الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية
أن المنظور التاريخي للعالم الذي يتبناه فريق بوش جعله يخلص إلى أن هناك نافذة قد فتحت وأصبحت الفرصة متاحة أمام استغلال التفوق العسكري الأمريكي الحالي لتحسين وضع الرأسمالية الأمريكية على المدى الطويل. وقدم 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب المناسبة لبذل هذا الجهد، ولكن الولايات المتحدة كانت تهدف إلى لعبة أكبر من المراوغ بن لادن وشبكة القاعدة التابعة له. ويحذر جزء مهم في خطة الأمن القومي التي وضعتها الإدارة الأمريكية: ” نحن متيقظين لإمكانية تجديد الأنماط القديمة لتنافس القوى العظمى. فهناك قوى عظمى عديدة كامنة تمر بمرحلة تحول داخلي أهمها روسيا والهند والصين.”
وبينما هناك إصرار على أن هذه القوى تشارك الولايات في مصالحها وقيمها، فأن الوثيقة تشر إلى حذر خاص جدا تجاه بكين:
“رغم مرور ربع قرن على بداية عملية تنحية الملامح الأسوأ من للإرث الشيوعي، لم يتبن قادة الصين بعد السلسلة الأخرى من الاختيارات الجوهرية بشأن طبيعة الدولة. ففي سعيها للحصول على قدرات عسكرية متطورة تستطيع بها تهديد جيرانها في منطقة آسيا والباسيفيك، تتبع الصين طريقا عفي عليه الزمن يمكن أن يعوق مساعيها للعظمة القومية. فمع الوقت، سوف تدرك الصين أن الحرية السياسة والاجتماعية هي المصدر الوحيد للعظمة”(58).
وبمعنى آخر، أن الوفاق الذي رغب بوش ومستشاريه في تحقيقه بين الدول العظمى يجب أن يكون بالشروط الأمريكية. وهذا صحيح فيما يتعلق بالمجال العسكري، حيث أن العم سام هو فقط المسموح له بتطوير قدرات عسكرية متقدمة. فقد أكدت لجنة اليمين الجمهوري لاستراتيجية الدفاع:
“إن ما يجب أن يحكم حجم ونوع قواتنا النووية ليس المساواة العددية مع القدرات الروسية، بل الحفاظ على التفوق الاستراتيجي الأمريكي وإلى جانب هذا التفوق القدرة على ردع التحالفات المعادية الممكنة للقوى النووية. أن التفوق النووي الأمريكي ليس شيئا يدعو للخجل، بل بالعكس، فإنه سيكون عنصرا مهما في الحفاظ على القيادة الأمريكية في عالم أكثر تعقيدا وفوضى” (59).
وليس مدهشا في ضوء هذه التصريحات أن تخشى روسيا والصين من تخلي إدارة بوش عن معاهدة أية بي إم وبناء نظام دفاعي استراتيجي قومي يهدف إلى القدرة على الضربة الأولي النووية وهو ما يحافظ على التفوق الأمريكي. ففي أكتوبر 2002، تفاخر بول وولفويتز زاعما أن تحقيق تقدم سريع على صعيد تطوير نظام الدفاع الصاروخي القومي: “أن الولايات المتحدة أصبحت حرة أخيرا في التوصل إلى دفاعات صاروخية بدون القيود المصطنعة للمعاهدة التي عمرها 30 سنة، وعفا عليها الزمن، ومع دولة لم يعد لها وجود. (60). أن تقرير الوضع النووي، الصادر عن الإدراة الأمريكية أوائل نفس العام، وضع روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران والعراق وسوريا وليبيا باعتبارهم خصوم نوويين كامنين، واقترح المزج بين القدرات التقليدية والنووية، فعلى سبيل المثال يمكن وضع رؤوس نووية فوق الأسلحة الهادفة إلى قتل قادة الأعداء مثل صدام حسين (61). وفي نفس الوقت فقد أعطت الحرب على الإرهاب الولايات المتحدة فرصة لبناء سلسلة من القواعد العسكرية في آسيا الوسطى، وهي منطقة كانت قريبة منها خلال الحرب الباردة وبإعادة قواتها إلى الفليبين حيث أغلقت القواعد الأمريكية هناك في بداية التسعينيات. (62). وتؤكد استراتيجية الأمن القومي أن ذلك ليس تطور مؤقت: “لكي نقاوم حالات عدم التأكد ونجابه التحديات الأمنية العديدة، يجب أن تحظى الولايات المتحدة بقواعد ومحطات في داخل ووراء غرب أوروبا وشمال شرق آسيا، وأن يكون لها كذلك ترتيبات مؤقتة بشأن انتشار القوات الأمريكية بعيد المدى. (63).
ولا يستطيع أحد أن يلوم حكام الصين إذا رأوا في هذه الخطوات المرحلة الأولى في استراتيجية تطويق موجهة ضدهم.
غير أنه من المهم أن نرى أن الاستراتيجية الكبرى لإدارة بوش ليست ببساطة تهدف إلى الحفاظ على التفوق الأمريكي الجيوسياسي، وإنما تهدف إلى فرض النمط الأنجلو-أمريكيي لرأسمالية السوق الحرة على العالم. أن تقديم بوش للأمن القوي يبدأ بالتأكيد بأن : أن نضال القرن العشرين الكبير بين الحرية والشمولية انتهى بنصر حاسم لقوى الحرية ونموذج واحد ومستدام للنجاح القومي: الحرية والديمقراطية والعمل الحر”. ويذهب بوش أبعد من ذلك ليجاهر بنيته خلق توازن للقوى أفضل لحرية الإنسان: تحت ظروف تمكن الأمم والمجتمعات من اختيار عوائد وتحديات الحرية الاقتصادية والسياسية. وقد كرس أحد فصول هذه الوثيقة لتوضيح السياسة الليبرالية الجديدة التي سوف: ” توقد عهدا جديدا من النمو العالمي عبر السوق الحر والتجارة الحرة”. وتلاحظ الوثيقة أيضا أنة “سوف ترتكز استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على عالمية أمريكية واضحة تعكس “اتحاد قيمنا ونجاحنا القومي”. أنه بالفعل لنوع غريب من العالمية أن تترك للشعوب حرية اختيار “النموذج المستدام الوحيد للنجاح القومى” أي نمط رأسمالية “دعه يعمل الأمريكية”. يمكن تجنب عصر جديد من تنافس القوى العظمى طالما صدق المنافسون الكامنون مثل روسيا والصين على “القيم المشتركة” التي تعني بالطبع قيم الرأسمالية الحرة الأمريكية. (64). لقد رسم الاقتصادي الليبرالي اليساري روبرت واد صورة أخاذة لدرجة تحيز بنية الاقيصاد العالمي منذ انهيار نظام بريتون وودز في أوائل السبعينيات لمصالح الإمبريالية الأمريكية:
تصور أنك إمبراطور روماني عصري، وقائد أقوى دولة في عالم الدول المستقلة والأسواق الدولية، فما هو الاقتصاد السياسي العالمي الذي ستقوم بإنشائه بحيث تدعم قوى السوق العادية التفوق الاقتصادي لدولتك وتسمح لمواطنيك باستهلاك أكثر مما ينتجون وتبقي منافسيك في وضع أدنى وذلك دون أن تضطر لأن تلقي بكل ثقلك؟
أنك تحتاج إلى الاستقلالية لكي تتخذ القرار فيما يتعلق بسعر الصرف والسياسة النقدية الخاصة بك، بينما تجعل الدول الأخرى تعتمد على مساندتك في إدارة اقتصادياتهم. أنك تريد أن تكون قادرا على الترتيب للتذبذبات والأزمات الاقتصادية في باقي أنحاء العالم من أجل كبح نمو مراكز أخرى يمكن أن تشكل تهديدا لتفوقك، كما ستكون حريصا على أن تصعد حدة المنافسة بين المصدرين في العالم لكي تعطي لنفسك تدفقا للواردات بأسعار متدنية بثبات مقارنة بأسعار صادراتك.
وما هي السمات التي تريد أن تفرضها في الاقتصاد السياسي العالمي؟ أولا الحركة الحرة لرأس المال. ثانيا التجارة الحرة (باستثناء الواردات التي تهدد صناعاتك المحلية المهمة لتحقيق التميز بالنسبة لك) استثمارات دولية متحررة من أي مزايا للشركات الوطنية عن طريق التدابير الحمائية أو التحصيل العام أو الملكية العامة أو أية وسائل أخرى، وذلك مع التأكيد على أن تحظى حرية شركاتك بنفس أوضاع النخب المحلية من الشركات فيما يتعلق بإدارة أصولهم المالية وتعليمهم الخاص والرعاية الصحية والمعاشات وغيرها. رابعا أن تكون عملتك هي عملة الاحتياطي الرئيسية. خامسا عدم وجود قيود على قدرتك على إصدار عملتك بالطريقة التي تشاء (مثل ارتباط الدولار بالذهب)، ومن ثم يمكنك تمويل عجز تجاري غير محدود مع بقية أنحاء العالم. سادسا إقراض دولي بسعر فائدة متغير تسيطر عليه عملتك، وهو ما يعني أن الدول المقترضة وقت الأزمة يمكن أن تدفع لك أكثر عندما تكون قدرتك أقل. وهذا المركب يجعلك قادرا على أن تستهلك أكثر بكثير مما تنتج (ويؤدي ذلك إلى اضطراب مالي وأزمات بشكل دوري في بقية أنحاء العالم). وحتى تقوم بالإشراف على إطار العمل الدولي فإنك ترغب في وجود منظمات دولية تتخذ شكل التعاونيات بين الدول الأعضاء وتحمل شرعية التعددية، ولكنها تمول بطريقة تسمح لك بالرقابة (65).
يعد هذا وصفا لما يسميه بيتر جوان نظام “دولار وول ستريت”، الذي أرادت من خلاله الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ نيكسون تنظيم الأسواق المالية الدولية خلال ال30 سنة الماضية.(66). ويحمل هذا النظام مغالاة كبيرة من ثلاث جوانب مختلفة. الجانب الأول هو أن جوان يعطي وبشكل خاص تقييما أكثر تآمرية مما يجب حول كيفية تطور نظام دولار وول ستريت: فالصدفة (مثلا النجاج البعيد عن التوقع لبرنامج حكومة تاتشر للخصخصة) والابتكارات التي قام بها من هم أكثر فاعلية في عالم المال لعبتا دورا مهما في القصة.
والأكثر من ذلك، كما أكد روبرت برينر فأن مركزية الدولار غير المقدر بالذهب بالنسبة للنظام المالي الدولي لم يكن بالفعل في مصلحة الرأسمالية الأمريكية حيث أدى اتفاق بلازا الموقع في سبتمبر عام 1985 بين الدول الرأسمالية القائدة إلى هبوط في سعر الدولار وثبت أنه كان عاملا حاسما بالنسبة لإنعاش القدرة التنافسية الدولية للولايات المتحدة. ولكن ما يسميه برينر “اتفاق بلازا المعاكس” الموقع بعد ذلك بعشرة أعوام، عندما انتقلت إدارة كلينتون إلى سياسة دولارية قوية مصممة بهدف إحياء الاقتصاد الياباني المأزوم، أدى إلى إرساء قاعدة أزمة الربحية بالنسبة للصناعة الأمريكية التي نمت في نهاية التسعينيات. (67).
ثانيا فإن المؤسسات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والتي أدارت نظام دولار وول ستريت والتي يسميها مجمع وزارة الخزانة الأمريكية-وول ستريت-صندوق النقد الدولي، تقدم إلى حد ما سلع عامة تفيد كل الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، وليس فقط الرأسمالية الأمريكية: وبناءا على ذلك فأن الشركات المتعددة الجنسية الأوروبية مثل “سويس” لعبت دورا قياديا في التربح في كل من الشمال والجنوب من خصخصة المياه التي طالبت بها توافق واشنطن اللبرالية الجديدة. ثالثا، يشير ذلك إلى أن الرأسمالية الأوروبية واليابانية حتى إذا كانتا لا زالا مجرد لاعبين جيوسياسيين هامشيين نسبيا، فإنهم لاعبين اقتصاديين رئيسييس لا يمكن تجاهل مصالحهم ومتطباتهم ببساطة بواسطة واشنطن ووول ستريت.
إن حالة السعادة التي تحيط برواج الاقتصاد الأمريكي في نهاية التسعينيات قد تبخرت، وعناصر التكهن والعداء المباشر أصبحت ظاهرة. إن المزاعم حول الاقتصاد “الأمريكي الجديد” الذي ذهب أداؤه إلى ما بعد التاريخ، كما يقول ألان جرين سبان، رئيس إدارة الاحتياط الفيدرالي، قد انهارت مع فقاعات وول ستريت. ويشير برينر إلى أن نمو الإنتاجية الأمريكية خلال فترة الرواج لم تكن أفضل بشكل حاسم من ذلك بالنسبة لخصومهم الأساسيين. بينما بين 1993 إلى 2000، تطورت إنتاجية العمل في الصناعة بمعدل 5،1%، وفي في ألمانيا الغربية وفرنسا نما بمعدلات سنوية متوسطة 4،8% (خلال 1998) و4،9% على التوالي (68). ويمد ريتشارد لايرد المقارنة إلى الاقتصاد ككل.
وفي خلال السنوات العشر الماضية، نما معدل إنتاج الساعة أسرع في المنطقة الأوروبية مقارنة بالولايات المتحدة، وهو في فرنسا وألمانيا الآن في نفس مستواه في الولايات المتحدة. وحتى على أساس قاعدة الإنتاج بالنسبة للفرد فإن السنوات العشر الماضية شهدت نموا متساويا في كل من الولايات المتحدة والمنطقة الأوروبية(69).
ووفقا لصندوق النقد الدولي، ففي عام 2002، لم تكن إنتاجية الساعة أعلى منها في الولايات المتحدة في ألمانيا وفرنسا فقط، بل في إيطاليا أيضا. (70). أن قيادة الولايات المتحدة العسكرية الضخمة للقوى الأخرى لا يجب أن يسمح لها بإخفاء واقع أن التنافس الاقتصادي خاصة مع الاتحاد الأوروبي قد أصبح أكثر تكافئا.(71).
نتيجة ذلك أن السيادة الأمريكية الراهنة تعتمد فقط مجموعة من الظروف الانتقالية والطارئة بشكل كبير. وإنه بالتحديد بسبب ذلك على الإدارة الأمريكية أن تحارب بضراوة للحفاظ على وضع الدولة الأولى المهيمنة في الرأسمالية الغربية، الذي تحقق عل النطاق الكوني خلال الجيل الماضي. تستولي إدارة بوش على ميزة السياق الراهن من أجل دفع الأوضاع إلى أبعد في اتجاه مصالح الرأسمالية الأمريكية. ولكن باقتباس عنوان كتاب جوان فإن تلك هي مغامرة، لا سباق مؤكد النتائج.






