بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إطلالة على الحركة العمالية في مصر (2007-2009)

لعب العمال أدواراً هامة في صناعة  تاريخ مصر الحديث – على خلاف التاريخ المزور –  كما لعبوا دورا كبيرا في مقاومة توحش الرأسمالية المصرية. وعادة ما يتداخل صراع العمال من أجل حقوقهم مع صراعهم من أجل القضايا التي تخص المجتمع المصري ككل- جنباً إلي جنب مع بقية الحركات الاجتماعية والقوي السياسية في المراحل التاريخية المختلفة- مثل مقاومة الاستعمار، والصراع من أجل الديمقراطية، والصراع ضد الفساد وظهور طبقات بيروقراطية جديدة تأخذ لنفسها وللمقربين منها امتيازات علي حساب بقية طبقات الشعب وعلي رأسها العمال، ثم مقاومة الارتداد عن الإصلاحات التي تمت في الحقبة الناصرية، والسير فيما يسمونه بالإصلاح الاقتصادي وما يصاحبه من خصخصة للشركات ثم تصفيتها، وتشريد العمال عن طريق المعاش المبكر والإغلاق التعجيزي وغيره، والارتداد عن سياسة تثبيت الأسعار، ودعم بعض السلع الهامة… إلخ.

وفي مصر، مثل جميع البلدان الأخرى، يقاس تطور حركة المجتمع وانتقاله من مرحلة لأخرى بتطور الصراع الطبقي. فقد تزامنت كل المعارك الطبقية الهامة للعمال مع المنعطفات الهامة في تاريخ مصر.

وفي تاريخ مصر الحديث، عادة ما كانت الطبقة العاملة في مقدمة القوى الاجتماعية التي تهب في اللحظات الفارقة، حيث كانت الشرارة الأولي في كل الثورات. ففي ثورة 1919 كانت الشراراة الأولي من قبل الطبقة العاملة، وقبل استيلاء الضباط علي السلطة كان الصراع الطبقي في مصر علي أشده، وأول شرارة خرجت من عمال حلوان للاعتراض علي أحكام الطيران الهزيلة. وأحداث يناير 77 بدأت من خروج عمال حلوان وعمال شبرا الخيمة وغيرهم.

لذا رأينا ونحن نكتب عن تطور الحركة العمالية (2007-2009) أن نتحدث بشكل موجز عن نضال العمال خلال القرن العشرين.

ومن ثم، فسوف نعرض بشكل سريع للمحطات (الموجات) الرئيسية في الصراع الطبقي في مصر (موجة العشرينيات- موجة الأربعينيات- موجة السبعينيات )، ثم الموجة الحالية، وداخل الموجه الحالية نعرض بشكل مفصل (وهو أساس موضوعنا الحالي) لتطور الحركة العمالية خلال الثلاث سنوات الماضية من 2007- 2009، واضعين في الاعتبار أن ثلاث سنوات لا تشكل وحدها موجة، بل تشكل لحظة داخل هذه الموجة ( حيث أن الموجة لا تستغرق أياماً ولا شهوراً بل تستغرق سنوات كما سنرى)، لذلك يظل الانتصار خلال هذه اللحظة انتصاراً نسبياً، وتظل الهزيمة هزيمة نسبية.

وفي عرضنا لهذه الفترة سوف نقوم بالوصف الدقيق للاحتجاجات وطبيعتها، من حيث القطاعات الأكثر احتجاجاً وأين تتركز هذه الاحتجاجات جغرافياً، وما هي  الطرق التي استخدمها العمال في احتجاجاتهم خلال هذه الفترة، وما هي الأسباب التي أدت لاحتجاج العمال، وأخيرا هل تحققت المطالب التي طالب بها العمال أم لا؟

ومن خلال هذا العرض سأحاول الإجابة على عدد من التساؤلات مثل:

  1. هل الحركة في حالة هجوم أم في حالة دفاع؟
  2. هل الحركة مشتتة، أم هناك حالة من حالات التنسيق فيما بينها والترتيب بين المطالب والاحتجاجات؟
  3. هل الحركة في حالة هزيمة أم انتصار؟

1- الموجات الاحتجاجية العمالية السابقة:

أ‌-    موجة العشرينيات تصاعدت مع الثورة الوطنية في مارس  1919، مع اعتقال سعد زغلول وزملائه ونفيهم لمالطة. فقد خرج العمال من ورشهم ومصانعهم بقيادة  نقاباتهم للتظاهر والإضراب واستمر هذا الوضع من 18 مارس حتي أفرج عن سعد وزملائه في أبريل عام 1919.  وقد كان عام 1923 من أكثر الأعوام التي شهدت تصاعداً للحركة العمالية في هذه الموجة، حيث شهد إضرابات واسعة مثل إضراب عمال الغاز والكهرباء بالإسكندرية، وعمال شركة الغزل الأهلية وغيرها من الإضرابات. وكان للاتحاد العام للعمل الذي تأسس في فبراير 1921، ثم للحزب الاشتراكي المصري الذي تأسس بعده دور هام في هذه الإضرابات. لذلك أدعت حكومة الوفد أن حركة الإضرابات حركة مصطنعة قام بها الحزب الوطني والشيوعيون. ومنعت انعقاد مؤتمر الحزب الأشتراكي في فبراير 1924، وقامت بإلقاء القبض علي قيادات الحزب وقيادات الاتحاد، وشمعت مقرات الحزب بالشمع الأحمر. وصاحب ذلك محاولات للسيطرة علي الحركة العمالية، فأسس الوفد نقابات تحت قيادته، وكان المثال البارز هو الاتحاد العام لنقابات العمال بوادي النيل والذي أسسه الوفد تحت قيادة عبد الرحمن باشا فهمي في أبريل 1924، وهو الاتحاد الذي تم حله في نوفمبر من نفس العام بعد استقالة حكومة الوفد. كما قامت حكومة الوفد بإصدار قوانين تشدد العقوبة علي من يروج للشيوعية، وتحرم الإضراب علي عمال المصانع ذات النفع العام.

ب‌- موجة الأربعينيات، فمنذ منتصف الأربعينات من القرن العشرين اشتد تدهور الحالة الاقتصادية والاجتماعية للعمال (الصحية، والتعليمية، والسكنية….ألخ). فلم تعد الأسر العمالية تعجز فقط عن الحصول علي الغذاء الكافي لها، بل إنها أصبحت معرضة لعدم الحصول علي وجبات الطعام الثلاث في اليوم. ولم يقتصر الأمر علي سوء أحوال الغذاء، بل شمل كذلك سوء أحوال المسكن والكساء الضروري ( حيث لبس العمال في صناعات كثيرة الخيش أثناء العمل، وارتفعت نسبة المرضي بالأمراض الصدرية وخاصة بين عمال الغزل والنسيج. وإزداد تشغيل الأحداث في كثير من الصناعات، تهرباً من دفع أجور أعلي للبالغين. وكذلك لجأ أصحاب الأعمال إلي تشغيل النساء حيث كانت أجورهن في معظم الأحوال نصف الأجر الذي يتقاضاه الرجال، وأحياناً أقل من النصف. كما تفاقمت مشكلة البطالة. وقد شهدت الفترة نفسها هجمة مضادة من جانب العمال ونقاباتهم للدفاع عن أجورهم، بل والمطالبة بزيادتها وتحسين شروط العمل بشكل عام. ودارت معارك بين الطرفين خصوصاً في مراكز الصناعة المصرية، استخدم فيها العمال جميع أسلحتهم، واستخدمت الإدارات وأصحاب الأعمال الفصل والتشريد والغلق، وانحازت الحكومات للرأسمالية، مستخدمة في ذلك اجهزتها المختلفة.

وقتها كانت نقابات العمال قوية وفاعلة، فقد كنا نسمع جميعاً من عم طه سعد، وعن مصانع شبرا الخيمة التي يوقف عمالها جميع الماكينات بمجرد أن يمر عليهم صبي بعجلة ليقول لهم بأن أحد العمال في أحد المصانع تم فصله، وقد قررت النقابة الإضراب عن العمل حتي يعود العامل لعمله، ويؤكد ذلك قرار وزير الشئون الاجتماعية رقم 5 لسنة 1945 بحل النقابة، والذي جاء في حيثياته أن “الإضرابات التي حدثت بتحريض أو إشتراك النقابة بلغت في المدة من أول يناير حتي 28 أبريل خمسين إضراباً ، وكانت تحدث فجأة وبغير مبرر كاف”. وفي اليوم التالي لقرار الحل قامت الحكومة باعتقال خمسة من أعضاء النقابة. هذا ولم يترتب على حل النقابة تصفية المزاج الصدامي للحركة العمالية، إذ تشكلت “اللجنة العامة للمندوبين” وعدد أعضائها 66 تضم ممثل من كل مصنع من مصانع النسيج الميكانيكي، وتولت هذه اللجنة مهام النقابة العامة[1]

واستمرت الحركة العمالية وقتها في التصاعد. فقد كان العمال يجهزون لمؤتمر عمال مصر. وقد تحدث الكثير من القادة العماليين عن العلاقة بين حريق القاهرة ومحاولات منع انعقاد هذا المؤتمر. ثم جاءت سلطة يوليو. وقد كان مجلس قيادة الثورة قد رسم خططه وآماله في السنوات الأولي معتمداً علي مشاركة القطاع الخاص سواء المصري أو الأجنبي في التنمية، وبالتالي كان لابد من تشجيعه علي الاستثمار في مصر.

كانت خططهم أنه لابد من العمل علي جذب أصحاب رؤوس الأموال حتي ولو كان ذلك علي حساب أرواح ودماء العمال. فكان لابد من القضاء علي الروح النضالية والثورية لدي الطبقة العاملة بشتى الطرق وذلك لطمأنه أصحاب رؤوس الأموال، وقد استخدموا في ذلك ثلاث طرق هي:

أولاً: القمع الشديد للإضرابات، والذي أدي بدوره إلي قتل العمال واعتقالهم بالمئات، بل والآلاف، وتشريد واعتقال عدد كبير منهم خصوصاً القيادات النقابية واليسارية. ثانياً: العمل علي تفتيت الحركة النقابية خلال السنوات الأولى، وذلك من خلال العمل علي تكوين نقابات مصنعية  لضرب النقابات العامة التي بناها العمال علي مدي عقود. وعندما فشلوا في ذلك لجأوا لفكرة تأميم النقابات، من خلال قرار إنشاء اتحاد العمال بطريقة بنيانه الهرمية المعيبة والتي لا مجال للخوض فيها بالتفصيل الآن. غير أن المشكلة الأهم في هذا الصدد أن جميع سلطات اتخاذ القرار أصبحت متركزة في بضعة نقابيين ممن يقبعون علي قمة هذا الهرم، والذين كان من السهل السيطرة عليهم خصوصاً بعد اعتقال (لمدة 5 سنوات من 1959 وحتي 1964) جميع القيادات النقابية وأغلبها من الشيوعيين، والذين ثبت من خلال العديد من التجارب أنهم لا يمكن ترويضهم. وكان من أهم هذه التجارب أحداث 1954. وثالثاً: تقديم بعض الإصلاحات ـ بعد عام 1961ـ التي طالب بها العمال علي مدى سنوات طويلة، وناضلوا من أجلها.

ج- الموجة التي بدأت من 1966. كانت انتفاضة الخبز في يناير 1977 من أعلي نقط الصعود في الحركة خلال هذه الموجة. وبدأت هذه الموجة بعد مرور حوالي عشر سنوات (1956-1966) لم يسمع فيها أي أخبار عن أي تحركات أو احتجاجات  للطبقة العاملة. وكانت البداية ظهور بوادر لمشكلات عمالية من نوع التمييز بين العمال من ناحية، والموظفين والمديرين من ناحية أخري، سواء في وسائل النقل أوالحوافز أوغيرها، وكذلك المحسوبية في التعيينات وفي توزيع المكافآت. وبالتالي بدأت تظهر علي استحياء بعض الاحتجاجات للمطالبة بوضع لوائح لتوزيع الحوافز، أو عزل هذا المسئول أو ذاك الذي يتعسف ضدهم ويتعالى عليهم. وبعد هزيمة 1967 بدأت الأصوات ترتفع  بالحديث عن الطبقات الجديدة، والامتيازات المعطاه لها. وبدأت حركة الاحتجاجات العمالية في الصعود مرة أخري بإضراب عمال مصانع حلوان للاحتجاج علي أحكام الطيران الهزيلة عام 1968. وكانت ذروة هذه الموجة أحداث 1977. واستمرت بعدها الحركة العمالية في الاحتجاج، وإن كان بوتيرة أقل حتي أتي إضراب عمال الحديد والصلب في 1989، والقمع الذي ووجه به، ومقتل العامل عبد الحي، والقبض علي آلاف العمال، وتشتيت المئات من قياداتهم، مما أثر بالسلب علي الحركة العمالية كلها وليس عمال الحديد والصلب وحدهم[2].

2-الموجة الاحتجاجية الحالية:

في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، و مع بداية الخطوات الحقيقية لما يسمونه بالإصلاح الاقتصادي، وخصخصة الشركات، ومع صدور قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991 بدأت مرحلة جديدة في مسيرة القطاع العام، أساسها توسيع الاستقلال الإداري والمالي، وإخضاعه لذات القواعد التي يخضع لها القطاع الخاص، وتوفير الأساس القانوني لخصخصته.

فقد بدأ تنفيذ برنامج الخصخصة في العام المالي 92/93، لكنه لم يقدر له النجاح في سنواته الأولي لأسباب عديدة وعلي رأسها مشكلة العمالة الزائدة في شركات قطاع الأعمال العام، حيث رفض المستثمرون الراغبون في الشراء أن يتحملوا عبء هذه العمالة، واشترطوا الاستغناء عنها قبل الشراء. ولم يتحرك برنامج الخصخصة إلا بعد تنفيذ نظام التقاعد المبكر الاختياري سنة 1997 (وقد وصل عدد العمال الذين خرجوا للمعاش المبكر حتي عام 2003، 400 ألف عامل).

وقد كان لهذه السياسات آثار سلبية علي العمال بشكل عام، وعلى عمال صناعة الغزل والنسيج بشكل خاص ـ وكان هذا القطاع هو القائد للحركة العمالية في معظم الموجات الاحتجاجية خلال القرن العشرين. فقد أدت هذه السياسات إلي تغيير تركيبة البنية الطبقية للطبقة العاملة، فقد كان العمال متمركزين في العديد من شركات القطاع العام، حيث تبلورت خبراتهم النضالية، مما كان يجعل لحركتهم صدى علي المستوي القومي كما رأينا في كفر الدوار 84، 94، وأسكو والمحلة 1986.

في الوقت نفسه، بدأ العمال ينتقلون للعمل في شركات القطاع الخاص وجزء كبير منها كان في المدن الجديدة، فأصبح هناك آلاف المصانع، ولكن بأعداد عمالة صغيرة، وغير مقيمة في مدن عمالية بجوار المصانع كما كان الحال في المدن الصناعية القديمة، بل عمالة حرص الرأسماليون علي أن تبقي مرتبطة بقراها التي تأتي منها يومياً.

هذا كما جرت إعادة صياغة علاقات العمل طبقاً للاعتبارات الاقتصادية في آليات السوق، حيث صدر تشريع جديد للعمل، وهو قانون 12 لسنة 2003 ، والذي يستند إلى ركيزتين:

1-  التوسع في العمالة المؤقتة التي يسهل استخدامها كما يسهل الاستغناء عنها، ويضطرها هذا إلي الخضوع لسطوة صاحب العمل والخضوع لشروطه أملاً في تجديد عقودها مما يؤدي إلي إضعاف عزيمتها الكفاحية، فضلاً عن إضعاف الحركة النقابية لصعوبة تنظيم العمال المؤقتين لكثرة وسرعة انتقالهم من مصنع إلي آخر، ومن صناعة إلي أخري، ومن منطقة إلي أخري.

2-   إطلاق حرية الاستخدام وحرية الفصل.

ومع صدور هذه القوانين التي تؤقت عقود العمل وتعتدي علي حقوق العمال التي استقرت لفترة طويلة من الزمن، والتي كان لها أثرها علي تجزئة الاحتجاجات العمالية، وعدم ربطها بعضها البعض[3].

وقد اتضح ذلك من خلال وتيرة الحركة العمالية البطيئة خلال عقد التسعينيات. فقد كان عدد الاحتجاجات التي ينظمها العمال قليلة خلال هذه الفترة، وكذلك صداها وآثارها داخل الطبقة العاملة، وذلك لأنه رغم التدهور والتخريب المتعمد في شركات ومصانع القطاع العام، إلا أن حقوق العمال كانت تقريباً مستقرة خلال هذه الفترة. وبدأ هذا الوضع يتغير مع  بداية الألفية الجديدة. ومع بدايات ظهور آثار سياسات الإصلاح الاقتصادي والمعاش المبكر، كانت هذه  بداية صعود جديد للحركة العمالية، تواكب هذا مع الصعود الجديدة في الحركة السياسية المصرية بشكل عام والتي بدأت مع حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني في انتفاضة الأقصي، ثم امتدت الحركة للتضامن مع الشعب العراقي، وخروج المظاهرات يومي 20/21 مارس 2003، ثم الحركة المطالبة بالتغيير، وضد التوريث،  ثم حركة التضامن مع القضاة، عام 2006.

ويتضح هذا الصعود في الحركة العمالية من خلال ما سنقدمه من أرقام[4]، ففي عام 2002 كان عدد احتجاجات العمال 96 احتجاجاً ثم في عام 2003 كان عدد الاحتجاجات 86 احتجاجاً، وفي عام 2004 قفز عدد الاحتجاجات إلي 266 احتجاجاً، ثم في عام 2005 انخفض العدد إلي 202 احتجاج وعاد للأرتفاع في عام 2006 ليصل إلي 222 احتجاجاً.

وقد كان عام 2006 عاماً فارقاً في تاريخ الحركة العمالية في الموجه الحالية حيث أضرب 24 ألف عامل في غزل المحلة واستطاعوا أن يصمدوا حتي يتم تنفيذ مطالبهم. وكان رئيس الاتحاد ووزيرة القوي العاملة يتحدثان في بداية الإضراب عن كون هذه المطالب ليست من حق العمال. لكنهم اضطروا تحت ضغط العمال وصمودهم، والتضامن المحلي والدولي مع الإضراب، إلى التراجع عما أعلنوه في السابق، ووافقوا علي مطالب العمال وتحدثوا عن شرعيتها. ومع تناول كل وسائل الإعلام للإضراب، رأي كل عمال مصر أن الإضراب هو وسيلتهم للحصول علي حقوقهم المنهوبة، وتزامن مع ذلك رحلة نضال موظفي الضرائب العقارية والتي توجت بانتصارهم بعد اعتصام الآلاف من موظفي وموظفات الضرائب في الشارع أمام مجلس الوزراء في الشتاء لمدة عشرة أيام ، وهو ما أدى إلي تلبية مطلبهم بشأن تغيير القانون لنقل تبعية موظفي الضرائب العقارية في المحافظات من المحليات إلي وزارة المالية وحصلولهم علي أغلب الامتيازات التي يحصل عليها العاملون بالوزارة. وقد أثبت موظفي الضرائب أنهم بحركتهم الجماعية بقيادة متماسكة وديمقراطية يستطيعون كسر ذراع الحكومة وليس ليها كما كانت تدعي (ما حدش يقدر يلوي ذراع الحكومة) ثم يخطون خطوة كبيرة وجريئة في هذا الواقع السياسي وهي الإعلان عن تنظيمهم النقابي المستقل، وإن كان موضوع الضرائب العقارية يحتاج إلى مناقشة مستقلة من حيث أسباب عدم استمرار ريادة الضرائب العقارية للحركة لفترة أطول، والمشكلات التي تواجه موظفي الضرائب العقارية بعد الإعلان عن تنظيم نقابي مستقل في ظل نظام سلطوي علي رأس الحكم، يستطيع حتى الآن فرض سياسة الاستبداد السياسي، وفي حالة التراجع في حركات التغيير السياسي، وضعف القوي السياسية.

وقد ظهرت هذه النقلة في  عدد الاحتجاجات الذي تضاعف أكثر من ثلاث مرات عما قبله، فقد كان عدد الاحتجاجات في عام 2007،  756 احتجاجاً[5]، وانخفض في عام 2008 إلي 708 احتجاجاً، وقد كانت الشهور الأقل عدداً  في الاحتجاجات خلال عام 2008 هي أبريل ومايو ويونيو (الشهور التالية مباشرة لأحداث 6 أبريل بالمحلة)، حيث كان عدد الاحتجاجات في أبريل 40 احتجاجاً، وفي كل من مايو ويونيو 47 احتجاجاً لكل منهما، وبدأ العدد في التزايد بعد ذلك ليصل إلي70 احتجاجاً في الشهر التالي لهما مباشرة،  ثم 100 في شهر أغسطس وهو الشهر الذي كانت به احتجاجات المعلمين أثناء تطبيق المرحلة الثانية من كادر المعلمين، وكانت الاحتجاجات أما اعتراضا علي مسألة الاختبار بالنسبة للكادر، أو بسبب استبعاد بعض تخصصات المعلمين من الكادر، وكذلك احتجاجات السائقين احتجاجاً علي التعسف في تطبيق قانون المرور الجديد وقتها، ثم كان عدد الاحتجاجات في عام 2009 حتي شهر سبتمبر 588 احتجاجاً، وباحتساب متوسط للشهور، لو سارت الاحتجاجات بنفس المعدل سوف يصل عدد الاحتجاجات إلي 784 احتجاجاً.

وفيما يلي بالتفصيل الحركة العمالية خلال الفترة 2007-2009:

أولاً: وصف لتطور الاحتجاجات خلال الثلاث سنوات 2007-2009

1- القطاعات الرائدة في الاحتجاج:

لقد كان نصيب القطاعات الصناعية خلال الثلاث سنوات من الاحتجاج في تناقص مستمر، ففي عام 2007 كانت نسبة الاحتجاجات في القطاعات الصناعية 49.4%، ثم أصبح 40.4% عام 2008، و26.9% عام 2009 حتي شهر سبتمبر، وقد صبت الزيادة التي انتقصت من القطاعات الصناعية في كل من القطاعات الخدمية وفئات آخري، فقد كانت نسبة القطاعات الخدمية من الاحتجاجات 41.4%  عام 2007، وأصبحت 48.9 عام 2008، ثم ارتفعت إلي 59% عام 2009.

بالنسبة للفئات الآخري وهي الفئات التي لم يتم تصنيفها ضمن القطاعات الصناعية أو القطاعات الخدمية، ولكن احتجاجاتهم كانت بسبب شروط وظروف العمل، مثل المحامين والصيادلة، البيطريين،  شباب مشروع مبارك، أصحاب المقطورات، الصيادين، أصحاب المعاشات، أصحاب الأكشاك، باعة الخضار وبائعي السمك، العاملين بالمخابز، العاملين بمشروع توزيع الخبز، عمال مستودعات البوتجاز، خريجات الأزهر التي ترفض الجامعة تعيينهن رغم أحقيتهن في التعيين، الممنوعين من التعيين في مجلس قضايا الدولة، عمال النظافة، العاملين بالملاهي، أعضاء نقابة المهن التمثيلية، العاملين بورش الألباستر بالأقصر،…..

وقد ارتفعت نسبة احتجاجات الفئات الآخري من 9.7% في عام 2007، إلي 10.7% في عام 2008، إلي 13.9% في عام 2009.

هذا وقد تبادل كل من قطاع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، وقطاع النقل والمواصلات قيادة الاحتجاج خلال الثلاثة أعوام. فقد كان قطاع الغزل والنسيج، هو من أكثر القطاعات احتجاجا عام 2007، فقد كانت نسبة الاحتجاجات به إلى إجمالي الاحتجاجات 18.1%، ثم أصبحت  14.5% عام 2008، وانخفضت إلي 11.9% عام 2009، بينما كانت نسبة الاحتجاجات في قطاع النقل والمواصلات 11.4% عام 2007، ثم إزدادت عام 2008 إلي 14.8%، وفي عام 2009 أصبحت 13.8%،  تلا هاتان القطاعان قطاع التعليم والقطاع الطبي وقطاع الموظفين والذين وصلت نسبة الاحتجاجات بكل منها علي التوالي عام 2009 إلي 11.2%، 9.7%، 9.7%.

2- التوزيع الجغرافي للاحتجاجات:

تنتشر الاحتجاجات العمالية في كل محافظات مصر تقريباً، ولكن أغلب الاحتجاجات تتركز بشكل أكبر في عدد قليل من المحافظات أغلبها في الوجه البحري، وذلك يعكس التنمية غير المتوازنة التي تركز الصناعات وبالتالي العمال في محافظات الوجه البحري دون بقية المحافظات. هذا وقد ظلت القاهرة من أكثر المحافظات احتجاجاً خلال الثلاث سنوات، وذلك بسبب التوجه -خصوصاً في العام الأخير- إلي التظاهر والوقفات الاحتجاجية، بل والاعتصام لمدة وصلت إلى شهرين في حالة خبراء وزارة العدل، سواء أمام الوزارات أو مجلس الوزراء، أومجلس الشعب، وفي بعض  الأحيان النقابات العامة، وذلك بعد أن يحتج العمال أو الموظفون في مواقعهم في محافظاتهم ولا يصلوا لنتيجة، فيقررون التوجه للقاهرة للاعتصام بها. فقد كانت نسبة الاحتجاجات في القاهرة 20% في عام 2007، ثم أصبحت 24% في عام 2008، وإزدادت إلي 26.7% في عام 2009، وبعدها تأتي بالتبادل كل من محافظة الأسكندرية ومحافظة الغربية. ففي عام 2007، كان نصيب محافظة الأسكندرية 12.6% من الاحتجاجات، أصبح عام 2009، 6.1%، بينما كان نصيب محافظة الغربية عام 2007، 8.9%، أصبح 7% عام 2009، تلتهما الدقهلية والمنوفية والمنيا وكان نصيب كل منها عام 2009 علي التوالي (4.8%، 4%، 4.8%)، ونصيب كل محافظة من باقي المحافظات من الاحتجاج تتراوح ما بين 0.5% و 3%.

3- طرق الأحتجاج:

لقد كانت الشكاوي والدعاوي القضائية، ثم التهديد بالإضراب أو الاعتصام هما الطريقتان الأكثر استخداما من قبل العمال في عام 2007. فقد كانا علي التوالي يمثلان 29.4%، 22.1%، يليهما الاعتصام وكانت نسبته 20.9%، ثم الإضراب 12.2%، ثم التظاهر بنسبة 8.7%، حتي وصلنا لعام 2009 فقد تغير المزاج العمالي وتغيرت النسب في استخدامه للطرق، فقد أصبح في مقدمة الطرق التي يستخدمها العمال التظاهر والوقفات الاحتجاجية بنسبة 28.1%، تلاها الاعتصام بنسبة 26.8%، ثم الإضراب عن العمل 20.7%، فالتهديد بالاعتصام أو الإضراب بنسبة 15.8%، وأخيراً الشكاوي 5.2%، وهناك بنسب صغيرة جداً طرق أخري خلال الثلاث سنوات مثل الإضراب عن الطعام، وجمع توقيعات، وقطع الطريق، واحتجاز صاحب العمل داخل الشركة أو المصنع، وأحياناً الامتناع عن قبض الراتب.

4- عدد العمال اللذين شاركوا في الاحتجاجات:

إن عدد المشاركين في الاعتصامات أو الإضرابات أو الوقفات الاحتجاجية والتظاهر في تناقص مستمر خلال الثلاث سنوات. فقد بلغ في عام 2007 أكثر من 360 ألفا بالإضافة لموظفي الضرائب العقارية التي كان يصعب تقدير عدد من شاركوا منهم في الاعتصام سواء في القاهرة أو في المحافظات، ثم أصبح العدد عام 2008 حوالي 280 ألف عامل. وفي عام  2009 حتي سبتمبر، تراجع إلى نحو 195 ألف عامل فقط (بحساب متوسط المشاركة خلال التسعة أشهر حتي سبتمبر نتوقع أن يصل العدد في نهاية العام لو كانت المشاركة بنفس المتوسط 260 ألف عامل)، حدث الشئ نفسه بالنسبة للتهديد بالاعتصام أو الإضراب أو التظاهر، فقد كان في عام 2007 أكثر من مليون و 200 ألف، ثم حوالي 360 ألفاً في عام 2008، وانخفض في عام 2009 حتي سبتمبر إلي 133 ألف عامل.

5- مطالب العمال في الاحتجاجات:

أولويات العمال من حيث مطالبهم لم تتغير خلال الثلاث سنوات تقريباً مع زيادة نسبة كل مطلب من سنة لآخري -فيما عدا المطالبة بالمستحقات. وقد كانت كما يلي: المطالبة بالآجرالمتغير (سواء في شكل حوافز أو علاوات أو بدلات، أو أرباح، سواء المطالبة بها أو في بعض الأحيان المطالبة بزيادتها، أو في حالة الأعتداء علي حقوق مستقرة بالنسبة للعمال من  قبل ومحاولات تخفيضها)، ثم المطالبة بالحق في العمل، ثم الاحتجاج علي الفصل أو التصفية، أو الإجبار علي المعاش المبكر، ثم التعسف من قبل الإدارة،  يليه المطالبة بالمستحقات التي لم يحصلوا عليها (سواء مرتبات أو مكافآت نهاية الخدمة أو غيرها من المستحقات)، ثم الاحتجاج بسبب العمل المؤقت، وقد كانت نسبهم في عام 2007 كما يلي بالترتيب: 26.2%، 13.2%، 10.9%، 11.6%، 6.1%، ثم أصبحت في عام 2009: 29%، 14.5%، 9.9%، 7.7%، 6.9%.

وقد كانت الزيادة في نسب هذه المطالب يقابلها نقص في نسب المطالبة بالكثير من المطالب الآخري مثل المطالبة بتشكيل لجنة نقابية والذي كان عام 2007 بنسبة 1.5% وأصبح 0.9% عام 2008، ووصل إلي 0.4% عام 2009، أو طلب سحب الثقة من اللجنة النقابية والذي كانت نسبته عام 2007، 1.7%، وأصبحت 0.3% في عام 2009، كذلك نقصت نسبب الاحتجاج بسبب الفساد، والمطالبة بوسائل النقل، والمطالبة باشتراطات الأمن الصناعي، والتأمين الاجتماعي والحق في العلاج. وهناك مطالب اختفت تماما في عام 2009 مثل توفير مياة شرب نقية (رغم وجود مشاكل في هذا الشأن، علي سبيل المثال في إضراب عمال الأسمدة تحدث العمال عن عدم صلاحية المياة داخل الشركة للشرب وتلوثها بالمواد الكيميائية، وعلي الرغم من هذا لم يدرج كمطلب ضمن مطالبهم مياه شرب نقية وصالحة للشرب).

هناك مطالب أخري لم نستطع تصنيفها ضمن أي من هذه المطالب، لذا أدرجناها ببند أسمه أسباب أخري للاحتجاج مثل: الاعتراض علي قرار محافظ،  أو الاحتجاج علي قانون المرور، أو الحرمان من إجازة الوضع، أو نقل الأسواق، ونقل مواقف الميكروباصات، أو قرارات زيادة رسوم الصيد…إلخ. وقد كانت نسبة هذه الأسباب عام 2007، 10.6%، وصلت إلي 23% عام 2009.

6- هل ينجح العمال في تحقيق مطالبهم:

بالنسبة لنتائج الاحتجاجات، فقد بقيت النسبة الأكبر من الاحتجاجات لا تظهر لها نتيجة مباشرة وقت الحدث. فقد كانت نسبة الاحتجاجات غير الواضح نتيجتها 68.9% عام 2007، أصبحت 65.7% عام 2008، وعادت للزيادة عام 2009 فأصبحت 67%. وهذا مفهوم وخصوصاً لو وضعنا في الاعتبار أن طرق مثل الشكاوي والتهديد بالاعتصام والإضراب والوقفات الاحتجاجية القصيرة لا تأتي بنتائج فورية في الأغلب الأعم، والتي كانت نسبتها عام 2009 49.8%. ومما جعل الوضع أكثر سوءاً تعنت أصحاب الأعمال خصوصاً خلال الفترة الأخيرة (الأزمة الأقتصادية) والتلكؤ في تنفيذ مطالب العمال، ومساندة كل الأجهزة الحكومية لهم في ذلك سواء عن طريق محاولات الضغط علي العمال أو عدم اتخاذ إجراءات فاعلة تجاه مخالفة أصحاب الأعمال للقانون فيما يخص عدم إعطاء العمال حقوقهم.

والنسبة القليلة الباقية تنقسم بين الوعد بالحل، ثم تنفيذ بعض أو كل المطالب، ثم القمع والتخويف، ثم عدم التنفيذ وتبلغ نسبهم علي التوالي في عام 2009: 17.9%، 7.7%، 3.7%، 3.6%.

بالتدقيق في جدول نتائج الاحتجاجات نجد ما يلي: بالنسبة لتنفيذ بعض أو كل المطالب نجد أن النسبة إزدادت عام 2008، ثم عادت وانخفضت في عام 2009. فهي كانت كما يلي بترتيب السنوات الثلاث: 8.2%، 10.7%، 7.7%، في حين أن كلا من القمع والتخويف، وعدم تنفيذ أي من المطالب سارا في اتجاه عكسي، فقد أنخفضوا عام 2008، ثم عادوا للارتفاع عام 2009. في حين أن الوعد بالحل في زيادة مستمرة، وتوقيع اتفاقيات في نقصان مستمر، فتوقيع اتفاقيات بدأ بنسبة 2.2% عام 2007 وانتهى إلي 0.17% عام 2009، وخصوصاً وأن العمال في حالات توقيع اتفاقيات لم يلتزم بها صاحب العمل يعاودون الاحتجاج للمطالبة بتطبيق هذه الاتفاقيات خصوصاً وأنها تصبح بمثابة قانون، مما كان يحرج وزارة القوي العاملة.

ثانياً: تطور الحركة العمالية في ضوء  قراءة في هذا الوصف

في الوقت الذي تزداد فيه الاحتجاجات العمالية من حيث العدد كما رأينا، وتنتشر في معظم المحافظات، وتمتد إلي قطاعات لم تكن تعرف الاحتجاج من قبل، وإن كانت لا تنتمي للطبقة العاملة مثل المحامين، والصيادلة، وأصحاب المقطورات، وغيرهم، وهذا شئ أيجابي لأنه في حالة تراجع الاحتجاجات في القطاعات العمالية، وخصوصاً الصناعية منها، فإن  تزايد احتجاج هذه الفئات يحافظ علي المعركة، كما أن انتصار هذه الفئات معناه هزيمة للطبقة الحاكمة وهو أيضاً يساعد في المعركة.

نجد أن الاعتصامات والإضرابات  في المصانع والشركات التي بها آلاف العمال  والتي كانت تلعب دور الريادة للحركة العمالية يقل عددها، بينما يزداد عدد الوقفات الاحتجاجية لعشرات من العمال، وقد ظهر هذا كما رأينا في التناقص المستمر لأعداد من يعتصمون أو يضربون أو يتظاهرون، وكذلك من يهددون بذلك، مما يعني أن أثرها في تصاعد الحركة العمالية سيكون أقل، وهناك العديد من التساؤلات الأخرى التي نحاول من خلال الإجابة عليها التعرف علي وضع الحركة العمالية اليوم، وهي كما يلي:

1- هل الحركة في حالة هجوم أم في حالة دفاع:

نقصد بحالة الهجوم أن تطرح الحركة العمالية شعارات جديدة وأن تطالب بمطالب جديدة لم تكن لها من قبل، أما حالة الدفاع فهي أن تمارس الحركة الاحتجاجية الدفاع عن حقوق ومكاسب كانت لها بالفعل، ويتم الاعتداء عليها.

بمعيار العدد يعتبر القطاع الخدمي هو القطاع الذي يحتوي علي النسبة الأكبر من الاحتجاجات، والتي وصلت إلي 59% في عام 2009، وداخل القطاع الخدمي، هناك قطاع رائد وهو قطاع النقل والمواصلات، وعلي رأسه العاملون بهيئة السكة الحديد وهيئة النقل العام، والذي طرح مطالب خاصة بزيادة الأجر المتغير ولكن لديه مشاكل آخرى تجعله مشتتاً، ولا يستطيع لعب دور مركز ثقل الحركة، فلا يؤدي احتجاجه علي تغيير في مسار حركة العمال، وسوف نتحدث عن ذلك بالتفصيل فيما بعد.

وهناك حوالي ثلث احتجاجات القطاع الخدمي (31%)، يتركز في قطاع التعليم والقطاع الطبي وقطاع الموظفين. وسواء في قطاع التعليم أو القطاع الطبي تتركز الاحتجاجات في معظم الأحيان في العاملين بالحكومة. وقد بدأت المطالبة بالكادر الخاص في قطاعي التعليم والقطاع الطبي عام 2007، وبعد طرحه من قبل الحكومة للمعلمين ضمن قانون الجودة، وإزدادت المطالبة به في خلال عام 2008، وقد تصاعد الأمر إلى عدد من الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات للمطالبة به. وعلي التوازي مع المطالبة بالكادر بدأت أصوات تسمع هنا وهناك للمطالبة بحد أدني للأجور لعمال الصناعة، وكانت هذه المعركة بشكل أساسي في وسط القوي السياسية والجبهات التي تتفاعل وتعمل مع العمال. فيما عدا وقفة احتجاجية وحيدة لجزء من عمال غزل المحلة خارج الشركة للمطالبة بالحد الأدنى للأجور، لم يقف عمال أي مصنع أو شركة للمطالبة به. لذا ظل عدد قليل من العمال فرادي وسط الجبهات واللجان العمالية، وبعيداً عن مواقع عملهم ينادوا بالحد الأدنى للأجور وتم التهديد بوقفة احتجاجية للقوي السياسية للمطالبة به، ولكنها أجهضت بسبب التهديدات الأمنية، وعلي الرغم من هذا أثمرت هذه الحركة الوصول بالزيادة السنوية إلي 30% ( وإن كانت هذه الزيادة لم تنفذ سوي بالنسبة لموظفي الحكومة وعمال القطاع العام، وتقريبا لم تنفذ في القطاع الخاص إلا باستثناءات نادرة). كما أدت احتجاجات الموظفين، والحديث عن الأجر المتدني للموظفين في المحليات (وقد أصدر المفتي فتوي بأن الموظفين يستحقون الزكاة لضآلة مرتباتهم) في محاولة لإصلاح هذا الوضع إلي زيادة الحوافز للعاملين بالمحليات (حافز الإثابة) من 25% إلي 75% من الأساسي في مايو 2008، كما تم إقرار كادر لأساتذة الجامعة (يرفضونه)، وبعض الزيادات للأطباء.

لكن خلال عام 2009، خفتت أصوات الموظفين التي كانت قد بدأت خلال عام 2008، فقد ظهر  بعد إنتصار موظفي الضرائب العقارية أعتصامات من قبل موظفات وموظفي مديريات التضامن الاجتماعي (خصوصاً بالجيزة) وهدد موظفو التموين بالاعتصام أمام مجلس الوزراء، وكذلك هدد موظفو القوي العاملة وغيرها بالاعتصام، وهذه المواقع اكتفي موظفوها بما رمته لهم الحكومة من فتات، واختفوا من ساحة الاحتجاجات تماماً. ومع بدايات عام 2009 بدأنا نلمس بقوة حركة إداريي التربية والتعليم، الذين لم يطبق عليهم حافز إثابة المحليات، ولا كادر المعلمين، مع أنهم في نفس الوزارة. ولكن الحركة أنتهت إلي التفتت. وهناك محاولات للتجميع ثانية نتمنى لها النجاح والتوفيق. ولكن هذه الحركة لم تستطع أن تنتزع حتي حافز الإثابة الذي حصل عليه موظفو المحليات، علي الرغم من كون ميزانية المديريات كان بها في السنة المالية الماضية حق الإداريين في حافز الإثابة. وأتت بعدها حركة موظفي البريد وتقريباً حدث معها الشيء نفسه وخصوصاً تحت وطأة التعسف والجزءات للمئات من الموظفين والتنكيل بقيادات البريد بشدة، حيث وصل التعسف لدرجة الفصل (محمد حماسة بكفر الشيخ)، والحبس ( ممدوح فزاع بالإسماعيلية ).

كما أن هناك جزءًا مهماً من الاحتجاجات في هذه القطاعات كان يطالب بالحوافز، المقره قانوناً ولكنها لا تنفذ عليهم، وكذلك الاحتجاجات الخاصة بالعمالة المؤقتة في الحكومة (والتي تبلغ 500 ألف موظف) والتي تطالب بالتعيين وتطالب بالمساواة في الحقوق بالمعينين، ومنهم من يتعرض للفصل والتشريد بعد العمل ما يقرب من 15 سنة.

بالنسبة للقطاعات الصناعية، وعلي رأسها قطاع الغزل والنسيج، الذي كان وما زال مركز ثقل الحركة العمالية، فإن مطالب العمال فيه كلها أصبحت مطالب دفاعية خلال عام 2009، فالعمال أما يطالبون بالأجر المتغير الذي تحاول الإدارت منعه عنهم أو الإنتقاص منه، أو يحتجون علي الفصل والتشريد أو تصفية شركاتهم وإجبارهم علي المعاش المبكر. ورأينا وخصوصاً خلال عام 2009، عمالا كثيرين وخصوصاً في مجال صناعة الغزل والنسيج لا يتقاضون مرتباتهم (شهرياً أو بالمدة) إلا باعتصام أو إضراب ( أبو السباع، أمونسيتو، عمال المنوفية للغزل والنسيج،…) أو الاحتجاج ضد التعسف. واختفت مطالب أخري خاصة بالمطالبة بما ينتقص من حقوقهم مثل حق العلاج أو أشتراطات الأمن الصناعي، فرغم أن عمال أبو السباع يعانون من الكثير من هذه الأشياء لتعرضهم لمخاطر بدون وجود وسائل وقاية، مثل عدم وجود طبيب أو عربة أسعاف مما تسبب في موت زميل لهم قبل أن يصل للمستشفي، وبالرغم من كونهم مؤمن عليهم بـ 130 جنيها في حين أن مرتباتهم تتعدي 1000 جنيه، إلا أنهم عندما يعتصمون أو يتظاهرون يفضون احتجاجهم بمجرد صرف جزء من مرتباتهم، كما أنهم لا يوردون هذه الحقوق ضمن مطالبهم. وكذلك فعل عمال السويس للأسمدة، الذين وقع زميلهم في حمض الكبريتيك، ومات زميل آخر تحت عجلات اللودر.

بهذا الشكل نستنتج أن الحركة تحت تأثير الصعود مع نهاية عام 2006، وبداية عام 2007 كانت بها بدايات جنينية للهجوم في عام 2008، ولكنها تراجعت خلال عام 2009 لتعود لموقع الدفاع ضد ما تتعرض له من هجوم، وخصوصاً مع التأثيرات السلبية للأزمة الاقتصادية عليهم وعلي حقوقهم، حيث إن الأزمة تجعل الرأسماليين أكثر شراسة وأقل قبولاً للتفاوض أو المساومة، وفي نفس الوقت نجد أزدياد خوف العمال بسبب اتجاه أصحاب الأعمال إلي التصفية والإغلاق.

2- هل الحركة مشتتة، أم هناك حالة من حالات التنسيق فيما بينها والترتيب على المطالب والاحتجاجات؟

هناك نقطة هامة علينا البحث فيها، وهي هل حدث في أي مرحلة في الموجة الاحتجاجية الحالية، أن جزءا من العمال  (أو عمال عدد من المواقع) وقفوا ليحتجوا معاً رافعين لمطالب واحدة؟

الإجابة أننا لم نر حتي في فترة صعود الحركة عام 2007 أن وقف عمال أكثر من مصنع أو أكثر من شركة معاً ورفعوا مطالب واحدة، وذلك رغم أنهم يعانون نفس الإضطهاد من أنتقاص حقوقهم، وفصلهم، وغيرها من المشاكل. لا يقتصر الأمر على ذلك، بل إننا لم نر ولم نسمع خلال السنوات الماضية عن عمال أضربوا أو اعتصموا للتضامن مع عمال في موقع آخر، أقصي ما تم عمله أن يصدر عمال أو موظفين بيان تضامني مع عمال آخرين.

الأكثر من ذلك أننا نجد عمالاً مثل عمال هيئة السكة الحديد، وبالرغم من أهميتهم وتأثيرهم في الحركة لأنهم يستطيعوا إيقاف وشل حركة السكة الحديد، مازالوا مشتتين.

العامليون بالسكة الحديد والبالغ عددهم 86 ألف عامل، منهم 73 ألفا بهيئة السكة الحديد وحدها. فبالإضافة إلى أن العاملين بالمترو لهم حركتهم المستقلة عن حركة العاملين بهيئة السكة الحديد، فإننا نجد أن العاملين في كل منهما مقسمين لا يتحركون معاً للمطالبة بحقوقهم، ولا يتضامن عمال قسم منهم مع عمال قسم آخر يحتجون للمطالبة بحقوقهم. إننا نجد في هيئة السكة الحديد (السائقون- الكمسرية- عمال الأبراج- عمال الورش- عمال الأمن الصناعي….) رغم أنهم جميعاً يعملون بنفس الهيئة ويحكمهم نفس القانون، إلا أن كل طائفة تختلف مرتباتها عن الطائفة الآخرى (الاختلاف في البدلات والآجر المتغير)، كما أنهم لا يجلسون سوياً للتنسيق فيما بينهم، بل أن بينهم حالة من التنافس والصراع. فالسائقون يرون أنفسهم فوق كل الطوائف الآخري في الهيئة، ومن حقهم أن يتقاضوا أكبر مرتبات، وباقي الفئات تتساءل لماذا يتميز السائقون عنهم، وتقف للمطالبة بالزيادة أسوة بالسائقين، بل في حوادث القطارات دائما ما نجد أن كل طائفة منهم تتهم الطائفة الأخري بالإهمال والتسبب في الحادث في محاولة لتبرئة نفسها. فالسائقون يتهمون الملاحظين، والملاحظون يتهمون الكمسرية، وهكذا، ويتناسون جميعاً أنهم والركاب الفقراء ضحية المسئولين الفاسدين، الذين ينهبون المليارات من ميزانيات الدولة ومن عرقنا جميعاً تحت مسمي التطوير والإصلاح، وتكون النتيجة هي الموت للفقراء من الركاب والعاملين معاً.

وكما رأينا، فإن العمال لا يوجد بينهم تنسيق، ولا يتحركون في حركة مشتركة فيما بينهم، وذلك لعدم وجود قنوات يجري من خلالها هذا التنسيق. والقنوات الطبيعية لذلك هي النقابات (ولكن لأسباب كلنا نعرفها وليس هناك مجال في هذه الورقة للخوض فيها لأن هناك محور مستقل في المؤتمر عن تنظيمات العمال) ولكن النقابات لا تقوم بهذا الدور لأن البيروقراطية النقابية التي شاخت علي مقاعدها في قمة التنظيم النقابي الأوحد لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن العمال، بل في كثير من الأحيان تقف مع الحكومة ومع أصحاب الأعمال، ضد العمال ومصالحهم.

كما أن أشكال التنظيم المؤقتة التي خطها العمال أثناء صعود حركتهم في السنوات القليلة الماضية، يحاول رجال الأعمال بالتحالف مع الدولة، والنقابات الصفراء، القضاء علي ما تبقي منها وما زال فاعلاً وسط العمال. وكما سنري في الإجابة على التساؤل التالي، فإنه يوجد مخطط من قبل أصحاب الأعمال بالتعاون مع أجهزة الدولة والأمن لزيادة هذا التشتت، ليس فقط بين عمال مواقع العمل المختلفة، بل بين عمال المصنع أو الشركة والعناصر الطليعية في هذه المواقع، والتي لعبت أدواراً هامة في قيادة الاحتجاجات في هذه المواقع.

3- هل الحركة في حالة هزيمة أم انتصار؟

فيما عدا عدد قليل من  المعارك، كانت نتائج الاحتجاجات وخصوصاً خلال عام 2009، ترينا بأن العمال في أغلب الأحيان لا تتحقق مطالبهم، وفي أحيان كثيرة مع تحقيق بعض المطالب أصبحت هناك حملة تعسف (من قبل كل من أصحاب الأعمال والأمن وذلك تحت سمع وبصر الوزارات المعنية واتحاد العمال) ضد العمال وقياداتهم شملت أكثر من 40 مصنعا وشركة ومديرية عمل، كان الهدف منها تقطيع أوصال الحركة العمالية ليس بين موقع عمل وآخر بل داخل الموقع الواحد. فمن ناحية يتم التخلص من القيادات داخل المصنع، سواء بالنقل أوالوقف عن العمل أو الفصل، ثم حرمان هذه القيادات من مرتباتها كعقاب لها، كما أن هذا الجزاء يكون عائقا أمام حركة بقية العمال في المصنع أو الشركة، وذلك لأن العمال يرون أنه إذا كانت قيادتهم الأكثر قوة وجرأة قد حدث لها هذا، فماذا سيحدث لهم؟ وهذا التعسف يشترك فيه أصحاب الأعمال مع الأمن مع الإدارت الحكومية ضد العمال.

المعركة التي لم تنهزم وانتصرت نسبياً وسط الموظفين هي خبراء وزارة العدل (جزء من الهيئة القضائية)، والذين استمر إعتصامهم في الشارع أمام وزارة العدل لمدة شهرين متتاليين، والتي ظلت فترات طويلة من الاعتصام ترفع لافتات تطالب مبارك بحقوقهم الشرعية، وتحاول أن تبعد نفسها عن المعارضة لكي لا تتهم بأن معركتها هي معركة القلة المندسة. وعندما أصبحت معركة الخبراء هي معركة كل الخبراء تقريباً علي مستوي مصر، وبدأت بالتوازي مع الاعتصام التبادلي المستمر للخبراء والخبيرات من كل أنحاء مصر مع بدايات تفاعل بين الخبراء، ونقابات مهنية أخري مثل نقابة المحامين، واتحاد المحامين العرب، وقوى معارضة، ظهر سرور وكأنه أتي من المريخ مباشرة وكأنه لم يسمع طوال الشهرين وقبلها بالخبراء ومطالبهم. وقد عاتبهم سرور لأنهم لم يلجأوا له من البداية، واستنكر طريقة اعتصامهم متسائلاً: «هل سمعتم عن قاض أو وكيل نيابة نام على السلالم؟»، وعلق الخبراء اعتصامهم بعد وعد سرور بحل الموضوع، وتشكيل لجنة للنظر في مطالبهم، وقد حاولت الحكومة الضغط علي الخبراء بقبول بعد الزيادت الضئيلة في الحوافز والعلاج بدون النظر في المطالب الأساسية الخاصة بالندب للمحاكم وهو ما رفضه الخبراء. كما رفضوا الاعتذار لوزير العدل، الذي طُلب منهم في مقابل تحقيق مطالبهم وهددوا بمعاودة الاعتصام، وأصدر الخبراء بيان في 7 أكتوبر بإنهاء الاعتصام الذي علق لمدة أكثر من شهر، وخصوصاً بعد تعديل قرار الندب للمحاكم الذي اعتبروه بمثابة تراجع عن القرار، وفي انتظار صدرو قانون ينظم عملهم.

علي مستوي القطاعات الصناعية، فقد كان هناك إضراب عمال غزل شبين والذي انتهي بتحقيق مطلبهم الوحيد، وبدأت بعدها رحلة التعسف ضد كل عمال الشركة، وضد قيادات العمال بشكل مركز. وهناك معركة إضراب واعتصام لعمال شركة طنطا للكتان الصامدين منذ خمسة شهور، المعركة التي فتحت مشكلة الخصخصة والفساد المصاحب لها، وما يعانية العمال بعد الخصخصة من أصحاب الأعمال، وهي المعركة التي يعبر عنها ليس طنطا للكتان فقط بل غزل شبين والعامرية للغزل والمعدات التليفونية والمحالج، وكلها شركات تأخذ طريقها ليس لتوسيع، وتشغيل عمال جدد كما كانوا يدعي من يتبنون رؤية الخصخصة، بل لتقليل العمال لأقل من النصف فيهم جميعاً، والتوجه للتصفية في الكثير منهم. لذا كان شعار عمال شركة طنطا للكتان، العودة للقطاع العام، ولكن بقي شعارهم وحدهم علي المستوي العملي، ولم يتحرك عليه عمال آخرين في شركات ومصانع أخري، ومن هنا أتت أزمتهم، فهم وحدهم أمام رأسمالي سعودي يتعامل معهم ومع الحكومة كلها بدأً من رئيس وزرائها بإهمال وإزدراء، وحكومة لا تتأخذ أي إجراء ضد تشدده وبلطجته.

وهناك معارك منيت بعدم تنفيذ أي من مطالب العمال، رغم نضالية وصلابة العمال واستمرارهم في إضرابهم لمدة أسبوعين كما فعل عمال السويس للأسمدة، وتم الضغط عليهم من قبل الأمن لإنهاء الإضراب وخصوصاً مع دخول عمال ميناء العين السخنة في اعتصام وتهديدهم بالإضراب، مما هدد بسخونة المنطقة (منطقة العين السخنة) المليئة بالمصانع التي يعاني عمالها من سرقة حقوقهم. لذا تم تحقيق بعض مطالب عمال العين السخنة، وإنهاء إضراب واعتصام عمال السويس للأسمدة بدون تحقيق أي مطالب، مجرد وعود لم تتحقق حتي الآن.

خاتمة:

كما رأينا فنحن أمام حركة عمالية ناهضة، بدأت في الصعود مع بداية القرن الواحد والعشرين، وكان عام 2006 عام فارق في حركتها، بعد نجاح إضراب عمال غزل المحلة، واعتصام موظفي وموظفات الضرائب العقارية في إجبار الحكومة علي تنفيذ مطالبهم، وقتها أعاد العمال اكتشاف قوتهم، وأنهم يملكون ما يستطيعون به الدفاع عن حقوقهم التي يحاول أصحاب الأعمال سلبها منهم، وتساعدهم في ذلك الحكومة بأجهزتها المختلفة،  وقد أصبحت الإضرابات ظاهرة أزعجت بشدة الحكومة، وقد عبرت عن هذا الانزعاج في تسميتها للظاهرة وقتها بعدوي الإضرابات، التي كانت كالصداع في رؤسهم، مما جعلهم يجلسون ويخططون معاً (تحت سمع وبصر وفي بعض الأحيان بالتنسيق مع اتحاد العمال) لوقف هذه العدوى التي تهددهم جميعاً. وقد جربوا في ذلك الكثير من الطرق، فمن ناحية العمل علي عدم تحقيق مطالب العمال حتي أصبحت الاعتصامات والإضرابات تستمر لأسابيع وشهور كما رأينا في طنطا للكتان، وفي اعتصام خبراء وزارة العدل. كما استخدموا التعسف بكل أشكاله ضد العمال وقادتهم كما سبق وتحدثنا، في محاولة للتخلص من قيادات الحركة التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية (خميرة الحركة)، هذا بالإضافة للعوائق الكثيرة التي تقابل العمال في حركتهم، سواء الناتجة عن الأزمة الرأسمالية وما يترتب عليها من التعنت من قبل أصحاب الأعمال في تلبية المطالب، أو تصفية الشركات والمصانع، أو ما نتج من الفساد في عملية الخصخصة من كون من أشتروا هذه الشركات يهدفون لتصفيتها للاستفادة من الأراضي المقامة عليها هذه الشركات، مما يجعل أسلحة هامة بالنسبة للعمال كالإضراب تصبح ليست ذات جدوى في بعض الأحيان.

لذا فالحركة العمالية في نقطة حرجة بالنسبة لحركتها، ويحاول العمال العبور من هذه النقطة الحرجة كل بطريقته وفي موقعه بعيداً عن عمال المواقع الآخري، فرغم الصعوبات التي يواجهها العمال في حركتهم إلا أنهم استطاعوا التغلب عليها في بعض الأحيان، مثل الصمود في الاحتجاج لمدد أطول، واستخدام أكثر من طريقة احتجاجية في نفس الوقت. فبجوار الإضراب نجد تنظيم اعتصامات ووقفات احتجاجية سواء أمام مجلس الشعب أو وزارة القوى العاملة، أو قطع الطريق في بعض الأحيان كما فعل عمال طنطا للكتان،  أو معاودة وتكرار الاعتصام لمرات عديدة مثلما فعل معلمو العقود بكفر الشيخ. ولكن رغم صمودهم وتعدد طرقهم لم يستطيعوا تحقيق مطالبهم كاملة، بل حققوا جزء منها، وهناك  أماكن أخري لم يستطع العمال فيها تحقيق أي مطالب، وذلك لأن المعركة أصبحت أكبر من عمال موقع واحد وحدهم (بالإضافة لما ذكرناه من ما يتعرض له العمال من تعسف واضطهاد)، بل هي معركة قطاعات عمالية واسعة. وهناك بعض المعارك مثل الحد الأدنى للأجور هي معركة الطبقة العاملة كلها، ولن تستطيع تحقيقه إلا إذا تحرك للمطالبة به العمال في أغلب المواقع العمالية.

والخطر الأكبر في هذه المرحلة هو محاولات العدو الطبقي التخلص من قادة العمال، وضرب كل محاولة لتضامن العمال في المواقع مع زملائهم المفصولين أو الموقوفين، وعلي العمال أن يقفوا معاً ويخططون معاً ويفكرون في كيفية مواجهة هذا الخطر، وفي كيفية بناء قنوات التنسيق فيما بينهم في المواقع المختلفة، وكذلك عليهم التفكير في أشكال التنظيم المناسبة لهم، والتي يستطيعون استخدامها في الواقع، لأن هذه هي أسلحتهم في المعركة القادمة.

[1] – طه سعد عثمان، خبرات كفاحية للطبقة العاملة المصرية، 2004، ص27

[2] – للمزيد من التفاصيل أنظر فاطمة رمضان، ورقة تحت النشر بعد بعنوان ” قراءة في احتجاجات العمال في مصر خلال الفترة (1945-1975)، ضمن بحث التاريخ الشفاهي للطبقة العاملة، 2009، مركز البحوث العربية والأفريقية.

[3] – للمزيد من التفاصيل أنظر فاطمة رمضان، 2005، في ورقة لم تنشر بعد بعنوان ” احتجاجات عمال النسيج  في مصر بعد تطبيق سياسات الخصخصة: من 1998 – نهاية 2004″، ورقة مقدمة لندوة بعنوان “آثر اتفاقيات التجارة العالمية علي صناعة النسيج وعمالها” 9-10 أبريل 2005، مركز البحوث العربية- دار الخدمات النقابية والعمالية، بالتعاون مع لجنة المتابعة والاتصال بنقابة الصحفيين

[4] – أعداد الاحتجاجات الواردة  بداية من عام 2002 وحتي عام  2006 طبقاً لتقارير مركز الأرض لحقوق الإنسان

[5] – جميع الأرقام والنسب المئوية بداية من عام 2007 وحتي سبتمبر 2009 تم أخذها من الجداول التي قامت بعملها مؤلفة هذه الورقة من خلال تقارير المرصد النقابي والعمالي المصري النصف شهرية لرصد احتجاجات العمال، وقد تم نشر الجداول الخاصة بعام 2007 فقط في التقرير السنوي الأول للمرصد النقابي والعمالي المصري بعنوان “صعود الحركة العمالية المصرية 2007″، أما بقية الجداول فهي لم تنشر بعد.

            

التعليقات