بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السياسة.. هل غابت عن مطالب العمال؟

2013_06_20_mhl_-_mbrk_0

النظرة السطحية للحركة العمالية سوف ترى بالتأكيد أن مطالب العمال في الإضرابات والاعتصامات لا تتجاوز المطالب الجزئية المباشرة، مثل الأجور والتثبيت في العمل ومقاومة الفصل وغيرها من المطالب الجزئية والمصنعية. تنتهي هذه النظرة لفهم الحركة العمالية كحركة مظالم يمكن مساندتها أحياناً بالمعنى الخيري للكلمة، ويمكن تجاهلها أحياناً عند الانشغال بالقضايا الكبرى، ويمكن أيضاً رفضها أحياناً واعتبارها “حركات فئوية” ولا مانع أيضاً من الاستعانة بها من وقت لآخر لمساندة بعض القضايا ومطالبتها بتبنيها.

تنطلق هذه النظرة من غياب المعرفة الحقيقية عن الحركة العمالية؛ فمن يتحدثون هكذا لا يرون سوى بعض الاحتجاجات العمالية التي تطالب بزيادة في الأجور أو التثبيت في العمل أو رفض الفصل أو أياً من المطالب العمالية. ويجري تجاهل المطالب بإقالة الفاسدين وتطهير المؤسسات والحق في التنظيم النقابي.

ولكن حتى الإضرابات العمالية الجزئية التي ترفع مطالب محدودة يمكن أن نرى فيها أكثر من هذه المطالب. لنأخذ مثلاً بسيطاً: أضرب عمال شركة غزل المحلة في ديسمبر 2006 للمطالبة بأجر شهرين أرباح سنوية. يبدو المطلب جزئياً جداً ولا علاقة له بالسياسة. انتصر العمال وحصلوا على المطلب، وفي سبتمبر 2007 أضربوا مرة أخرى لتحسين الأجور. لا زال المطلب محدود رغم تطوره قليلاً. وفي فبراير 2008 تظاهر نفس العمال للمطالبة بـ1200 جنيه حد أدنى للأجور. تبدو هنا قفزة هامة عندما يرفع العمال مطلباً يخص كل الطبقة العاملة ويترب من كونه مطلباً سياسياً وليس مجرد مطلب اقتصادي. في السادس من أبريل 2008 تشهد المحلة انتفاضة ضخمة يتم فيها تحطيم صور مبارك في الميادين. الآن يبدو الأمر كحدث سياسي واضح.

ولكن لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فمع تصاعد الحركة العمالية يبدأ العمال في البحث عن تنطيم يمثل حركتهم ويعبر عنها. وعندما يفقدوا الأمل في تغيير التنظيم النقابي الرسمي يبدأون بناء نقابات مستقلة رافعين مطلب الحق في التنظيم وهم ينفذوه بالفعل. هكذا يبدو الأمر كجزء من النضال من أجل الإصلاح الديموقراطي. لم ينته الأمر بعد؛ فمع انفجار الثورة يبدأ عمال الجامعة العمالية ومصانع السويس وبعض المؤسسات الصحفية والمصالح الحكومية وغيرها في إعلان الإضراب والانضمام للثورة. هل تبقى شيء من النضال السياسي؟

لا يمكن فهم تحرك عمالي بشكل صحيح بمجرد معرفة المطلب المرفوع، وإن كان هذا هام بالطبع، ولكن طريقة الحركة تعبر عن المسارات التي يمكن أن تسير فيها. فالمطالب البسيطة التي تحشد العمال وتنظم صفوفهم وتجعلهم يدركون قدرتهم على الضغط وفرض إرادتهم تؤدي بالضرورة لتطور الحركة ومطالبها وتأثيرها في محيطها. والمطالب التي لا تنطلق من واقع الحركة العمالية ولا تراعي مستوى تطورها وتنظيمها لا تجد أصداء لها وسط الحركة. لا يمكن الفصل بسهولة بين المطالب الاقتصادية والمطالب السياسية دون النظر لطبيعة الحركة نفسها ودرجة التعبئة فيها وتنظيمها وإمكانية انتقالها لمستوى أعلى من المطالب والتنظيم والوعي. كذلك لا يمكن فهم الحركة العمالية من خلال معرفة إضراب هنا واعتصام هناك دون معرفة التوجهات العامة لتطور الحركة وظروفها وما تواجهه. إن الإضرابات التي تفجرت في 2006 جاءت بعد انقطاع في الحركة العمالية وكان من البديهي أن تبدأ من مطالب متواضعة. وبعد فترة بدأت في طرح الحد الأدنى للأجور وحق التنظيم ثم أصبحت شريكاً رئيسياً في الثورة.

ولكن هل يعني ذلك الاكتفاء بمراقبة الحركة العمالية وتطورها دون أي تفاعل من جانب القوى الثورية. أبداً، فهناك بكل تأكيد العديد من القوى الرجعية التي تقاوم الحركة العمالية وتحاول لجمها والسيطرة عليها. ودور القوى الثورية ينبغي أن يكون تقديم أقصى درجات الدعم والمساندة للحركة العمالية.

إن أهم سمات الحركة العمالية هو التفاوت الشديد في درجات الوعي والتنظيم بين المواقع العمالية وبعضها البعض، والتفاوت أيضاً من لحظة لأخرى. لقد لعب الثوريون دوراً هاماً في نقل خبرات نضال عمال المحلة إلى حركة الضرائب العقارية، سواء بالإيجاب مثل التنظيم والإدارة المفاوضة، أو بالسلب مثل الفشل في سحب الثقة من النقابة الرسمية. وكان من نتيجة ذلك أن موظفي الضرائب العقارية اتجهوا لبناء نقابة مستقلة بدلاً من سحب الثقة من النقابة الرسمية. ويبقى بناء نقابة مستقلة إنجازاً لموظفي الضرائب العقارية وليس لأي ممن ساندوهم. إن نقل الخبرات بين الحركة العمالية هو أكثر ما يساعد على تطويرها وعدم وقوعها في نفس الأخطاء. كذلك بناء شبكات التنسيق والتضامن بين المواقع العمالية المختلفة وتوحيد المطالب العمالية في مطالب طبقية وطرح هذه المطالب ضمن الفاعليات السياسية الجماهيرية. لا توجد وصفات جاهزة وموحدة لتدخل الثوار في الحركة العمالية ومساندتها ودعم تطورها، والتفاعل الحي والخلاق مع الحركة العمالية هو ما يساعد على إبداع طرق أكثر جدوى للدعم والتضامن. ولعل حملة الطلاب الاشتراكيين على محطات النقل العام لشرح أسباب إضراب عمال النقل للركاب وطلب تأييدهم لم يكن ليحدث سوى بتفاعل ممتد مع حركة عمال النقل.

في النهاية يجب الإشارة إلى أن الفرز المتعالي للحركات المختلفة وتقييمها على أساس تبنيها لمطالب ومقولات النخب السياسية أسلوب لا يساعد أبداً على فهم أي حركة. والتفاعل مع الحركة وفهمها والعمل على تطويرها والتطور معها والتعلم منها ونقل الخبرات إليها هو الطريق لاكتشاف الإمكانيات الكامنة في الحركة وإطلاقها.

التعليقات