بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة التنظيم النقابي في مصر

نحاول في هذه الدراسة رصد التحولات والتحديات التي واجهت وما زالت تواجه التنظيم النقابي في مصر ففي فترة تتسم بتصاعد غير مسبوق للاحتجاجات والإضرابات العمالية الخارجة عن سيطرة التنظيم النقابي وفي ظل جمود التنظيم الرسمي ومعاداته لمطالب العمال وولائه المستمر للدولة تصبح مسألة فهم الوضع النقابي ومعرفة تفاصيله سلاحاٍ لا غنى عنه في معارك الحركة العمالية الحالية والقادمة.

بنية وتشكيل الطبقة العاملة

يبلغ عدد السكان في مصر المقيمين بالداخل في بداية يوليو 2008 ” 73.6 مليون ’ ويصل عدد المشتغلين في نفس الإحصاء إلى 21.7 مليون مشتغل ’ كما تصل نسبة البطالة إلى 8.9% . هذا حسب نشرة البنك المركزي المصري العدد 139 أكتوبر 2008 .

وتحمل بعض الإحصاءات الرسمية تفاصيل أكثر عن بيانات العمالة في مصر ولكن باختلافات طفيفة. فحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يبلغ إجمالي قوة العمل في مصر 24 مليون و 634600 منهم 19 مليون و173300 ذكور و5461300 إناث وعدد المشتغلين بالفعل 22571900 منهم 18134900 ذكور و 443700 إناث ونسبة البطالة 8.37% بواقع 2062700 منهم 1038400 ذكور و1024300 إناث.

وقد تزايدت نسبة العاملين بأجر من إجمالي المشتغلين من 56% عام 1981 إلى 61.8% عام 2006 حسب بيانات وزارة التنمية الاقتصادية ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء. وهو ما يعني أن عدد العاملين بأجر يزيد على 15 مليون عامل.

ويتوزع العاملون بأجر على قطاعات ثلاثة رئيسية. الأول القطاع الحكومي ويصل عدد العاملين فيه إلى 5657583 عامل وموظف والقطاع العام وقطاع الأعمال العام وهي الشركات والمشاريع والهيئات المملوكة للدولة ويصل عدد العاملين فيها إلى 700274 . والقطاع الخاص و الذي يصعب التعرف على حجم العمالة الحقيقية به فبينما تفيد بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد العاملين في منشآت القطاع الخاص 861812 عامل بنسبة %56.58 من إجمالي العاملين في المنشآت عام 2006 ولكن عدد العمالة في القطاع الخاص الغير مسجلة والتي يصعب إحصائها بدقة قد تفوق هذا العدد بكثير فحسب بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار فإن نسبة المشاركين في التأمينات الاجتماعية من بين العاملين 42.4% في عام 2006 بانخفاض 11.7% عن عام 1998 والجدير بالذكر أنه حسب نفس الإحصاء فإن نسبة المشتغلين بالحكومة والقطاع العام إلى إجمالي المشتغلين هي 29.46% في 2006 بعد أن كانت 34.26% في 1998 وبالطبع فإن الحكومة والقطاع العام الأكثر التزاما بتسجيل العاملين في التأمينات الاجتماعية والقطاع الأوسع من العاملين في القطاع الخاص سواء في المنشآت أو خارج المنشآت غير مسجلين ويشير تقرير وزارة التنمية الاقتصادية إلى أن نصيب القطاع الخاص من التشغيل 70% في عام 2006 والتقرير نفسه يشير إلى أن حجم العمالة المنظمة 27% فقط من إجمالي العمالة كما يرصد تراجع دور الدولة في التشغيل وانخفاض نسبة العاملين بالحكومة والقطاع العام من 40% في عام 1981 إلى 30% عام 2006 وهو ما يؤكد تنامي عدد العاملين بالقطاع الخاص. وتشير البيانات إلى تزايد نسبة العاملين في الأنشطة الصناعية والخدمية من 61% عام 1981 إلى 73% عام 2006 وذلك على حساب العمل في الزراعة والري والصيد وهو ما يبدو متناقضا مع إحصاء آخر لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار يشير إلى انخفاض نسبة المشتغلين في القطاع غير الزراعي من 70.2% عام 1998 إلى 68.8% عام 2006 .

ظروف العمل

أما فيما يتعلق بظروف العمل فأهم مؤشرين هما ساعات العمل والأجور. وبالنسبة لساعات العمل فالملاحظ في البيانات أن معدلاتها عالية بشكل عام فحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يبلغ متوسط ساعات العمل بالقطاعين العام والخاص 56 ساعة أسبوعيا وتصل بالقطاع الخاص إلى 57 ساعة أسبوعيا بينما بالقطاع العام 53 ساعة أسبوعيا.

أما عن الأجور فتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن متوسط الأجور في القطاع العام 303 جنيه في الأسبوع وفي القطاع الخاص 172 جنيه في الأسبوع ويرجع الارتفاع النسبي لمتوسط الأجور في القطاع العام إلى توقف التوظف بالقطاع العام منذ نهاية الثمانينات تقريبا وارتفاع متوسط أعمار العاملين فيه وبالتالي سنوات الخدمة والأجور. ومع ذلك فإن تلك المتوسطات لا تعبر بدقة عن مستويات الأجور الفعلية للعمال في مصر فمثلا تشير العديد من قسائم الرواتب في شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى إلى انخفاض الأجر عن 200 جنيه في المدة والتي تحسب بأسبوعين وقسائم أخرى عديدة تنخفض عن 250 ونادرا ما تزيد بعض قسائم الأجور لأصحاب سنوات الخدمة الطويلة عل 350 جنيه ، وتشير قسائم أخرى للأجور في شركة مطاحن جنوب القاهرة والجيزة إلى مستويات أجور تتراوح بين 500 و700 جنيه شهريا وعادة ما يؤدي احتساب حصة صاحب العمل في التأمينات وقيمة المزايا العينية التي يحصل عليه العامل إلى رفع متوسط الأجور أسميا حتى يتجاوز بكثير ما يحصل عليه العامل فعليا كأجر نقدي.

وربما تكون بيانات أجور العاملين في الحكومة هي الأكثر دقة حيث يمكن معرفتها تفصيليا من الموازنة العامة للدولة. تشير الموازنة العامة للدولة عام 2007 ـ 2008 إلى أن مخصصات بند الأجور في موازنة الدولة هو 59 مليار و537.8 مليون جنيه وعلى أساس أن عدد العاملين بالدولة في هذا العام هو 5657583 عامل وموظف فإن متوسط الأجر الشهري الشامل للعاملين في الحكومة سيكون أقل من 900 جنيه، ولكن بعض التفاصيل الأخرى تجعل الأجر أكثر انخفاضا فحسب الموازنة العامة للدولة فإن نسبة الأجور الأساسية لإجمالي الأجور أقل من 25% أي أن أقل من 225 جنيه شهريا هو متوسط الأجر الأساسي للعاملين في الحكومة والباقي عبارة عن بدلات ومكافآت ومزايا والملاحظ أن هناك تفاوتا كبيرا في توزيع تلك الأجور المتغيرة فبينما تصل بعض بنود الأجر المتغير لقطاعات من الموظفين إلى 800% من الأجر الأساسي مثل العاملين في الضرائب العامة فإنها لا تتجاوز 50% للعاملين في المحليات كما أن هناك تفاوت كبير بين العاملين بدواوين الوزارات والعاملين في المحافظات تابعين لنفس الوزارات. إن أهم ما يميز الأجور في مصر هو عدم وجود حد أدنى معلن للأجور رغم نص قانون العمل 12 لسنة 2003 على تشكيل المجلس القومي للأجور يكون من اختصاصه تحديد الحد الأدنى للأجور وهو ما لم يحدث. كذلك فإن من الملفت للنظر في مستوى الأجور في مصر أنها تقع تحت خط الفقر الأعلى فحسب تقرير التنمية البشرية للعام 2008 فإن معدل الإعالة في مصر هو 2.7 لكل 1 وهو ما يعني أن الأجر ينفق بالفعل على أكثر من ثلاثة أفراد وهو ما يعني بسعر صرف الجنيه أن متوسطات الأجور في مصر سواء في القطاع الخاص أو العام أو الحكومة لا تكفي للعامل ومن يعوله لكي يبقى على خط الفقر الأعلى.

إن الملامح الأساسية التي يمكن تلمسها من هذا العرض السريع لبعض بيانات العمالة في مصر هي توسع العمالة في القطاع الخاص على حساب القطاعين العام والحكومي بما يعني انخفاض درجة استقرار العمالة. زيادة ساعات العمل بشكل مبالغ فيه وبما يتجاوز المعايير الدولية وحتى القانون المحلي. الانخفاض الواضح في الأجور خاصة عمال القطاع الخاص.

وبعد هذه هي الأوضاع العامة للطبقة العاملة وهي بالتأكيد تلقي بمهام جسام على الحركة النقابية والتي نحن بصدد قراءة بعض ملامحها الآن.

التنظيم النقابي

وسنبدأ بالتعرف على البيانات الأساسية التي توضح حجم التنظيم النقابي. التنظيم النقابي العمالي الواحد في مصر هو اتحاد نقابات عمال مصر والذي تأسس عام 1957 ويضم 23 نقابة عامة تشمل كافة الأنشطة الاقتصادية. وتضم النقابات العامة في الدورة النقابية 2006 ـ 2011 ” 1809 لجنة نقابية، وإجمالي العضوية في التنظيم النقابي في نفس الدورة النقابية 3815895 عضو من إجمالي العاملين بأجر الذين يصل عددهم كما أوضحنا سابقا إلى حوالي 15 مليون عامل بأجر وهو ما يعني أن عضوية التنظيم النقابي تشمل أقل من ربع العاملين بأجر. وهي نسبة تبدو منخفضة إذا ما وضعنا في الاعتبار نصف قرن كامل هو عمر التنظيم النقابي الحالي. ولكن انخفاض العضوية ليست هي السمة الوحيدة للتنظيم النقابي فطبيعة العضوية أيضا تقلل بشدة من الحجم الحقيقي للتنظيم النقابي . فاللجان النقابية نوعان لجان المنشآت والتي تضم العمال في نفس المنشأة ويشترط القانون أن يكون عدد العاملين بالمنشأة أكثر من 50 عامل، واللجان المهنية والتي تضم العاملين بنفس النشاط على أساس جغرافي. وتصل عدد اللجان النقابية المهنية بالتنظيم النقابي إلى 255 لجنة بينما يصل عدد لجان المنشآت إلى 1554 لجنة.وقد وصل عدد أعضاء اللجان المهنية في عام 2005 إلى 1479340 عضو بينما وصل في نفس الإحصاء عدد أعضاء لجان المنشآت إلى 2836591 عضو وهو ما يوضح الوزن الضخم للعضوية المهنية التي تزيد على ثلث إجمالي العضوية. و يجدر بنا في هذه النقطة توضيح الطابع الورقي للعضوية المهنية، فالعضوية المهنية تتسم بأنها عضوية فردية ومنفرطة وغير مجمعة في منشآت و لا توجد عادة أنشطة نقابية ملحوظة للجان المهنية’ من ناحية أخرى تستوجب ممارسة بعض المهن مثل قيادة سيارات الأجرة الانتساب للتنظيم النقابي ’ فسائقي الأجرة لا يتمكنوا من استخراج تراخيص القيادة وتجديدها دون الانتساب للنقابة العامة للنقل البري عن طريق اللجنة المهنية التابعة جفرافيا. كذلك الجزء الأكبر من الأعضاء في النقابة العامة للعاملين بالزراعة والذين لا يمكنهم الاستفادة من الجمعيات الزراعية إلا بالانتساب للنقابة’ وتقترن بطاقة حيازة الأرض بعضوية النقابة. وتنطبق هذه الأمثلة على مجمل العضوية المهنية التي تزيد على ثلث عضوية التنظيم النقابي. وهو ما يمكن معه اعتبار هذا الثلث عضوية شكلية على الورق وفقط ولا تعبر عن الحجم الفعلي للعضوية. وتشغل العضوية المهنية ببعض النقابات العامة النسبة الأكبر من العضوية مثل النقابة العامة للعاملين بالزراعة التي تصل العضوية المهنية بها إلى 387483 عضو وعضوية المنشآت إلى 115896 عضو والنقابة العامة للنقل البري التي تصل العضوية المهنية بها إلى651579 عضو بينما عضوية المنشآت 262522 عضو والنقابة العامة للعاملين بالبناء والأخشاب التي تصل العضوية المهنية بها إلى278911 عضو في مقابل 137258 عضو بلجان المنشآت. بينما تخلو نقابات عامة أخرى من العضوية المهنية مثل نقابة العاملين بالسكة الحديد ونقابة الإنتاج الحربي ونقابة العاملين بالمرافق ونقابة العاملين بالبريد ونقابة العاملين بالبترول ونقابات أخرى وهي جميعها من النقابات التي تضم أعمال لا تمارس بشكل فردي وتديرها الدولة بشكل كامل.

وإذ تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد منشآت القطاعين العام والخاص وقطاع الأعمال يصل إلى 16578 منشأة منها 3481 منشأة قطاع عام وقطاع أعمال و13097 منشأة قطاع خاص في عام 2006 فإن عدد اللجان النقابية بالمنشآت والتي تشير البيانات إلى أنها 1554 لجنة منشأة وهذا يعني أن أقل من 10% من المنشآت فقط بها لجان نقابية وأن أكثر من 90% من المنشآت تخلو من اللجان النقابية وهو ما يعني أن فراغا نقابيا ملحوظا تعاني منه الحركة العمالية حتى يبدو غياب النقابات هو القاعدة وليس الاستثناء. والقطاع الأكثر معاناة من غياب النقابات هو القطاع الخاص ففي العام 2002 كانت 2116 منشأة ومصنع قطاع خاص بالمدن الجديدة لا توجد بها سوى 25 لجنة نقابية ورغم التوسع في القطاع الخاص لاحقا وزيادة عدد المنشآت إلا أن الوضع النقابي لم يتحسن. ويعاني عمال القطاع الخاص من مقاومة شديدة من جانب أصحاب الأعمال عند محاولة تكوين لجان نقابية. ومن المعتاد أن يتصدى أصحاب الأعمال لمحاولة تكوين النقابات بفصل القيادات العمالية والعقاب الجماعي للعمال ومن بعض حالات مقاومة أصحاب الأعمال لتكوين لجان نقابية فصل عمال من شركة أولاد عياد للحديد بحلوان عام 2005 وفصل عمال من شركة الصامولي للغزل والنسيج بالمحلة عام 2003 وفصل عامل من شركة الوطنية للحديد بالسادس من أكتوبر في عام 2004 ومنع عمال شركة ألدورادو للسراميك من تكوين نقابة في عام 2006 .

وهذه مجرد أمثلة ولا يوجد حصر دقيق بهذه الحالات لأن أغلبها عادة لا يعرف به. والملفت أن التنظيم النقابي الرسمي لا يتصدى بالجدية الكافية لحماية العمال أثناء تأسيس النقابات. وكما يتضح من ندرة الوجود النقابي في القطاع الخاص فإن العضوية النقابية المحدودة بالفعل بعد خصم العضوية المهنية تتركز بالأساس في قطاع الأعمال العام والقطاع العام والعاملين بالحكومة. ويبدو هذا طبيعيا لأن عضوية النقابات في القطاع العام كانت عضوية تلقائية حيث كان العامل يحرر استمارة عضوية النقابة مع استمارة التعيين وإن كان هذا لا ينطوي على إجبار مباشر على الانضمام إلا أنه لا يترك بدائل أمام العامل خاصة مع وجود تنظيم نقابي واحد. وإذا كان القانون لا يتضمن إلزاما أو إكراها للعامل في الالتحاق بالنقابة إلا أن الممارسة الفعلية تحمل غير هذا ومن أمثلة ذلك تجاهل النقابة العامة للعاملين بالغزل والنسيج حوالي 2000 استقالة من التنظيم النقابي تقدم بها عمال من شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة في عام 2007 وذلك بعد أن سبق وتجاهلت النقابة العامة طلبا بسحب الثقة من مجلس إدارة اللجنة النقابية بالشركة على خلفية إدانة اللجنة لإضراب نظمه العمال في ديسمبر 2006 . كذلك تجاهل النقابة العامة للعاملين بالبنوك والتأمينات والأعمال المالية خطابات قانونية من موظفي الضرائب العقارية ببني سويف تطالب بوقف خصم اشتراكات النقابة من أجورهم لأنهم استقالوا منها.

ويحمل تركز العضوية النقابية في القطاع العام والحكومي وندرتها في القطاع الخاص مفارقة جديرة بالانتباه. فعلاقات العمل بالحكومة والقطاع العام مقررة تفصيليا بفضل قوانين العمل بها والتي تحدد بدقة الأجور وساعات العمل ومزايا العاملين والجزاءات والتدرج الوظيفي حتى تبدو مساحة التفاوض ضيقة للغاية والدور المنوط بالنقابة أقل بكثير. أما في القطاع الخاص فقد ترك القانون الكثير للنقابة للتفاوض عليه كما أنه لا يوجد تحديد دقيق للأجور ومساحة التفاوض واسعة جدا وشروط العمل ومزايا العمال عموما خاضعة لتوازن القوى والقدرة التفاوضية والتنظيمية للعمال. المفارقة هنا أن التنظيم النقابي يوجد في الحكومة والقطاع العام حيث الأدوار الصغيرة ويغيب حيث يفترض أن يقوم بالأدوار النقابية الأكثر أهمية. هذا التوزيع الغير منطقي للعضوية النقابية هو ما يفسر تراجع حجم العضوية في النقابات العمالية من 4491565 عضو في عام 2003 إلى 4315931 عضو في عام 2005 إلى 3815895عضو في 2006 على الرغم من تزايد قوة العمل وعدد العاملين بأجر في تلك الأعوام ولكن الواقع أن الزيادة في عدد العاملين بأجر كانت في القطاع الخاص الذي يغيب عنه التنظيم النقابي أما العاملين في قطاع الأعمال والحكومة فقد تراجعت أعدادهم. وفي دراسة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء تشير البيانات إلى أن نسبة المنضمين إلى النقابات إلى إجمالي المشتغلين قد انخفضت من 23.09% في عام 1998 إلى 20.58% عام 2006وأن نسبة من لديهم عقد عمل رسمي قد انخفضت أيضا من 61.7% إلى 42% في نفس الفترة ونسبة المشاركين في التأمينات الاجتماعية أيضا قد انخفضت من 54.1% إلى 42.46% في نفس الفترة والتي انخفضت فيها أيضا نسبة العاملين بالحكومة والقطاع العام من 34.26% من إجمالي المشتغلين إلى 29.46% .

هناك إذن تناقضا حادا بين المهام النقابية الكبيرة التي طرحتها التحولات الاقتصادية والتحولات في علاقات العمل والحجم الفعلي للتنظيم النقابي الذي من المفترض أن يقوم بتلك المهام. ولكن السؤال الأهم هنا هو إلى أي مدى تتوافر الرغبة والإرادة والإمكانيات والمهارات لدى التنظيم النقابي لسد الفراغ النقابي الكبير الذي تعيشه الحركة النقابية. إن واقع التجارب التي عانى فيها عمال من صعوبة تأسيس نقابات خاصة في المدن الجديدة والمناطق الاستثمارية لا توحي بمبادرة جدية لدى التنظيم النقابي لسد هذا الفراغ.

الإطار التشريعي يخضع التنظيم النقابي العمالي المصري للقانون 35 لسنة 1976 وتعديلاته التي أقر آخرها بالقانون 12 لسنة 1995 . وينظم علاقات العمل مجموعة قوانين أكثرها ارتباطا بالعمل النقابي هو القانون 12 لسنة 2003 .

وقد جاء قانون العمل 12 لسنة 2003 محاولة لتلبية احتياجات للتحول من الاقتصاد المركزي المعتمد على دور الدولة في الاقتصاد إلى اقتصاد السوق ونهج صندوق النقد والبنك الدوليين. وقد شهد إصدار القانون جدلا واسعا ولفترة طويلة ـ صدرت المسودة الأولى لمسودة القانون عام 1993 وصدر القانون عام 2003 ـ خاصة فيما يتعلق بالحقوق والمكاسب العمالية بداية من حق العمل نفسه والاستقرار فيه إلى شروط وظروف العمل والأجر. ولكن الجانب الذي نعني به في القانون هنا هو ما يتعلق بالنقابات العمالية ودورها.

لقد تميز القانون 12 لسنة 2003 عن أغلب قوانين العمل السابقة بأنه لم يحدد بشكل قاطع العديد من جوانب علاقات العمل وتركها للمفاوضة الجماعية وأهم تلك الجوانب هي الأجر نفسه فقد كانت بعض القوانين السابقة للعمل مثل قانون العاملين في الحكومة وقانون العاملين في القطاع العام تحدد الأجر والتدرج الوظيفي على نحو دقيق وملزم وهو ما كان يجعل المساحة المتروكة للتفاوض ضيقة للغاية وعادة ما ارتبطت بالأجر المتغير.

قانون العمل 12 لسنة 2003 جعل مساحة المفاوضة أوسع كثيرا واعتمد مبدأ المشاركة الثلاثية من جانب أصحاب الأعمال والعمال والحكومة ممثلة في وزارة القوى العاملة والهجرة في التفاوض لتحديد علاقات وشروط العمل على ضوء القانون. وبذلك أصبح دور النقابات العمالية يمتد من التدخل في نزاعات العمل وإبرام الاتفاقيات الجماعية وتمثيل العمال في المفاوضات والتحكيم والتقاضي والدعوة للإضراب ـ وكانت المرة الأولى التي يقر فيها التشريع المصري بحق العمال بممارسة الإضراب ـ وتنظيمه وحتى التدخل كشريك في تحديد الحد الأدنى للأجور على المستوى القومي .

هكذا دشن القانون مرحلة جديدة في علاقات العمل في مصر تراجع فيها دور الدولة وأصبح التوازن بين أطراف علاقة العمل هو المحدد الرئيسي لشروط العمل وظروفه وهو ما يعيد الاعتبار والأهمية للعمل النقابي ويجعل وجود التنظيم النقابي وفاعليته أحد أهم محددات علاقات العمل. وسوف ننظر في هذا الموضع في مسألتين تتحكمان في مدى فاعلية التنظيم النقابي وهما التشريع المنظم للعمل النقابي و الهيكل الداخلي للتنظيم النقابي.

هناك تناقض واضح في البنية التشريعية الخاصة بالعمل النقابي فمن ناحية تحظى اتفاقية حماية الحريات النقابية 87 لسنة1948 بتصديق الحكومة المصرية منذ عام 1957 وكذلك الاتفاقية رقم 98 لسنة 1949 وهما الاتفاقيتان اللتان تضمنان استقلال العمل النقابي وحمايته من التدخل . وأيضا تنص مواد الدستور المصري خاصة المادة رقم “56” على حق التنظيم وحق الانضمام للمنظمات النقابية.

أما القانون 35 لسنة 1976 وتعديلاته فإنه يأخذ اتجاها آخر والملاحظة الأولى شكلية تتعلق بحجم القانون والذي يقع في 78 مادة ، وهي إن كانت ملاحظة شكلية إلا أن لها دلالة هامة فالمواد ال78 تتجاوز المبادئ العامة للعمل النقابي لتدخل في أدق التفاصيل .

فالقانون يحدد شكل التنظيم النقابي وهيكله التنظيمي وأهدافه وشروط العضوية وقواعد التأسيس وتقسيم العمل الداخلي وصلاحيات كل مستوى من المستويات التنظيمية وحتى مدة الدورة النقابية و آليات الترشح والانتخاب وإعلان النتائج فضلا عن مالية التنظيم النقابي وآليات الرقابة الداخلية. فالقانون في المادة 50 يحدد قيمة اشتراك العمال في النقابة بحديه الأدنى والأقصى.

وفي المادة 62 يضع القانون نسب توزيع الاشتراك على المستويات التنظيمية داخل الهيكل النقابي كالتالي 10% للإتحاد و25% للنقابة العامة و60% للجنة النقابية و5% إحتياطي قانوني. كما تفتح المادة 78 من القانون الباب واسعا للرقابة الحكومية على التنظيم النقابي إذ تنص على ” يكون للعاملين بوزارة القوى العاملة والتدريب الذي يصدر بتحديدهم قرار من وزير القوى العاملة بالاتفاق مع وزير العدل صفة الضبطية القضائية بالنسبة للجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون “.

الحقيقة أن كم التفاصيل التي يتضمنها قانون النقابات العمالية ـ والذي يصدر من السلطة التشريعية يجعله أكبر تدخل من جانب الدولة في إدارة النقابات ويضرب بعرض الحائط مبدأ الاستقلال النقابي. ولكن لا يقف التدخل الحكومي في العمل النقابي عند حد وضع قانون تفصيلي على هذا النحو ولكن القانون يعطي صلاحيات واسعة لوزارة القوى العاملة والهجرة ـ الجهة الإدارية ـ في إدارة الشأن النقابي. بداية من عملية تأسيس النقابة والتي يلزم القانون بإيداع أوراقها بالجهة الإدارية واتحاد العمال ويعطي أيضا الجهة الإدارية الحق في الاعتراض على التأسيس في حال مخالفة التأسيس للقانون ” المادة 64 ” أو الرقابة المالية على التنظيم النقابي ” المادة 65 ” أو طلب حل التنظيم النقابي ” المادة 70 “.

والملفت أن التفاصيل القليلة التي يتركها القانون تتكفل بها القرارات الوزارية فالمادة 37 من القانون تحدد عدد أعضاء مجلس إدارة اللجنة النقابية ” من 7 إلى 21 عضو حسب عدد أعضاء الجمعية العمومية” ويأتي القرار الوزاري المنفذ للمادة ليحدد بشكل دقيق عدد أعضاء مجالس اللجان النقابية لكل جمعية عمومية كالتالي.

عدد أعضاء الجمعية العمومية من 50 إلى5000 عضو يكون عدد أعضاء مجلس إدارة اللجنة من 7 إلى 11 عضو.

ومن 5001 إلى 10000 عضو يكون عدد أعضاء المجلس من 7 إلى 13 عضو.

ومن 10001 إلى 15000 عضو يكون عدد أعضاء المجلس من 9 إلى 15 عضو.

والجمعيات العمومية أكثر من 15000 يكون عدد أعضاء مجلس إدارة لجنتها النقابية من 11 إلى 21 عضو.

نفس الملاحظة تنطبق على تشكيل الجمعيات العمومية للنقابات العامة بموجب القرار الوزاري رقم 11 لسنة 1981 والذي سنتعرض له بالمزيد من التفصيل لاحقا.

إن التدخل الذي يفرضه قانون النقابات 35 لسنة 1976 وتعديلاته لصالح الحكومة ممثلة في وزارة القوى العاملة في كل مراحل العمل النقابي ليس إهدارا فقط لاستقلال النقابات عن الدولة ولكنه يحمل معنى خاص جدا. فكما أسلفنا في موضع سابق تخلو منشآت القطاع الخاص تقريبا من الوجود النقابي وتتركز العضوية النقابية البالغ عددها كما أوردنا حوالي 3,8 مليون عضو في القطاع الحكومي وقطاع الأعمال وهي العمالة التي تمثل الحكومة لها صاحب عمل وليس مجرد حكما أو وسيطا في علاقات العمل وهو ما يعني اختلال حقيقي فيما يسمي بالتمثيل الثلاثي في علاقات العمل ” العمال وأصحاب الأعمال والحكومة” فطرفان من هذه الثلاثة هما بالفعل طرف واحد. كذلك لا تهدد صلاحيات الحكومة بالتدخل في الشأن النقابي استقلال النقابات فقط ولكنها تجعل صاحب العمل متدخلا بشكل مباشر في الشأن النقابي ما يمكن اعتباره وضعا شاذا بالنسبة لتنظيم من المفترض أنه يمثل لعمال لدى صاحب العمل.

هذا التوحد الدائم بين التنظيم النقابي الوحيد والحكومة عبر عن نفسه صراحة في الجمع بين منصبي رئيس اتحاد نقابات العمال ووزير القوى العاملة لدي نفس الشخص لفترة طويلة إلى أن تم الفصل بينهما في الثمانينات ولكن ظل من يشغل منصب وزير القوى العاملة والهجرة هو أحد قيادات التنظيم النقابي إن لم يكن رئيسه. وهو ما يجعل قيادات التنظيم النقابي حريصون على عدم الاختلاف مع الحكومة خلال الممارسة النقابية.

ومن التناقضات الصريحة لقانون النقابات المصري مع المعايير الدولية للعمل النقابي المتمثلة خاصة في الاتفاقية 87 لسنة 1948 هو نصه صراحة على حظر التعددية النقابية في المادة 13 منه “للعمال والعمال المتدرجين المشتغلين في مجموعات مهنية أو صناعية متماثلة أو مرتبطة ببعضها أو مشتركة في إنتاج واحد الحق في تكوين نقابة عامة واحدة على مستوى الجمهورية طبقا للائحة التي يعدها التنظيم النقابي” وهو ما يخلق وضعا احتكاريا للتنظيم النقابي الرسمي.

المثير للانتباه أن التعديلات الأخيرة التي طرأت على قانون النقابات العمالية في العام 1995 كان من المفترض أن تراعي التحولات الاقتصادية التي كانت بالفعل تحدث في تلك الفترة واستدعت إصدار قانون جديد للعمل وأن تجعل التنظيم النقابي الرسمي أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الحركة العمالية في المرحلة الجديدة ولكن التعديلات تركزت على مد الدورة النقابية من أربع سنوات إلى خمسة وإعطاء الحق لمن تجاوزوا سن المعاش في تقلد مناصب نقابية وكذلك إعطاء الحق في الترشح للمستويات التنظيمية العليا دون المرور على المستويات التنظيمية الأدنى ما يضعف رقابة القواعد العمالية على النقابيين.

وبينما يحرص قانون النقابات العمالية على تكريس وجود النخبة النقابية عبر إضعاف رقابة القواعد العمالية فإنه يضع عقوبات صارمة على العمل النقابي خارج التنظيم النقابي الرسمي والوحيد .حيث تنص المادة 73 من القانون على أن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على 100 جنيه أو إحداهما كل شخص معين أو منتدب لإدارة منشأة أو جمعية أو جماعة أو رابطة أو هيئة أو غير ذلك من الجمعيات أو الهيئات أطلق عليها بدون وجه حق في مكتبات أو في لوحات أو في إعلان أو إشارة أو بلاغ موجه إلى الجمهور باسم إحدى المنظمات النقابية. إن هذا التشديد ليس سوى تأكيد من قانون النقابات العمالية على حماية التنظيم النقابي الوحيد من ظهور منظمات نقابية خارجه.

الجدير بالذكر أن التنظيم النقابي الرسمي إذ يحظى بكل تلك الحماية من القانون إلا أنه يحوي مخالفات صريحة لنص القانون لصالح قياداته العليا فمن المفارقات أن رئيس التنظيم النقابي الرسمي هو نفسه عضو مجلس إدارة معين بشركة طرة الأسمنت التابعة للمجموعة الإيطالية للأسمنت وذلك وفقا لمحضر الجمعية العمومية للشركة بتاريخ 30 مارس 2006 أي قبل الانتخابات النقابية العمالية التي جرت في أكتوبر من نفس العام وترشح فيها رئيس اتحاد نقابات عمال مصر بالمخالفة للمادة 36 من القانون 35 لسنة 1976 والتي تنص صراحة على ألا يحق لرؤساء وأعضاء مجالس إدارة القطاعات والهيئات والشركات الترشح لعضوية مجلس إدارة منظمة نقابية.

هذا عن الإطار التشريعي الذي يحكم النقابات العمالية في مصر. ومن الطبيعي أن يؤثر هذا التشريع على الهيكل التنظيمي النقابي الذي سنحاول التعرض لأهم ملامحه.

الهيكل التنظيمي

يعتمد العمل النقابي الرسمي في مصر على مبدأ التنظيم الواحد وهو ما يلزم به قانون النقابات كما أوردنا. كما يفرض القانون على التنظيم ما يسميه في المادة السابعة من قانون النقابات الشكل الهرمي في التنظيم.

ويتشكل الهيكل التنظيمي النقابي العمالي من ثلاثة مستويات رئيسية هي:

أولا اللجان النقابية : وهو المستوى القاعدي من التنظيم النقابي ويشمل نوعين من اللجان ، لجان المنشآت وتضم العمال على أساس موقع العمل كعمال شركة أو مصنع واللجان المهنية وتضم العاملين في نفس المهنة دون أن يكونوا عاملين في منشأة واحدة أو في منشآت لا تضم النصاب اللازم لتأسيس نقابة مثل سائقي الأجرة والعاملين بحرف لا تضمها منشآت بشكل ثابت ومستمر. وتشمل الجمعية العمومية للجنة النقابية سواء لمنشأة أو لجنة مهنية كل أعضاءها وتنتخب الجمعية العمومية مجلس إدارة اللجنة النقابية مرة كل خمس سنوات. ويضم التنظيم النقابي 1809 لجنة منها 255 لجنة مهنية و1554 لجنة منشأة وتضم اللجان المهنية حوالي ثلث العضوية البالغ حوالي 3,8 مليون عضو.

ثانيا النقابات العامة: ويضم هذا المستوى 23 نقابة عامة موزعة على أساس المهن والنشاط الاقتصادي وطبيعة العمل وتضم كلا منها اللجان النقابية سواء منشآت أو مهنية والأعضاء يعمل عمالها في نفس المهن أو مهن متقاربة أو مرتبطة ببعضها أو مشتركة في إنتاج واحد.

ويتألف مجلس إدارة النقابة العامة من مجلس يحدد القانون عدد أعضائه من 11 إلى 21 عضو. وينتخب مجلس إدارة النقابة العامة من الجمعية العمومية للنقابة العامة والتي تتشكل من ممثلين عن اللجنة النقابية يختارهم مجلس إدارة النقابة العامة حسب عدد أعضاء اللجنة كالتالي:

ممثل عن كل 250 عضو للألف الأولى من الأعضاء فتكون اللجنة المكونة من 1000 عضو يمثلها أربعة أعضاء بالجمعية العمومية للنقابة العامة.

ممثل واحد عن كل 500 عضو بعد الألف الأولى وحتى عشرة ألاف عضو فيكون عدد ممثلي اللجنة المكونة من 10000 عضو هو 22 عضو بالجمعية العمومية.

ممثل واحد عن كل 1000 عضو بعد العشرة ألاف وبحد أقصى 35 ممثل في الجمعية العمومية للجنة.

ثالثا الاتحاد العام: وهو الهيئة العليا للتنظيم النقابي ويتشكل مجس إدارته من 23 عضو على أساس ممثل
عن كل نقابة عامة. وتتشكل جمعيته العمومية من ممثلين من النقابات العامة.

ويعكس الهيكل التنظيمي للتنظيم النقابي في مصر مشكلات عميقة. فإذا نظرنا لصلاحيات المستويات التنظيمية الثلاث سنجد أن اللجان النقابية سنجد أن مستوى اللجان النقابية لا يتمتع بصلاحية إبرام اتفاق عمل جماعي ولا الدعوة لإضراب أو تنظيمه ويقتصر دور اللجنة النقابية على إبداء الرأي في اللوائح والعمل على تسوية النزاعات الفردية والجماعية وإعداد التقارير المتعلقة بنشاطها ومقترحاتها ورفعها للنقابة العامة حسب المادة 12 من قانون النقابات 35 لسنة 1976 .

أما النقابة العامة فحسب قانون العمل 12 لسنة 2003 وقانون النقابات 35 لسنة 1976 تتمتع بكل الصلاحيات النقابية من إبرام الاتفاقيات الجماعية والتفاوض الجماعي وتنظيم الإضراب ـ بأغلبية ثلثي مجلس إدارتها ـ والرقابة والمتابعة والإشراف على نشاط اللجان النقابية .

أما الاتحاد العام فيعتبره القانون الهيئة الأعلى التي تقود العمل النقابي على المستوى القومي وهو الذي يتمتع بالصلاحيات الكاملة على التنظيم النقابي.

والواضح هنا أن المستوى التنظيمي المنتخب من القواعد العمالية هو الأقل صلاحية في الممارسة النقابية
وكلما قل المجمع الانتخابي الذي يصعد عبره مجلس الإدارة كلما زادت الصلاحيات وكلما كان المستوى التنظيمي النقابي أكثر خضوعا للقواعد العمالية كان أقل في الصلاحيات.

والمفارقة الأكثر تعبيرا عن الخلل في الهيكل التنظيمي النقابي في مصر هو ما يمنحه القانون للاتحاد العام من سلطة في وضع القواعد المنظمة للتمثيل في الجمعيات العمومية حسب نص المادة 32 من القانون 76 لسنة 1976 ” تمثل اللجنة النقابية في الجمعية العمومية للنقابة العامة بممثلين يختارهم مجلس إدارتها من بين أعضائها وتمثل النقابة العامة في الجمعية العمومية للاتحاد العام لنقابات العمال بممثلين يختارهم مجلس إدارة النقابة العامة. وذلك كله طبقا للقواعد والإجراءات التي يصدر بها قرار من الاتحاد العام لنقابات العمال.” ما يعني أن الهيئة التي من المفترض أن تكون منتخبة من جمعيتها العمومية هي التي تقرر قواعد تشكيل تلك الجمعية. وهو ما يبدو أمرا شاذا للغاية أن يختار المرشح ناخبيه ويحدد الجمعية العمومية التي تنتخبه وليس العكس . لا يبدو هذا مجرد تجاوز أو إخلال بالمعايير الدولية للعمل النقابي بل إخلالا بأبسط بمعايير المنطق.

لا يقتصر هذا التشوه التنظيمي على الجمعيات العمومية للمستويات العليا للتنظيم النقابي فانتخابات اللجان النقابية أيضا تنطوي على أوضاع شبيهة. فإجراءات الترشيح تتضمن حصول المرشح على وثيقة من النقابة العامة التابع لها تفيد بعضويته النقابية ولا يعتد بأي إثبات آخر إلا بشهادة معتمدة من النقابة العامة حتى وإن كان هذا الإثبات قسيمة الأجر التي تتضمن خصم اشتراك النقابة. وتفتح النقابة العامة أبوابها لمنح هذه الشهادات للمرشحين لفترة وجيزة ولا يمكن للمقيمين في المحافظات النائية استخراج الشهادة من أي فرع قريب. وهذا الوضع في حد ذاته غريب جدا إذ يمنح لبعض المنافسين في الانتخابات القدرة على تعطيل منافسين آخرين في الترشح وبالفعل جرى في انتخابات 2006 استخدام هذه الطريقة في استبعاد عدد ضخم من المرشحين قدرته بعض التقارير بالألاف حسب تقرير لدار الخدمات النقابية “وقائع ما جرى ” يرصد الانتهاكات التي وقعت خلال الانتخابات النقابية. ولم تكن انتخابات 2006 استثناءا على هذا المستوى.

فتقرير آخر صادر عن اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية عن الانتخابات النقابية عام 2001 يرصد تقريبا نفس الانتهاكات والتي تمثلت في المرتين في تدخل الجهات الإدارية في عملية الانتخاب بدءا من إعلان الموعد وإجراءات الترشيح والتصويت والفرز وحتى إعلان النتيجة. وحرمان أعداد كبيرة من راغبي الترشيح من استكمال الإجراءات اللازمة نتيجة تعقيد الإجراءات وتدخل التنظيم النقابي نفسه والذي يعد أعضاؤه من المنافسين في الانتخابات ما يهدر مبدأ الفرص المتساوية. كذلك تقييد الحق في الدعاية الانتخابية وتدخل الأمن في عملية الفرز وإعلان النتائج فضلا عن استبعاد مرشحين.

إن النتائج النهائية للانتخابات النقابية تبين النتائج المباشرة لتلك الأوضاع الشاذة وسنعرض نتائج انتخابات آخر دورتين.

ويشير نفس المصدر إلى أن نتائج 14 نقابة عامة من أصل 23 قد حسمت أيضا بالتزكية والنقابات التسعة الأخرى جرت فيها الانتخابات بين 258 مرشح بزيادة قدرها 69 مرشحا فقط على العدد المطلوب.

وهو ما يعني أن نسبة الفوز بالتزكية في انتخابات مجالس إدارات النقابات العامة تزيد على 60% وإذا وضعنا في الاعتبار ضيق حيز التنافس فنسبة الانتخاب الحقيقية تصبح ضئيلة للغاية.

ويشير التقرير نفسه أن 13 مجلس إدارة نقابة عامة قد حسمت بالتزكية من أصل 23 نقابة عامة.

إن ظاهرة الفوز بالتزكية بنسب ضخمة تقترب من النصف للمستويات القاعدية في انتخابات تنظيم نقابي تصل عضويته إلى3,8 مليون عضو ويعمل منذ أكثر من نصف قرن ظاهرة تستحق التوقف .فإلى جانب ملاحظة أن نسبة التزكية ترتفع بشكل ملحوظ في النقابات العامة التي تضم عدد كبير من اللجان المهنية والنقابات التي تضم نسبة أكبر من العاملين بالحكومة.

فإن تأثير تعقد إجراءات الترشيح وتدخل الجهات الإدارية والأمنية وتدخل التنظيم النقابي نفسه في العملية الانتخابية يترك بصمة واضحة على النتائج تلك.

لا يمكن فهم وضع التنظيم النقابي المصري سواء من ناحية التشريع أو الهيكل إلا في سياق نشأته وتاريخه . وكما أوردنا في موقع سابق تأسس التنظيم النقابي الرسمي بقرار سياسي في عام 1957. ونشأ في كنف الدولة البيروقراطية التي كانت تملك وتحكم.

وكانت المركزية النقابية الصارمة هي أحد أوجه المركزية السياسية في ذلك الوقت والتي تمثلت في الحزب الواحد والبيروقراطية النقابية كانت جزء من البيروقراطية المسيطرة على كافة الجوانب السياسية والاجتماعية.

وضمان الدولة لحق العمل والأجر إلى جانب بقية دورها الاجتماعي كان يخفف دائما من الإحساس بالفراغ النقابي.

والمثير للتساؤل هو كيف أن التغيرات التي طرأت على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مصر خاصة من مطلع التسعينات لم تصل بعد للتنظيم النقابي.

لقد أدت التغيرات التي جرت خاصة في علاقات العمل والتي أدت لاتساع تلك المساحة المتروكة للمفاوضة الجماعية، إلى تزايد الإحساس بالفراغ النقابي.

ولكن التنظيم النقابي الواحد المدعوم بتشريع نقابي حمل بصمة الدولة المالكة وهيكل تنظيمي مقاوم لأي تغيير ليس هو بالتأكيد لمرشح لملء هذا الفراغ.

التنظيم النقابي والدولة

فاعلية التنظيم النقابي ودوره لابد وأن يتأثرا بالعوامل التي تعرضنا لها سالفا ـ النشأة والانتشار وسط العمال والهيكل التنظيمي والتشريع الذي يحكمه ـ ويظهر تأثير هذه العوامل مجتمعة ليس فقط على أداء التنظيم النقابي المصري ولكن على تكوينه أيضا. فالتنظيم النقابي الذي نشأ في كنف الدولة وتحت رعايتها عبر تشكيله دائما عن ذلك الانتماء. فكل مجال إدارات اتحاد نقابات عمال مصر كان أعضاؤها منتمين للحزب السياسي الحاكم سواء الاتحاد الاشتراكي في العهد الناصري أو حزب مصر في عهد السادات أو الحزب الوطني الحاكم في العهد الحالي. وقد كان عضوية التنظيم النقابي والترشح لانتخابات مجالس إداراته تشترط الانتماء للإتحاد الاشتراكي في العهد الناصري وزال ذلك الشرط لاحقا ولكن ظلت تشكيلات التنظيم حكرا على أعضاء الحزب الحاكم. لا يمثل هذا تناقضا مع الخطاب الرسمي النقابي والحكومي على السواء الرافض تدخل الأحزاب والقوى السياسية في العمل النقابي وحسب ولكنه يؤثر بشكل مباشر على الموقف النقابي الذي يختلط فيه الانتماء النقابي بالانتماء الحزبي خاصة عندما يكون الانتماء الحزبي مرتبط بالسلطة مباشرة. ومن أمثلة ذلك أن تحول عيد العمال في الأول من مايو من كل عام إلى احتفال رسمي يلقي فيه رئيس الجمهورية والذي هو في نفس الوقت رئيس الحزب الحاكم كلمته ويبايع فيه رئيس اتحاد نقابات العمال النظام الحاكم بإسم العمال. كما يظهر الدور الحزبي للتنظيم النقابي في الانتخابات الرئاسية التي يعلن فيها التنظيم تأييده للرئيس ومبايعته غير المشروطة له باسم كافة العمال في مصر حتى خارج التنظيم النقابي. كما يظهر الدعم الذي يقدمه التنظيم النقابي لمرشحي الحزب الحاكم في الانتخابات التشريعية من أعضاء التنظيم النقابي والذي يأخذ شكل دعم مالي مباشر.

وربما عكس اللقاء الذي تم في مقر الحزب الوطني الحاكم في ديسمبر 2008 بين أعضاء مجلس إدارة التنظيم النقابي وأمين السياسات بالحزب الوطني وهو نفسه نجل رئيس الجمهورية وبعض الوزراء لمناقشة مشروع إدارة الأصول المملوكة للدولة والذي تقدمت به لجنة السياسات، وكان من المفترض أن يتم اللقاء في مقر التنظيم النقابي لكنه تغير بناء على رغبة أمين السياسات بالحزب الحاكم وتم في مقر الحزب والمفارقة أن كل من حضروا وهم أعضاء مجلس إدارة الاتحاد وأغلب رؤساء النقابات العامة هم بالفعل أعضاء بالحزب الحاكم فمن بين 23 عضو بمجلس إدارة الاتحاد هناك 21 عضو بالحزب الوطني الحاكم ومن بين 23 رئيس نقابة عامة هناك 19 رئيس نقابة عضو بالحزب الوطني في الدورة النقابية 2006 ـ 2011 .

إن هذه العلاقة العضوية بين قيادة التنظيم النقابي والحكم جعلت التنظيم النقابي المدافع الأول عن السياسات الحكومية بغض النظر عن تأثير تلك السياسات على القواعد العمالية. فمثلا عندما بدأت الدولة سياسة التكيف الهيكلي والتي تضمنت خصخصة الشركات المملوكة للدولة وتصفية بعضها وتطبيق مشروع المعاش المبكر على العاملين بتلك الشركات أعلن التنظيم النقابي تأييده الغير مشروط لهذه السياسة وأصدر بيانا مشتركا مع اتحاد الصناعات لتأييد سياسة الخصخصة. كما كان أول المؤيدين لقانون قطاع الأعمال العام 203 لسنة 1991 والذي كان بداية مشروع الخصخصة ، دون أن يبذل جهدا حقيقيا في التفاوض على شروط الخصخصة وتقليل أثرها على العمال حتى. وعندما أعلنت الدولة رفع أسعار الوقود وبعض السلع في مايو 2008 لتوفير قيمة العلاوة التي قررها رئيس الجمهورية للعمال بنسبة 30% وهو ما أدى لموجة ارتفاع أسعار ضخمة كان رئيس اتحاد العمال وهو نفسه النائب بالبرلمان عن الحزب الحاكم وزعيم الكتلة البرلمانية للأغلبية سابقا هو المدافع الأول عن قرارات رفع الأسعار رغم موجة الاستياء بين القواعد العمالية التي تسببت فيها تلك القرارات. إن الارتباط التاريخي بين التنظيم النقابي وأنظمة الحكة المتتالية والتي بدأت بالنشأة واستمرت بالتداخل بين التنظيم النقابي ووزارة القوى العاملة ـ كان يتم الجمع بين منصبي رئيس اتحاد العمال ووزير القوى العاملة حتى منتصف الثمانينات وتم الفصل بينهما بعد ذلك ولكن ظل منصب الوزير جائزة لكبار قادة الاتحاد ـ ودعمها أيضا صلاحيات الحكومة بالتدخل في الشأن النقابي والانتماء الحزبي لقيادات التنظيم جعلت جميعها الحد الفاصل بين مواقف التنظيم النقابي والمواقف الرسمية غير واضح. وعادة ما استعانت السلطة بالموقف النقابي الرسمي لإضفاء شرعية شعبية على السياسات التي قد تلقى معارضة شديدة وربما كان المثال الأوضح على ذلك هو اصطحاب الرئيس السابق محمد أنور السادات وفدا نقابيا أثناء زيارته لإسرائيل في 1977.

إن قدرة الجهات الحكومية على التدخل في التنظيم النقابي عبر الآليات التي أوردناها في القسم السابق تعكس نتائجها ليس فقط في سيطرة أعضاء الحزب الحاكم على المناصب القيادية في التنظيم النقابي ولكن أيضا تعكس ظاهرة ارتبطت بالتنظيم النقابي الرسمي طوال الوقت وهي تقلد من هم فوق سن التقاعد للمناصب القيادية بالتنظيم النقابي الرسمي رغم توافر الكوادر العمالية الشابة التي تفرزها الحركة العمالية باستمرار. إن الإصرار الرسمي على سيطرة الحكومة على التنظيم النقابي الرسمي هو ما ينتج مجالس إدارات تابعة بمجملها للحزب الحاكم وأعضاؤها فوق سن التقاعد .

توضح البيانات أن عدد أعضاء مجالس النقابات العامة 471 عضو منهم 177 سيتجاوزون سن المعاش في نهاية الدورة النقابية و373 على الأقل ينتمون للحزب الوطني الحاكم. تكمن المفارقة في أداء التنظيم النقابي المصري في أن الحماس الشديد الذي يبديه لتأيد ودعم المواقف الحكومية الرسمية في أي مناسبة يختفي تماما عند الحديث عن مواقف عمالية ونقابية سواء كانت تلك المواقف تخص منشأة عمالية بعينها أو قطاع عمالي أو مواقف تعني العمال على المستوى القومي.

فعلى المستوى القومي نجد أنه رغم نص قانون العمل 12 لسنة 2003 على تشكيل المجلس القومي للأجور لتحديد الحد الأدنى للأجور ومراجعته بشكل دوري على أن يمثل به التنظيم النقابي ممثلا للعمال فإن التنظيم النقابي لم يتحرك على مدى خمس سنوات للمطالبة بتحديد الحد الأدنى للأجور أو مراجعته. وفي عام 2008 انعقد المجلس القومي للأجور لمناقشة الحد الأدنى للأجور ولكن لم يتوصل لأي نتيجة وتوقفت المناقشات فجأة بإعلان رئيس الجمهورية في خطابه بمناسبة عيد العمال صرف علاوة خاصة بنسبة 30% وهو ما استدعى كما أوردنا موجة من رفع الأسعار بنسبة تفوق قيمة العلاوة التي امتنعت عن صرفها أغلب شركات القطاع الخاص وقد رحب التنظيم النقابي الرسمي بقرار العلاوة وبقرار رفع الأسعار ولم يعد بعدها لمناقشة قضية الحد الأدنى للأجور.

كذلك لم يتخذ التنظيم النقابي الرسمي موقفا جديا إزاء قيام الحكومة بضم صناديق التأمينات العمالية والتي تمثل مدخرات عمالية إلى خزينة الدولة ما اعتبره نشطاء عماليين اعتداءا على مدخرات العمال. وحتى قبل ضمها لخزانة الدولة لم يكن التنظيم النقابي يبدي أي ملاحظات على الطريقة التي تدار بها أموال التأمينات الاجتماعية حيث كانت تودع في بنك الاستثمار القومي بأقل كثيرا من الفائدة المعمول بها في السوق وتستخدم عادة في سد عجز الموازنة وأحيانا في المضاربة في البورصة.

لم يبذل التنظيم النقابي الرسمي أي جهد حقيقي لتخفيف آثار سياسة التكيف الهيكلي والخصخصة على العمال بل على العكس عندما تظاهر نشطاء عماليين أمام البرلمان في مارس 2003 أثناء مناقشة قانون العمل الجديد قبل إصداره مطالبين بعدم التعجل في إصدار القانون وعرضه على القواعد العمالية. نظم إتحاد نقابات العمال في اليوم التالي مظاهرة مضادة للمطالبة بالإسراع في إصدار القانون وعدم الإلتفات لمعارضيه رغم تضمن مشروع القانون بنودا تسهل فصل العمال وتخفيض أجورهم.

على مستوى شروط وظروف العمل على المستوى القومي لم يقدم التنظيم النقابي الرسمي في مصر مبادرة حقيقية ويمكن اعتبار الاستثناء الوحيد في ذلك هو ما قامت به النقابة العامة للمناجم والمحاجر في عام 1993 بالدعوة لإضراب عام للعاملين بالمناجم والمحاجر للمطالبة بتشريع عمل خاص بالعملين بتلك المهن يتضمن امتيازات خاصة بهم نظرا لظروف المهنة الشاقة وهو ما نجحت فيه بالفعل.

التنظيم النقابي الرسمي والإضرابات

يفتح هذا الحدث ـ الاستثناء ـ المجال للحديث عن موقف التنظيم النقابي الرسمي من إضرابات العمال في مصر واحتجاجاتهم. لم يقم التنظيم النقابي الرسمي بتنظيم أي إضراب أو الدعوة إليه أو حتى تأييده سوى ذلك الإضراب. بل وصل الأمر إلى حد إدانة التنظيم النقابي الرسمي لاحتجاجات العمال علانية ونفي مشروعيتها وأحيانا الدعوة لفضها بالقوة “إضرب على رؤوسهم بأيدي من حديد حتى لا يكون الإضراب موضة” هذا ما قاله محمود عتيطو رئيس النقابة العامة للعاملين بالسكة الحدة محدثا الأمن وقاصدا سائقي السكة الحديد الذين أضربوا في عام 1986 للمطالبة بزيادة حافز الكيلومتر. وقامت بالفعل قوات الأمن باقتحام الإضراب وفضه بالقوة والقبض على المضربين. ورغم أن محكمة أمن الدولة والتي حاكمت العمال ساعتها بتهمة الإضراب برئتهم جميعا إستنادا إلى تصديق مصر على اتفاقيات دولية تتضمن حق العمال في الإضراب إلا أن السياسة الأمنية لم تتغير تجاه إضرابات العمال. فقد قامت قوات الأمن في السنوات التالية بفض احتجاجات العمال بالقوة في سنوات 86 و87 و88 و89 و1994 في شركة غزل المحلة وشركة إسكو بشبرا الخيمة وشركة الحديد والصلب بحلوان وشركة الغزل بكفر الدوار وكان موقف التنظيم النقابي في كل الأحوال هو موقف سلبي حتى عندما قامت قوات الأمن بإطلاق الرصاص الحي على العمال في احتجاجاتهم السلمية في الحديد والصلب بحلوان وفي الغزل بكفر الدوار. وهو ما يفسر موقف العمال من التنظيم النقابي أثناء الاحتجاجات ففي أكثر من مرة قام العمال أثناء احتجاجاتهم بسحب الثقة من التنظيم النقابي الرسمي أثناء اعتصاماتهم أو إضراباتهم. حدث هذا في اعتصام عمال الحديد والصلب في 1989 واعتصام غزل كفر الدوار في 1994 .

رغم تغير السياسة الأمنية تجاه الحركة العمالية في السنوات الأخيرة وخاصة منذ إضراب شركة غزل المحلة في ديسمبر 2006 إلا أن الموقف النقابي الرسمي لم يتغي(باسثناء إضراب عمال طتطا للكتان2009) فظل موقف التنظيم النقابي مدينا لاحتجاجات العمال.

ظهر هذا الموقف واضحا عندما انطلقت موجة إضرابات عمالية واسعة النطاق منذ إضراب غزل المحلة وأدانها التنظيم النقابي وأنكر في أغلب الأحوال مطالب العمال. وإن كانت بعض اللجان النقابية المصنعية إتخذت موقفا مختلفا بتبني مطالب العمال والدفاع عنها وتبني مواقفهم الاحتجاجية مثل موقف اللجنة النقابية لشركة طرة الأسمنت واللجنة النقابية لشركة طنطا للكتان.

لقد أعطى قانون العمل 12 لسنة 2003 النقابة العامة الحق وحدها في الدعوة للإضراب وتنظيمه وبأغلبية ثلثي أعضائها إعتمادا على عدم ميل التنظيم النقابي الرسمي خاصة في مستوياته العليا لتنظيم القواعد العمالية في احتجاج جماعي ولقابلية تأثر اللجان المصنعية الأكثر قربا من القواعد العمالية بضغط العمال.

وبالإضافة لمناوئة التنظيم النقابي للإضرابات العمالية فإنه لم يبدي تسامحا كبيرا مع أعضاء اللجان النقابية الذين وقفوا مع مطالب العمال واعتبرهم من المحرضين ولم ينج بعضهم من العقوبات منهم النقابية عائشة عبد العزيز أبو صمادة عضوة اللجنة النقابية بشركة الحناوي للمعسل بدمنهور والتي تم تجميد عضويتها بالنقابة ثم فصلت من العمل في عام 2008 لتبنيها مطالب العمال. والنقابية فاطمة رمضان والتي حصلت على أعلى الأصوات بانتخابات اللجنة النقابية للعاملين بالقوى العاملة بالجيزة وقررت اللجنة في عام 2008 أيضا تجميد عضويتها لأنها تحرض الموظفين وكانت عائشة أبو صمادة تطالب بضم العلاوات الاجتماعية لأجور العمال بالشركة كما نص القانون وكانت فاطمة رمضان تطالب بمساواة العاملين بمديريات القوى العاملة بالمحافظات بالعاملين بالوزارة أسوة بموظفي الضرائب العقارية. ماواجهته كلا من عائشة وفاطمة وغيرهم من النقابيين الذين عوقبوا من قبل التنظيم النقابي الرسمي لتبنيهم مطالب عمالية هي بالأساس جزء من واجبهم كنقابيين يختلف كليا عما تلقاه نقابي آخر هو علي النجار رئيس اللجنة النقابية للعاملين بالشركة العامة لأعمال النقل النهري والذي تقدم بمذكرة لرئيس مجلس إدارة الشركة اللواء على حسن إمام يطلب فيها مكافأته على نجاحه في منع إضراب لعمال الشركة وقد تلقى بالفعل مكافأة بقيمة خمسة ألاف جنيه من رئيس مجلس الإدارة وتكرر الأمر مرة أخرى وتلقى نفس المكافأة كان ذلك خلال عام 2008 أيضا. لم يتخذ التنظيم النقابي الرسمي أي إجراء تجاه النجار رغم نشر الموضوع ووثائقه في الجرائد وربما كان موقف النجار هو الأكثر اتساقا مع موقف التنظيم النقابي الرسمي خاصة إذا علمنا أن رئيس اتحاد العمال نفسه حسين مجاور قد تلقى مكافأة بقيمة 200 ألف جنيه بعد خروج أعضاء اللجنة النقابية لشركة السويس للأسمنت التي يتبعها على المعاش المبكر وأصبحت الشركة بدون لجنة نقابية.

لقد واجه التنظيم النقابي في مصر اختبارا جديا بعد التحول الذي حدث في علاقات العمل منذ التسعينات. فكما أسلفنا كانت علاقات العمل مستقرة نسبيا وكانت الدولة هي صاحب العمل الأساسي وكانت تضمن شروط وظروف العمل كما كان قيامها بالدور الاجتماعي في التعليم والصحة والإسكان يخفف من تكلفة وأعباء المعيشة وكانت المساحة المتروكة للتفاوض في ظل علاقات العمل تلك ضيقة للغاية وتكاد تكون معدومة. ولكن إخضاع علاقات العمل لآليات السوق جعل مساحة التفاوض أكبر وانسحاب الدولة من دورها الاجتماعي بعد تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة شكل ضغطا على العمال وأصحاب الأجور ودفع العمال للنضال من أجل الحصول على مزيد من المكاسب تعين على الأعباء المتجددة. التنظيم النقابي الذي نشأ تحت رعاية الدولة وليس من خضم الحركة العمالية والذي ضمن له الهيكل البيروقراطي والتشريع الحكومي استقراره لم يكن مستعدا لا لقيادة حركة العمال ولا حتى للتعامل معها وكل ما استطاع القيام به هو المسارعة لإدانة التحركات العمالية التي كان منوطا به تبنيها كأنما كان يؤكد عدم تورطه به.

ربما يتضح أكثر موقف التنظيم النقابي الرسمي بتعرضنا بشيء من التفصيل لتجربتين من أبرز التجارب العمالية في مصر في الفترة الحالية وهما تجربة عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى وتجربة موظفي الضرائب العقارية.

تجربة عمال المحلة:

بدأ احتجاج عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى بدلتا مصر في الرابع من ديسمبر عام 2006 بالامتناع عن صرف الأجر للمطالبة بصرف أجر شهرين نصيب العمال من الأرباح محتجين بقرار صادر من الحكومة مفاده أن الشركات التابعة للدولة التي تمنى بالخسائر سصرف عمالها شهرين أرباح إذا تمكنت من خفض الخسائر ورفضت الإدارة بدعوى أن القرار يقصد شركات القطاع العام وليس شركات قطاع الأعمال وأعطى العمال مهلة ثلاثة أيام يعلن بعدها العمال الإضراب عن العمل والاعتصام بالشركة حتى الاستجابة لمطلبهم. لقد جاء توقيت احتجاج العمال حساسا حيث كانت الانتخابات النقابية قد انتهت في آخر نوفمبر من نفس العام أي قبل حوالي عشرة أيام من احتجاج العمال. وإزاء تجاهل الإدارة مطلب العمال أعلن العمال الإضراب في السابع من ديسمبر واعتصموا في الميدان الرئيسي للشركة وقد بدأت عاملات مصنع الملابس الجاهزة بالشركة الإضراب مرددين الهتاف الذي اشتهر بعد ذلك “الرجالة فين الستات اهم” وتجمع عمال الشركة البالغ عددهم ساعتها حوالي 24 ألف عامل منهم ما يزيد على خمسة ألاف عاملة.

كان موقف التنظيم النقابي واضحا من اللحظة الأولى ومفاده أن العمال ليس لهم حق في ذلك المطلب وأن هناك سوء فهم استغله الخاسرون في الانتخابات النقابية التي انتهت للتو ووقفت اللجنة النقابية والنقابة العامة واتحاد العمال ضد إضراب العمال ومطلبهم. إستمر الإضراب يومي السابع والثامن من ديسمبر وفي اليوم الثالث للإضراب حضرت إلى الشركة عائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة وأعلنت الاستجابة لمطلب العمال واحتساب أيام الإضراب إجازة مدفوعة الأجر.

أنهى العمال إضرابهم على ذلك و بدأوا فور انتهاء الإضراب حملة جمع توقيعات لسحب الثقة من اللجنة النقابية بالشركة لأنها وقفت ضدهم في الإضراب. جمع العمال بالفعل ما يزيد على 12 ألف توقيع لسحب الثقة من اللجنة النقابية وتوجه في فبراير 2007 وفد من عمال الشركة لمقر النقابة العامة بالقاهرة لتسليم التوقعيات . إلتقى الوفد الذي ضم حوالي 70 من عمال الشركة رئيس النقابة العامة للعاملين بالغزل والنسيج سعيد الجوهري وقدم له التوقيعات مطالبا بتغيير اللجنة النقابية بناء على رغبة أكثر من نصف جمعيتها العمومية. طلب رئيس النقابة وقتا لمراجعة التوقيعات وأكد للعمال أنه سيرد عليهم خلال أسابيع قليلة. لم يتلقى العمال أي رد من النقابة العامة وبدأوا في إرسال استقالات من التنظيم النقابي مطالبين بوقف خصم اشتراك النقابة من الأجر. رغم وصول عدد الاستقالات التي أمكن إحصائها إلى حوالي ثلاثة ألاف استقالة إلا أن النقابة العامة استمرت في تجاهل موقف العمال.

في سبتمبر من العام 2007 عاد العمال للإضراب مرة أخرى مطالبين بنسبة الأرباح المقررة قانونا وبتحسين الأجور والحوافز. رغم أن إضرابهم هذه المرة كان في شهر رمضان إلا أنه بدا أكثر قوة وتماسكا فقد استمر العمال ستة أيام في الإضراب وضم الاعتصام في الشركة متوسط 12 ألف عامل وعاملة طوال فترة الاعتصام وشكل العمال مجموعات لحماية الشركة والمعدات حتى لا تلصق بهم تهم التخريب كما استمر العمال في تشغيل محطتي المياه والكهرباء والجراج التابعة للشركة لاعتبارات إنسانية. حيث أن محطتي المياه والكهرباء تغذيان منازل لأسر تابعة للشركة وكذلك تغذيان مستشفى تابعة للشركة. أما الجراج فلأن به سيارات إسعاف وسيارات لخدمة تلاميذ المدارس. كان الإضراب غاية في التنظيم وأظهر خلاله درجة عالية من التعاون والتكامل بين عمال الشركة.

وتبقى الملاحظة الأهم هي الطريقة التي أنهي بها الإضراب وهي التفاوض. ففي اليوم السادس قدم إلى المحلة وفدا رسميا للتفاوض مع العمال لإنهاء الإضراب ضم الوفد كلا من محسن الجيلاني رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج التي تتبعها الشركة وحسين مجاور رئيس اتحاد نقابات العمال وسعيد الجوهري رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج وبعض من قيادات الحزب الوطني الحاكم بالمحلة. كان من الغريب أن يأتي رئيس اتحاد العمال ورئيس النقابة العامة للتفاوض مع العمال باسم صاحب العمل ولكن وفد العمال الذي ضم 25 من قيادات العمال وليس بهم أيا من أعضاء مجلس إدارة اللجنة النقابية بالشركة ـ كان رئيس اللجنة صديق صيام قد حاول في الأيام الأولى للإضراب إقناع بعض العمال بترك الإضراب وهاجمه العمال وكادوا أن يفتكوا بهـ قد تصدى للمفاوضات على مدى أكثر من خمسة ساعات وأصر حسين مجاور ساعتها على عد حضور أي صحفيين أو وسائل إعلام اللقاء الذي انتهى بتنفيذ أغلب مطالب العمال وجدولة بعضها مع وعد بإقالة رئيس مجلس إدارة الشركة محمود الجبالي الذي اتهمه العمال بالتسبب في تخريب الشركة وهو ما تم لاحقا بالفعل.

لقد كان إضراب ديسمبر نموذجيا من حيث قدرة العمال على تنظيم أنفسهم لمدة ستة أيام وبهذا العدد الضخم واحتمال مختلف أشكال الضغوط وأيضا إدارة مفوضات ناجحة. رفع إضراب سبتمبر 2007 معنويات عمال المحلة ودفعهم لاتخاذ خطوة جديدة تماما في الحركة العمالية المصرية وهي تجاوز المطالب المصنعية ورفع مطالب عمالية على المستوى القومي. فقد كان من المقرر أن ينعقد المجلس القومي للأجور في فبراير 2008 فقام عمال المحلة بتنظيم مظاهرة يوم 17 فبراير ليرفعوا مطلبهم الخاص بالحد الأدنى للأجور لكل العمال في مصر وتحرك العمال بعد انتهاء العمل في ذلك اليوم في مظاهرة ضمت أكثر من 12 ألف عامل وعاملة من الشركة للمطالبة برفع الحد للأجور وحددوا الحد الأدنى بأنه خط الفقر الأعلى المقرر دوليا لأسرة مكونة من أربعة أفراد بواقع دولارين في اليوم للفرد أي 1200 جنيه شهريا. بعد مظاهرة الحد الأدنى للأجور حدد العمال يوم السادس من أبريل 2008 للإضراب احتجاجا على المماطلة في تنفيذ المطالب التي كانوا اتفقوا عليها مع حسين مجاور.

وقد انضمت إلى دعوة الإضراب الذي أعلنه العمال العديد من القوى النشطة بهدف توسيع الإضراب. في 30 مارس 2008 استدعى حسين مجاور رئيس اتحاد العمال مجموعة من القيادات العمالية بشركة غزل المحلة إلى مكتبه باتحاد العمال بالقاهرة وأجبرهم على التوقيع على تعهد بعدم الإضراب ومنعه بالشركة وقد وقع خمسة منهم على هذا التعهد ورفض اثنان ألقي القبض على أحدهم لاحقا واعتقل لمدة شهرين. في السادس من أبريل تعامل الأمن بشكل حاسم مع الإضراب فتواجد داخل الشركة قبل دخول العمال إلى الشركة ومنعهم من التجمع وأجبرهم على التوجه للعنابر والعمل . كما تم صرف العمال مبكرا حتى لا يتجمع عمال الوردية الأولى . وانفجرت مظاهرات بعد ظهر ذلك اليوم في مدينة المحلة تعامل الأمن معها بعنف مفرط وسقط خلالها قتيل واحد على الأقل برصاص الشرطة فضلا على عشرات الجرحى ومئات المعتقلين. كانت أحداث السادس من أبريل 2008 والأيام التالية نقطة فاصلة في مسار الحركة العمالية في غزل المحلة إذ مثل اعتقال ثلاثة من العمال و تدخل الأمن السافر في الشركة وتجاهل موقف العمال من التنظيم النقابي الرسمي سواء سحب الثقة أو الاستقالات الجماعية من التنظيم وحملات العقاب الجماعي التي عانى منها العمال لاحق. ورغم ذلك عاد العمال للاحتجاج في أكتوبر 2008 عندما أعلنت ميزانية الشركة متضمنة خسائر تزيد على 140 مليون جنيه ما اعتبره العمال خطر على مستقبل الشركة ونظموا مظاهرة ضمت أكثر من عشرة آلاف عامل وعاملة بدأتها أيضا العاملات في 30 أكتوبر 2008 للمطالبة بإصلاح الشركة ومحاسبة المسؤلين عن الخسائر. ورغم أن المظاهرة كانت بعد ساعات العمل الرسمية إلا أن إدارة الشركة قامت بحملة لمعاقبة العمال قامت خلالها بنقل عاملتين وثلاثة عمال و خفض العلاوة الدورية لآخرين فضلا عن التحقيق مع أكثر من 150 عامل وعاملة.

على مدى السنتين ناضل عمال وعاملات غزل المحلة لنيل مطالبهم واستطاعوا بالفعل الحصول على بعضها وواجهوا خلال نضالهم تعسف الإدارة وعنف الأمن فضلا عن وقوف تنظيمهم النقابي ضدهم وكان من أهم نتائج حركة عمال غزل المحلة هو تأثيراها في حركة الطبقة العاملة المصرية ككل إذ تلا إضراب المحلة في ديسمبر 2006 أقوى موجة إضرابات عمالية في مصر منذ نصف قرن.

تجربة موظفي الضرائب العقارية

ترجع مشكلة موظفي الضرائب العقارية البالغ عددهم أكثر من 50 ألف موظف وموظفة منتشرين على نطاق الجمهورية إلى قرار صدر عام 1974 من عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء آنذاك بنقل تبعية موظفي الضرائب العقارية بالمحافظات لمجالس المحليات ماليا وإداريا بدلا من تبعيتهم لوزارة المالية وهو ما يعني أن تنخفض دخولهم عن موظفي مصلحة الضرائب العقارية المركزية و وزارة المالية بنسبة كبير إذ كان يحصل موظفي المحليات على حافز إثابة بنسبة 25% بينما تصل حوافز المصلحة لأكثر من 350% ورغم المطالبة المستمرة للموظفين بمساواتهم بموظفي المصلحة ظلت الحكومة تتجاهل هذه المطالب. حتى بدأت احتجاجات موظفي الضرائب العقارية في التصاعد في الربع الأخير من عام 2007 ففي مطلع سبتمبر من العام تظاهر عدة ألاف من موظفي وموظفات الضرائب العقارية بالجيزة أمام مقر عملهم للمطالبة بمساواتهم بالعاملين في مصلحة الضرائب العقارية ورغم أن مظاهرتهم لم تجد أصداء لدى المسؤلين إلا أن الجولة التالية في شهر أكتوبر جمعت ألاف الموظفين من محافظات مختلفة أمام مقر وزارة المالية ما شكل ضغطا أكبر ساعتها وتحرك المتظاهرون من أمام مقر وزارة المالية بمدينة نصر حتى مقر اتحاد نقابات عمال مصر بوسط القاهرة لمطالبة التنظيم النقابي باتخاذ موقف إلى جانبهم وازاء استشعار الموظفين عدم تجاوب التنظيم النقابي معهم قرروا الاعتصام داخل مبنى الاتحاد وبعد لقاء مع وفد منهم وحسين مجاور رئيس الاتحاد أنهى الموظفون الاعتصام انتظارا لنتيجة مفاوضات وعد بها مجاور مع المسؤلين.

بعد انتظار الموظفين المهلة التي اتفقوا عليها مع الاتحاد عادوا للإعتصام في نوفمبر من نفس العام في الاتحاد وفوجئوا بتجاهل تام من التنظيم النقابي الرسمي . وفي الثالث من ديسمبر عام 2007 تجمع أكثر من 10 ألاف موظف وموظفة من كل محافظات مصر وأعلنوا الاعتصام أما مبنى رئاسة الوزراء بالقاهرة حتى تتم مساواتهم بالمصلحة. استمر اعتصام الموظفين والموظفات عشرة أيام كاملة أمام مبنى رئاسة الوزراء دارت خلالها مفاوضات مع عدد من المسؤلين كان من بينهم وزير المالية يوسف بطرس غالي ومرة أخرى ظهر حسين مجاور وبعض النقابيين من التنظيم الرسمي للتفاوض باسم الحكومة. وفي إحدى المرات ظهر فاروق شحاتة رئيس النقابة العمة للعاملين بالبنوك والتأمينات والأعمال المالية والتي يتبعها موظفي الضرائب العقارية فثار عليه المعتصمين وهتفوا ضده وأجبروه على المغادرة.

وقد تشكلت لجنة لإدارة الإضراب تم فيها تمثيل كل المحافظات وكانت مهمتها إدارة شؤن الاعتصام وتوفير اللوازم من طعام وأغطية وإدارة المفاوضات وكانت اللجنة تجتمع يوميا مساءا أو عند الضرورة للتشاور حول الأوضاع والرجوع إلى المعتصمين وكانت القرارات تتخذ بالتصويت بين المعتصمين وفي إحدى جولات المفاوضات قدم يوسف بطرس غالي وزير المالية اقتراحات على مفاوضيه رأى بعضهم أنها كافية وعندما توجه المفاوضون للمعتصمين طرحت عليم وحدث انقسام في الأراء فتم الاتفاق على مهلة للتشاور حتى صباح اليوم التالي وبعدها تم التصويت على الاستمرار في الاعتصام أو إنهاءه فاختار المعتصمون الاستمرار والتزم الجميع بنتيجة التصويت. في اليوم العاشر اضطرت الحكومة للإستجابة من حيث المبدأ للمطالب وعقد لقاء لمناقشة التفاصيل وقرر المعتصمون إنهاء الاعتصام على ذلك وفي يوم 31 ديسمبر 2007 اجتمع وزير المالية ورئيس مصلحة الضرائب العقارية بمقر المصلحة بالقاهرة باللجنة العامة لإدارة الإضراب وتم التفاوض على تنفيذ المطالب وبدأ بالفعل صرف الزيادة للموظفين وقد حاول فاروق شحاتة رئيس النقابة العامة حضور المفاوضات ولكن أعضاء اللجنة رفضوا وأصروا على انصرافه وهو ما حدث.

لقد أسفر اعتصام موظفي وموظفات الضرائب العقارية عن رفع أجورهم بنسبة تزيد على 300% وهو أعلى مكسب تحقق على الإطلاق من احتجاج عمالي والأهم أن اللجنة العامة للإضراب قررت بعد مداولات وبعد دعوات من الموظفين الاستمرار بهدف تأسيس نقابة لموظفي الضرائب العقارية مستقلة عن التنظيم النقابي الرسمي وبالفعل وصلت عضوية النقابة المستقلة إلى 30 ألف عضو من مختلف المحافظات ثلثهم تقريبا من الموظفات. وفي 20 ديسمبر 2008 عقد الموظفون مؤتمرا بنقابة الصحفيين ضم أكثر من خمسة ألاف موظف وموظفة في الذكرى الأولى للاعتصام واعتبره الموظفون المؤتمر التأسيسي للنقابة وتم خلاله انتخاب سكرتارية للنقابة تمثل كافة المحافظات وثلثها من الموظفات وتكلف باستكمال إجراءات التأسيس ووضع اللائحة الداخلية والنظر في الحصول على عضوية اتحادات دولية وإقليمية. كان رد فعل التنظيم النقابي الرسمي على لسان كبار مسؤليه أن ما يقوم به موظفو الضرائب من بناء نقابة خارج التنظيم الرسمي غير قانوني ولن يسمح به .

كما عانى موظفو الضرائب العقارية خلال سعيهم لتأسيس النقابة شتى صنوف الملاحقات الأمنية والإدارية الساعية لإجهاض محاولة بناء النقابة. و بذل التنظيم النقابي الرسمي جهدا كبيرا في مقاومة نجاح النقابة المستقلة ووصل الأمر إلى حد إرسال رئيس اتحاد نقابات العمال خطابات رسمية باسم الاتحاد للمسؤولين ومنهم وزير المالية يطلب منه عدم التعامل مع النقابة المستقلة وقصر التعامل على النقابة العامة للعاملين بالبنوك والتأمينات والتي يتبعها نظريا موظفو الضرائب العقارية والتي كان استقال منها أيضا أكثر من خمسة ألاف من الموظفين احتجاجا على موقفها من مطالبهم وحركتهم. والملاحظ أن تلك الاستقالات قد تم تجاهلها من جانب التنظيم النقابي الرسمي. النقابة العامة نفسها أرسلت باسم رئيسها فاروق شحاتة خطابا لرئيس مصلحة الضرائب العقارية تطلب منه عد التعامل مع قيادات النقابة المستقلة والتعامل فقط مع أعضائها والأكثر أنها عممت خطابا على مواقع عمل الضرائب العقارية تدعي فيه أنها أنجزت مفاوضات بشأن صندوق رعاية العاملين. والذي كانت النقابة المستقلة تدير مفاوضاته وتضع قواعده مع المصلحة.

وحتى بعد أن قامت النقابة المستقلة بإيداع أوراقها في وزارة القوى العاملة والهجرة يوم 21 أبريل 2009 وفقا للقانون إستمرت حملة التنظيم النقابي الرسمي ضد النقابة المستقلة سواء باسعداء المسؤزولين عليها أو الضغط على الموظفين لعدم الانضمام لها أو محاولة تشويهها أمام الرأي العام واتهامها بالتبعية لجهات خارجية.

لقد كانت تجربة موظفي الضرائب العقارية بحق الأكثر تميزا في الحركة العمالية في مصر واستطاعت أن تصمد في مواجهة كل أنواع الصعوبات حتى أصبحت دليلا للحركة العمالية في مصر. خاصة بعد أن انتزعت كامل شرعيتها بإيداع أوراقها بوزارة القوى العاملة وسط حشد ضم ما يزيد عل ال500 من مؤسسي النقابة أو بحصولها على عضوية الاتحاد الدولي لعمال الخدمات. ولا يمكن عن أهمية حركة موظفي الضرائب العقارية دون النظر إلى تأثيرها ليس فقط على قطاعات مختلفة من الحركة العمالية التي بدأت تطالب بالنقابات المستقلة مثل إداري التربية والتعليم و عمال البريد والسكة الحديد وغيرهم ولكنت التأثير الفريد الذي تركته على التنظيم النقابي الرسمي ذاته. فبعد أن بذل التنظيم النقابي الرسمي كل جهده لمنع قيام التنظيم النقابي المستقل اضطر للإذعان للأمر الواقع واتباع تكتيك مختلف في التعامل مع النقابة المستقلة يعتمد على الاستيعاب وليس العداء.

وقد بدا تأثير ظهور النقابة المستقلة على أداء التنظيم النقابي الرسمي واضحا في الفترة التالية على المؤتمر التأسيسي في 20 ديسمبر 2008 فقد حاولت بعض النقابات العامة إظهار انحيازها للمطالب والمواقف العمالية. فقد هددت النقابة العامة للعاملين بالصناعات الغذائية بتنظيم وقفة احتجاجية للعاماملين بالمطاحن ضد تغيير نظام إسناد الطحن واعتماد نظام المناقصات التي تتيح حصول القطاع الخاص على أفضلية. كذلك أعلنت النقابة العامة للعاملين بالتعليم تبنيها لمطالب الإدارين “العاملين بالتعليم من غير المعلمين” والمتمثلة في رفع الأجور. لقد تكررت هذه المواقف من النقابات العامة منذ بداية عام 2009 ولكن أكثرها وضوحا كان موقف النقابة العامة للغزل والنسيج والتي أعلنت موافقتها على تنظيم ما يقرب من 1000 عامل بشركة طنطا للكتان بدلتا مصر في مايو 2009 للمطالبة بزيادة بدل الوجبة الغذائية وصرف العلاوات الدورية للعمال مع مطالب أخرى وهو الإضراب الأول الذي توافق عليه نقابة عامة منذ صدور قانون العمل 12 لسنة 2003 والذي يضع موافقة ثلثي النقابة العامة شرطا لتنظيم الإضراب.

إن تجربتي عمال غزل المحلة وموظفي الضرائب العقارية تكشف ليس مدى الفراغ النقابي الذي تعيشه الحركة العمالية المصرية فقط ولكنها كشفت أيضا قدرة الحركة العمالية على ملأ هذا الفراغ. لقد عكست الحركة العمالية كما أوضحنا في تجربتي المحلة والعقارية درجة عالية من الوعي والتنظيم والمسؤلية في حين لم يتمكن التنظيم النقابي الرسمي من تجاوز وضعه كتنظيم نشأ تحت رعاية الدولة.

               

التعليقات