بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مرسوم سيطرحه العمال أرضاً

عصام شرف

صدّق مجلس الوزراء في اجتماعه الذي عقد في 23 مارس الجاري، على إصدار مرسوم قانون يقضي بتجريم التجمهر والاعتصام في حال التسبب في تعطيل الأعمال سواء العامة أو الخاصة، بحيث يتضمن القانون توقيع عقوبة الحبس سنة وغرامة تصل إلى نصف مليون جنيه لمن يحرض أو يدعو للاعتصامات.

وبالرغم من نزول عصام شرف إلى ميدان التحرير يوم توليه منصب رئيس الوزراء، في حضور حوالي مليون متظاهر، وبالرغم من تعهداته الدائمة بالحفاظ على مطالب الثورة والقضاء على الفساد، إلا أن إصدار مرسوم القانون الأخير لا يمكن أن يدفعنا بأي حال إلى الاندهاش. فمنذ وصوله إلى منصبه، أخذ عصام شرف يصدع رؤوسنا بتصريحاته العدائية تجاه الاحتجاجات العمالية، وبالاتهامات التي يسددها لها بوصفها “فئوية” وكونها تؤدي إلى تعطيل عجلة الإنتاج وتخريب الاقتصاد المصري الذي يعمل هو وحكومته على بنائه بضخ ملايين الجنيهات في البورصة المصرية لصالح آلاف قليلة من المستثمرين المقامرين، في حين يبخل بالحقوق الاقتصادية على عشرات الملايين من العمال والفقراء في مصر (!!).

أحبار على أوراق لا قيمة لها لا يبدو مرسوم القانون مدهشاً على الإطلاق؛ ففي اجتماع مجلس الوزراء الخميس 10 مارس، وصف شرف الاحتجاجات العمالية بـ”البلطجة”، وإذا أضفنا هذا التصريح إلى رصيده الزاخر بالعداء تجاه الحركة العمالية طوال الثلاثة أسابيع السابقة، سندرك بسهولة أن كل ما حدث هو أن قامت حكومة شرف -بإيعاذ مباشر من المجلس العسكري- بمد الخط على استقامته وترجمة التصريحات العدائية إلى قانون جائر تسانده آلة دعائية جبارة تنشر سمومها في وعي الجماهير لوأد التحركات العمالية التي تستكمل مسيرة الثورة، ولسحب التعاطف الشعبي من حولها.

أما على جانب وسائل الإعلام في الفترة التي أعقبت إسقاط الديكتاتور مبارك وحتى الآن، فقد أثارت جدلاً واسعاً حول موقع الاحتجاجات العمالية –والاجتماعية بشكل عام- من الثورة ومدى صحة توقيتها اليوم بعد رحيل مبارك. لكن مرسوم القانون الذي أصدرته حكومة شرف (دمية المجلس العسكري) يضيف إلى هذا الجدل تساؤلاً جديداً، وهو هل بإمكان الحكومة، من خلال هذا المرسوم، إيقاف الموجة العمالية والاجتماعية الضخمة التي نشهدها في مصر اليوم؟ يمكننا هنا أن نسترشد بتاريخ ثورات الشعوب في العالم للوصول إلى إجابة مثل هذا السؤال، فقد توضح لنا بعض الثورات كيف يمكن أن تسير الأمور خلال الصراع بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة.

نستطيع أن نشير هنا، على سبيل المثال، إلى تجربة الثورة البرتغالية 75-1974. ففي 25 أبريل 1974 قامت قطاعات غاضبة في صفوف الجيش البرتغالي بتنظيم انقلاب عسكري ناجح. وحين استيقظ سكان لشبونة في صباح ذلك اليوم ووجدوا الدبابات تسيطر على الشوارع، انفجروا احتفالاً بالانقلاب وأخذوا يعانقون الجنود ويضعون الورود على أسلحتهم. لكن في صيف 1974، وفي نفس اليوم الذي صدر فيه قانون يمنع ويجرم الإضرابات والمظاهرات، قام خمسة آلاف عامل بتحدي حظر التظاهر وطافوا الشوارع طوال اليوم. وفي فبراير 1975، تظاهر 40 ألف عامل من معظم مصانع مدينة لشبونة في مسيرات حاشدة رافعين الرايات الحمراء اعتراضاً على تزايد نسب البطالة. كما بدأ العمال المأجورين في الريف في مصادرة الأراضي من كبار الملاك.

وهكذا أصبح القانون مجرد حبراً على ورق، مفرغاً تماماً من أي مضمون، حيث كانت حركة عمال البرتغال في ذلك الوقت، ضد الفقر والإغلاق المستمر في المصانع، على قدر هائل من العمق والاتساع أكبر بكثير من قدرة الجيش على إخمادها بالقمع.

لكن لمَ التجول في دهاليز التاريخ في حين تضرب الجماهير المصرية أيضاً أمثلة أكثر قوة وملموسية؟ فمصر زاخرة بالقوانين التي تم سنها لتحجيم النضالات الجماهيرية وتجريدها من أسلحتها. ولعل أبرزها هو القانون رقم 12 لعام 2003، المعروف بقانون العمل الموحد، الذي يفرض شروطاً تعجيزية للإضراب لإجهاض المقاومة العمالية لسياسات الإفقار الرأسمالية.

إلا أن العمال لم يكترثوا بمثل هذا القانون والقيود التي يفرضها على نضالهم، ومنذ إضراب المحلة في ديسمبر 2006، انطلق مئات الآلاف من العمال في موجة من الاحتجاجات الضخمة التي تضرب هذا القانون عرض الحائط. وحتى قبل ذلك؛ ففي عام 2004، خاض العمال 276 احتجاجاً ما بين إضراب واعتصام وتجمهر ووقفة ومظاهرة، وفي 2005 وصل عدد الاحتجاجات العمالية إلى 203 احتجاج ثم 222 في 2006. وقد استطاع العمال أن يفرضوا بذلك حق الإضراب بدون أي شروط. قانون سهل الكسر إذن فالحقوق السياسية –والاقتصادية والاجتماعية- لا تُلغى أو تُصادر بمرسوم أو بجرة قلم لتسطر قانوناً جائراً.

كما أنها على الناحية الأخرى، لا تُمنح أو تُقدم كهبة بجرة قلم أيضاً، وما يمكنه ترجمة مواد الدستور أو القوانين إلى أرض الواقع حيث يتم تنفيذها عملياً، ليس مقدار الحبر الذي سطر به خبراء التشريع قوانينهم على الورق، لكن ما يحدد ذلك هو التوازن حركة الجماهير من ناحية وقدرة السلطة الحاكمة (العسكرية حالياً) على كبح جماح الحركة من الناحية الأخرى. وفي كثير من الحالات تستطيع السلطة تعطيل بعض القوانين التي تسن حقوقاً سياسية ومدنية للمواطنين. فدستور 1971، على سبيل المثال، يحفظ حق التظاهر السلمي لكل مواطن مصري، إلا أن سلطة مبارك كانت تمارس أقسى أشكال القمع والتنكيل بالمتظاهرين والمحتجين، وبالتالي لم يكن للدستور أي معنى أوقيمة. أما عن أحكام القضاء فحدث ولا حرج، فلم يتم تنفيذ القرار الصادر عن المحكمة الإدارية العليا في يناير 2009 وفي أكتوبر 2010، بإلغاء وجود الحرس التابع لوزراة الداخلية في الجامعات المصرية. فضلاً عن عدم تنفيذ حكم القضاء الإداري بإلزام الحكومة بوضع حد أدنى للأجور في مصر.

لكن القوانين والمراسيم التي تسن حقوقاً مشروعة لا تنتقل إلى حقل التنفيذ العملي إلا إذا وقف خلفها ودافع عنها الملايين. وبالمثل فإن تلك التي تصادر حقوقاً مشروعة لا تنتقل هي الأخرى إلى التنفيذ إلا إذا وقف في مواجهتها وتصدى لها الملايين. لم يكن من الممكن، على سبيل المثال، بعد انتصار الثورة الروسية في أكتوبر 1917، تنفيذ مرسوم السلام أو مرسوم الأرض إن لم يقف 4 مليون عامل و100 مليون فلاح روسي ثائر بحزم من أجل إنهاء الحرب ومصادرة الملكية الكبيرة للأرض وتوزيعها.

وفي مصر لم يكن ممكناً تنفيذ الاتقاقيات الدولية الخاصة بالحرية النقابية والحق في التنظيم (وبالأخص الاتفاقيتين 187 و981) التي صدقت عليهم الدولة المصرية، دون أن تناضل قطاعات مهمة في الطبقة العاملة المصرية من أجل الحرية النقابية، مثلما انتزع موظفو الضرائب العقارية (55 ألف موظف) حق التنظيم النقابي بإنشاء أول نقابة مستقلة في مصر منذ نصف قرن في العام 2008. ذلك النموذج الذي يهتدي به اليوم عشرات الآلاف من العمال المصريين، وفي مقدمتهم عمال النقل العام الذين يحتفلون اليوم (24 مارس) بإنشاء نقابتهم المستقلة.

أما الأسابيع والشهور القادمة فهي بالتأكيد كفيلة بأن ترينا أي الكفتين أثقل، كفة حكومة شرف والمجلس العسكري الذين يكشرون عن أنيابهم للجماهير المحتجة، أم كفة الحركة العمالية والاجتماعية التي تندفع كالسيل رغم استمرار القمع والتهديدات، والتي من المتوقع أن تستمر في إنطلاقها واتساعها في ظل الأزمة الاقتصادية للرأسمالية المصرية.

لكن إذا كنا نبحث عن أي دلالة تؤكد على إمكانية مواجهة الجماهير لهذا القانون أو غيره من القوانين الاستثنائية التي قد تستند إليها الحكومة في المستقبل، فلن يجهدنا هذا البحث كثيراً. سنجد الإجابة لدى طلاب جامعة القاهرة البواسل الذين ضربوا لنا المثل في نفس الليلة التي صدر بها المرسوم. فعندما هاجمت الشرطة العسكرية بكل عنف طلاب كلية الإعلام المعتصمين والمضرب بعضهم عن الطعام لإسقاط عميد الكلية، وبالرغم من سقوط عدد كبير من الجرحى في صفوفهم، إلا أنهم صمموا على استكمال اعتصامهم كما تدفق الآلاف من الطلاب من المدينة الجامعية لمساندة زملائهم. صحيح أن تنفيذ القانون قد جاء أسرع كثيراً مما يتخيل البعض حينما هاجمت الشرطة العسكرية الطلاب بعد ساعات من صدور مرسوم القانون، لكن رد فعل الطلاب أنفسهم حينما تحدوا المرسوم، ضاربين به عرض الحائط، وتضامنوا سوياً وواجهوا الشرطة العسكرية، كان أكثر سرعة بما لا يقاس. اليوم رد الفعل الجماهيري سريع، وغداً ستكون الجماهير في موقع الفاعل المطلق القدرة، وستكون الثورة المضادة -بقيادة المجلس العسكري بقوانينه وحكومته- في موقع رد الفعل الذي يرتبك ويخطئ ويخسر.. ويسقط.

      

التعليقات