الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية
انه ذلك المعتقد الذي يكوّن ما يسميه المنتظرون ” بنفاد صبرهم حيال الإجراءات “. في المقام الأول، انهم أقل استعدادا من أسلافهم الجمهوريين والديمقراطيين لتملق المؤسسات الدولية. لقد قام جون بولتن بتلخيص ذلك الموقف بدقة عندما قال ” لا يوجد ما يسمى بالأمم المتحدة. يوجد مجتمع دولي بالامكان قيادته بواسطة القوة الحقيقية الوحيدة المتبقية في العالم وهذه هي الولايات المتحدة الأمريكية عندما يتلاءم ذلك مع مصالحنا وعندما نتمكن من كسب الآخرين للتقدم معنا “(49). يمثل ذلك الموقف تحول في التشديد وليس دحض للماضي. كما رأينا مسبقا، فقد كانت ادارة كلينتون على أتم الاستعداد لتجاهل الأمم المتحدة والقيام بعمل أحادي الجانب كلما رأت أن هناك ضرورة لذلك. لكن ادارة بوش الفتية تعد أكثر انفتاحا في تعبيرها عن الازدراء تجاه الدول الرأسمالية والقيادية الأخرى في غرب أوروبا وشرق آسيا. فقد دخلت بسرعة في سلسلة من النزاعات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية كيوتو، والتجارة ( وبالتحديد رفع الولايات المتحدة الأمريكية لتعريفة الصلب المستورد )، ومعارضة الولايات المتحدة الأمريكية لمحكمة الجزاء الدولية. لقد عبر بيرل بشكل صريح عن الازدراء الذي يكنّه اليمين الجمهوري للأوروبيين فنظرا لكونه مستشارا بلا أجر للادارة يسعه الابتعاد عن الحكمة في التعبير. فعندما سئل عن مدى احتياج الولايات المتحدة لدعم الاتحاد الأوروبي للاطاحة بصدام، أجاب:
ان نفس الظاهرة التي تؤدي الى تحمل الأوروبيين لصدام – أنهم يتقبلون أيا كان في السلطة – ستجعلهم يدعمون النظام التالي لصدام. سيتغيرون بسرعة…سيفعلون ما هو في مصلحتهم الخاصة.
انني أشير الى أنهم الآن يملؤون الفنادق في بغداد لتوقيع العقود التي سيجري تنفيذها عند رفع الحصار. سوف يكونوا في نفس الفنادق وبصدد نفس العقود مع النظام التالي. (50)
في بعض الحالات، يتطور ذلك الازدراء نحو أوروبا الى عداء بائن. وقد تفجر ذلك بشكل فعال بواسطة أناتول ليفن – صحفي بريطاني لديه علاقات وثيقة باليمين الجمهوري- في الفترة التي عقبت الحادي عشر من سبتمبر مباشرة:
بعد مدة قصيرة من تولي ادارة بوش للسلطة في يناير، دعيت الى الغداء بمطعم ساحر في نيويورك من قبل مجموعة من رؤساء التحرير والكتاب من القائمة الاعلامية العريضة والمؤثرة للجناح اليميني الأمريكي. كان الطعام والنبيذ باهظي الثمن وزخرفة المكان فخمة لكن هادئة وارتدى الزبائن الملابس الجميلة بينما كان معظم الحوار جنوني بدرجة أعلى مما يمكن وصفه بالمعتدل. فيما يخص الجزء الأكبر من العالم خارج الولايات المتحدة، كان موقف المستضيفين عبارة عن خليط من الكراهية والازدراء وعدم الثقة والخوف: ليس فقط تجاه العرب والروسيين والصينيين والفرنساويين وغيرهم ولكن حيال الحكومات الاشتراكية الأوروبية، أيا كان المعنى المفترض لذلك. تماشى ذلك مع رغبة عارمة – على المستوى النظري على الأقل – للقيام بأعمال عسكرية ضد نطاق واسع من الدول حول العالم (51).
يستشهد ليفن بأحد القادة السياسيين الجمهوريين عندما سأل، ” من قال أن لدينا قيم مشتركة مع الأوروبيين؟ انهم حتى لا يذهبون الى الكنيسة”. لقد قام أحد زملاء ليفن في منح كارنيجي المحافظ للسلام الدولي، روبرت كاجان، من الوصول الى تحليل أكثر تعقيدا وتطورا الى حد ما. فبحسب تحليله يكون التفضيل الأمريكي للأحادية والتمسك الأوروبي بالتعددية نابع من ” فجوة القوة ” بين الجانبين:
ان المسألة الممتدة عبر الأطلسي اليوم…ليست مسألة خاصة بجورج بوش. انها مسألة قوة. فقد أثمرت القوة العسكرية الأمريكية عن نزعة لاستخدام تلك القوة. وقد أنتج الضعف الأوروبي بغض شديد ومفهوم تماما لممارسة القوة العسكرية. وبالطبع، أسفرت عن مصلحة أوروبية قوية في الإقامة بعالم لا تشكل فيه القوة أهمية وحيث يكون القانون الدولي والمؤسسات الدولية هي المهيمنة وحيث يعد العمل الأحادي الجانب والمستخدم للقوة محظور وحيث تتساوى جميع الأمم من حيث الحقوق والحماية بمقتضى التشريعات الدولية السائدة والمتفق عليها في التصرف بغض النظر عن القوة. ان للأوروبيين مصلحة عميقة في خفض قيمة وفي آخر الأمر استئصال القوانين الوحشية لعالم فوضوي تكون القوة هي المحدد الأعلى للأمن القومي والنجاح به (52).
ويؤكد كاجان أن تلك العواقب الناجمة عن الاختلافات في القوة المادية بين الولايات المتحدة وأوروبا قد دعمت من خلال عملية التوحيد الأوروبي وتطوير المؤسسات التعددية التي تشجع توفيق المصالح القومية. لكن اعتمد ترويض المنافسات المتبادلة بداخل أوروبا على مظلة الجيش الأمريكي:
من خلال توفير الأمن من الخارج، أزالت الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة توفير الحكومات العبرة للحدود لها…يزخر الموقف الراهن بما يثير التهكم. ان رفض أوروبا لسياسات القوة وخفضها لقيمة القوة العسكرية كأداة في العلاقات الدولية يعتمد على تواجد القوات العسكرية الأمريكية على الأراضي الأوروبية. فالنظام الكنتي الجديد لأوروبا يمكنه الازدهار فقط في ظل مظلة القوة الأمريكية التي تمارس بالقوانين الفوضوية القديمة. فقد أتاحت القوة الأمريكية الفرصة للأوروبيين لكي يؤمنوا بزوال أهمية القوة. (53)
على أساس تلك الأطروحة، يقوم كاجان بانتقاد الرأي الذي يقدمه فرانسيس فوكياما – وبعض التابعين له من أمثال الدبلوماسي البريطاني روبرت كوبر- والذي يرى أنه ” بنهاية التاريخ ” تكون الرأسمالية المتقدمة قد دخلت الى عصر ” ما بعد الحداثة ” و ” ما بعد التاريخ ” حيث تهجر الحرب بداخل تلك المساحة على الرغم من استمرار تهديدها للأجزاء من العالم التي لاتزال في مرحلة ” الحداثة ” أو حتى ” ما قبل الحداثة ” (54). يطرح كاجان أن أوروبا قد تكون قد خرجت عن التاريخ ولكن:
على الرغم من الدور الرئيسي الذي لعبته الولايات المتحدة في جلب أوروبا الى الجنة الكنتية وعلى الرغم من الدور الذي لا تزال تلعبه لجعل تلك الجنة ممكنة الا أنها لا تستطيع أن تدخل الى تلك الجنة بنفسها. انها تحرس الأسوار لكن لا تستطيع أن تمشي عبر البوابة. ان الولايات المتحدة، بكل ما لديها من قوة، لا تزال منغرسة في التاريخ، متروكة للتعامل مع الصدامات وآيات الله وكيم ايل سونغات ..تاركة الفوائد السعيدة للآخرين (55).
ان تلك الصورة الذاتية للولايات المتحدة كحارس غير أناني يتحمل عبء الجيش المطلوب لكي يستمر الأوروبيون بالوثب فرحا في جنة ما بعد الحداثة تنشئ بشكل طبيعي الغيظ والامتعاض. انفجرت بعض التوترات التحتية الى السطح عندما قام المستشار جرهارد شرودر – نتيجة لمواجهته للهزيمة في الانتخابات الفدرالية في سبتمبر 2002 – بتحويل الحزب الديمقراطي الاشتراكي بقوة لمعارضة الضربة الأمريكية للعراق. بعدما قام وزير العدل الألماني بمقارنة بوش بهتلر، قالت كوندليزا رايس، ” لقد خلق جو عام …مسمم “(56).
بينما احتفل شرودر بنجاحه الضيق في برلين، استغل دونالد رامسفيلد مناسبة اجتماع للناتو في وارسو لاعادة الشكوى. وقد ذهب ريتشارد بيرل الى أبعد من ذلك باعلانه أن أفضل ما يمكن أن يقدمه شرودر لاستعادة العلاقات الأمريكية- الألمانية هو استقالته (57).






