بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة السكن: انحيازات الدولة وتناقضات السوق (1-2)

حفزنا إلغاء قانون الإيجار القديم، والذي يهدّد بتشريد نحو 1.64 مليون أسرة، وعمليات الإخلاء القسري التي تعرض لها أكثر من 2.8 مليون شخص ضمن محيط القاهرة الكبرى لم تحصل الغالبية العظمى منهم على تعويض، لكي نلقي نظرة معمقة على أزمة الإسكان المتفشية في مصر.

ودفعنا حرمان غالبية الشعب المصري من سكن ملائم، بينما يشهد القطاع العقاري نموا هائلا قائما على تشييد “كومبوندات” لأقلية من السكان، للتساؤل حول قدرة السوق الرأسمالي على حل الأزمات، وحول انحيازات الدولة، فهل تقف فعلا على الحياد، كما تدعي، أم أنها تنحاز للطبقة البرجوازية عبر توجيه مواردها لخلق قطاعات عالية الربحية بما يخدم مصالح هذه الطبقة ويزيد أرباحها على حساب الأغلبية.

مشروعات قومية لمصلحة الأقلية
لا يمكن النظر إلى هذا النمو وإلى الطابع النخبوي للمناطق الجديدة إلا كنتيجة لتوجه عام نحو خلق قطاعات كثيفة الربحية بهدف جذب الاستثمارات.

وهو التوجه التي بدأت فيه الحكومة من التسعينات إلا أنه تطور بشكل كبير على مدار السنوات العشر الماضية من خلال عمليات تسليع واسعة للأراضي، إنفاق حكومي ضخم على البنية التحتية.

في عام 2014 أخذت الدولة على عاتقها مهمة تنشيط الاقتصاد وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار من خلال خلق بيئة مناسبة لتحقيق الأرباح ومن هنا بدأت تنفيذ مجموعة من مشروعات البنية التحتية بدأت بالمشروع القومي للطرق عام 2014 الذي تضمن إنشاء 7,000 كم من الطرق الجديدة بتكلفة وصلت إلى 175 مليار جنيه حتى الآن وتطوير ورفع كفاءة 10,000 كم من الطرق بتكلفة وصلت إلى 130 مليار جنيه حتى الآن. هذا التطوير الذي تضمن عمليات هدم مست العديد من المناطق التراثية بالقاهرة مثل منطقة الإمام الشافعي والسيدة زينب وأجزاء من جبانة المماليك.

وصرحت وزارة النقل عام 2024 بأن إجمالي الموازنة الاستثمارية الموجهة للقطاع خلال 2014–2024 بلغ نحو 2 تريليون جنيه توزعت بين:

كان الهدف من مشروعات القطار الكهربائي ومعظم الطرق الجديدة هو توسيع النطاق العمراني بضم مناطق، كانت تعد نائية إلى الحيز الحضري. وقد ترافق هذا التوسع في شبكة الطرق مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية الأساسية والثانوية، إنشاء محطات مياة وكهرباء ومد شبكات داخلية لإيصال المرافق الحيوية من مياه وكهرباء وصرف صحي إلى جانب تنفيذ عمليات التشجير والتجميل المطلوبة، وتنفيذ مشروعات التنمية العمرانية اللازمة لتوفير الخدمات الأساسية مثل المدارس والمستشفيات والأسواق والمساجد والكنائس.

وفي الواقع فإن التوجه لزيادة الحيز العمراني استهدف إنعاش عجلة الاقتصاد متأثرا بتوجه عالمي أخذ في النمو بعد الأزمة العالمية في 2008 التي أدت إلى تباطؤ وتيرة الاقتراض التقليدي ما دفع شبكات التمويل العالمية في توجيه الفوائض الرأسمالية من أوروبا والصين وأمريكا إلى إعادة تدوير ما لديها من سيولة إلى أسواق الدول الأقل ترتيبا على قوائم الارتقاء المالي وهو ما تجلى في التدافع العالمي لتمويل البنية التحتية. رافق هذا التوجه خطاب حول نقص البنية التحتية في دول الجنوب العالمي تبنته منظمات التنمية متعددة الأطراف مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير. كما أن قدرة الدولة المستمرة على توفير المساحات الواسعة المطلوبة لهذا النوع من المشاريع عن طريق الملكية المباشرة أو التأميم أو نزع الملكية يعزز من قيمة أدوات الدين في سوق المال، ما يجعل وجود أنظمة قمعية في البلدان الأدنى في التسلسل الهرمي المالي ضروري[1].

خلال الفترة من 2014 إلى 2023، بلغ إجمالي استثمارات وزارة الإسكان الموجهة إلى المدن الجديدة نحو 1.3 تريليون جنيه، خصص نحو 75% منها لتنمية “مدن الجيل الرابع” مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، وغيرها، وفقا لتصريحات عاصم الجزار، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية.

ولتوضيح أولويات الدولة الاستثمارية، تُظهر بيانات الموازنة العامة لعام 2017-2018 أن نحو 60% من إجمالي الاستثمارات الحكومية وجهت إلى قطاع المرافق والإسكان وقطاع الشؤون الاقتصادية، وهما القطاعان المسؤولان عن مشروعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والكباري. في المقابل، لم تتجاوز حصة التعليم 10% وحصة الصحة 7.5% من إجمالي الاستثمارات الحكومية خلال نفس العام.

وجه معظم هذا الإنفاق إلى المدن الجديدة بهدف تنشيط الاستثمار وخلق فرص لزيادة أرباح هذا القطاع.

مع ذلك، تظهر البيانات أن المساهمة الأساسية في إنتاج المساكن خلال السنوات الست عشرة الماضية جاءت من القطاع الخاص غير الرسمي، الذي يتركز نشاطه داخل المدن القائمة بالفعل لا في المدن الجديدة.

وهذا يشير إلى أن أي تنمية حقيقية تستهدف تحسين حياة الأفراد، لا تعظيم الأرباح، كان من المفترض أن تركز الإنفاق على دعم وتطوير العمران القائم بالفعل.

 

لقد خلق هذه التوجه بالفعل سعيا للاستثمار في التطوير العقاري باعتباره أحد القطاعات الأكثر ربحية ما حقق نسب نمو هائلة في هذه القطاع تفوق وأحيانا تساوي ضعف النمو الكلي في الاقتصاد متفوقا.

غير أن السؤال الجوهري هو: كيف تم توفير هذه البيئة؟ ومن أين حصلت الدولة على التمويل اللازم للانفاق على مشروعات الطرق والبنية التحتية الضخمة؟ الإجابة في الجزء الثاني من المقالة.

مصادر
[1] داليا وهدان. في عرض الطريق. ص8.دار المرايا (2024)