراً على العمال، ليس فقط أثناء النضال، لكن أيضاً على نقاباتهم المستقلة سواء بعد إنشائها أو حتى أثناء إنشائها وأداً لها.

وبالتأكيد يتفاوت ذلك الهجوم من قطاع إلى آخر في الطبقة العاملة؛ ففي المناطق الصناعية الجديدة على سبيل المثال، يسهل التنكيل بالعمال الذين يعملون بمئات الآلاف بعقود مؤقتة مهددين بالفصل والتشريد في حالة اعتزامهم إنشاء نقابة مستقلة تقوي شوكتهم في مواجهة أصحاب العمل.

وعلاوة على التضييقات الأمنية، هناك تحدي آخر لا يقل خطورة على النقابات العمالية المستقلة الصاعدة، وهو تدخل مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات النقابية الدولية في شئون تلك النقابات. حيث تقدم تلك المؤسسات والمنظمات عروضاً سخية لا تقتصر فقط على الدعم القانوني أو التقني للنقابات المستقلة، بل تمتد إلى الدعم المالي وتقديم دورات تدريبية للقيادات العمالية والنقابية حول طرق التفاوض والالتزام بالقوانين واللوائح، إلخ، مما يؤثر بالسلب على استقلالية تلك النقابات الوليدة وعلى كفاحية أعضائها.

ذلك إلى جانب الدور الذي تلعبه هذه المؤسسات سواء لوضع النقابات المستقلة في حدود بيروقراطية ضيقة، أو لدفعها يميناً وتفريغها من محتواها النضالي. ولعل آخر مثال على ذلك هو الدعوة التي أطلقتها منظمة العمل الدولية في مصر “لوقف الإضرابات لمدة عام كامل حتى يسترد الاقتصاد القومي عافيته مرة أخرى”، وذلك بحسب تصريح رشيد خديم، مدير مشروع الحوار الاجتماعي للمنظمة في مصر، لجريدة الأهرام – 21 أبريل الماضي.

فرص وضرورات

وبالرغم من تحديات القمع ومخاطر البيروقراطية، إلا أن ما يؤهل النقابات المستقلة لتجاوز ذلك هو الاتساع الهائل في رقعة الاحتجاجات العمالية من جهة، ومن جهة أخرى التطور النسبي في مستوى التنسيق بين العمال عبر قطاعات عمالية كاملة، كما شهدنا في إضرابات المعلمين والأطباء، وأيضاً في الإضرابات المتتالية لعمال النقل العام التي استطاع فيها العمال –عبر نقابتهم المستقلة- التنسيق فيما بينهم أثناء خوض الإضراب، وكذلك في إضراب عمال موانئ البحر الأحمر، وغيرها من الإضرابات.

أما الضمانة الأساسية لاستقلال النقابات واستمرارها والتوسع في إنشائها لتشمل كافة قطاعات الطبقة العاملة، فهي ديمقراطية هذه النقابات وكفاحية قياداتها وأعضائها.

لكن هذه الضمانة لا يمكن أن تتحقق بالصدفة، أو أن تطور المعارك العمالية سوف يقود النقابات المستقلة بشكل تلقائي لتجاوز العقبات أمامها، بل يحتاج الأمر نضالاً دؤوباً من كل القوى الثورية، والمؤمنة بدور الطبقة العاملة في التغيير الاجتماعي، في القلب من نضالات العمال التي تفرز هذه النقابات وغيرها من الأشكال التنظيمية الأخرى التي ينظم العمال بها صفوفهم.

كما أن الوضعية الراهنة للنقابات المستقلة، بين فرص الانتعاش والتوسع وبين مخاطر البيروقراطية والقمع، تفرض العديد من الضرورات العملية التي طالما ناضل الاشتراكيون الثوريون في سبيلها.

أولى هذه الضرورات هي توسيع قاعدة المشاركة العمالية في اتخاذ القرارات الخاصة بنقاباتهم، وذلك حتى لا تتحول عضوية النقابات المستقلة من عمال مناضلين على الأرض توّجوا كفاحهم بإنشاء نقابة، إلى مجرد أسماء وأرقام على استمارات عضوية. ومن جانب آخر، توحيد العمال – نقابيين أو غير نقابيين – على مطالبهم المباشرة، سواء كانت هذه المطالب على مستوى القطاع العمالي، أو بشكل أوسع على مستوى الطبقة العاملة ككل مثل مطالب الحد الأدنى والأقصى للأجور.

ثانياً، دفع القيادات النقابية على الدوام لاتخاذ مواقف أكثر جذرية أثناء النضال؛ فإنشاء النقابات ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة وسلاحاً في أيدي العمال في مواجهة أصحاب العمل.

إلا أن النقابات المستقلة، برغم أهميتها في توحيد العمال على مطالبهم الاقتصادية، ليست كافية من أجل إنجاز تغيير جذري وشامل لبناء سلطة اجتماعية جديدة تنحاز – اقتصادياً وسياسياً – للفقراء وليس لرجال الأعمال والشركات الكبرى. وهذا ما يجعل من الضروري أن يتوازى النضال الاقتصادي والنقابي مع النضال السياسي والديمقراطي المباشر، وأن تندمج محاولات توحيد الطبقة العاملة في نقاباتها المستقلة مع السعي لتوحيدها أيضاً سياسياً ضد سلطة العسكر ورأس المال.

التعليقات