بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رأسمالية الدولة في روسيا

« السابق التالي »

2. الفصل الأول: العلاقات الاجتماعية-الاقتصادية في روسيا الستالينية

دعونا نبدأ دراسة طبيعة النظام الستاليني بإيضاح بعض الخصائص البارزة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية القائمة في روسيا. سيكون العرض الوقائعي أساسا للتحليل والتعميم فيما بعد.

السيطرة على الإنتاج:  (1)

عقب الثورة الروسية مباشرة، تقرر أن تكون إدارة كل وحدة صناعية في أيدي النقابات العمالية. هكذا، أعلن برنامج الحزب الشيوعي الروسي، الذي تم إقراره في المؤتمر الثامن للحزب (18- 23 مارس1919):

الجهاز المنظم للإنتاج الاجتماعي يجب أن يعتمد أساسا على نقابات العمال.. يجب أن تتحول (النقابات) إلى وحدات إنتاجية ضخمة، ينخرط فيها غالبية العمال، ومع مرور الوقت كل العمال، كل في فرع الإنتاج الخاص به. وبقدر ما تشارك النقابات العمالية فعليا (كما هو محدد في قوانين الجمهورية السوفيتية وكما هو متحقق عمليا) في جميع الهيئات المحلية والمركزية التي تدير الصناعة، عليهم أن يتقدموا نحو المركزة الفعلية في أيديهم للعمل الإداري في مجمل الحياة الاقتصادية للبلاد، جاعلين هذا هدفهم الاقتصادي الموحد. وتلك الحماية – بالتالي – للوحدة الوثقى بين سلطة الدولة المركزية، والاقتصاد القومي، والجماهير الغفيرة للعمال، يجب على النقابات أن تحفز العمال بكل الوسائل الممكنة، للمشاركة المباشرة في عمل الإدارة الاقتصادية. إن مشاركة النقابات العمالية في تسيير الحياة الاقتصادية، وإشراكهم لجماهير الشعب الغفيرة في هذا العمل، هو في الوقت ذاته أكبر عون لنا في الحملة ضد بقرطة الجهاز الاقتصادي للسلطة السوفيتية. إن هذا سيسهل تحقيق رقابة شعبية فعالة على حصيلة الإنتاج.

شاركت خلايا الحزب في إدارة الصناعة مع اللجان العمالية للوحدات الصناعية. وبالإضافة إليها وتحت إشرافها، عمل المدير التقني:  شكلت هذه الكيانات الثلاثة ما يسمى بالترويكا (الإدارة الثلاثية).

مع تزايد قوة البيروقراطية داخل الحزب والنقابات العمالية، أصبحت الترويكا، أكثر وأكثر مجرد اسم، حيث ارتفعت بشكل متزايد فوق جمهور العمال. مع ذلك، ظلت الترويكا تستجيب لضغط العمال واحتفظت ببعض عناصر السيطرة العمالية حتى حلول الخطة الخمسية. يقول بايكوف، وهو ليس مؤيدا للسيطرة العمالية وإنما يمدح أعمال ستالين:

فعليا، كان المدير في هذه الفترة (قبل الخطة الخمسية) معتمدا إلى حد كبير على التنظيم النقابي لقطاع الأعمال، والزافكوم، (اللجنة النقابية في المصنع) وعلى خلية الحزب، وحدة الحزب الشيوعي في المؤسسة الإنتاجية. كان ممثلو هذه المنظمات يعتبرون أن من واجبهم رقابة أنشطة المدير، وعادة ما كانوا يتدخلون في قراراته (2).

مع التوجه الكبير نحو التصنيع، لم يعد من الممكن التسامح مع الترويكا، لأن وجودها ذاته كان من شأنه أن يمنع الإخضاع الكامل للعمال لحاجات تراكم رأس المال. من ثم، ففي فبراير1928، اصدر المجلس الاقتصادي الأعلى وثيقة بعنوان تعليمات أساسية متعلقة بحقوق وواجبات موظفي المؤسسات الصناعية في مجالات الإدارة والتقنية والصيانة، هدف إلى وضع نهاية للترويكا وإقرار السيطرة الكاملة غير المقيدة للمدير (3) في سبتمبر1929، قررت اللجنة المركزية للحزب أن اللجان العمالية لا يحق لها التدخل مباشرة في تسيير المصنع أو السعي بأي طريقة لاستبدال إدارة المصنع، عليهم بكل الوسائل المساعدة في تأمين إدارة الرجل الواحد، وزيادة الإنتاج، وتنمية المصنع، وبالتالي تحسين الظروف المادية للطبقة العاملة (4) أعطي المدير المسئولية الكاملة والوحيدة عن المصنع، أصبحت أوامره الاقتصادية الآن ملزمة بلا قيد أو شرط على مرؤوسيه الإداريين وعلى جميع العمال (5) ل. م. كاجانوفيتش، المشهور بخبرته في مواجهة المتاعب في المجال الاقتصادي:  ملاحظ العمال هو القائد الآمر في الورشة، ومدير المصنع هو القائد الآمر في المصنع، وكل منهما له كل الحقوق والواجبات والمسئوليات التي تصحب هذه الأوضاع (6).

أما أخوه كاجانوفيتش، وهو مسئول كبير في قوميسارية (وزارة) الصناعة الثقيلة، فقد صرح بأن:  من الضروري قبل أي شيء تقوية إدارة الرجل الواحد. من الضروري البدء من الافتراض الأساسي أن المدير هو الرئيس الأعلى في المصنع. كل موظفي المصنع يجب أن يخضعوا تماما له. (7)

بل أن كتابا مدرسيا عن القانون الاقتصادي السوفيتي، نشر عام1935، ذهب بعيدا إلى حد القول:  “إدارة الرجل الواحد (هي) أهم مبادئ تنظيم الاقتصاد الاشتراكي”. (8)

دفنت الترويكا رسميا عام 1937 عندما قال زدانوف – الرجل الثاني في القيادة وقتها بعد ستالين – في جلسة للجنة المركزية:  “الترويكا شيء مرفوض تماما.. الترويكا نوع من المجلس الإداري، أما إدارتنا الاقتصادية فهي مبنية على أسس مختلفة كليا. ” (9)

تم تعريف نظام الإدارة الجديدة بوضوح شديد في كتيب رسمي:  ” كل مصنع له قائد – مدير المصنع – ممنوح سلطة اتخاذ القرار الكاملة، وبالتالي مسئول بالكامل عن كل شيء”. (10) بالإضافة إلى ذلك، تتضمن سيطرة الرجل الواحد فصلا صارما بين الإدارة من ناحية والحزب والمنظمات النقابية من ناحية أخرى. يجب تطبيق هذا الفصل الصارم على كل مستويات الإدارة الصناعية. العمليات الجارية في تنفيذ الخطة هي مهمة الإدارة. رئيس الورشة، ومدير المصنع، ورئيس الجلافك (مجلس صناعي أو فرع صناعي) لهم سلطات كاملة، كل في مجاله، ولا يحق للحزب والمنظمات النقابية التدخل في أوامرهم. (11)

في ضوء هذه المقتطفات، كم هي وقحة كلمات عميد كانتر بوري:  “ديمقراطية الوحدة الإنتاجية هي دعامة الحرية السوفيتية”. (12)

أثناء السنوات الأولى القليلة بعد الثورة، سواء في القانون أو في الواقع، كان للنقابات العمالية فقط حق تحديد الأجور. وأثناء فترة السياسة الاقتصادية الجديدة، تم تحديدها عن طريق التفاوض بين النقابات والإدارة الآن، مع بداية الخطة الخمسية، أصبحت الأجور تحدد أكثر فأكثر بواسطة هيئات الإدارة الاقتصادية، مثل القوميساريات والدلافكات، ومدير المصنع الفرد. سنتناول هذا الموضوع بالتفصيل في قسم تالي من هذا الفصل، ولكن قليل من الاقتباسات النموذجية ستعطى هنا لتوضيح آراء الزعماء السوفيت حول حق المدير في تحديد الأجور. في يونيو1933، أعلن وينبرج أحد أهم قادة النقابات:

التحديد السليم للأجور وتنظيم العمل يقتضيان تكليف الرؤساء الصناعيين والمديرين التقنيين بالمسئولية المباشرة في هذا الأمر. ويحتم ذلك أيضا ضرورة قيام سلطة واحدة وضمان اعتبارات الاقتصاد في إدارة المشروعات… انهم (العمال) لا يجب أن يدافعوا عن أنفسهم ضد حكومتهم إن ذلك خاطئ تماما. فذلك استبدال للجهات الإدارية. انه تشويه انتهازي يساري، قضاء على السلطة الفردية وتدخل في العمل الإداري. من الضروري أن يتم إلغاؤه. (13)

في السنة التالية، أثناء مؤتمر لمديري الصناعة الثقيلة، تحدث أوردزونيكيدز، قوميسار الصناعة الثقيلة آنذاك، قائلا:

كمديرين، ورؤساء إدارات، وملاحظين عمال، عليكم أنتم أنفسكم العناية بالأجور في صلب تفاصيلها، وعدم ترك هذه المسألة الهامة لآي شخص آخر – الأجور هي أقوى سلاح في أيديكم. (14)

بعد ذلك ببعض الوقت، أعلن أندرييف، عضو في المكتب السياسي أن: ميزان الأجور يجب أن يترك بالكامل في أيدي رؤساء الصناعة. عليهم هم وضع المعيار. (15)

إن الوضع الشاذ الذي تمخض أبعد “لجنة معدلات القطعة وفض النزاعات – على الرغم من احتفاظها باسمها – عن التدخل في تحديد معدلات الأجور ومعيار الإنتاج ! (16)

العمال غير مسموح لهم بالتنظيم دفاعا عن مصالحهم

في ظل لينين وتروتسكي، كان للعمال الحق في الدفاع عن أنفسهم حتى ضد دولتهم. فعلى سبيل المثال، قال لينين:  “دولتنا الحالية هي دولة عمالية بها بعض التشوهات البيروقراطية… دولتنا هي دولة تجعل من الضروري بالنسبة للبروليتاريا المنظمة تماما أن تحمي نفسها ضدها، ومن الضروري بالنسبة لنا أن نستخدم هذه المنظمات العمالية في حماية العمال من دولتهم، وذلك حتى يحمي العمال دولتنا.”… (17)

لقد كان من المسلمات أن الإضرابات لا ينبغي قمعها بواسطة الدولة. ففي المؤتمر الحادي عشر للحزب، اقترح واحد فقط من قادة الحزب، ف.ب. ميليوتين، عدم السماح بالإضرابات في مشروعات الدولة. (18) إلا أن الآخرين جميعهم رأوا أنه من واجب أعضاء الحزب أن يشاركوا في الإضرابات حتى لو كانوا مختلفين في الرأي مع الغالبية المناصرة للإضراب. وبالفعل، فقد شهدت السنوات القليلة التالية للثورة عددا واسعا من الإضرابات. ففي1922، أضرب 192000 عاملا في مشروعات مملوكة للدولة، في 1923 كان العدد165000، في1924، 43000، في1925، 34000، في1926، 32900، في1927، 20100، وفي النصف الأول من1928، 108900. في 1922 كان عدد العمال المشتركين في نزاعات عمالية ثلاثة ملايين ونصف، وفي1923، 1592800.(19)

اليوم، نقابات العمال – إذا جاز تسميتها بهذا الاسم، لا تفعل شيئا دفاعا عن مصالح العمال. لعل مثالا واضحا على تغاضيهم هو واقع أن سبعة عشر عاما (1932-1949) فصلت بين المؤتمرين التاسع والعاشر لنقابات العمال، وهي سنوات شهدت تغيرات بعيدة المدى في ظروف العمال – مثل إلغاء يوم السبع ساعات، وإدخال الستاخانوفية والكثير من القوانين الوحشية. وعندما اجتمع المؤتمر أخيرا لم يمثل العمال على الإطلاق، كما يتضح من تكوينه الاجتماعي:  كان 5ر41% من المندوبين موظفين نقابيين دائمين، 4ر9% تقنيين (فنيين)، 5ر23 فقط عمال. (20) (في المؤتمر السابق في1932، كان 9ر84% من المندوبين عمالا.)

بالإضافة إلى ذلك، لم يكن “للنقابات” أي كلمة على الإطلاق في تحديد الأجور. في1934، توقف نظام الاتفاقيات الجماعية. (21) في 1940 أعطى شفير نيك، رئيس المجلس المركزي للنقابات العمالية، التفسير التالي لإلغاء الاتفاقات الجماعية:

عندما تصبح الخطة العنصر الحاسم في التنمية الاقتصادية، لا يمكن أن يبت في مسائل الأجور بمعزل عنها، بالتالي، فإن الاتفاقات الجماعية كشكل لتحديد الأجور قد استنفدت غرضها(22) (ملاحظة:  من الطريف ملاحظة أن الكتب المنشورة للاستهلاك الأجنبي “مثل كتاب لوزوفسكي، دليل النقابات العمالية السوفيتية، موسكو، 1937، ص 55 – 57 ” لا تزال تتحدث عن الاتفاقات الجماعية كما لو كانت سارية حتى ذلك التاريخ).

في فبراير1937، تم اللجوء مرة أخرى لما يسمى بالاتفاقات الجماعية إلا أن الزعماء الستالينيين بينوا بوضوح أن هذه الاتفاقات الجديدة لا تمت بأية صلة لما هو متعارف عليه كاتفاقات جماعية في أماكن أخرى إذ أنها لا تشمل الأجور. وكما كتب شفير نيك في المجلة الشهرية النقابية، فإن:  ” أي تغيير في الأجور… يمكن أن يتم فقط بقرار حكومي”. (23) وفقا لذلك، كتب معلق حكومي حول قانون العمل: ” من المسلم به أن الاتفاقات الجماعية اليوم يجب أن يكون لها مضمون مختلف عن تلك الاتفاقات التي كانت تعقد عندما كانت معدلات الأجور وبعض شروط العمل الأخرى لا تحدد بقرار حكومي. (24) بل إن الكتب المدرسية حول قانون العمل المنشورة بين 1938 و 1944 لا تتطرق للموضوع أساسا. ومع ذلك، فإن كتابا دراسيا نشر بعد ذلك بقليل (1946) يذكر أن:

لقد أثبتت الحياة نفسها أن إعادة نظام المساومة الجماعية ليست ذات جدوى. فالاتفاق الجماعي كشكل خاص للتنظيم القانوني لعلاقات العمل الخاصة بالعمال الأجراء والموظفين الذين يتقاضون رواتب شهرية قد تجاوز عمره الافتراضي. كما أن اللوائح التفصيلية المتعلقة بكافة جوانب هذه العلاقات الصادرة وفق أحكام معيارية للدولة لا تترك مكانا لأي اتفاق تعاقدي فيما يتعلق بهذا أو ذاك من ظروف شروط العمل. (25)

على هذا النحو، فإن كتابا مدرسيا حول تشريع العمل، نشر في1947، قد أعاد للحياة قانون العمل دون أن يتضمن المادة58، التي تقول:  مقدار ما يتقاضاه موظف مقابل عمله يجب أن يحدد عن طريق الاتفاقات الجماعية وعقود العمل الفردية. (26) وبدلا من ذلك نقرأ (في الكتاب المدرسي):

“مقدار الأجور والمرتبات حاليا يحدد بقرارات الحكومة (أو وفق توجيهاتها)…وفي تحديد مقدار الأجور والمرتبات يلعب اتفاق الأطراف دورا ثانويا. وينبغي ألا تكون (اتفاقات الأطراف) مناقضة للقانون , وهي مسموح بها فقط في حدود يرسمها القانون بصرامة، كأن تحدد قائمة الأجور – مثلا – المعدلات على أنها “من” – “إلى”، كما يسمح بها في تحديد ما يتقاضاه شخص مقابل عمل إضافي إلى جانب عمله الأصلي، وهكذا. (27)

أيضا، كتب أ. ستيبانوف، مدير قسم الأجور في المجلس المركزي للنقابات العمالية:  “جداول الأجور والأجور تحددها الحكومة” (28).

من الواضح أن الاتفاقات الجماعية التي تستبعد أي مساومة حول الأجور – وهي، في النهاية، بالضرورة المصلحة الأساسية للعامل في أي اتفاق من هذا النوع – يتم التوصل إليها عن طريق إجراء يسمح للحكومة بأن يكون لها الصوت الحاسم فيما يتعلق بجميع نقاطها الأساسية، ليست إلا إجراءا شكليا وزيفا بيروقراطيا.

تجزئة الطبقة العاملة

على الرغم من أن المؤسسات الصناعية الكبرى للرأسمالية الحديثة تعمل بلا شك كعامل موضوعي قوي في توحيد العمال كطبقة، فإن أرباب العمل لديهم عددا من الوسائل الفعالة لإعاقة هذه الوحدة. إحدى أهم هذه الوسائل هي تشجيع التنافس بين العمال عن طريق أنظمة العمل بالقطعة. فنفس تهديد الجوع الذي قد يدفع العمال نحو الاتحاد ضد مخدميهم، يمكن أيضا أن يستخدم لإشعال حرب من أجل البقاء بين عامل وآخر.

على سبيل المثال، فقد استخدمت أنظمة العمل بالقطعة على نطاق واسع في ألمانيا النازية لنفس الغرض. كتب فرانز نومان:

الأجر الطبقي للنقابات العمالية الاشتراكية قد استبدل (بأجر الأداء) المحدد في القسم 29 من ميثاق العمل (النازي). لقد كان المبدأ الحديدي للقيادة الاشتراكية الوطنية، كما قال هتلر في مؤتمر الشرف للحزب، هو عدم السماح بأي زيادة في معدلات الأجر في الساعة، وإنما زيادة الدخل فقط في مقابل تحسن في الأداء. إن ما يحكم سياسة الأجور هو تفضيل واضح للعمل بالقطعة والمكافآت حتى بالنسبة لعمل الصبية. وسياسة كهذه تحطم المعنويات تماما، إذ أنها تخاطب أكثر الغرائز أنانية وتزيد بشدة الحوادث الصناعية “(29).

يشرح نومان بعد ذلك لماذا ذهب النازيون إلى مثل هذا الحد في تطبيق نظام العمل بالقطعة:

“إن شيوع أجر الأداء يضع مشكلة الفوارق في مقدمة السياسة الاجتماعية. من الضروري فهم هذه المشكلة ليس على أنها مسألة اقتصادية بل على أنها مشكلة سياسية شديدة الأهمية وهي مشكلة السيطرة على الجماهير… اختلاف الأجور هو الجوهر ذاته لسياسة الأجور الاشتراكية الوطنية… تهدف سياسة الأجور بوعي إلى التحكم في الجماهير”. (30)

يستخدم الستالينيون أساليب العمل بالقطعة لنفس الغرض. بعد إدخال الخطة الخمسية، ارتفعت نسبة العمال الصناعيين الذين يدفع لهم على أساس معدلات القطعة بسرعة شديدة:  في1930، كانت النسبة 29% من إجمالي عدد العمال، في1931، ارتفعت إلى 65% من المجموع، وفي1932، ارتفعت إلى 68% (31). بحلول عام1934، كان حوالي ثلاثة أرباع العمال الصناعيين يشاركون في ما يسمى بالتنافس الاشتراكي. (32). في عام1944، شاركت النسب التالية من العمال والموظفين في الصناعات المختلفة في هذه المنافسة:  صناعة البترول 82%، الطيران 81%، التسليح 85%، بناء ماكينات قطع وتشكيل المعادن 81%، الذخيرة 81%، صناعة السيارات 86%، بناء الماكينات الكهربائية 83%، المطاط 83%، صناعة القطن 91%، صناعة الأحذية 87%. (33) في 1949 شارك أكثر من 90% من العمال في “التنافس الاشتراكي ” (34).

بل ولجعل المنافسة أكثر حدة، وبدلا من نظام العمل بالقطعة العادي الذي يتناسب فيه الأجر بشكل مباشر مع الناتج، كما هو قائم في بلاد أخرى، تم إدخال العمل بالقطعة التصاعدي في روسيا. ويشرح المثالان التاليان كيف يعمل هذا النظام.

 

يورد كتيب حول صناعة النفط السلم التالي للأجور:  (35)

النسبة المئوية للزيادة عن المعدل المطلوب (في الإنتاج) النسبة المئوية للزيادة عن معدل القطعة الأساسي (في الأجر)
1-10 5
11-20 10
21-30 20
31-50 40
50-70 70
71 وأكثر 100

 

هكذا، فإن العامل الذي ينتج 50% فوق المعدل المطلوب، يدفع له 110% فوق المعدل، إذا كان إنتاجه 70% فوق المعدل المطلوب، يدفع له 189% فوق المعدل، وإذا كان الإنتاج 100% فوق المعدل المطلوب، يدفع له 300% فوق المعدل، وهكذا.

بل إن نسبة الارتفاع أشد في بعض الصناعات الأخرى. ففي مؤسسات وزارة بناء ماكينات قطع وتشكيل المعادن، مثلا، توجد معدلات القطعة التصاعدية التالية:  (36)

النسبة المئوية للزيادة عن المعدل المطلوب (في الإنتاج) النسبة المئوية للزيادة عن معدل القطعة الأساسي (في الأجر)
1 -10 30
10 – 25 50
25 – 40 75
40 وأكثر 100

 

هكذا فإن العامل الذي ينتج 50% فوق المعدل المطلوب، يدفع له 200% فوق المعدل !

في ظل الظروف الروسية، يعد نظام معدل القطعة رجعيا بشكل مزدوج. فمادام حجم السلع الاستهلاكية المتوفرة محدد سلفا بالخطة، وبما أن العمال الذين يتخطون المعدل المطلوب يستطيعون شراء حصة أكبر بكثير مما يسفر عنه إنتاجهم، فإن العمال الذين لا يحققون المعدل المطلوب يحصلون على أقل من الحصة التي يكفلها إنتاجهم بالفعل. ويسمح نظام معدل القطعة للدولة بخفض مستوى معيشة العمال عن طريق زيادة معدلات الإنتاج المطلوبة الأساسية باستمرار. في الواقع، أعقب تطبيق الستاخانوفية في نهاية 1935 تغيرات في معدلات الإنتاج المطلوبة في كل صناعة. فالمعدلات المطلوبة الجديدة لم تحدد عن طريق إنتاجية العامل المتوسط بل عن طريق أخذ المتوسط بين الستاخانوفيين من ناحية، ومتوسط بقية العمال من ناحية أخرى.(37)

في بداية1936، ارتفعت معدلات الإنتاج المطلوبة في أغلب الصناعات الهامة كالآتي:  الفحم بمقدر 22 – 5ر27%، الحديد والصلب 13 – 20%، بناء الماكينات 30 – 40%، المعادن غير الحديدية 30 – 35%، صناعة النفط 29%، الكيماويات 34% (38)، النسيج 35 – 50%، والبناء 54 – 80%.(39)

كانت هناك ارتفاعات أخرى هامة خلال عامي 1937 و 1938 كنتيجة لهذه الارتفاعات، لم يتمكن 60% من العمال في صناعة المعادن من تحقيق المعدل المطلوب. (40) في وقت لاحق، في 16 أبريل1941، ذكر شفير نيك أن 22 – 32% من العمال في جميع الصناعات لم يحققوا المعدلات المطلوبة. (41)

إحدى النتائج الخرقاء للتوجه نحو تجزئة الطبقة العاملة، وهي في الوقت نفسه نتيجة حتمية لسوء الإدارة البيروقراطية، في العدد الضخم من المعدلات المطلوبة. هكذا، على سبيل المثال، كان لدى قوميسارية بناء الماكينات والمركبات وحدها في 1939 ما مجموعه 2.026.000 معـدل عمل مطلوب ! (42)

في البداية كانت هناك هيئة مسئولة عن مراقبة هذه المعدلات المطلوبة بحيث يتم التأكد من ملاءمتها للحفاظ على صحة العمال في مستوى معقول. وقد كان إلغاؤها في.1936 (43) مؤشرا واضحا على إصرار الحكومة على فرض الصرامة الكاملة للمنافسة (الحرة) بين العمال. وكان الستاخانوفيين بالطبع، أداة قوية في هذه العملية. كتب ماينارد:  ” العامل البريطاني، من وجهة نظره الخاصة كشخص يسعى لقهر محاولات زيادة السرعة، في الأغلب كان سيعتبرهم (الستاخانوفيين) خائنين للعمال. (44). ومما يثبت أن العمال الروس لديهم الرأي نفسه، حدوث العديد من حالات (التخريب) أو حتى قتل الستاخانوفيين.(45)

أحيانا يتصرف الكتاب الستالينيون بلامبالاة إلى الحد الذي يجعلهم يماثلون بين الستاخانوفية وبين أكثر وسائل الاستغلال الرأسمالي دقة – التيلورية.. هكذا، على سبيل المثال، ففي كتيب أقرته وزارة التعليم العالي – وهو مقرر لمؤسسات التعليم العالي الخاصة بصناعة البترول – توجد هذه الملاحظة:  إن آراء وأساليب تيلور في مجال الاستغلال المتزايد لأدوات العمل تعتبر تقدمية تماما. (46) (وعلى المرء مقارنة هذا بوصف لينين للتيلورية بأنها “استعباد الإنسان عن طريق الماكينة”)(47)

حرمان العامل من أية حرية قانونية:

إلى حين حلول الخطة الخمسية الأولى كان العمال أحرارا في تغيير أماكن عملهم كما يريدون. لقد كان حقهم في العمل حيث يرغبون مكفولا، بالفعل، في قانون العمل الصادر في 1922 حيث نص “أن انتقال الأجير من مشروع لآخر، أو تحويله من منطقة إلى أخرى – حتى عندما ينتقل المشروع أو المؤسسة – يجوز حدوثه فقط يرضي العامل أو الموظف المعني. (48) كان في استطاعة العامل أيضا الهجرة، بلا قيد، إلى أي منطقة يريد داخل القطر. بل انه حتى في 1930 ، ذكر في الموسوعة السوفيتية الصغيرة أن عرف جوازات السفر الداخلية الذي ابتدعته الأتوقراطية كأداة للقمع البوليسي لجماهير الكادحين، قد ألغته ثورة أكتوبر. (49)

ومع ذلك، فبحلول عام1931، لم يعد يسمح لأي عامل بمغادرة لينينجراد إلا بإذن خاص. وفي 27 ديسمبر 1932 طبق هذا النظام على كل أجزاء روسيا، كما أدخل نظام جوازات سفر داخلية – أكثر قمعا بكثير من نظام القيصر – لمنع أي شخص من تغيير محل سكنه بلا إذن. (50)، وفي 15 ديسمبر 1930 منعت المؤسسات الصناعية من تشغيل الأشخاص الذين تركوا محل عملهم السابق بلا إذن. (51) وألغيت المادة 37 من قانون العمل الصادر في 1922 المشار إليه أعلاه في أول يوليو 1932. (52)

أدخلت دفاتر العمل للعمال الصناعيين وعمال المواصلات في 11 فبراير1931، ثم لجميع العمال في 20 ديسمبر 1938. (53) وكان يجب أن تقدم هذه الدفاتر إلى مدير المؤسسة عند استلام العمل لأول مرة. ويوجه المديرون بإيضاح أسباب فصل العامل في الدفتر. ولا يستطيع العامل الحصول على عمل جديد ما لم يقدم دفتر العمل الخاص به. الطريقة الوحشية التي يعمل بها هذا النظام فعليا قد أشار إليها بوضوح فيكتور سيرج عندما كتب:

يتم التأشير على جواز السفر في مكان العمل وعند كل تغيير للمخدم، يحدد هذا التغيير في جواز السفر. لقد عرفت عمالا فصلوا لعدم مجيئهم في يوم الراحة للمساهمة في يوم عمل “اختياري” (بالطبع مجاني)، وقد كتب في جوازات سفرهم:  “مفصول لتخريب خطة الإنتاج. (54)

وفي ظل قانون صادر في 15 نوفمبر1932، أصبح أي عامل يتغيب عن العمل ليوم واحد بلا عذر مقبول معرضا للفصل و ما هو أخطر بكثير في ظل الظروف الروسية – يصبح معرضا أيضا للطرد من مسكنه، إذا كان متصلا بمحل عمله. (55)، كما هو الحال عادة بالنسبة للعمال الصناعيين وعمال المناجم، وهكذا.

وفي 4 ديسمبر1932، أصدر مجلس قوميساريات الشعب واللجنة المركزية للحزب مرسوما آخر متعلق بالتغيب عن العمل. هذه المرة تم وضع إمدادات الطعام والضرورات الأخرى تحت سيطرة مديري المصانع. (56)

في 28 ديسمبر 1938 صدر مرسوم (57) كان موجها ضد من يتأخرون عن العمل، أو يغادرونه قبل الموعد المحدد، أو يطيلون فترة الغذاء، أو يتقاعسون عن العمل ويتعرض المخالفون للنقل إلى عمل من مستوى أقل، كما يتعرضون للفصل إذا ارتكبوا ثلاثة مخالفات خلال شهر أو أربعة خلال شهرين. كان التفسير الرسمي للمرسوم هو أن العقوبات الأخف من الفصل يجب تطبيقها فقط عندما يكون العامل متأخرا بأقل من عشرين دقيقة، أو متقاعسا لأقل من عشرين دقيقة. أما إذا تأخر أكثر من ذلك في أي مرة، فمن الواجب فصله فورا. إلى جانب فقدان مكان سكنه، إذا كان متصلا بمحل عمله، فإن العامل المفصول يعاني بطرق أخرى، على سبيل المثال، ليس فقط معاشات العجز والشيخوخة والإعالة، وإنما أيضا معدلات إعانة المرض تعتمد على مدة العمل في مشروع واحد. ولضمان تنفيذ هذا المرسوم الجديد، فقد تم النص على أن مديري المشروعات والمصانع الذين لا ينفذون هذه العقوبات سيتعرضون للفصل والمقاضاة الجنائية. ومع ذلك، وبعد أقل من عامين، أصبح من الواضح أن التهديد بالفصل – ونتيجة لنقص الأيدي العاملة – لا يحقق النتائج المرجوة، وتمت مراجعة العقوبات. (58) واعتبارا من 26 يونيو1940، وبدلا من الفصل، أصبح العامل المتغيب ولو ليوم واحد بلا سبب مقنع للسلطات معرضا للعمل الجبرى بلا حبس لمدة قد تصل إلى ستة أشهر في مكان عمله المعتاد، وبخفض الأجرة بما يصل إلى 25%. في ظل هذا القانون المعدل، لا يستطيع أي عامل أن يترك عمله إلا إذا كان غير صالح بدنيا للعمل، أو مقبولا في مؤسسة تعليمية، أو ممنوحا إذنا خاصا من سلطة عليا.

بعد صدور هذا المرسوم، عوقبت المحاولات غير المبررة من العمال للحصول على شهادات طبية تعفيهم من العمل بقسوة شديدة. وهكذا، على سبيل المثال، نشرت “ازفستيا” في 27 أغسطس 1940:  “قضية ت. ف. تيمونين، المولود في1915، في 23 أغسطس ذهب (المتهم) إلى عيادة حيث طلب شهادة طبية تعفيه من العمل. ومع تكدره إزاء إشارة الترمومتر إلى أن حرارته عادية ، أنفعل واستخدم عبارات لا يمكن نشرها. حكم عليه في 23 أغسطس بالسجن ثلاث سنوات كما منع من العيش في تسع مدن سوفيتية، يتم تحديدها بعد قضاء العقوبة. ”

وبعد بضعة أشهر من صدور هذا القانون، كتبت بعض السيدات للصحافة مقترحات بإخضاع خدم المنازل لهذا القانون. (59) وما يفسر بجلاء ما يحدث في الاتحاد السوفيتي أن “ازفستيا”، الصحيفة المعنية، رغم اختلافها مع الاقتراح، لم تبد أي دهشة إزاء تقديم مثل هذا الاقتراح في فترة “التحول المزعوم من الاشتراكية إلى الشيوعية ” ! من القانون المناهض للتغيب عن العمل ينبغي قطع مجرد خطوة واحدة إلى مثل هذا الإعلان الصادر عن جريدة إدارة الدعاية والتحريض التابعة للجنة الحزب في موسكو:  من لا يستغل كل الـ 480 دقيقة في العمل المنتج لا يراعي انضباط العمل. (60) يستطيع المرء أن يتأكد أنه لا يوجد عامل واحد في العالم خارج روسيا يراعي هذا السلوك (الاشتراكي) الضروري !.

في 19 أكتوبر 1940 صدر مرسوم سمح لإدارة الصناعة بالقيام “بالنقل الجبري للمهندسين والتقنيين وملاحظي العمال والموظفين والعمال المهرة من مشروع أو معهد إلى آخر. “(61)

تم إدخال قيد وحشي آخر على حرية الطبقة العاملة بموجب مرسوم صادر في 26 ديسمبر 1941. فرض هذا المرسوم عقوبات بين خمس وثمان سنوات سجن للعمال الذين يتركون الصناعات العسكرية دون إذن. (يحاكم المخالفون بواسطة محاكم عسكرية). (62) بل إن قانونا آخر، صدر في 15 أبريل1943، وضع عمال السكك الحديدية تحت الانضباط العسكري بالكامل. لقد كان من الممكن اعتقالهم قانونيا بأمر رؤسائهم لمدة تصل إلى عشرين يوما دون محاكمة أو حق اللجوء إلى المحاكم. (63) طبقت أحكام مماثلة بالنسبة لعمال البحار والمجاري المائية الأرضية. (64)، وموظفي البريد والتلغراف والراديو، وموظفي المحطات الكهربائية وآخرين. إن مخالفات مثل ترك العمل بلا إذن أصبحت منذ ذلك الوقت تعاقب بقسوة شديدة. (65) ومن الواضح أن هذه الأحكام العسكرية استمرت قائمة بعد الحرب.

بعد فترة وجيزة من انتصار البيروقراطية الستالينية، في أواخر العشرينات، تم حظر الإضرابات وأصبح المضربون عرضة لعقوبة الإعدام. ومنذ إلغاء الإعدام، أصبحت العقوبة الأشغال الشاقة لمدة عشرين سنة. من الصحيح بالطبع، أن الإضرابات لم يشر إليها بالاسم حتى أن المادة التالية، الصادرة في 6 يونيو1927، هي البند الوحيد في مجموعة القوانين التي يمكن تفسيرها بواسطة المحاكم على أنها تخص الإضرابات:  “التخريب المضاد للثورة، أي رفض القيام، عمدا، بواجب معين، أو القيام به بإهمال متعمد، بقصد إضعاف سلطة الحكومة أو الآلة الحكومية، يستوجب الحرمان من الحرية لفترة لا تقل عن سنة ومصادرة الملكية بالكامل أو جزئيا، غير أنه عند تفاقم الظروف إلى درجة خطيرة، ينبغي زيادة العقوبة إلى الإجراء الأقصى للدفاع الاجتماعي – الموت رميا بالرصاص، مع مصادرة الملكية. (66)

لقد تم تلخيص أهمية التشريع العمالي الستاليني بشكل جيد في هذه الكلمات:  “بالمقارنة بتشريع فترة السياسة الاقتصادية الجديدة، عندما تم التسامح مع العلم التجاري الخاص، تغير الوضع القانوني للعمل إلى الأسوأ. جميع القنوات التي يستطيع العمال من خلالها الدفاع عن مطالبهم في العالم الرأسمالي – التشريع، المحاكم، الوكالات الإدارية، ونقابات العمال – في الاتحاد السوفيتي وكالة المستخدم الأساسي للعمال الصناعيين – الحكومة. خاصية أخرى لقانون العمل السوفيتي الحالي هي النصوص العقابية العديدة، قانون العمل هو إلى حد كبير قانون جنائي. (67)

عمل المرأة

إن ظروف العمال ككل هي بالتأكيد قاسية، أما ظروف العاملات الإناث فإن أبسط ما يقال عنها أنها شنيعة. فقانون العمل لعام 1922 قد حرم استخدام النساء (والصغار) في الإنتاج الثقيل وغير الصحي بشكل خاص، وفي العمل تحت الأرض. (68) كذلك فإن أمرا صادرا عن قوميسارية العمل والمجلس الاقتصادي الأعلى في 14 نوفمبر 1923 حرم تشغيل النساء في عمل يتمثل بالكامل في حمل أو تحريك أثقال تزيد عن عشرة أرطال روسية (1ر4 كيلوجرام). حمل أثقال تصل إلى 40 رطل روسي (4ر16 كيلوجرام) كان مسموحا به فقط إذا كان متصلا مباشرة بعمل المرأة العادي، ولم يشغل أكثر من ثلث يوم عملها. (69) اليوم، لا يوجد أي من هذه الإجراءات الوقائية. فعلى سبيل المثال، تعمل النساء في المناجم، وكثيرا ما يقمن بأثقل الأعمال فيها، وتصف السلطات السوفيتية هذا بأنه إنجاز عظيم. ينطبق هذا أيضا على حمل الأحمال الثقيلة في صناعة البناء، والعمل كعمال شحن وسكك حديدية وما إلى ذلك.

في1932، طلب المجلس العلمي لقوميسارية العمل من أربعة معاهد مكلفة بالبحث في الأمراض المهنية في مختلف مناطق استخراج الفحم أن تقوم بدراسة أثر العمل تحت سطح الأرض على النساء.

أجرى المعهد القائم في منطقة الفحم في القوقاز دراسة طبية على 592 عاملة فحم، منهن 148 يعملن فوق سطح الأرض و 444 تحت سطح الأرض، وتوصل إلى أن العمل تحت سطح الأرض ليس أكثر ضررا للنساء الحوامل من العمل فوق سطح الأرض. وبالإضافة إلى ذلك، أجمعت المعاهد المكلفة بإجراء هذا البحث على أن زيادة كبيرة في عمل النساء في مناجم الفحم – مع تضمن هذا العمل عمليات عديدة تحت سطح الأرض – ممكنة دون أي ضرر لجسم المرأة. (70) تقوم النساء في المناجم بكل أنواع العمل، بما في ذلك الشحن والتقطيع، بشهادة الصحافة الروسية. كتبت إحدى الصحف الحزبية:  لأول مرة في حوض دونيتز، تم تنظيم فريق من عاملات الشحن. الآن توجد 10 سيدات في فرقة بابيتشيفا تقوم كل منهن بشحن من أربعة عشر إلى خمسة عشر طنا من الفحم يوميا. هذا الفريق لديه بالفعل عاملة آلة القطع الخاصة به، بولينا تانتسبورا. (71)

يقول كاتب رسمي آخر في عام 1937:  النقطة الأكثر تشويقا هي أن النساء السوفيتيات قد كسبن ولا زلن يكسبن في تلك الفروع الصناعية المغلقة أمام النساء في المجتمع الرأسمالي، والتي تعتبر في البلاد الرأسمالية أعمال خاصة بالرجل تستثنى منها النساء “بالطبيعة”. تلعب النساء بالتالي دورا لا يذكر في صناعة التعدين الرأسمالية. نسبة النساء في إجمالي عدد العاملين في صناعات التعدين هي، بالنسبة لفرنسا (1931) 7ر2% ، بالنسبة لإيطاليا (1931) 8ر1%، في ألمانيا (1932). ر1%، في الولايات المتحدة (1930) 6ر0%، وفي بريطانيا 6ر0%. في الاتحاد السوفيتي تمثل النساء 9ر27% من إجمالي عدد العاملين في صناعة التعدين. تعطي مهنة البناء صورة مماثلة في الدول المذكورة أعلاه، النسبة المئوية بالنسبة لهذه المهنة تتراوح بين 5ر0% (إيطاليا) و 9ر2% (ألمانيا) في الاتحاد السوفيتي تمثل النساء 7ر19% في صناعات المعادن تتراوح النسب بين.ر3% (الولايات المتحدة) و 4ر5% (بريطانيا). في صناعات المعادن في الاتحاد السوفيتي 6ر24% من جميع العمال نساء. (72) أغفل الكاتب الستاليني ذكر أن هناك بلدين آخرين غير الاتحاد السوفيتي تعمل فيهما كثير من النساء في المناجم – الهند واليابان. (73) والاثنان مشهوران بفظاعة ظروف العمال.

القصة التالية لشاهد عيان للظروف القاسية التي تعمل النساء في ظلها في بناء السكك الحديدية، تسردها شارلوت هالدان، التي كانت ميالة جدا في ذلك الوقت لنظام ستالين:

في أرشانجل كان من الضروري مد خط سكة حديد خفيف لمسافة حوالي خمسة أميال بطول رصيف الميناء… لقد شاهدت هذا العمل، الذي قامت به بالكامل نساء. اكتمل الخط، مع نقاط التحويل، في 48 ساعة. لقد ظللن يعملن نهارا وليلا، تحت ضوء النهار والضوء الكهربائي. كان الثلج يسقط والجو متجمد تقريبا طول الوقت، إلا أن ذلك لم يغير شيئا بالنسبة لعملهن. كان جميع مراقبي الشحنات أيضا من النساء. لقد عملن بالتناوب، 24ساعة عمل و 24 ساعة راحة. أثناء فترة عملهن كن يأخذن راحة عرضية قصيرة لساعة أو ساعتين، حيث يلجأن إلى كوخ خشبي على الرصيف، ويأكلن شربة الكرنب والخبز الأسود، ويشربن الشاي المقلد، وينعسن نعاسا قلقا بملابسهن، ثم يعدن للعمل. (74)

كتب هندوس، وهو متعاطف آخر من المتعاطفين مع ستالين:

إحدى النواحي الملحوظة في الحياة الروسية هي وجود النساء كعاملات يومية. أنهن يعملن بالمعول والمجراف، ويحملن أحمالا ثقيلة من الخشب، ويجررن عربات اليد ذات العجلة الواحدة. عملت النساء تحت الأرض جنبا إلى جنب مع الرجال. من الشائع في أي مدينة رؤية النساء يبنين بالطوب، ويضعن العوارض الخشبية، وينجزن المهام الثقيلة الأخرى في البناء. وهن يبرزن في مثل هذه الأعمال في نوبات الليل كما في نوبات النهار. (75)

جنبا إلى جنب مع تقارير كهذه، كم يبدو ساخرا تصريح ستاخانوف (بالنسبة للشعب السوفيتي، أصبح العمل متعة).(76)

العمل القهري:

في روسيا يوجد العمل القسري بأشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة. على سبيل المثال، تبرم العقود بين رؤساء الكولخوزات والشركات الصناعية أو المناجم أو مشروعات النقل، بحيث يتكفل الكولخوز بتوفير عدد معين من العمال. مثل هذه الأنواع من العمل القسري، مع ذلك لن يتم تناولها في هذا القسم. سنتناول فقط العمل القهري في شكله الأقصى، في معسكرات العبيد، حيث لا تشترى قوة العمل أو تباع كسلعة، لأن العامل نفسه ليس لديه أي حرية قانونية. حتى الخطة الخمسية الأولى، كان عمل السجناء محصور في نطاق ضيق جدا، بحيث لم يكن له أي أهمية في الاقتصاد الروسي. في عام1928، كان هناك (000ر30) سجين في المعسكرات الروسية، وكانت السلطات تعارض إجبارهم على العمل. في1927، كتب المسئول المكلف بإدارة السجون:  ‘استغلال عمل السجناء، نظام اعتصار “العرق الذهبي” منهم، تنظيم الإنتاج في أماكن الحبس، بينما هو مربح من وجهة نظر تجارية إلا أنه يفتقد بشكل جوهري أي مدلول تهذيبي – هذه مسائل مرفوضة بالكامل في أماكن الحبس السوفيتية’(77)، في ذلك الوقت، كانت قيمة الإنتاج الإجمالي لجميع السجناء تساوي نسبة ضئيلة فقط من نفقات العناية بهم.

إلا أنه مع افتتاح الخطة الخمسية، تغير الموقف جذريا. يذكر كيسيليوف – جروموف، وهو مسئول سابق بالبوليس السري في معسكرات العمل الشمالية، يذكر أنه في 1928 كان (000ر30) رجل فقط معتقلين في المعسكرات.0. العدد الإجمالي للسجناء في كل شبكة المعسكرات في 1930 يذكر انه بلغ 662257. (78) وبناء على الأدلة المتوفرة، يستنتج دالين أنه بحلول عام 1931 كان هناك حوالي (2مليون) شخص في معسكرات العمل، وفي الفترة بين 33 – 1935 حوالي (5مليون)، وفي 1942 من (8-15) مليون. (79) يقدر انطون سيليجا الذي كان في وقت من الأوقات زعيما للحزب الشيوعي اليوغوسلافي والذي قضى سنوات عديدة في معسكرات الاعتقال الروسية، يقدر عدد السجناء في أوج تطهيرات الثلاثينات بأنه وصل إلى حوالي عشرة ملايين. (80)

إن مدى وحشية العمل الاستعبادي في الاتحاد السوفيتي يمكن قياسها ليس فقط من التقارير المنشورة في الصحافة الروسية عن العقوبات الصارمة لأكثر الجرائم بساطة مثل سرقة الخبز (انظر صفحة ،)، ولكن أيضا بطريق غير مباشر من إحصائيات الناخبين كل من بلغ الثامنة عشر أو تجاوزها له حق التصويت، باستثناء نزلاء معسكرات العمل القسري. وفقا للتعداد السكاني لعام1939، كان 4ر58% من السكان يبلغون ثمانية عشر عاما أو أكثر في ذلك الوقت، بحلول عام1946، يكاد يكون من المؤكد أن هذه النسبة قد ارتفعت. فمن ناحية ، كانت نسبة الأطفال في المناطق الجديدة المضافة للاتحاد السوفيتي، مثل ليتوانيا ولاتفيا، أقل منها في أراضي روسيا سنة 1939، ومن ناحية أخرى، لم تسبب الحرب فقط زيادة أكبر في معدل وفيات الأطفال عن معدل وفيات الكبار، ولكنها أيضا سببت انخفاضا شديدا في معدل المواليد. ولكن حتى بافتراض أن نسبة من يبلغون ثمانية عشر عاما أو أكثر كانت في 1946 تقريبا كما هي في1939، فإنه من بين سكان يبلغ عددهم 193 مليون نسمة يصبح عدد من كانوا في هذه المجموعة العمرية 7ر112 مليون شخص. ومع ذلك، فإن 7ر101 مليون فقط كان لهم حق التصويت في الانتخابات. وفقا لهذه الطريقة في الحساب، على الأقل لابد أنه كان هناك 11 مليون شخص في معسكرات العمل الاستعبادي.

هناك مؤشرات أخرى إلى الطابع المكتظ لمعسكرات العمل القسري – على سبيل المثال – تم حل جمهورية الفولجا أثناء الحرب العالمية الثانية بزعم عدم ولائها للنظام، وأبعد سكانها، في أغلب الظن إلى معسكرات العمل. وفي مناطق الاتحاد السوفيتي التي سبق أن احتلها الألمان تم حل عدد من الجمهوريات. حالات الحل هذه لم تذكر حتى في الصحف وعندما نشرت “برافدا”، في 17 أكتوبر1945، قائمة بالدوائر الانتخابية للانتخابات العامة المقبلة، تم اكتشاف أن عددا من الجمهوريات قد اختفت، منذ متى لا يستطيع أحد أن يعلم. وكانت الجمهوريات التي اختفت هي جمهورية القرم التتارية ذات الحكم الذاتي، وجمهورية كالموك، وجمهورية شيشينو – اينجوشي، بالإضافة إلى منطقة كاراتشيف ذات الحكم الذاتي. (81) أصبحت جمهورية كاربادينيا – بالكار ذات الحكم الذاتي جمهورية كاربادينيا بعد طرد البالكار. (82) كان عدد سكان هذه المناطق أكثر من مليوني نسمة. ولا تتوفر معلومات رسمية عن أماكن وجودهم مرة أخرى، في أغلب الظن , تم إرسالهم إلى معسكرات العمل.

إلا أن أوضح إشارة إلى الدرجة التي وجد بها العمل الاستعبادي في روسيا من مصدر رسمي سوفيتي توجد في خطة الدولة لتنمية الاقتصاد القومي لاتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية لعام 1941. (83) وفقا لهذا المصدر، فإن قيمة الناتج الإجمالي لكل المشروعات المدارة بواسطة وزارة الداخلية كان مخططا أن تكون، في1941، 1969مليون روبل بأسعار عام 1926 – 1927. (84) أي تقدم عن عام 1925 عندما كان الناتج الإجمالي لكل العمل السجين 8ر3 مليون روبل. (85) – تضاعف الإنتاج 500 مرة ! إذا كان إنتاج العامل السجين الواحد في 1941 مساويا لما كان عليه في1925، فإن هذا يعني وجود 15 مليون من العمال المستعبدين. في الأغلب، كانت إنتاجية العمل في المعسكرات أعلى بكثير في عام 1941 منها في عام1925، وفي الأغلب، أن تقدير ناتج مشروعات وزارة الداخلية وبأسعار عام 1926 – 1927 الثابتة، فيه بعض المغالاة. ولكن حتى بعد عمل التصحيحات اللازمة، فمن الواضح أن معسكرات العمل الاستعبادي احتوت على ملايين الناس.

إن استحالة الحساب الدقيق لعدد العمال المستعبدين في المعسكرات تعود إلى عدم وجود أية إحصائيات رسمية على الإطلاق، حتى بداية الثلاثينات نشر حجم كبير من الإحصائيات حول المحاكمات والسجون والسجناء، ولكن منذ ذلك الوقت، توقف نشر مثل هذه الأرقام تماما. انه لدليل واضح على ذلك أن كتابا بعنوان إحصائيات المحاكم، كتبه أ. أ. جيرتسنزون (موسكو1948)، يعطي أرقاما فعلية عن الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وكندا والهند وبلجيكا والدنمرك وفنلندا وإيطاليا واليونان وهولندا والنمسا والسويد وسويسرا والنرويج، أما عن الاتحاد السوفيتي فهو يعطي فقط السنوات1، 2، الخ.. دون ذكر ما هي هذه السنوات والمناطق، انه يذكر فقط أن هذه المناطق بها 7ر4 مليون من السكان. ولما كان هذا الرقم يمثل نسبة مئوية صغيرة جدا من مجموع سكان الاتحاد السوفيتي، فإننا لا نستطيع أن نستنتج منه أرقاما مطلقة أو حتى اتجاهات عامة.

انه من المهم جدا ملاحظة أن النتائج المنشورة للتعداد السكاني لعام 1939 لا تحتوي على توزيع السكان على المناطق. هذه المعلومة – التي دائما ما تشملها جداول التعداد العادية – كانت ستسمح بتقدير عدد الأشخاص في معسكرات العمل الاستعبادي بدقة كبيرة، لأن بعض المناطق معلوم جيدا أنها تكاد لا تحوي سكانا أحرارا.

وقدم مرسوم العفو الصادر في 27 مارس 1953 دليلا واضحا على وجود الأطفال والأمهات والحوامل وكبار السن من الرجال والسيدات في معسكرات العمل الروسية. فهذا المرسوم أفرج عن نساء أمهات لأطفال أقل من عشر سنوات، والرجال فوق 55 عاما، ونساء فوق 50 عاما، وأيضا السجناء الذين يعانون من أمراض خطيرة مستعصية (86) من السجون ومعسكرات العمل.

إن العمل العبودي عموما يعتبر غير منتج. والحكومة السوفيتية تلجأ إليه على هذا النطاق الضخم ببساطة لأنها نسبيا أفقر كثيرا في رأس المال منها في الأيدي العاملة بالمقارنة ببلاد أوروبا الغربية المتقدمة والولايات المتحدة. في نفس الوقت – فيما يبدو ظاهريا أنه تناقض – يسهم العمل العبودي في التغلب على الاختناقات الناتجة عن ندرة العمل في بعض المناطق والصناعات. في جميع فترات التاريخ، كلما كان العمل نادرا فإن الدولة كانت تفرض قيودا قانونية على حرية العمال، كما حدث في أوروبا الغربية في القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر، ومرة أخرى في القرن السابع عشر. المستعبدون في معسكرات ستالين هم شكل فج “لجيش العاطلين” في الرأسمالية التقليدية، أي أنهم يستخدمون لإبقاء باقي العمال “في أماكنهم”. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تذكر أنه في الاتحاد السوفيتي هناك كثير من المهام شديدة التنفير التي يجب إنجازها (في أقصى الشمال، على سبيل المثال)، التي لا يمكن أن يقبل العمال الأحرار أو حتى نصف الأحرار القيام بها إلا في مقابل منح حوافز قوية جدا. وعلى الرغم من إنتاجيته الشديدة الانخفاض، فإن العمل العبودي، في مثل هذه الحالات، هو أرخص وسيلة، إن لم يكن الوسيلة الوحيدة. ويعطي النص التالي المقتبس من “ازفستيا” مثالا على ذلك ففي وصفها للعمل في خط سكة حديد جديد مبني في سيبيريا بالعمل القسري، تشير الجريدة إلى أن:  “حتى الوقت الحاضر، كان الاعتقاد أن موسم البناء لا يتجاوز مائة يوم في العام. فالشتاء شديد البرودة 50 درجة تحت الصفر، ولكن البناة أثبتوا، أنه حتى تحت هذه الظروف، يمكن العمل على مدار العام بأكمله دون توقف”. (87)

لا يستطيع المرء أن يجد خاتمة لهذا القسم أفضل من اقتباس كلمات فيشنسكي:  الحماس للعمل، والوعي الاشتراكي، والشعور السامي بالواجب تجاه الدولة والوطن والشعب السوفيتي، هي التي تحدد مسائل انضباط العمل بيننا – وليس العقوبات أو تهديدات العقاب الجنائي كما في البلاد الرأسمالية. (88)

خضوع الاستهلاك للتراكم – خضوع العمال لوسائل الإنتاج

في ظل الرأسمالية، يخضع استهلاك الجماهير للتراكم. أحيانا يزيد الاستهلاك مع زيادة التراكم، وأحيانا أخرى يقل في حين يزيد التراكم، ولكن دائما، في كل الظروف، تظل العلاقة الأساسية كما هي.

إذا تتبعنا تاريخ روسيا منذ أكتوبر، فإننا نجد أن هذا الخضوع لم يكن موجودا عند إدخال الخطة الخمسية الأولى، ولكن منذ ذلك الوقت فصاعدا، قد عبر عن نفسه بوحشية غير مسبوقة، سيتضح هذا من الجدول التالي:  (89)

تقسيم الناتج الإجمالي للصناعة إلى وسائل إنتاج ووسائل استهلاك (بالنسبة المئوية)

1913 1927- 1928 1932 1937 1940  1942 (مستهدف)
وسائل إنتاج 44.3 32.8 53.3 57.8 61.0 62.2
وسائل استهلاك 55.7 67.2 46.7 42.2 39.0 37.8

 

حتى لو لم تقل هذه الأرقام الرواية كلها، حيث أنه من المؤكد أن هذا الحساب الرسمي لم يعط الوزن الكافي لوقائع أن ضرائب الاستبدال تفرض أساسا على وسائل الاستهلاك، وأن الدعم مخصص بالكامل تقريبا لوسائل الإنتاج (أنظر أدناه) مع ما ينتج عن ذلك من تشويه لنظام الأسعار.

الأرقام المتوفرة بشأن التغير الفعلي في حجم إنتاج السلع الاستهلاكية ضئيلة جدا، وفي تفسيرها نواجه بالفعل صعوبات شديدة.

ليس من الصواب حساب منتجات، مثل الخبز، التي لا تعكس الزيادة في ناتجها زيادة إجمالية في الإنتاج، وإنما مجرد التحول من التصنيع المنزلي، غير المشمول في الإحصائيات، إلى الصناعة، التي تغطيها الإحصائيات. (90)

1913 1928-1929 1932 1937 1945 1949 1950
سلع قطنية (ألف مليون متر) 2.9 2.74 2.7 3.4 1.7 3.7 3.8
سلع وفية(مليون متر) 95.0 96.6 91.3 108.3 56.9 153.9 167.0
أحذيةجلدية مليون زوج) 23.2 28.0 164.2 60.0 116.0 502.0
سكرخام(ألف طن) 129.0 1340.0 828.0 2421.0 2522.0
ورق لف (ألف طن) 197.0 316.0 478.5 831.5
جوارب(مليون زوج) 154.0 401.0 83.0 340.3
كتان(مليون متر) 162.0 130.0 278.0
صابون(ألف طن) 357.2 495.0 668.0

هذا الجدول لا يظهر سوى زيادة متواضعة جدا في إنتاج السلع الاستهلاكية – باستثناء الأحذية الجلدية والورق والسكر.

فيما يتعلق بتفسير هذه الأرقام، ينبغي الإشارة إلى أنه في حين أن أرقام 1913 معدلة بالنسبة للأراضي الروسية المتقلصة بعد الثورة، فإن أرقام عامي 1945 و 1949 غير معدلة بحيث تتلائم مع أراضي ما بعد الحرب التي اتسعت اتساعا كبيرا. (شمل ما ضمته روسيا منذ 1939 فصاعدا، كما سنذكر فيما بعد، ليتوانيا ولاتفيا واستونيا والجزء الشرقي من بولندا.. الخ.) وبالإضافة إلى ذلك، قدمت المصانع الصغيرة جدا إسهاما هاما في إنتاج السلع الاستهلاكية، حتى 1928 على الأقل. في1929، شغلت الشركات الصناعية كبيرة الحجم معرفة على أنها تلك التي تشغل أكثر من ثلاثين شخصا، أو لديها قوة محركة تشغل خمسة عشر شخصا – 2ر3 مليون شخص، في حين شغلت الصناعة صغيرة الحجم 5ر4 مليون شخص.

ومع ذلك، فإن السلع المنتجة بهذه الطريقة أثناء فترة الخطة لم تندرج في الإحصائيات الستالينية. ربما يشرح هذا الزيادة الهائلة (على الورق) في إنتاج الأحذية الجلدية، وهي زيادة لا يمكن معادلتها مع ما هو معروف عن عرض المتاح للجلد. عدد الحيوانات المذبوحة سنويا بعد التوجه الكبير نحو نظام المزارع الجماعية لا يمكن أن يكون قد وصل للعدد المذبوح قبل ذلك، إذ أنه في 1938 فقط، وليس قبل ذلك، اقترب العدد الإجمالي للماشية مرة أخرى من مستوى عام 1929. (في عام1929، بلغ عدد الأبقار 1ر68 مليون، وفي1938، 2ر63 مليون، بلغ عدد الخراف والماعز، 2ر147 مليون و 1ر102 مليون على التوالي). (91) بالإضافة إلى ذلك، بلغ فائض الوارد من الجلود على الصادر منه 3ر45 ألف طن في 27 -1928، في مقابل 6ر15 ألف طن فقط في 1939. (92) من البديهي أن زيادة إنتاج الأحذية الجلدية في نفس الوقت الذي يقل فيه عرض الجلد كان يحتاج إلى ما لا يقل عن معجزة بالنسبة للجوارب، هناك واقعة على درجة قصوى من الأهمية مهملة:  كانت غالبية الجوارب تنتج بواسطة حرفيين. أما بالنسبة للورق، فقد زاد الناتج زيادة هائلة بلا شك، نظرا لاحتياجات الدعاية الحكومية، واحتياجات الإدارة والاحتياجات الثقافية المرتبطة بالتصنيع.

يصبح خضوع الاستهلاك للتراكم واضحا بدرجة كافية إذا وضعنا جنبا إلى جنب سلسلة الناتج المستهدف من السلع الاستهلاكية في الخطط الخمسية المختلفة، وسلسلة الناتج المستهدف من السلع الإنتاجية. سيتضح أن الحكومة السوفيتية في حين تعد بزيادة في إنتاج وسائل الاستهلاك مع كل خطة خمسية، فإنها تحدد الهدف الفعلي للخطة عند حجم من الإنتاج لا يتجاوز المستهدف في الخطط السابقة، يظهر هذا بوضوح في الجدول التالي: (93)

أهداف الإنتاج عند نهاية الخطط الخمسية

بعض وسائل الاستهلاك الخطة الأولى الثانية الثالثة الرابعة الخامسة
سلع قطنية(ألف مليون متر) 4.7 5.1 4.9 4.7 6.1
سلع صوفية(مليون متر) 270.0 227.0 177.0 159.0 257.0
كتان (مليون متر) 500.0 600.0 385.0
جوارب(مليون زوج) 725.0 580.0
أحذية(مليون زوج) 80.0 180.0 258.0 240.0 318.0
صابون (ألف طن) 1000.0 925.0 870.0
سكر(مليون طن) 2.6 2.5 3.5 2.4 4.3
ورق (ألف طن) 900.0 1000.0 134.0 1740.0
زيت خضار(ألف طن) 1100.0 750.0 850.0 880.0 1372.0
بعض وسائل الإنتاج
تيار كهربائي (مليار كيلوات / ساعة) 0ر22 0ر33 0ر75 0ر82 5ر162
فحم مليون طن 0ر75 5ر152 0ر243 0ر250 0ر372
حديد خام (مليون طن) 0ر10 4ر17 0ر22 5ر19 1ر34
حديد صلب(مليون طن) 4ر10 0ر17 0ر28 4ر25 2ر44
نفط (مليون طن) 7ر21 8ر46 0ر54 4ر3 9ر69

 

ومع ذلك، فإن الحكومة الروسية عندما تفاخر بأنها في عام 1950 ستصل إلى مستوى 7ر4 مليار متر من السلع القطنية، فإن كونها قطعت على نفسها نفس الوعد قبل عشرين عاما – عندما كان عدد السكان في الاتحاد السوفيتي أقل مما هو عليه الآن بحوالي خمسين مليون شخص – لا تشعر بالحرج، إذ أن الشرطة والدعاية يتعاونان معا في جعل الذاكرة ناقصة مثلها مثل السلع.

وإذا انتقلنا للإنتاج الفعلي، فإننا لا نجد فقط أن الأهداف بالنسبة للسلع الاستهلاكية أكثر تواضعا بكثير منها بالنسبة للسلع الرأسمالية، ولكننا نجد أيضا (وفقا للأرقام الرسمية أيضا) أن معدل تحقيق هذه الأهداف أقل بكثير في الأولى عنه في الأخيرة.

النسبة المئوية لتحقيق الزيادة المستهدفة في الخطط الخمسية الأولى والثانية والرابعة (94)

وسائل الإنتاج الأولى الثانية الرابعة
الفحم 27.3 71.5 112.9
النفط الخام 107.1 33.6 154.5
الكهرباء 49.1 93.5 124.6
الحديد الخام 43.3 83.8 97.8
الصلب 24.4 106.4 126.8
الصلب الأسطواني 19.3 100.0 163.8
الأسمنت 36.3 49.1 95.7

 

وسـائل الاستهلاك الأولى الثانية الرابعة
سلع قطنية 3.0 31.0 8.8
سلع صوفية 3, 3 10.6 111.3
أحذية 26.1 83.3  
ورق وكرتون 32.2 52.1 72.3
كبريت 1.6 25.4
صابون 36.9 21.7 96.7

 

تراكم رأس المال من ناحية والفقر من الناحية الأخرى:

حتى عام1928، ورغم تزايد البقرطة، إلا أن التراكم البطيء للثروة في الاقتصاد المهيمن عليه من قبل الدولة لم يصحبه نمو في الفقر، كما يوضح الجدول التالي:

رأسمال الصناعة كبيرة الحجم

السنة أسعار26/27 (95) مليون روبل مؤشر 1921=100 السنة الأجور الحقيقية(96)
1921 7930 100.1 1913 100.0
1922 7935 100.1 22/1923 47.3
1923 7969 100.5 23/1924 69.1
1924 8016 101.1 24/1925 85.7
1925 8105 102.1 25/1926 96.7
1927 9151 115.4 26/1927 108.4
1928 9841 124.1 27/1928 111.1
28/1929 115.6

 

هكذا، فإنه حتى وفق حسابات الأستاذ بروكوبوفتش، وزير سابق في حكومة كيرنسكي لا يمكن أن يتهمه أحد بالميل للبلاشفة، فإن الأجور الحقيقية للعمال الروس في 1928 – 1929 كانت أعلى بـ 6ر15% مما كانت عليه قبل الحرب. في الوقت نفسه خفضت ساعات العمل بنسبة 3ر22%. وإذا أخذنا أيضا الخدمات الاجتماعية في الحسبان، فإن الزيادة في الأجور الحقيقية تكون أعلى من ذلك. نقطة أخرى يلقي هذا الجدول الضوء عليها في أنه في السنوات القليلة الأخيرة قبل بداية الخطة الخمسية، حيث قوت البيروقراطية نفسها، فقد كانت الأجور الحقيقية تتوقف عن النمو، وتلكأ معدل الزيادة قليلا عن معدل التراكم.

اختلف الوضع جذريا مع افتتاح الخطة، فمنذ ذلك التاريخ فصاعدا، قفز التراكم إلى الأمام بشكل هائل، في حين أن مستوى معيشة الجماهير لم يتخلف فحسب عن معدل التراكم، بل انه انخفض بشكل مطلق بالمقارنة بعام 1928. الجدول التالي يوضح معدل التراكم:  (97)

استثمار رأس المال(ألف مليون روبل جاري)

الإجمالي في الصناعة
23/1924 – 27/1928 5ر26 4ر4
28/1929 -1932 5ر52 8ر24
1933-1937 7ر114 6ر58
1938- 1942 (الخطة) .ر192 9ر111
1946- 1950 (الخطة) 3ر250

 

حتى لو أخذنا في الاعتبار انخفاض سعر الروبل خلال هذه السنوات فإن نظرة سريعة على هذا الجدول توضح أن تراكما هائلا لرأس المال قد حدث. بأسعار عام1933، كان رأس المال الثابت للصناعة الروسية 3ر10 مليار روبل في 1928 وارتفع إلى 6ر22 مليار روبل في 1932 و 9ر59 مليار روبل في 1937. (98)

منذ عام1928، توقفت السلطات الروسية عن نشر مؤشر الأجور ومؤشر نفقات المعيشة، ومنذ عام1931، أسعار الجملة أو التجزئة. من الصعب جدا، إذن، حساب التغيرات في مستوى الأجور الحقيقية. جميع الأدلة المتاحة تشير مع ذلك، إلى أن المستوى، إجمالا، لم يرتفع منذ إدخال الخطط، هكذا، مثلا، فإن القوة الشرائية للأجور المتوسطة محسوبة بالنسبة للطعام تغيرت على النحو التالي: (99)

السنة عدد “سلات الطعام” للأجر الشهري المؤشـر
1913 7ر3 100
1928 6ر5 4ر151
1932 8ر4 7ر129
1935 9ر1 4ر51
1937 4ر2 9ر64
1940 0ر2 1ر54

 

هذا الحساب للتغيرات في القوى الشرائية للأجور معبر عنها في الطعام، تؤكدها إحصائيات متوسط الاستهلاك الفعلي للفرد من السكان لبعض المواد الغذائية.

متوسط الاستهلاك السنوي من الحليب واللحوم للفرد من السكان (بالكيلوجرام) (100)

الحليب اللحوم
السنة الإجمالي الريفي المديني الإجمالي الريفي المديني
27-1928 189 138 218 27.5 22.6 29.1
1932 105 111 85 13.5 10.3 21.8
1937 132 126 144 14.5 8.5 25.5

 

المقارنة بين استهلاك اللحوم، مثلا، في الاتحاد السوفيتي عام  1938 باستهلاكها في ألمانيا وفرنسا أثناء العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر تظهر التدهور المريع الذي حدث في استهلاك الطعام في الاتحاد السوفيتي. في عام 1898 تراوح استهلاك اللحوم في برلين بين 130 و 150 رطلا (61و 68 كيلوجراما) للفرد، وفي بريسلو بلغ المتوسط 86 رطلا (39كيلوجراما للفرد في 1880 – 1889. أظهرت فرنسا الحالة الآتية في 1852:  في باريس كان الاستهلاك 31ر79 كيلوجراما، وفي المدن الأخرى  58.87 كيلوجراما، وفي القرى 89ر21 كيلوجراما , وفي فرنسا ككل.5ر33 كيلوجراما. (101)

بالنسبة لاستهلاك بعض السلع الاستهلاكية الصناعية، تم جمع المعلومات الآتية من مصادر سوفيتية.

مقيما حساباته على أساس الأرقام الرسمية لإنتاج السلع القطنية والأحذية، وما ذكره فوزنيسينسك عن النسبة التي يأخذها الجيش والكساء المهني وما إلى ذلك،(102) يصل جاسني إلى النتيجة التالية فيما يتعلق بالاستهلاك المدني لهذه السلع:

كمية السلع القطنية المتاحة للاستهلاك الخاص انخفضت من 2ر15 مترا للفرد في عام 27/1928، إلى أقل من 10 أمتار في1940، (103) ورغم أن عدد الأحذية المتاحة للفرد زاد من 40ر0 زوجا في 27 – 1928 إلى 83ر0 زوجا في1940، إلا أن نفس الفترة شهدت تدهورا شديدا في نوعية الأحذية نظرا لنقص الجلد، (104) متوسط استهلاك الفرد من السلع الصوفية، بعد استبعاد النسبة التي تذهب للجيش والكساء المهني وما إلى ذلك، كانت 66ر0 مترا في1929، و 65ر0 مترا في1937، ومن السكر (الخام)، 5ر8 كيلوجراما في 1929 و 7ر14 كيلوجراما في 1937  (105).

يستطيع المرء أن يرى كم هي منخفضة هذه الأرقام، بإلقاء نظرة سريعة على أرقام ناتج السلع الاستهلاكية في بلاد أخرى:  في بريطانيا، في نفس السنة، 1937، بلغ الإنتاج 60 مترا مربعا من السلع القطنية، و 4ر7 مترا من السلع الصوفية، و2ر2 زوجا من الأحذية الجلدية، للفرد. في مواجهة وقائع صلبة كهذه، يستطيع المرء أن يفترض أن كويبيشيف، الرئيس السابق لهيئة التخطيـط ، كان رائق المزاج عندما أعلن أمام المؤتمر السابع عشر للحزب (يناير1932):

نعتقد أنه من الضروري جدا ضمان حدوث زيادة في الناتج من الطعام والصناعات الخفيفة والزراعة، في الخطة الخمسية الثانية، يسمح بأن يتضاعف مستوى الاستهلاك بما لا يقل عن مرتين أو ثلاث مرات. الحساب التقريبي لمستوى الاستهلاك في 1937 يسمح لنا بتأكيد أن الاتحاد السوفيتي في هذه السنة سيكون، فيما يتعلق بمستوى الاستهلاك، البلد الأكثر تقدما في العالم. (106)

إلا أن أقصى تعبير عن خضوع مستوى معيشة العمال لاحتياجات تراكم رأس المال نراه في ظروف الإسكان الخاصة بالشعب الروسي. لم تتحقق أبدا خطط الحكومة والتعاونيات لبناء المساكن منذ إدخال الخطط الخمسية، كما يوضح الجدول التالي:  (107)

الإسكان المستهدف المتحقق النسبة المئوية
(مليون متر مربع) للتحقيق
الخطة الخمسية الأولى 53 6ر22 42.6%
الخطة الخمسية الثانية 4ر61 8ر26 43.9%

 

قطعت الحرب الخطة الخمسية الثالثة، ومن ثم فمن الصعب تقدير مقدار تحقق هدف الإسكان.

في نفس الوقت، نما سكان المدن بسرعة شديدة. من المؤكد، إذن، أن هذا الفشل في إنجاز أهداف بناء المساكن يعنى أن متوسط المساحة السكنية للفرد بالنسبة لسكان المدن قد انخفض حتى عن المستوى الضئيل لعام 1928: (108)

 

 

مساحة المعيشة في المدن*
السنة سكان المدن (مليون) الإجمالية (مليون متر مربع) نصيب الفرد (متر مربع)
1923 9ر18 4ر118 2ر6
27-1928 3ر26 2ر160 1ر6
1932 7ر39 1ر185 66ر4
1937 2ر50 9ر112 5ر4
1939 9ر55 0ر225 0ر4

 

* هذه المساحة لا تتضمن المطبخ والحمام والمدخل، الخ.

المساحة المعيشية المتوفرة على مدى الفترة التي يغطيها الجدول كانت أقل بكثير من الحد الأدنى النموذجي للوقاية الصحية الذي يبلغ، وفقا لتصريح رسمي في عام1947، 25ر8 مترا مربعا. (109)

كانت المساحة السكنية للفرد في 1949 في بعض البلاد الأخرى كالآتي:

الدنمرك 21 مترا مربعا، ايرلندا17، السويد23، بلجيكا15، فرنسا23، اليونان (تقديرية) 16، ايطاليا12. (110)

يمكن تكوين فكرة عما تعنيه مساحة معيشية تعادل أربعة أمتار مربعة عن طريق ملاحظة أن الحد الأدنى المسموح به في العمارات الجديدة في بريطانيا يتراوح بين 550 و 950 قدما مربعا (111)، أو حوالي 51 إلى 88 مترا مربعا.

والانخفاض في متوسط مساحة الأرضية للفرد أكثر وضوحا في موسكو ولينينجراد والمراكز الصناعية المقامة حديثا عنه في غيرها. إن مقالا في “الأنباء السوفيتية” يمتدح ظروف الإسكان السوفيتية، يقول عن موسكو:  “يمكن أخذ فكرة عن تقدم الاتحاد السوفيتي في الإسكان من مثال موسكو، التي هي نموذج يحتذي به لجميع عواصم العالم الأخرى في تنمية المدن الحديثة، فمنذ حلول السلطة السوفيتية، تم بناء 65 مليون قدم مربع من المساكن في موسكو، أو نصف حجم ما تم بناءه في المدينة طوال فترة وجودها قبل الثورة. في كل عام تشهد موسكو حركة إنشائية متصاعدة” (112) إلا أن ما يفسد البهجة – وهو شيء تتجاهله برقة الرواية الرسمية – هو أن سكان موسكو قد زادوا بمقدار يفوق بمدى أبعد كثيرا الزيادة في المنشآت السكنية في عام 1912. كان هناك 6ر1 مليون ساكن، و 9ر11 مليون متر مربع من المساحة السكنية، بمتوسط 4ر7 مترا مربعا للفرد، في1939، 137ر4 مليون ساكن، و 4ر17 مليون متر مربع من المساحة السكنية، بمتوسط 2ر4 مترا مربعا فقط للفرد، وفي عام1950، ارتفع عدد السكان إلى 1ر5 مليون والمساحة السكنية إلى 6ر18 مليون متر مربع فقط، بمتوسط 65ر3 مترا مربعا للفرد لا أكثر.

المنازل التي تم بناؤها في ظل الخطط كانت شديدة البدائية. فمثلا، من كل المنازل المدينية المبنية في عام1935، كان 32% بلا إمداد من المياه، و 38% بلا صرف صحي، و 7ر92% بلا إمداد من الغاز، و 7ر54% بلا تدفئة مركزية. (113) في عام1939، في المنازل الجديدة التي تشرف عليها سوفييتات المدن في الاتحاد السوفيتي (والتي شملت معظم أفضل المباني السكنية)، كانت النسب المئوية للمساحة السكنية ذات المرافق الآتية كالآتي:  أنابيب المياه، 5ر60%، الصرف الصحي، 7ر43%، التدفئة المركزية، 5ر17%، الضوء الكهربائي 8ر93%، الحمامات 7ر11%. (114) تفتقد مدن بأكملها المرافق العامة الأكثر أولية. انه لمما يصدم بالتأكيد، على سبيل المثال، أن نكتشف أن الخطة الخمسية الرابعة شرعت في إدخال الصرف الصحي إلى ثلاث عشرة مدينة منها أرشانجلسك (بعدد 281091 من السكان في عام1939)، وتومسك (بعدد 141215 من السكان في نفس السنة)، واركوتسك (بها 243380 ساكن)، وخيرسون (97186). (115) من بين 2354 مدينة ومستوطنة عمالية، 460فقط كان بها أنابيب مياه، و 140 كان بها صرف صحي، و 6 كان بها إمداد غاز. (116)

هذه هي الوقائع التي “يستند” إليها الإعلان الرسمي الآتي “إن معدل وحجم بناء المساكن في الاتحاد السوفيتي ليس له مثيل في باقي العالم”، كما يستند إليها إعلان مماثل صدر قبل ذلك بحوالي خمسة عشر عاما بأن “الظروف السكنية لعمال الاتحاد السوفيتي أفضل بما لا يقبل المقارنة منها في أي دولة رأسمالية”. (117)

إن زعم “الأنباء السوفيتية” أن بناء المساكن في روسيا تخطى بناء المساكن في أي بلد آخر، يبعث على السخرية، كما تبين الأرقام التالية:  في الستة عشر عاما بين 1923 و 1939 كانت هناك زيادة ب 6ر106 مليون متر مربع فقط في تسهيلات الإسكان في مدن روسيا، في حين أنه في إنجلترا وويلز، في الأربعة أعوام 1925 – 1928 وحدها، تم بناء مساحة سكنية لا تقل عن 70 مليـون متر مربع. (118)

هل من الضروري تقديم براهين إضافية على أن تراكم الثروة من ناحية يعنى تراكم الفقر من ناحية أخرى؟

صناعة خاضعة للحرب

من الصعب جدا الوصول إلى صورة واضحة عن حجم الصناعات الحربية. فأرقام الميزانية حول الدفاع تعني القليل جدا كما يظهر من المقارنة التالية بين المقادير المخصصة للدفاع والرفاهية الاجتماعية – الثقافية (التعليم، الصحة، الإعداد البدني، المعاشات.0 الخ.) (119)

السنة الدفاع الرفاهية  (الاجتماعية والثقافية)
1935 2ر8 1ر13
1936 9ر14 0ر20
1937 5ر17 7ر25
1938 2ر23 3ر35
1939 2ر39 4ر37
1940 1ر56 9ر40
1946 6ر73 0ر80
1947 3ر66 0ر106
1948 3ر66 6ر105
1949 2ر79 0ر116
1950 9ر82 9ر116
1951 9ر93 9ر118

لاحظ أنه في عام1940، قبيل الغزو النازي، كانت ميزانية الدفاع تزيد بمقدار يسير جدا فقط عن تلك المخصصة للرفاهية الاجتماعية والثقافية، وأنها في عام1949، عندما كانت الحرب الباردة، قد بدأت تحتدم، كانت أقل. إن هذا غريب حقا.

بعض العوامل المساهمة في هذه الظاهرة الإحصائية المحضة هي:

بعض نفقات وزارة الداخلية تخدم أغراضا عسكرية.

نفقات بناء مصانع الذخيرة، والمباني العسكرية، والثكنات وما إلى ذلك محسوبة ضمن ميزانيات وزارات غير وزارة الدفاع.

نفقات المدارس العسكرية محسوبة ضمن ميزانية وزارة التعليم.

إلا أن كل هذه العوامل، وعوامل أخرى مماثلة، لا تقطع سوى شوط قصير نحو تفسير ميزانية الدفاع الضئيلة. التفسير الأساسي يتمثل في الرخص الشديد – المصطنع – للأسلحة. فنتيجة للضرائب الاستبدالية الثقيلة على وسائل الاستهلاك والدعم الهائل للصناعات الثقيلة خصوصا التسليح، لذا فإن علاقات الأسعار بين منتجات الصناعات الثقيلة ومنتجات باقي الاقتصاد مشوهة بشدة. فالفحم والصلب الذي يدخل في إنتاج الآلات التي تنتج الأسلحة، والفحم والصلب الذي يدخل في الإنتاج المباشر للأسلحة ذاتها، ونقل كل هذه العناصر وما إلى ذلك، كل هذا مدعوم بشدة هكذا فإن أسعار الأسلحة تخفض بشكل تراكمي عن طريق نظام الدعم. مادامت الضرائب الاستبدالية تكون حوالي ثلثي أسعار السلع الاستهلاكية، وما دام الدعم، بطريق مباشر وغير مباشر في الأغلب يخفض سعر الأسلحة إلى حوالي ثلث نفقات إنتاجها الفعلية، فعلى المرء لكي يحصل على صورة سليمة، أن يضرب سعر الأسلحة في تسعة، ويقارن هذا الرقم برقم السعر الإجمالي للسلع الاستهلاكية (بما فيها الخدمات الاجتماعية والثقافية). إذا لم يفعل ذلك، فإن الصورة تظل بعيدة عن الواقع تماما. فعلى سبيل المثال، نصت خطة 1941 على أن السعر الإجمالي لمنتجات جميع الصناعات الدفاعية يكون 40300 مليون روبل، في حين يكون هذا السعر 46000 مليون روبل بالنسبة لصناعات النسيج، أي أعلى من الصناعات العسكرية. (120)

رغم كل هذه الصعوبات، فإن لدينا بفضل الأستاذ م. جاردنر كلارك بجامعة كورنل، صورة معقولة الدقة عن وزن إنتاج الأسلحة في الاقتصاد الروسي.

معتمدا كليا على مصادر رسمية، قام الأستاذ كلارك بحصر مقدار الحديد والصلب المستخدم في إنتاج الذخيرة من الناتج الإجمالي لهذا المعدن في روسيا وكذلك المقدار المستخدم منه في بناء مصانع الذخيرة. يلخص الجدول التالي نتائج بحثه.(121)

 

استهلاك صناعات الذخيرة في الاتحاد السوفيتي للحديد والصلب

1932- 1938 (بآلاف الأطنان المترية والنسب المئوية)

البند 1932 1933 1934 1935 1936 1937 1938
أ)*
1-إجمالي استهلاك الذخيرة 6ر1646 1ر1378 6ر2204 9ر2667 3ر2873 1ر4019 2ر4986
2-الذخيرة كنسبة مئوية من صناعة الآلات 4ر40 6ر32 2ر38 .ر38 4ر35 1ر47 5ر57
3-الذخيرة كنسبة مئوية من مجموع البناء في الاتحاد السوفيتي 8ر21 5ر17 5ر17 3ر19 4ر17 2ر23 2ر29
ب) **
1-استهلاك الذخيرة من أجل البناء 3ر252 6ر135 4ر164 8ر290 5ر745 0ر793 1ر880
2-الذخيرة كنسبة مئوية من بناء مصانع الآلات 8ر45 9ر65 8ر14 4ر73 5ر82 5ر84 3ر94
3-الذخيرة كنسبة مئوية من مجموع البناء 1ر17 8ر12 3ر11 5ر13 8ر21 7ر24 6ر30

 

* القسم أ خاص بالذخيرة (المترجم)

** القسم ب خاص ببناء مصانع الذخيرة (المترجم)

هكذا، ففي تاريخ مبكر مثل عام1932، استهلكت الذخيرة 8ر21% من مجموع الحديد والصلب – وهي نسبة عالية جدا، كما يتضح بمقارنتها بنسبة 2ر29% لعام1938، عندما كانت استعدادات الحرب على أشدها. استهلكت مصانع الذخيرة حوالي نصف مجموع الحديد والصلب المستخدم في بناء مصانع الآلات وفي عام 1938 كان بناء مصانع الآلات الأخرى جميعا قد توقف تقريبا، حيث وصلت حصة مصانع الذخيرة إلى 94.3% من إجمالي الحديد والصلب المستهلك في بناء تلك المصانع.

أخذت القوات المسلحة أيضا جزءا كبيرا من ناتج السلع الاستهلاكية. هكذا، فإن ن.ا. فوزنيسينسكي – بوصفه رئيس هيئة التخطيط – ذكر أن 46% فقط من السلع القطنية المنتجة و 79% فقط من الأحذية قد بيعت في السوق العام، في عام1940، حيث ذهب الباقي بالكامل تقريبا على ما يبدو للجيش (باستثناء قسما صغيرا يخصص لإنتاج ملابس العمل للمصانع، والنقل، الخ) (122). طوال فترة الخطط، تحتل صناعة السلاح مكانا حاسما في نظام روسيا الاقتصادي.

إنتاجية العمل والعامل

إن الارتفاع في إنتاجية العمل في الدولة العمالية يجب أن يصحبه تحسن في ظروف العمال. وكما قال تروتسكي في عام1928، الأجور الحقيقية” ينبغي أن تصبح المعيار الأساسي لقياس نجاح التطور الاشتراكي ” إن “معيار الصعود الاشتراكي هو التحسن الثابت في مستويات العمال”. تعالوا نرى ماذا كانت العلاقة بين ارتفاع إنتاجية العمل ومستوى معيشة العمال في روسيا. الجدول التالي يشير إلى هذه العلاقة(123):

السنة مؤشر إنتاجية العمل مؤشر عدد سلات الطعام  لمتوسط الأجر الشهري (124)
1913 100 100
1928 0ر106 4ر151
1936 331.9 9ر64

 

هكذا، فحتى عام 1928 لم تكن الأجور أعلى مما كانت عليه قبل الحرب فقط، ولكنها أيضا ارتفعت أكثر كثيرا من إنتاجية العمل، في الفترة بين عام 1928 و1936، في حين أن إنتاجية العمل تضاعفت أكثر من ثلاث مرات، فإن الأجور الحقيقية انخفضت في الواقع بأكثر من 50%.

يمكن التوصل إلى نفس النتيجة بطريقة أخرى بمقارنة مستوى الإنتاجية في روسيا بمستواها في البلاد الأخرى من ناحية، ومستوى معيشة العمال الروس بمستوى معيشة العمال في البلاد الأخرى من الناحية الأخرى. في عام 1913 كان متوسط إنتاجية العمل في الصناعة الـروسية حوالي 25% مما هي عليه في الولايات المتحدة الأمريكية، 35% مما هي عليه في ألمانيا، و 40% مما هي عليه في بريطانيا. وجدت لجنة تابعة لهيئة التخطيط (الجوسبلان) – أنشئت عام 1937 لبحث إنتاجية العمل في الصناعة الروسية – وجدت أنها كانت 5ر40% من الإنتاجية في الصناعة الأمريكية، و 97% من الإنتاجية في ألمانيا (125). هناك مبرر لافتراض أن هـذا الحساب مبالغ فيه، وأن إنتاجية العمل في الصناعة الروسية في عام 1937 كانت حوالي 30% منها في الولايات المتحدة، و70% منها في ألمانيا، وحوالي نفس النسبة من الإنتاجية في بريطانيا. إن شرحا مفصلا لكيفية وصولنا لهذا الاستنتاج كان سيكون طويلا جدا. ولكن حيث أن نتائج لجنة هيئة التخطيط لا تبطل حجتنا، بل على العكس فهي تقويها فقط، فإن الرقم الدقيق ذو أهمية ثانوية.0 استئنافا لما كنا نقوله، ففي حين ينتج العامل الروسي حوالي 70% مما ينتجه العامل البريطاني، فإن مستوى معيشته أقل كثيرا جدا.

في الجدول التالي نفترض أن العامل الروسي يكسب 500 روبل في الشهر، وهو متوسط الأجر لكل موظفي الدولة (بما فيهم البيروقراطية) المستهدف عند نهاية الخطة الخمسية الرابعة في عام 1950. من ناحية أخرى، أخذنا كأساس لحساب الأسعار أسعار المنطقة1، التي يوجد بها أرخص الأسعار في روسيا0 (126) بالنسبة لبريطانيا، أخذنا متوسط إيرادات العمال الأسبوعية على أنه 53 جنيها إسترلينيا. (127) أساس حساب الأسعار هو الأرقام الرسمية المنشورة من مجلس التجارة:

 

عدد الوحدات التي يستطيع متوسط الأجور الأسبوعية شراؤها

 

الوحدة روسيا بريطانيا
الخبز القمحي (درجة أولى) رطل 7ر41 7ر480
الخبز القمحي (درجة ثانية) رطل 3ر63
الخبز الشيلمي رطل 0ر91
لحم البقر رطل 0ر9 79-127
الزبد رطل 1ر4 2ر77
اللبن باينت * 57-81 2ر247
السكر رطل 5ر18 0ر412
البيض عدد 82-115 3ر706
الشاي رطل 6ر1 4ر36
القهوة رطل 4ر3 2ر41
البيرة باينت 4ر14 2ر88
السجائر عدد 0ر464 0ر618
أحذية الرجال زوج 4ر0 2- 5ر4
أحذية السيدات زوج 4ر0 1-.ر4
جاكتات السيدات (نصف صوفية) عدد 6ر0 1ر1 – 3ر2
جوارب، قطن السيدات زوج 2ر16 25-.ر27
نسيج صيني ياردة 4ر1 23-.ر25
بدل رجالي، بصف واحدة من الأزرار (نصف صوفية) عدد 3ر0 6ر0 – 5ر1
بدل رجالي (صوف) عدد 1ر0 2ر0 – 3ر0
أحذية مطاطية وقائية زوج 6ر2 5ر9
فساتين قطنية عدد 2ر0 5ر3 -.ر6
فساتين صوفية عدد 6ر0 8ر0 – 1ر2
كبريت علب 0ر577 ر824
أمشاط، زينة حريمي عدد 8ر28 103-154
الحاكي عدد 12ر0 6ر0
أجهزة استقبال راديو(5صمامات) عدد 20ر0 17%
ساعات يد عدد 12ر0 3ر0 – 5ر0

 

* مكيال للسوائل يساوي ثمن جالون إنجليزي أو 568ر0 من اللتر (المترجم)

إذا كانت إنتاجية العمل للعامل في الصناعة الروسية حوالي أربعة أخماس إنتاجية العمل للعامل في بريطانيا، في حين أن مستوى معيشته يبلغ ربع أو ثلث مستوى العامل البريطاني، إلا نستطيع أن نستنتج أنه لو كان العامل البريطاني مستغلا فأخوه الروسي مستغل أكثر؟ (ملاحظة:  كون العامل الروسي اليوم بالمقارنة بالعامل البريطاني اليوم أسوأ حالا من العامل الروسي في ظل القيصر بالمقارنة بالعامل البريطاني في هذا الوقت، يتضح من مقارنة الجدول السابق بالملاحظة التالية لموريس دوب في “روسيا القيصرية”:  متوسط الأجر في المناجم والمصانع في عام 1913 عادة ما يقدر على أنه كان بين 20 – 25 روبل في الشهر، أو ما يعادل 40 – 50 شلن بالنقود الإنجليزية وفقا لقوتها الشرائية في ذلك الوقت (أي حوالي 10 – 13 شلنا في الأسبوع) يمثل هذا رقما أقل بعض الشيء من نصف المستوى البريطاني وقتها (موريس دوب، التنمية الاقتصادية السوفيتية منذ عام1917، لندن، 1948ص59).

نزع ملكية الفلاحين

نزعت ثورة أكتوبر ملكية كبار الملاك والكنيسة والملكية. لم تنزع ملكية برجوازية الريف – الكولاك – وأثناء فترة السياسة الاقتصادية الجديدة، لم يزدهر الكولاك القدماء فقط، بل برز كثيرون جدد من صفوف متوسطي الفلاحين0 استغل الكولاك بالاشتراك مع التجار الأفراد فقراء الريف. استمرت الرأسمالية الفردية تحكم الزراعة حتى عام1928، غير إن نظام المزارع الجماعية بدل الوضع من الأساس. لن نناقش أثر التجميع على التمايز الطبقي بين المشتغلين بالزراعة، وإنما سنتناول السؤال التالي فقط:  كيف أثر التجميع على الدخل الإجمالي للقطاع الزراعي للاقتصاد؟ العامل الأكثر أهمية الذي ينبغي تناوله عند الإجابة على هذا السؤال هو تأثير التجميع على اقتصاد الدولة من الزراعة، أي تأثيره على التسليم الإجباري:  ضرائب، سداد مبالغ مقابل العمل الذي تقوم به محطات الجرارات الآلية والطواحين الحكومية. التسليمات الإجبارية هي ضرائب نوعية بالفعل إن لم يكن بالاسم، لأن الأسعار المدفوعة للكلوخوز منخفضة للغاية. في عام1935، كان السعر المحدد للتسليم الإجباري للشوفان، الذي كانت الحكومة تعيد بيعه بالتجزئة بسعر 55 إلى 100 كوبك للكيلوجرام، 4- 6 كوبك للكيلوجرام. الأرقام بالنسبة للجاودار كانت 60 – 100 كوبك و 6ر4 إلى 9ر6 روبل على التوالي. سعر التجزئة للنشا (نوعية رديئة كان 60 – 70 ضعف السعر الذي كان القمح يشترى به. (128) السعر المدفوع في المنتجات الزراعية الأخرى كان شحيحا بالمثل ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الفروق أكبر. مازالت الحكومة تدفع للمنتجين حوالي 10 كوبك للكيلوجرام من القمح المسلم، في حين أنها – منذ خريف عام 1946 – تتقاضى من المستهلك 13 روبل للكيلو جرام من دقيق القمح (قد يصل المستخرج نسبة 85%)، أكثر من مائة ضعف كمية الحبوب. (129)

ثانيا، تحصل الدولة على نسبة من الإنتاج في صورة مدفوعات نوعية مقابل الخدمات التي تقدمها محطات الجرارات الآلية. وحيث أن محطات الجرارات الآلية تحتكر إمدادات المعدات الزراعية، فهي تتقاضى معدلات عالية مقابل استخدام هذه المعدات.

 

 

يظهر الجدول التالي كيفية التصرف في الحبوب التي أنتجتها الكولخوزات في عام 1938 (بالنسب المئوية):  (130)

 

تسليمات إجبارية 0ر15
مدفوعات لمحطات الجرارات الآلية 0ر16
سداد لقروض 0ر2
مبيعات للحكومة وللسوق 1ر5
مخصصات لاحتياطي البذور 6ر18
مخصصات لاحتياطي العلف 6ر13
احتياطي لمساعدة العاجزين ورياض الأطفال 8ر0
توزيع على الأعضاء * 9ر26
مخصصات مختلفة 5ر2

 

* يتضمن هذا ما يدفع للجهاز الإداري وفقا لمقال كتبه أ. تيريافا، “التقوية التنظيمية الاقتصادية للكولخوزات الموحدة”، فويروسي ايكونوميكي، 1950، عدد12، فإن المدفوعات للجهاز الإداري – آخذا في الاعتبار حجم الكولخوز – كونت النسب التالية من مدفوعات جميع التروديونات:  الكولخوزات التي بها مالا يزيد عن 20000 تروديون 8%، 20 – 35 ألف 7%، 35 – 55 ألف 6%، 55 – 75 ألف 5%، 75 – 100 ألف 4%، أكثر من 100 ألف 3%.

ليس هذا فقط، بل إن الدولة أيضا – مرة أخرى هذه هي أرقام عام 1938 – استولت على الحصص الضخمة التالية: (131)

تسليمات إجبارية مدفوعات نوعية لمحطات الجرارات المجموع
بذور عباد الشمس 7ر38 0ر16 7ر54
بنجر السكر 0ر82 8ر17 8ر99
القطن، المروي 0ر81 5ر17 5ر98
القطن، غير المروي 1ر90 0ر5 1ر95
لحم (1937) 0ر30 0ر30
لبن ومنتجات ألبان(1937) .ر44 0ر44
صوف (1937) 7ر54 7ر54

 

يمكن مقارنة هذه الأرقام بالنصيب المتواضع للكولخوزيين أنفسهم من إنتاج ما يسمى بمزارعهم “المملوكة جماعيا” (1937):  (132)

حبوب 9ر35
بذور عباد الشمس 0ر27
بذر الكتان 7ر3
كتان 6ر2
بذور القنب 7ر15
القنب 4ر3
بطاطس 4ر45
لبن 6ر7
زبد 6ر26
لحم ودهن 8ر48
صوف 7ر7
عسل 1ر35
بيض 6ر26

 

في نفس الوقت أجبر الكولخوزيون على العمل أشق وأشق في المزارع الجماعية، كما يظهر من الأرقام التالية:  (133)

العدد المتوسط للترودودنات * للعائلة

السنة العدد دليل
1932 257 0ر100
1933 315 5ر122
1934 354 4ر133
1935 378 1ر147
1936 393 8ر152
1937 438 7ر170
1938 437 0ر170

 

* ترودودن – حرفيا، يوم عمل، ولكن تستخدم فعليا كوحدة مجردة للعمل الكولوخوزي. يوم العمل غير الماهر يساوي نصف ترودودن، يوم العمل لأكثر مهارة على الإطلاق يساوي 5ر2 ترودودن.

أما فيما يتعلق بطول يوم العمل في الكولوخوز، فهو ليس أقصر مما كان عليه في ظل القيصر. في ذلك الوقت كان يوم العمل يبلغ 14 ساعة للعمال الزراعيين، في حين أنه كان 11 ساعة فقط بالنسبة للخيول و 10 ساعات للثيران (134).

يحدد مرسوم حكومي صادر في أول أغسطس 1940 أن يوم العمل في الكولخوزات والسوفخوزات ومحطات الجرارات الأهلية أثناء الحصاد ينبغي أن يبدأ في الخامسة أو السادسة صباحا وينتهي عند غروب الشمس. ومرة أخرى، ذكر كتيب يصف عمل رئيس كولخوز نموذجي بأن يوم العمل في الربيع وفي وقت الحصاد كان 15 ساعة، لا تشمل أوقات الوجبات. (135) يورد كتيب روسي حديث الجداول الزمنية التالية كنماذج:

بالنسبة للغرس الربيعي وفترات الحصاد، يبدأ العمل في الرابعة صباحا، راحة للإفطار من الثامنة إلى التاسعة صباحا، راحة للعشاء من الواحدة إلى الثالثة بعد الظهر، عمل حتى العاشرة مساءا (136)

“بالنسبة للحصاد، العمل من 30ر5 صباحا إلى.0ر9 مساءا”، (فترات الراحة غير معطاة). (137)

رجال الإسطبل المعنيون برعاية الخيل يبدو أن عليهم أن يعملوا من الخامسة صباحا إلى التاسعة مساءا، أو ربما حتى منتصف الليل في الشتاء ومن الثالثة صباحا إلى العاشرة مساءا في الصيف. (138)

عاملات معامل الألبان:  يبدأن العمل في الرابعة والنصف صباحا حتى الثامنة مساءا طوال العام، مع فترتي راحة لمدة ساعة ونصف يوميا. (139)، بل ويذكر فترات عمل أوسع لهن في مكان آخر. (بالمناسبة فإن المعدل المطلوب يقتضي أن تعمل عاملات معامل الألبان 365 يوما في العام). (140)

ساعات العمل في مزارع الخنازير من الخامسة صباحا إلى الثامنة مساءا، مع فترتي راحة لمدة ساعتين لكل منهما. (141)

من الطريف ملاحظة أن لينين في كتابه المسألة الزراعية في روسيا في نهاية القرن التاسع عشر (1908) كتب:  “والفلاحون الذين لا يمتلكون خيولا أو يمتلكون حصانا واحدا – أي الفلاحين شديدي الفقر – يدفعون على شكل ضرائب سبع وعشر إجمالي نفقاتهم على التوالي. من المشكوك فيه أن مدفوعات الأقنان كانت على هذا الارتفاع”. (142) الكادحون الزراعيون “في الوطن الاشتراكي” يدفعون أكثر من ذلك كثيرا !.

نظام التجميع لم يحول فقط الذين جاءوا إلى الصناعة إلى بروليتاريين، بل الذين بقوا في الزراعة أيضا. الغالبية العظمى من الزراعيين هم في الواقع – إن لم يكن من الناحية النظرية – أناس لا يمتلكون وسائل إنتاج، بالفعل، إن لدينا مبررات أقل لإطلاق اسم ملاك لوسائل الإنتاج على الزراعيين الروس اليوم، من مبررات إطلاقه على أقنان القرن التاسع عشر.

لقد أسفر نظام التجميع عن تحرير المنتجات الزراعية لتلبية احتياجات التنمية الصناعية، “وتحرير” الفلاحين من وسائل الإنتاج، وتحويل قطاع منهم إلى قوة عمل احتياطية للصناعة وتحويل الباقين إلى أشباه عمال وأشباه فلاحين وأشباه أقنان في الكولخوزات.

نتائج عامة مماثلة، وان تكن مختلفة في بعض الخصوصيات الهامة، حققتها البرجوازية الإنجليزية في القرنين السادس عشر والسابع عشر عن طريق طرد الفلاحين من الأرض. سمى ماركس هذه العملية “التراكم البدائي”. (العملية المرتبطة بنظام التجميع مختلفة في نقطة جوهرية عن تلك التي حدثت في بريطانيا. ففي بريطانيا خلق طرد الفلاحين فائضا من المنتجات الزراعية التي بيعت في المدن، في روسيا تستولي الحكومة على الغالبية العظمى من فائض المنتجات الزراعية كضرائب دون إعطاء أي شيء في المقابل. المترجم”)

كتب ماركس “تاريخ هذا مكتوب في سجلات تاريخ البشرية بالدماء والنار، (143) لقد سالت دماء أكثر غزارة بكثير أثناء التراكم البدائي في روسيا منها في بريطانيا. حقق ستالين في بضع مئات من الأيام ما أخذت بريطانيا بضع مئات من السنين لتحقيقه. النطاق الذي أنجزه عليه، والنجاح الذي لاقاه في إنجازه تبدو تافهة أمامها تماما أعمال دوقة ثاذرلاند، انهما يقدمان شهادة دامغة على تفوق اقتصاد صناعي حديث ممركز في يد الدولة تحت قيادة بيروقراطية لا تعرف الرحمة.

لقد تحقق بالكامل تنبؤ إنجلز حول مستقبل التراكم البدائي في روسيا، وان يكن في ظروف مختلفة عما تخيل. في خطاب إلى دانييلسون، بتاريخ 24 فبراير 1893 كتب إنجلز:

إن ظروف روسيا، كونها آخر بلد تسيطر عليه الصناعة الرأسمالية الضخمة، وفي نفس الوقت البلد صاحب أكبر عدد من الفلاحين لابد أن تجعل الانقلاب الناتج عن هذا التغيير الاقتصادي أكثر حدة منه في أي مكان آخر. إن عملية استبدال حوالي 500 ألف من ملاك الأراضي وحوالي ثمانية ملايين فلاح بطبقة جديدة من ملاك الأراضي البرجوازيين لا يمكن إنجازها إلا في ظل معاناة واضطرابات مخيفة. لكن التاريخ هو أكثر الآلهة قسوة، الآلهة التي تقود سيارتها المنتصرة فوق أكوام من الجثث، ليس فقط في الحرب، وإنما أيضا في التنمية الاقتصادية السلمية ” (144)

ضريبة المبيعات

منذ 1930 كان الإسهام الرئيسي في استثمار رأس المال وفي الدفاع يأتي من ضريبة المبيعات. كما يكتب موريس دوب:  ” نستطيع حقا أن نعثر على علاقات وثيقة تماما، كما قد يتوقع المرء، بين الخط البياني الصاعد للإنفاق على الاستثمار والدفاع طوال العقد، والدخل المتصاعد من ضريبة المبيعات. في 1932 كان الدخل من هذه الضريبة، كما رأينا، أكثر قليلا من 17 مليارا. الرقم الإجمالي للإنفاق من الميزانية على الدفاع وتمويل الاقتصاد كان 25 مليارا. في1934، كان الرقمان على الترتيب 37 و37، في1938، كانا 80 و75، في1939، كانا 92 و100، في1940، كانا 106 و113، يقدر أنهما كانا 124 و 144 (الفجوة المتسعة في هذه السنة مغطاة تقريبا بزيادة الضرائب على الأرباح). (145)

ضريبة المبيعات أهم مصادر دخل الدولة الروسية. أنها تمثل النسب التالية من إجمالي دخل الحكومة (باستثناء القروض): (146)

1931 2ر46% 1932 5ر51% 1933 2ر58% 1934 3ر64%
1935 5ر69% 1936 7ر69% 1937 4ر69% 1938 1ر63%
1939 1ر62% 1940 7ر58% 1942 8ر44% 1944 3ر35%
1945 8ر40% 1946 7ر58% 1947 1ر62% 1948 6ر60%
1949 8ر58% 1950 9ر55% 1951 8ر57%

 

وضريبة المبيعات شبيهة بضريبة المشتريات البريطانية، حيث تفرض على السلع وقت التصنيع وعلى المشتريات الحكومية الإجبارية من المنتجات الزراعية من الفلاحين. أنها متضمنة في سعر السلعة، وبالتالي مدفوعة بالكامل بواسطة المستهلك. تفرض الضريبة تقريبا فقط على المنتجات الزراعية وعلى صناعات السلع الاستهلاكية، كما يظهر من الجدول التالي عن نسبة الصناعات المختلفة في الناتج الإجمالي وفي دخل الحكومة من ضريبة المبيعات عام 1939:  (147)

قوميسارية النسبة المئوية من الناتج الإجمالي النسبة المئوية من دخل ضريبة المبيعات
صناعة البترول 1ر3 0ر8
صناعة اللحوم والألبان 5ر4 3ر7
صناعة الغذاء 7ر11 7ر29
صناعة النسيج 2ر10 0ر13
الصناعة الخفيفة 9ر7 6ر2
المطلوبات الزراعية 5ر2 4ر34
قوميساريات أخرى (خصوصا للصناعة الثقيلة) 1ر60 0ر5

 

هكذا نجد أنه في عام 1939 كان حوالي 90% من دخل ضريبة المبيعات من ضرائب مفروضة على الطعام والسلع الاستهلاكية.

لما كانت ضريبة المبيعات لا تضاف إلى سعر البيع، وإنما تدخل فيه مقدما، فإن ضريبة مبيعات , مثلا 50% ترفع سعر السلعة فعليا بنسبة 100%، ضريبة مبيعات 75% ترفع السعر 300%، وضريبة 90% تسفر عن تضاعف السعر الفعلي عشر مرات. لابد من وضع ذلك في الاعتبار عند دراسة الأرقام المتعلقة بمعدل ضريبة المبيعات. (148):

السلعة النسبة المئوية تاريخ الإقرار للضريبة
حبوب، أكرانيا (روبل – قنطار):
قمح ناعم 73.0
قمح خشن 74.0
شيلم 60.0
شعير 46.0 أول ابريل1940
شوفان 25.0
قمح البقر – الحنطة السوداء (علف) 289.5
بطاطس (النسبة المئوية من سعر التجزئة) 48.0 – 62.0 24يناير1940
لحوم (النسبة المئوية من سعر التجزئة):
لحم البقر 67 – 71
عجل، خنزير، ضأن 62-67
الطيور الداجنة 20-43
سجق، سجق ألماني، لحم مدخن 50-69 24يناير1940
أسماك (النسبة المئوية من سعر التجزئة):
الأسماك ماعدا الرنجة 39-53
الرنجة القوقازي 35-50
كافيار 40 10أبريل1940
سمك معلب (وفقا للنوع) 5-50
ملح (النسبة المئوية من سعر الجملة):
سائب 70-80
معبأ، أكياس صغيرة 35-42 أول مايو1940
شراب (النسبة المئوية من سعر التجزئة):
فودكا 84
مشروبات روحية أخرى 55-78 أول يناير1940
مشروبات غير كحولية 20 10ابريل1940
تبغ (النسبة المئوية من سعر التجزئة):
سجائر 75-88
ماخوركا 70 أول يونيو1937
سلع قطنية (النسبة المئوية لسعر التجزئة):
قماش 55
سلع أخرى 62-65 أول يناير1938

يظهر الطابع التنازلي لهذه الضريبة من واقع أنها في حين تؤثر تأثيرا خفيفا على السيارات (2% لا غير)، وأجهزة الراديو (25%) والكافيار (40%)، فإنها تؤثر بثقل على القمح (73- 74%)، والملح (70- 80%)، والسكر (73%)، وصابون الغسيل (61- 71%)، والسجائر (75- 88%). في ضوء هذه الوقائع، فإنه من المدهش بعض الشيء أن تقرأ التصريح التالي لموريس دوب، الذي يتحدث فيه عن ضريبة المبيعات:  “كانت وسيلة لضمان أن الجانب الأعظم من الارتفاع في الأسعار سيتركز في السلع الكمالية أو غير الضرورية وبأقل قدر ممكن في الضروريات. وقد تم ذلك بجعل معدل الضريبة على المبيعات مختلفا للسلع المختلفة، بحيث تتراوح الاختلافات بين1، 2% صعودا إلى حوالي 100%” الضريبة لها تأثير ضريبة نفقات عامة تصاعدية – ضريبة تصاعدية على الدخل عند إنفاقه “، (149) ومرة أخرى:  ” فإن أعلى معدلات الضريبة تنزع إلى أن تكون على السلع الكمالية، حيث أن الأخيرة نادرة العرض بشكل خاص لذا فإن التأثير العام للمعدلات التفاضلية يبدو كأنه يجعل هيكل الأسعار ضد السلع غير الضرورية (ومن ثم يجعل الاختلافات الحقيقية في الدخل أقل مما يقود المرء للاعتقاد عند النظر في الاختلافات النقدية لأول وهلة” (150)

لقياس العبء الحقيقي الذي تفرضه ضريبة المبيعات على المستهلكين، سيكون من المفيد أن نفحص في نفس الوقت، المقدار الإجمالي لضريبة المبيعات وصافي مبيعات التجزئة الذي يقابله:  (151)

السنة إجمالي مبيعات التجزئة ضريبة المبيعات صافي مبيعات التجزئة النسبة المئوية للضريبة
1931 27465 11643 15822 6ر73
1932 40357 19514 20843 6ر93
1933 49789 26983 22806 3ر118
1934 61815 37615 24200 4ر155
1935 81712 52026 29686 3ر175
1936 106761 65841 40920 9ر160
1937 125943 75911 50032 7ر151
1938 138574 80411 58163 2ر138
1939 163456 96800 66656 2ر145
1940 174500 105849 68651 2ر154
1950 (الخطة) 275000 187100 87900 9ر212

الأرقام بملايين الروبلات

إن ضريبة المبيعات، بوصفها ضريبة غير مباشرة، تنازلية، تناقض صراحة البرنامج الأصلي للحزب البلشفي. بل إن حتى برنامج الحد الأدنى الخاص بالبلاشفة، أي برنامج يمكن تنفيذه في ظل الرأسمالية، طالب “بإلغاء جميع الضرائب غير المباشرة، وفرض ضريبة تصاعدية على الدخول والميراث”(152).

أعلن المؤتمر الحزبي الحادي عشر (1922):  ” ينبغي أن تهدف السياسة الضريبية إلى تنظيم عملية مراكمة الموارد عن طريق الضرائب المباشرة على الأملاك والدخول، الخ. السياسة الضريبية هي الأداة الرئيسية للسياسة الثورية للبروليتاريا في الفترة الانتقالية “(153) لإزالة التناقض بين القول والعمل، توقفت السلطات تماما عن إطلاق اسم ضرائب على ضرائب المبيعات. أشارجانسي إلى أن الكتاب السنوي لعام 1935 ذكر ضريبة المبيعات بين الضرائب، (154) إلا أن الطبعة التالية من نفس الكتاب السنوي حذفت ضرائب المبيعات من بند “الدخل من الضرائب”، (155) يسمح هذا التغيير في المصطلحات لوزير مالية الاتحاد السوفيتي أن يعلن أمام السوفيت الأعلى:  من المعروف أن الجزء الأعظم من إيرادات الميزانية السوفيتية يتكون من مدفوعات بواسطة الاقتصاد القومي. إن نصيب جميع الضرائب المحصلة من السكان يكاد لا يذكر. في عام 1939 كان مجموع الضرائب المدفوعة من السكان 5ر6 مليار روبل، أي نسبة 2ر4%فقط من كل دخول الميزانية. (156)

خضوع الإنسان للأملاك

تقول المادة 6 من الدستور السوفييتي:  “الأرض وما تحتويه من مياه وغابات وطواحين ومصانع ومناجم وسكك حديدية ونقل مائي وجوي ووسائل اتصال ومشاريع المزارع الكبرى التي تنظمها الدولة (مزارع الدولة، ومحطات الجرارات الآلية000الخ.) وأيضا التسهيلات السكنية الأساسية في المدن والمناطق الصناعية هي ملك للدولة، أي أنها ثروة الشعب كله”.

من الغريب أنه رغم أن الشعب، من خلال الدولة، يمتلك ثروة البلاد، إلا إن الدولة الروسية عليها أن تتخذ إجراءات فوق العادة لكي تحمي هذه الثروة منه!

في ظل قانون صادر في 7 أغسطس1932، “حول حماية ملكية مشاريع الدولة والمزارع الجماعية والتعاونيات ومؤسسات الملكية الاشتراكية، فإن سرقة أملاك الدولة والكولخوزات والتعاونيات والسرقة على خطوط السكك الحديدية والمجاري المائية يعاقب عليها بالإعدام رميا بالرصاص مع مصادرة كل الممتلكات. وإذا وجدت ظروف مخففة، فإن العقوبة المستحقة تكون السجن لما لا يقل عن عشر سنوات ومصادرة كل الممتلكات. (157) سمى ستالين هذا القانون “أساس الشرعية الثورية” (158)

في واقع الأمر نادرا ما طبق هذا القانون في مجالات السرقات الصغرى. لذا، فعندما أصدر مجلس السوفيت الأعلى للاتحاد السوفيتي مرسوما في 4 يونيو1947، حول ” حماية الملكية الخاصة للمواطنين “، جاء في المادة الأولى منه:  (159) “السرقة – أي الاستيلاء على الأملاك الخاصة للمواطنين في الخفاء أو العلن – يعاقب عليها بالحبس في معسكر عمل إصلاحي لمدة من خمس إلى ست سنوات. السرقة المرتكبة بواسطة عصابة من اللصوص أو للمرة الثانية يعاقب عليها بالحبس في معسكر إصلاحي تتراوح بين ست إلى عشر سنوات، (160)، وكان تخفيف القسوة في التعامل مع الجرائم ضد الملكية ظاهريا أكثر منه حقيقيا.

في نفس اليوم، اصدر المجلس أيضا مرسوما حول “اختلاس ملكية الدولة والملكية العامة”، تضمن المواد التالية:

عقوبة السرقة أو الاستيلاء على أو اختلاس أو سائر أنواع التلاعب بملكية الدولة هي الاعتقال في معسكر عمل إصلاحي لمدة تتراوح بين سبع وعشر سنوات، مع أو بدون مصادرة الأملاك.

عقوبة اختلاس ملكية الدولة للمرة الثانية – بالإضافة إلى الاختلاس بواسطة مجموعة منظمة أو على نطاق واسع – هي الاعتقال في معسكر عمل إصلاحي لمدة تتراوح بين عشر سنوات وخمسة وعشرين سنة، مع مصادرة الأملاك.

عقوبة السرقة أو الاستيلاء على أو اختلاس أو سائر أنواع التلاعب بالمزارع الجماعية والتعاونيات أو الأملاك العامة الأخرى هي الاعتقال في معسكر عمل إصلاحي لمدة تتراوح بين خمس وثمان سنوات، مع أو بدون مصادرة الأملاك.

عقوبة اختلاس المزارع الجماعية أو التعاونيات أو الأملاك العامة الأخرى للمرة الثانية – بالإضافة إلى الاختلاس بواسطة مجموعة منظمة أو عصابة أو على نطاق واسع – هي الاعتقال في معسكر عمل إصلاحي من ثمان سنوات إلى عشرين سنة، مع مصادرة الأملاك. (161)

بعد شهر من ذلك، أعطى مكتب المدعي العام عشرة أمثلة على كيفية تنفيذ هذه القوانين:

في مدينة ساراتوف، قام ف. ف. يودين – الذي قد أدين بالسرقة قبل ذلك – بسرقة سمك من مصنع تدخين. في 24 يونيو 1947.00 حكم على يودين بالسجن خمسة عشر عاما في معسكرات العمل التأديبية.

في 11 يونيو1947، قام كهربائي يدعى د. أ. كيسيلوف، من خطوط كهرباء سكة حديد موسكو – ريازان، بسرقة سلع من الفراء من عربة سكة حديد. في 24 يونيو 1947 / حكمت محكمة الحزب الخاصة بسكة حديد موسكو – ريازان على كيسيلوف بالسجن عشرة أعوام في معسكرات العمل التأديبية.

في بلدة بافلوف – يوساد بمنطقة موسكو، قام ل. ن. ماركيلوف بسرقة ملابس من مصنع نسيج بافلوف – يوساد. حكم على ماركيلوف بالسجن ثمانية أعوام في معسكرات العمل التأديبية.

في مقاطعة رودنيكوف بمنطقة ايفانوف، قام كل من ي. ف. سميرنوف وف. ف. سميرنوف. بسرقة 375 رطلا من الشوفان من أحد الكولخوزات. في 26 يونيو1947، حكم عليهما بالسجن ثمانية أعوام في معسكرات العمل التأديبية.

في مقاطعة كيروف بموسكو، قبض على سميرنوف – سائق – لسرقة 22 رطلا من الخبز من مخبز. حكمت محكمة الشعب على سميرنوف بالسجن سبع سنوات في معسكرات العمل التأديبية.

في ساراتوف، سرق جوردييف منتجات عديدة من مستودع لخزن البضائع. في 21 يونيو 1947 حكم على جوردييف بالسجن سبع سنوات في معسكرات العمل التأديبية.

في كويبيشيف، سرق بولوبوياروف محفظة من مسافر بالقطار. في 4 يوليو حكم عليه بالسجن خمس سنوات في معسكرات العمل التأديبية.

في 7 يونيو1947، بكازان. قام بوكين بانتزاع أموال من يد المواطنة بوستنسكي.. في 20 يونيو   1947.. حكم على بوكين بالسجن ثمان سنوات في معسكرات العمل التأديبية.

في 6 يونيو1947، في قرية سوبوفكا بمقاطعة كوتوزوفسك بمنطقة كويبيشيف، قام كل من شوباركين وموروزوف بسرقة 88 رطلا من البطاطس تمتلكها المواطنة بريسنباكوف من سرداب. في 17 يونيو 1947.. حكم عليهما بالسجن خمسة أعوام في معسكرات الأعمال التأديبية.

في 5 يونيو1947، في موسكو، استغل جرينوولد، الذي كان قد أدين قبل ذلك بالسرقة، غياب جاره، ودخل غرفة المواطنة كوفاليف، وسرق بعض لوازم البيت. حكم على جرينوولد بالسجن عشر سنوات في معسكرات العمل التأديبية. (162)

من المهم ملاحظة أن قسوة هذا الفرع من القانون السوفيتي هي على العكس تماما من التساهل النسبي الذي يتم به التعامل مع القتل والاختطاف وسائر الأشكال العنيفة للجريمة، يتضح من ذلك أن مرتبة الفرد أقل كثيرا من مرتبة الأملاك في روسيا الستالينية، هكذا، فإن القانون الجنائي لجمهورية روسيا الاشتراكية الفيدرالية السوفيتية يوضح أن:

المادة 136 القتل العمد، إذا ارتكب:

أ) لبواعث مادية أو بدافع الغيرة (إلا إذا كان مشمولا بالمادة138) أو لآي دافع آخر.

ب) بواسطة شخص تمت محاكمته من قبل بسبب القتل العمد أو إنزال ضرر بدني خطير، ومر بإجراء الدفاع الاجتماعي المفروض من قبل المحكمة.

ج) بطريقة تهدد حياة أشخاص كثيرين أو تسبب معاناة شديدة للضحية.

د) بهدف تسهيل أو إخفاء جريمة خطيرة أخرى.

هـ) بواسطة شخص كانت عليه مسئولية خاصة عن حياة الضحية.

و) الاستفادة من ظروف عجز الضحية يؤدي إلى – الحرمان من الحرية لمدة قد تصل إلى عشر سنوات.

المادة 137 القتل العمد ، إذا لم يرتكب في أحد الظروف الموضحة في المادة136، يؤدى إلى – الحرمان من الحرية لمدة قد تصل إلى ثمان سنوات.

المادة 138 القتل العمد المرتكب تحت الدافع المفاجئ لهياج عاطفي قوي ناتج عن العنف أو السباب القاذع من جانب المقتول، يؤدي إلى – الحرمان من الحرية لفترة قد تصل إلى خمس سنوات، أو العمل الجبري لمدة قد تصل إلى عام واحد. (163)

وهذه هي بعض العقوبات الأخرى على جرائم عنيفة ضد الأشخاص:

المادة 147، حرمان أي شخص من الحرية بشكل غير قانوني باستخدام القوة، يؤدى إلى – الحرمان من الحرية أو العمل الجبرى لمدة قد تصل إلى عام. حرمان أي شخص من الحرية بأي طريق تشكل خطرا على حياته أو صحته أو تسبب له ألما بدنيا، يؤدي إلى – الحرمان من الحرية لمدة قد تصل إلى عامين.

المادة  148، وضع شخص معروف أنه عاقل في مصحة أمراض عقلية لبواعث مادية أو بواعث شخصية أخرى، يؤدي إلى – الحرمان من الحرية لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات.

المادة 149، خطف أو إخفاء أو مبادلة طفل شخص آخر لبواعث مادية، أو بدافع الانتقام، أو بأي غرض شخصي آخر، يؤدي إلى – الحرمان من الحرية لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات. (164)

إن ديانة عبادة الأملاك هذه تخضع لها حتى أضعف أعضاء المجتمع – الأطفال. فكما رأينا، إن العقوبة القصوى لاختطاف طفل هي السجن لثلاث سنوات فقط، في حين ينال الطفل الذي يسرق عقوبة أكبر كثيرا. وعلى الرغم من أن القانون الستاليني – في تعامله مع انحراف الأحداث – يعتبر الأطفال في الثانية عشر من العمر ناضجين ومسئولين بالكامل عن أفعالهم المخلة، فإنه يعتبرهم أطفالا فيما يتعلق بالشؤون المدنية. وعلى سبيل المثال، فإن قانون الزواج والأسرة والوصاية لجمهورية روسيا الاشتراكية الفيدرالية السوفيتية، ينص على ما يلي:  ” يجب تعيين أوصياء على الصغار الذين لم يبلغوا سن أربعة عشر عاما”(165)

مرة أخرى:  “يجب تعيين أمناء على الأحداث بين سن الرابعة عشرة وثمانية عشر عاما” (166)

ومع ذلك، ففي 7 إبريل 1935، صدر قانون ألغى محاكم الأحداث “بهدف أسرع تصفية ممكنة للجريمة بين الأحداث ” ذكر القانون أن “اللجنة التنفيذية المركزية ومجلس قوميساريات الشعب يقرران:  (1) الأحداث من سن اثني عشر عاما المقبوض عليهم بسبب السرقة أو العنف أو إنزال إصابة بدنية أو التشويه أو القتل أو الشروع في القتل، يجب أن يمثلوا أمام محاكم القانون الجنائي ويعاقبوا وفقا لكافة إجراءات القانون الجنائي ” (167) (يبدو أن عقوبة الإعدام كانت لا تزال محرمة لمن هم دون الثامنة عشر، لأن المادة 22 من القانون، التي شملت هذه النقطة ، لم تلغ).

وسرعان ما وضع هذا القانون موضع التطبيق، كما تشهد بذلك “ازفستيا” التي ذكرت في 29 مايو 1935 أنه في فترة تزيد قليلا عن أسبوعين كانت محكمة خاصة قد وزعت سنوات كثيرة من السجن بالفعل على ستين “لص صغير” (168) بل إن يد القانون كانت أثقل في بعض الحالات، ففرضت عقوبة الإعدام على الشباب. هكذا، فبعد أسبوعين من إصدار القانون الرهيب ضد انحراف الأحداث، حكمت محكمة في موسكو على شاب مدان بالسرقة في قطار بالإعدام. (169)

إن التبرير الرسمي لاستخدام إجراءات بهذه القسوة، وهو تضاعف عدد حالات انحرافات الأحداث في موسكو بين 1931 و1934، (170) ليس تبريرا مقبولا على الإطلاق، وهو يفضح يقينا أسطورة “انتصار الاشتراكية وحياة الشعب المزدهرة والسعيدة “.

في عام1940، وسع قانون 1935 ليشمل الأطفال من سن اثني عشر عاما فما فوق الذين يرتكبون أعمالا تهدد حركة السكك الحديدية، مثل تفكيك القضبان أو وضع أشياء عليها. وهكذا. يذكر مرسوم 31 مايو 1941 (171) بوضوح أن قانون 1935 لا ينطبق فقط على المخالفات المتعمدة، وإنما أيضا على المخالفات الناتجة عن الإهمال. في 15 يونيو1943، أمرت الحكومة بإنشاء مستعمرات إصلاحية خاصة تابعة لوزارة الداخلية للاعتقال دون إجراءات قضائية للأطفال بين الحادية عشرة والسادسة عشرة من العمر، وذلك فيما يتعلق بالأطفال المشردين أو الذين ارتكبوا سرقات أو جرائم أخرى صغيرة من هذا القبيل. (172) توجد أدلة على وجود الأطفال أيضا ضمن نزلاء معسكرات العمل العبودي كبار السن. يكتب دالين أن ” معسكر زاكامنسك في سيبيريا الشرقية يضم عددا كبيرا من الأطفال من منطقة موسكو بين المعتقلين فيه، وهم أولاد وبنات محكوم عليهم في جرائم جنائية. انهم يعملون في المناجم والمصانع القريبة.(173)

يمثل كل ما قيل صورة إيضاحية جديدة لمقولة ماركس:  ” إن القانون وكذلك الجريمة، أي صراع الفرد المنعزل ضد العلاقات السائدة، له أصل ليس تحكيميا محضا. على العكس من ذلك، فإن جذور الجريمة إنما تكمن في نفس تلك الظروف التي تكمن فيها جذور القوة الحاكمة في وقت معين ” (174) في روسيا ستالين، تكمن جذور مفهوم طبيعة الجريمة، والعقوبات المفروضة على مرتكبيها في خضوع الإنسانية للأملاك، خضوع العمل لرأس المال، أي أنها تكمن في التناقض الأساسي الذي يحرك نظام رأسمالية الدولة البيروقراطية.

التغيرات في علاقات التوزيع

في “أطروحات إبريل” ذكر لينين أن سياسة الحزب هي “لا تزيد أجور الموظفين المنتخبين والخاضعين للاستبدال في أي وقت، عن تلك المدفوعة للعامل الجيد. (175) وفي كتابه الدولة والثورة (أغسطس – سبتمبر1917) طرح قضية نظام دفع الأجور والمرتبات بعد الثورة الاشتراكية مباشرة، في مجتمع “مازال مطبوعا في جميع النواحي، اقتصاديا وأخلاقيا وثقافيا، بسمات المجتمع الذي نشأ من داخله”. (176). في هذه الظروف يتحقق الآتي:  المساواة لكل أعضاء المجتمع فيما يتعلق بملكية وسائل الإنتاج، أي المساواة في العمل والمساواة في الأجور”. (177)

“يتحول كل المواطنين إلى مواطنين يتقاضون مرتبات من الدولة التي تتكون من العمال المسلحين. يصبح كل المواطنين موظفين وعمالا في “مشروع” دولة قومي واحد. كل ما هو مطلوب هو أن يعملوا بالتساوي – يؤدوا نصيبهم الصحيح من العمل – ويدفع لهم بالتساوي ” (178) “سيكون المجتمع كله قد أصبح مكتبا واحدا ومصنعا واحدا، حيث المساواة في العمل والمساواة في الأجر”. (179) هكذا، فقد طرح لينين الآتي ” كهدف مباشر” للبلاشفة:  ” ينبغي أن يحصل الفنيون والمديرون وماسكو الدفاتر وكذلك كل الموظفين على مرتبات لا تزيد عن “أجر العامل”. (180) بعد شهور قليلة من الثورة (في مارس 1918) أعلن لينين مرة أخرى تأييده “للتحقيق التدريجي للمساواة في كل الأجور والمرتبات لكل المهن والفئات. ” (181) لقد قبل ضرورة بعض الاستثناءات في المساواة في حالة المتخصصين، حيث كان يعلم تماما أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق في ظل ندرتهم وعدائهم للدولة العمالية، إلا أنه أصر أن الفوارق في الدخول يجب أن تكون على الفور أقل كثيرا مما كانت عليه في ظل القيصرية، وأن النزعة في المستقبل يجب أن تكون نحو زيادة المساواة، وقبل كل شيء لم يتراجع عن وصف أية عدم مساواة مفروضة بسبب التخلف على الحكومة السوفيتية بأنها تراجع عن الاشتراكية وتنازل للرأسمالية. هكذا فقد كتب:  ” في هذه المرحلة الانتقالية يجب أن نمنحهم (المتخصصين) أفضل ظروف معيشة ممكنة.00 عندما ناقشنا مسألة معدلات الأجور مع قوميسار العمل، الرفيق شميدت، ذكر وقائع مثل هذه. لقد قال أننا في مسألة تحقيق المساواة في الأجور قد حققنا أكثر مما تحقق في أي مكان وأكثر مما تستطيع أي دولة برجوازية عمله في عشرات السنين. خذ معدلات الأجور قبل الحرب:  كان العامل اليدوي يحصل على روبل في اليوم – 25 روبل في الشهر – في حين كان المتخصص يتقاضى 500 روبل في الشهر.0 كان الخبير يحصل على عشرين ضعف مما يحصل عليه العامل. معدلات الأجور الحالية تتراوح بين 600 روبل و 3000 روبل – بفارق خمسة أضعاف فقط. لقد حققنا الكثير في مجال المساواة. (182) لقد كانت المرتبات العالية المدفوعة للمتخصصين ” وفقا للعلاقات البرجوازية”، خطوة للوراء، تنازلا للرأسمالية مفروض بحكم الواقع الموضوعي على الحكومة السوفيتية “. (183)

في عام 1919، حدد الحزب الشيوعي الروسي سياسة الأجور الخاصة به بما يلي:  ” في حين أنها تسعى للمساواة في العائد عن كل أنواع العمل وإكمال بناء الشيوعية، فإن الحكومة السوفيتية لا تستطيع أن تعد من مهامها التحقيق الفوري لهذه المساواة في اللحظة الحالية، حيث يتم اتخاذ الخطوات الأولى فقط نحو الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية ” (184) كما قرر المؤتمر الحزبي العاشر في 1921 أنه في حين أن “أسبابا عديدة تجعل من الضروري الإبقاء مؤقتا على الفوارق في الأجور المالية وفقا للمؤهلات، ومع ذلك فإن سياسة معدل الأجور يجب إن تقوم على أساس أكبر مساواة ممكنة بين معدلات الأجور “. (185)

في نفس المؤتمر، أعلن أنه من الضروري “الوصول إلى إجراءات مناسبة تماما للقضاء على عدم المساواة:  في ظروف المعيشة والأجور، الخ.0 بين المتخصصين والعمال المسئولين من ناحية، والجماهير الكادحة من ناحية أخرى، حيث أن عدم المساواة هذه تقوض الديمقراطية وتمثل مصدر إفساد للحزب وتقلل سلطة الشيوعيين. ” (186) ومع ذلك، ففي ظل نظام شيوعية الحرب كانت هناك عمليا مساواة كاملة في الأجور والمرتبات. وفقا للبيانات التي يوفرها الإحصائي السوفيتي ستروميلين، فإن أجور أعلى العمال أجرا كانت في عام 1917 تعادل 232% من أجور أقلهم أجرا، ثم أصبحت في الجزء الأول من 1921 تعادل 102% فقط منها، أي مساوية لها عمليا. (187) (من ناحية أخرى فإن ظروف الندرة التي كانت قائمة في ظل شيوعية الحرب كثيرا ما أعطت للمسئولين فرصة سوء استغلال سيطرتهم على مصادر الإمداد والتوزيع).

انتهت المساواة الفعلية في الأجور مع تطبيق السياسة الاقتصادية الجديدة. تم إدخال سلم موحد للأجور في 1921 -1922، تضمن سبع عشرة درجة تمتد من الصبية إلى كبار المتخصصين، وأعطي العامل صاحب أعلى مهارة ثلاثة أضعاف ونصف ما يحصل عليه العامل غير الماهر صاحب أقل أجر. كما أصبح بإمكان المتخصصين أن يحصلوا كحد أقصى على ثمانية أضعاف ما يحصل عليه العامل غير الماهر. (لم ينطبق هذا على أعضاء الحزب الذين كان لهم سلم خاص للأجور القصوى، أقل كثيرا من مثيله الخاص بالمتخصصين غير أعضاء الحزب).

كانت الفوارق في الدخل أقل كثيرا مما كانت عليه قبل الثورة. توضح ذلك أجور ومرتبات موظفي السكك الحديدية قبل وبعد الثورة. في 1902 كان دخل عمال الإشارات 10 – 20 روبل في الشهر، وعمال الماكينات 30 – 60 روبل، في حين كان دخل رؤساء خدمة السكك الحديدية 500 إلى 750 روبل، والمدير العام 1000 – 1500 روبل. (188) في مارس1924، كانت الفوارق تتراوح بين 27ر13روبل ذهب في الشهر لعمال الخطوط، و 80ر26 روبل لموظفي الإدارة. (189)

في الصناعة، كان متوسط الأجور للعمال في مارس 1926 64ر58 روبل شرفونتسي، بينما كان مدير المصنع يحصل على 90ر187 روبل شرفونتسي إذا كان عضوا في الحزب، و 50ر309 روبل شرفونتسي إذا لم يكن عضوا في الحزب. (190)

ولكن، كانت هناك بعض العوامل التي خففت هذه الفوارق إلى حين إدخال الخطة الخمسية الأولى. أولا:  لم يكن يسمح لعضو الحزب الشيوعي أن يكسب أكثر من العامل الماهر. كان هذا الشرط هاما جدا، حيث أن أغلب مديري المشروعات، والهيئات الصناعية، الخ، كانوا أعضاء في الحزب. في عام1928، كان 4ر71% من الموظفين في مجالس إدارات الاتحادات الاحتكارية (التروستات) أعضاء في الحزب، كما كان 4ر84% من مجالس المشروعات المتحدة، و 3ر89% من مجالس المشروعات المنفردة أعضاء في الحزب كذلك.

العامل الآخر الذي جعل الفوارق أقل كثيرا في الواقع مما قد يبدو من سلم الأجور الموحد، هو أن العدد الإجمالي للمتخصصين (الذين كان قطاع منهم أعضاء في الحزب، وبالتالي لم يكسبوا أكثر من العمال المهرة) كان صغيرا جدا. في عام1928، كانوا يشكلون 27ر2% من بين جميع المشتغلين بالصناعة.

يعطي الكتاب الإحصائي للاتحاد السوفيتي لعام 1926 (بالروسية) صورة عامة عن الفوارق في الدخل في روسيا، فوفقا لهذا المصدر، فإن متوسط الدخل السنوي للعمال اليدويين مقدرا بروبل ما قبل الحرب كان 465 في عام 1926 – 1927. في الوقت نفسه، كان الحد الأقصى المسموح به للمتخصصين.1811 باستثناء البرجوازية، رجال السياسة الاقتصادية الجديدة والكولاك، كان هناك 114000 شخص فقط يكسبون هذا الحد الأقصى. لقد مثلوا 3 ر0% من كل أصحاب الدخول، ومثل دخلهم 1% فقط من الدخل القومي. (191)

مع بدء الخطط الخمسية تحت شعار “الاشتراكية المنتصرة”، تم القضاء على جميع تقاليد المساواة البلشفية. قاد ستالين الهجوم معلنا:  “إن أصل المساواة يكمن في الرؤية الفلاحية، في نفسية التقسيم المتساوي لجميع السلع، نفسية “الشيوعية” الفلاحية البدائية. لا يوجد أي شيء مشترك بين المساواة وبين الاشتراكية الماركسية”. (192) الويل لمن يجرؤ الآن على معارضة الفوارق في الدخل في روسيا، بصرف النظر عن ضخامتها. لقد ذهب مولوتوف إلى حد إعلان ما يلي في المؤتمر السابع للسوفييتات في الاتحاد السوفيتي “السياسة البلشفية تقتضي صراعا حازما ضد المؤمنين بالمساواة بوصفهم شركاء للعدو الطبقي، وعناصر معادية للاشتراكية. ” (193)

تم تعديل القاعدة المحددة لدخل أعضاء الحزب في عام 1929 ثم ألغيت تماما في وقت لاحق (ملاحظة:  أبطلت هذه القاعدة بسرية شديدة حتى أنه من غير المعروف متى حدث ذلك بالضبط، إلا أن ذلك أصبح واضحا من أخبار في الصحافة الروسية تفيد أنها لم تكن قائمة في عام1934). كما ألغى القانون الذي يقضي بأن يحصل الأشخاص العاملون في وظيفتين – كما هو حال كثير من المتخصصين – على مرة ونصف فقط أكثر من المرتب الأقصى الساري. وألغي أيضا “القانون العام للأجور” الصادر في 17 يونيو 1920. (194) والذي كان يقضي بأن أي شخص يزيد عن المعدل المطلوب في العمل بالقطعة، لا يجوز أن يحصل على أكثر من 100% أعلى من المعدل العادي. ومن جهة أخرى، أبطل القانون الذي يمنع دفع أقل من ثلثي المعدل لأي عامل يعمل بالقطعة. (195)

لم تتبق أي قيود على عدم المساواة في الدخول، والتي زادت وبمعدل مرعب.

بعد عام1934، توقف الاحصائيون الروس عن نشر أرقام تتعلق بتوزيع العمال والموظفين وفقا للدخل، ونشروا فقط متوسط دخل كل العمال والموظفين، وهو رقم يتوصلون إليه بعد أخذ متوسط دخول خادمات المنازل، والعمال غير المهرة، والعمال المهرة، والمتخصصين، وكبار المهندسين، والمديرين، وهكذا. (من الطريف ملاحظة أن كتابا سوفيتيا عن الإحصائيات الاقتصادية ينتقد الإحصائيات الأمريكية لاعتيادها إدخال مرتبات مديري الشركات في كشف الأجور والمرتبات، وبذلك يرفعون متوسط الأجور والمرتبات “دليل معجمي للإحصائيات الاجتماعية – الاقتصادية “بالروسية”)، موسكو، 1948ص12) لا تنه عن خلق وتأتي مثله !)

على الرغم من هذا التعتيم على المعلومات، فمن الممكن البرهنة على بعض الوقائع، والبرهنة بصفة خاصة على انه كان هناك زيادة حادة في مستوى المرتبات التي يحصل عليها البيروقراطيون، وانخفاضا حادا في مستويات أجور الطبقة العاملة.

على سبيل المثال، في عام1937، عندما كان مهندسو المصانع يتقاضون 1500 روبل في الشهر، والمديرون 2000 روبل – إلا إذا أعطت الحكومة تصريحا خاصا بتقاضي المزيد – والعمال المهرة 200 – 300 روبل، أدخلت الحكومة السوفيتية حدا أدنى للأجور يساوي 110 روبل في الشهر للعمال المشتغلين بنظام القطعة و115 روبل للعمال المشتغلين بنظام الوقت. كثيرا من العمال كانوا يتقاضون هذا الحد الأدنى فقط إذا علمنا أن القانون الذي حدد هذه الحدود الدنيا أدى إلى منحة للميزانية تعادل 600 مليون روبل لعام 1938. (196) بالمقارنة بأجور كهذه، لم يكن مرتب 2000 روبل في الشهر بصغير. ليس هذا فقط، بل بالإضافة إلى المرتب الثابت كان المديرون ومهندسو المصانع يحصلون على مكافآت يعتمد حجمها على مدى تجاوز شركاتهم لحصص الإنتاج المقررة في الخطة الاقتصادية. فمثلا، في عام1948، ذكر أن معدلات المكافآت المدفوعة لإدارات شركات النقل الآلي لتحقيق أو تجاوز الخطة كانت:  (197)

المكافآت والنسبة المئوية من المرتب الأساسي

لتحقيق الخطة لكل 1% زيادة عن الخطة
الإدارة العليا (المدير، كبير المهندسين) حتى 30% حتى 4%
الإدارة المتوسطة (رؤساء الأقسام) حتى 25% حتى 3%
الإدارة الصغرى (رؤساء الورش0الخ) حتى 20% حتى 3%

 

هكذا فإن مدير الشركة الذي يتجاوز الخطة بمقدار 10% يكافأ بمكافأة تصل إلى 70% من مرتبه الأساسي، تجاوز الخطة بمقدار 20% يكافأ بمكافأة تصل إلى 110%، تجاوز الخطة بمقدار 30% يؤدي إلى مكافأة تعادل 150%، تجاوز الخطة بمقدار 50% يؤدي إلى مكافأة تساوي 230%.

فضلا عن ذلك، فإن ” صندوق المدير”، وهو مؤسسة تم إنشاؤها في 19 أبريل1936، (198) يعد مصدرا أخرا للدخل.

وفقا للقانون، توضع 4% من أرباح الخطة و 50% من كل الأرباح أكثر من ذلك في صندوق المديرين. أعطى اقتصادي روسي أرقاما لعام 1937 تظهر المبالغ المتضمنة:  (199)

  تحقيق الخطة(نسبة مئوية) التكلفة الفعلية كنسبة من التكلفة بالخطة صندوق المديرين بالمليون روبل صندوق المديرين عن كل عامل
صناعة البترول 1ر104 8ر103 7ر21 92ر344
صناعة اللحوم 6ر118 1ر104 9ر51 69ر752
صناعة الكحول 8ر108 0ر103 0ر86 00ر1175

 

لما كان متوسط الأجور لكل العمال والموظفين في عام 1937  254 روبل في الشهر فقط، (200) فإن هذه الأرقام تظهر أنه بتجاوز الخطة بنسبة صغيرة فقط، فإن متوسط الإيرادات السنوي لصندوق المدير كل عامل كان يعادل أكثر من متوسط الأجر الشهري في صناعة البترول، وثلاثة أضعافه في صناعة اللحوم، وأربعة أضعافه ونصف في صناعة الكحول. وفقا لاقتصادي سوفيتي آخر:  وفي القوميساريات الصناعية الخمس كان إيراد صندوق المدير للعامل الواحد 3ر6% من متوسط الأجر السنوي. إلا أن هذه النسبة أعلى كثيرا في فروع عديدة حيث تصل إلى 5ر21 في النجارة، وحوالي 25% في صناعة الأحذية من الفرو والجلد، و 55% في صناعات الكحول والمكرونة والطعام. (201) من البديهي، إذن، أن مبالغا ضخمة تتركز في أيدي مديري الصناعات التي تشغل آلاف العمال.

الغرض المعلن لصندوق المدير هو بناء مساكن للعمال والموظفين ونوادي وكانتينات ودور حضانة ورياض أطفال، وإعطاء مكافآت للإنجازات البارزة في العمل الخ.

ليس لدينا بيانات إحصائية عن كيفية توزيع إيرادات صندوق المدير. الإشارة الوحيدة التي لدينا وردت في جريدة “زا اند ستريالزاتسيا” في 29 أبريل1937، والتي نشرت أرقاما تتعلق بتوزيع إيرادات “صندوق المدير” في شركة بورشن في خاركوف.

من بين الـ 60 ألف روبل التي كونت صندوق المدير حصل المدير على 22 ألف لنفسه، وسكرتير لجنة الحزب على 10 آلاف ورئيس مكتب الإنتاج على 8 آلاف، ورئيس المحاسبين 6 آلاف ورئيس اللجنة النقابية 4 آلاف، ورئيس الورشة 5 آلاف.(202)

تميزت أقسام أخرى من الطبقات المميزة أيضا بدخول عالية بشكل استثنائي. وبينت رسالة إلى “برافدا” من الكاتب ألكسي تولستوي، والكاتب المسرحي، ف. فشنفسكي، بهدف إزالة سوء الفهم حول الدخول العالية بشكل استثنائي للكتاب من الإتاوات الهائلة، (203) الأرقام التالية لدخول المؤلفين:

الدخول الشهرية في1936 عدد الأفراد
أكثر من 10 آلاف روبل 14
6آلاف – 10 آلاف روبل 11
2000- 5000 روبل 39
1000- 2000 روبل 114
500- 1000 روبل 137
حتى 500 روبل حوالي4000

 

عندما نتذكر أن متوسط الدخول لكل العمال والموظفين السوفيت في نفس هذه السنة 1936 , كان 2776 روبل، أو 231 روبل في الشهر، (204) فإن الأمر لا يحتاج إلى تعليق.

اليوم، يحصل موظفو الحكومة – الذين لا ينبغي وفقا للينين، أن يتقاضوا أكثر من العامل الماهر المتوسط – على دخول تختلف بدرجة كبيرة. بقرار من السوفيت الأعلى في 17 يناير1938، يحصل رؤساء ونواب رؤساء مجلس الاتحاد ومجلس القوميات على مرتبات تعادل (300ألف روبل في السنة، كما يحصل كل نائب في السوفيت الأعلى على 12 ألف روبل في السنة، بالإضافة إلى 150 روبل لكل يوم من أيام الجلسات. (205)

يحصل رئيس السوفيت الأعلى في جمهورية روسيا الاشتراكية الفيدرالية السوفيتية ونوابه على 150 ألف روبل في السنة. (206) يمكن افتراض أن رؤساء ونواب رؤساء الجمهوريات الفيدرالية الأخرى يحصلون على نفس المرتبات. كان جندي الجيش السوفيتي يحصل على 10 روبل في الشهر أثناء الحرب، والملازم 1000 روبل والعقيد 2400 روبل. في الجيش الأمريكي، الذي لا يمكن مهما اتسع بنا الخيال أن نسميه جيشا اشتراكيا، كان معدل المدفوعات الشهرية للجندي 50 دولار، والملازم 150 دولار، والعقيد 333 دولار. (207)

للبيروقراطيين أيضا مصدر ممكن آخر للدخل وهو حوافز الدولة المتعددة0 المرسوم الأصلي الذي أعلن إنشاء جوائز ستالين بمناسبة عيد الميلاد الستين للزعيم حدد قيمتها بحد أقصى 100 ألف روبل للجائزة. (208) وقد تم رفع الحد الأقصى منذ ذلك الوقت إلى 300 ألف روبل، ويتم في كل عام منح حوالي ألف جائزة ستالين، تتراوح كل منها بين 50 ألف و 300 ألف روبل، معفاة من الضرائب.

مؤشر واضح آخر على الفوارق الهائلة في الدخل في روسيا هو معدلات ضريبة الدخل. تضمنت معدلات ضريبة الدخل الصادرة في 4 إبريل 1940 مجموعة من الدخول تراوحت بين ما يقل عن 1800 روبل في السنة وما يزيد عن 300 ألف روبل. (209)

المسئول الحكومي الكبير، أو المدير، أو الكاتب الناجح له بيت في موسكو وبيت صيفي في القرم، وسيارة أو اثنتين، وعدد من الخدم، وما إلى ذلك، كأمر مفروغ منه.

وحتى أثناء الحرب، عندما بذلت كافة الجهود – في مواجهة الطوارئ – لانتزاع الحد الأقصى من الإنتاج من العمال، كانت توجد فوارق شديدة في ظروف الطبقات المختلفة. ذكرت خادمة لها طفلان، أحدهما في العاشرة والآخر في الثالثة، لألكسندر ويرث في عام 1942:  “يعيش الأطفال أساسا على الخبز والشاي، يحصل الصغير على مواد لبنية بديلة – ماذا تستطيع أن تفعل؟ مادة مكونة من فول الصويا، بلا طعم وذات قيمة غذائية منخفضة. لقد حصلت على سمكة صغيرة فقط بواسطة كوبونات اللحم الخاصة بي هذا الشهر. أحيانا ما أحصل على قدر ضئيل من الشوربة المتبقية في المطعم – وهذا كل ما هناك”. (210)

في نفس الوقت، كان ألكسندر ويرث يستطيع أن يكتب في مفكرته:  “كان الغذاء في “الوطني” اليوم فاخرا جدا، فعلى الرغم من نقص الطعام في موسكو، إلا أنه يبدو دائما أن هناك ما يكفي من أفضل أنواع الطعام عندما يوجد ما يدعو لأي نوع من الوليمة الكبيرة حين يكون أشخاص رسميون مدعوين. بالنسبة للزكوسكي كان هناك أفضل أنواع الكافيار الطازج، والكثير من الزبد والسلمون المدخن، ثم سمك الحفش (يؤخذ منه الكافيار “المترجم”) وبعد الحفش كستليته بالماريشال، ثم ثلج وقهوة مع الكونياك والليكور، وكان هناك تحت المنضدة وبطولها الصف المعتاد من الزجاجات”. (211)

أعطى نظام الحصص التموينية أثناء الحرب صورة حية لانقسام المجتمع الروسي إلى أقلية مرفهة وعوام. لقد تم إدخال نظام حصص تموينية تفاضلي، وهو شيء ما كان لأحد أن يجرؤ على اقتراحه في دول الغرب الرأسمالية الديمقراطية. ومن الصحيح أن هذا كان مريعا حتى بالنسبة للشعب السوفيتي، حتى أن “برافدا” و “ازفستيا” لم تذكرا الموضوع على الإطلاق، وتم إسدال ستار السرية على نظام الحصص التموينية ككل (212).

في واقع الأمر فإن كماليات الأغنياء أرخص كثيرا نسبيا من ضروريات الفقراء. يمكن إدراك ذلك بوضوح إذا كررنا بعض أرقام معدل ضريبة المبيعات: (213)

السلعة الضريبة
القمح 73- 74%
الملح بالجملة 70- 80%
اللحم(البقري) 67- 71%
الكافيار 40%
أجهزة الراديو 25%
السيارات 2%

 

نتيجة لذلك:  “في منتصف عام1948، كانت السيارة نوع موسكوفيتش (ثمنها تسعة آلاف روبل) تعادل 310 رطلا من الزبد (ثمن الزبد 62 – 66 روبلا للرطل)، في حين أن سيارة أفضل قليلا في الولايات المتحدة كانت تساوي 1750 رطلا من الزبد”. (214)

تؤدي فوارق الدخل إلى اختلافات واسعة في الملكية الموروثة. في الأيام الأولى للثورة، وبمقتضى مرسوم 27 أبريل1918، تمت مصادرة كل المواريث التي تزيد عن عشرة آلاف روبل. (215) كان هذا متفقا مع روح البيان الشيوعي الذي وضع إلغاء كل حقوق الوراثة كأحد متطلبات الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية0 بعد ذلك بسنوات قليلة، تغير القانون جذريا، وبحلول عام 1929 كان هناك جدول لضريبة الميراث يتراوح بين ألف روبل وأقل وبين 500 ألف روبل وأكثر. (216) في الوقت الحاضر لا تتجاوز ضريبة الميراث 10%، وهو مقدار منخفض جدا، حتى بالمقارنة بضرائب الميراث في بريطانيا والولايات المتحدة الرأسماليتين.

أثناء الحرب الأخيرة حكى فيض من التقارير الصادرة عن الصحافة الروسية عن أشخاص أعطوا للحكومة قروضا تساوي مليون روبل أو أكثر. شرح “أصدقاء الاتحاد السوفيتي” ذلك بالطريقة التالية:  “في الاتحاد السوفيتي اكتسب المليونير روبلاته بكده وبالخدمات التي يقدمهـا للدولة وللشعب السوفيتي”. (217)

إذا اختبرنا هذا التصريح، سنجد أنه حتى عام1940، وحيث أن متوسط دخل العمال والموظفين كان أربعة آلاف روبل فقط، فإن جمع مليون كان يستغرق العامل العادي 250 سنة – بافتراض عدم إنفاقه على نفسه على الإطلاق. يحصل المليونير السوفيتي، على شكل فوائد فقط على 50 ألف روبل لكل مليون، وهو ما يفوق بأضعاف مضاعفة دخل أي عامل.

إن أوضح تعبير عن انقسام المجتمع الروسي إلى أقلية مرفهة وعوام هو نظام المعاشات الحكومي. إذا توفي جندي بالجيش، تحصل أسرته على معاش شهري يتراوح بين 5ر52 روبلا و 240 روبلا إذا كان عاملا أو موظفا قبل استدعاءه. أما إذا لم يكن عاملا أو موظفا، تحصل أسرته على أربعين أو سبعين أو تسعين روبلا وفقا لما إذا كان يعول شخصا أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر غير قادرين على العمل. يحصل الناس في المناطق الريفية على 80% فقط من هذه المعدلات. في مقابل هذا، تحصل أسرة العقيد المتوفى على 1920 روبلا في الشهر. (218) يحصل عيال العامل الذي يقتل في حادث في العمل على 200 روبلا شهريا كحد أقصى (إلا في حالات نادرة حيث يحصلون على 300 روبلا). (219) في مقابل هذا يحصل بعض الأشخاص المرفهين على مبالغ كبيرة عند وفاة رب الأسرة. عندما توفي م0ف0 فلاديميرسكي، النائب في السوفيت الأعلى، منحت أرملته مبلغ خمسين ألف روبل ومعاشا شهريا يعادل ألفين روبلا مدى الحياة، في حين حصلت شقيقته على معاش شهري يعادل 750 روبلا مدى الحياة. (220) عندما توفي اللواء ف0أ0 يوسكيفتش، منحت أرملته مبلغ خمسين ألف روبل ومعاشا شهريا يعادل ألفين روبل مدى الحياة (221) تمتلئ الصحافة بأمثلة مماثلة أخرى.

يعد سلم التعليم جزءا لا يتجزأ من علاقات التوزيع العدائية. أعلنت المادة 121 من دستور ستالين لعام 1936:  “مواطنو الاتحاد السوفيتي لهم حق التعليم. يتم ضمان هذا الحق بواسطة التعليم العام الإجباري الأولى، ويكون التعليم – بما في ذلك التعليم العالي – مجانيا، الخ.0 الخ.. ولكن حتى عندما يكون كل التعليم مجانيا، فإن ذلك لا يوفر مساواة حقيقية في فرص الدراسة بين الأطفال الفقراء والأغنياء، لأن الفقراء عليهم أن يبدأوا في الكسب بأسرع ما يمكن، ولأن كثيرا من الأسر تعجز عن التكفل بأطفالها أثناء دراستهم. ليس من المدهش إذن أن نسبة الأطفال المنتفعين من التعليم في الاتحاد السوفيتي تقل مع تقدم التعليم. في السنة الدراسية 1939 -1940، مثلا، كان العدد الإجمالي للطلبة المنخرطين في جميع المعاهد التعليمية كالآتي: (222)

العدد (بالآلاف)
المدارس الابتدائية (الفصول من الأول للرابع) 20471
المدارس الثانوية الصغيرة (الفصول 5 -7 9715
المدارس الثانوية الكاملة (الفصول 8 -10) 1870
المدارس الثانوية الفنية والمصنعية 945
الجامعات والمدارس الفنية العالية 620

 

إذا عرفنا عدد الأطفال في الأعمار المختلفة في البلاد، يصبح من الممكن حساب نسب الأطفال في الأعمار المختلفة المنخرطين في التعليم. إلا أنه حتى بدون هذه المعلومات، وعلى أساس الأرقام الموجودة في الجدول أعلاه، فإن الاختلاف في فرص التعليم للأطفال من أعمار مختلفة واضح. بافتراض أن كل الأطفال بين السابعة والحادية عشرة من العمر يذهبون إلى المدارس، فإن أقل من نصف هذا العدد كان لديهم الحظ الكافي للبقاء لأكثر من أربع سنوات. واحد من كل عشرة فقط نال تعليما لأكثر من سبع سنوات، وأقل من واحد من كل عشرين أنهى برنامج السنوات العشر (في مقابل تعليم العشر سنوات الإجباري في بريطانيا الرأسمالية).

حتى قبل تطبيق رسوم للجامعات والكليات الفنية والمدارس العالية الأخرى، اضطر كثير من التلاميذ الذين نجحوا في الوصول إلى الجامعات والمدارس الفنية العالية إلى عدم إكمال دراستهم بسبب الصعوبات المالية. في الفترة بين عامي 1928 و 1938 كان العدد الإجمالي للأشخاص المقبولين في كليات الهندسة للتدريب للصناعة والنقل609200، في حين تخرج 242300 فقط. العدد المقبول في الكليات الفنية كان 1062000 وعدد المتخرجين 362700 فقط. (223)

في عام1938، كان 3ر42% من كل الطلاب في المدارس العالية من أبناء الانتلجنسيا. (224) من ذلك الوقت، لم تنشر إحصائيات عن التكوين الاجتماعي للطلاب، ولكن لا شك أن نسبة الطلبة من البيوت “الكريمة” قد ارتفعت، بسبب فرض الرسوم منذ عام 1940 فصاعدا.

تقول المادة 146 من دستور ستالين “لا يمكن تعديل الدستور بالاتحاد السوفيتي إلا بقرار من السوفيت الأعلى للاتحاد السوفيتي يتخذ بواسطة أغلبية الثلثين على الأقل في كل من مجلسيه” لم يمنع هذا الحكومة من فرض رسوم على التعليم الثانوي العالي والجامعي دون حتى دعوة السوفيت الأعلى للاجتماع لتعديل المادة 121 من الدستور المذكور أعلاه، والتي نصت على أن يكون التعليم مجانيا. لقد فرض مرسوم صدر عن مجلس قوميساريات الشعب، المنشور في 2 أكتوبر1940، (225) رسما يبلغ 150 – 200 روبل سنويا للفصول العالية في المدارس الثانوية (الفصول الثامن والتاسع والعاشر)، و300 – 500 روبل سنويا للكليات. يمكن تقدير حجم هذه المبالغ بمقارنتها بمتوسط الأجور والمرتبات في هذه الفترة، 335روبل في الشهر، مع وقوف أجر كثير من العمال عند حد 150 روبل فقط في الشهر. من الواضح أن فرض الرسوم هو حاجز فعال أمام التعليم العالي، خاصة في العائلات التي تضم ثلاثة أو أربعة أطفال.

لجعل الأمور أسوأ، كان لدى الحكومة السوفيتية الجرأة الكافية لإعلان أن فرض هذه الرسوم مؤشرا على الرخاء المتنامي للشعب. جاء في مقدمة المرسوم “آخذا في الاعتبار المستوى الأعلى من الرفاهية المادية للكادحين، والنفقات العظيمة للدولة السوفيتية في بناء وكفالة وتوفير المعدات للعدد المتزايد بثبات من المدارس الثانوية والعالية، يقر مجلس قوميساريات الشعب ضرورة فرض جزء من نفقات التعليم في المدارس الثانوية والعالية للاتحاد السوفيتي على الكادحين أنفسهم، وبالتالي يقرر: ” نفس نوع المنطق يؤدي إلى الاستنتاج إلى أن المجتمع المزدهر حقا هو مجتمع ينبغي أن يدفع فيه الناس نفقات حتى التعليم الأولي!”

من المؤكد أنه كان واضحا للطلاب أن الحاجة لدفع رسوم لم تكن دليلا على ظروف مزدهرة بين العام الدراسي 1940 -1941، الذي تم إدخال الرسوم أثناءه، والعام الدراسي 42 -1943، ترك حوالي 20% المدارس العالية في جمهورية روسيا الفيدرالية بسبب “الغربلة المتصلة بإدخال الرسوم على التعليم والتغيرات في وسائل توزيع الرواتب” (226)

أمر مرسوم آخر صادر في نفس اليوم، 2 أكتوبر 1942، حول “احتياطي العمل للاتحاد السوفيتي ” بالتجنيد السنوي لما بين 800 ألف ومليون ولد بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة من العمر (عمر الفصول من الثامن إلى العاشر) في التعليم المهني الإجباري. تم النص على عدد الأطفال المطلوبين من كل منطقة، وتقرر أن يكون تنفيذ الأمر مسئولية سوفييت المنطقة أو البلدة. (227) تم تكوين لجان تضم رئيس سوفييت البلدة أو المنطقة، وممثل نقابي، والسكرتير المحلي للكومسومول، تقوم بإعطاء تعليمات لكل مدرسة بتوفير عدد معين من الأطفال يختارهم المدرس. ولما كان تلاميذ الصفوف من الثامن إلى العاشر معفيين فإن هذا النظام يقع بالكامل تقريبا على تلاميذ الأسر الفقيرة. (تتضح قسوة النظام المفروض على الشباب المجند بالمدارس المهنية من واقع أن ترك المدرسة بلا إذن وانتهاكات النظام الأخرى تعاقب بما يصل إلى الاعتقال لمدة عام في إصلاحية(228). ولتوسيع الشبكة، قرر مجلس السوفيت الأعلى في 19 يونيو1947، رفع الحد العمري لاحتياطي العمل، وفي عدد من الصناعات تم رفعه إلى تسعة عشر عاما من العمر. (229)

عند النظر للمرسومين الصادرين في 2 أكتوبر1940، لا يستطيع المرء إلا أن يتذكر البيان الصادر في عام 1887 عن دليانوف، وزير تعليم القيصر الكساندر الثالث “إن الوزير، رغبة منه في تحسين مستوى التلاميذ في المدارس الثانوية، قرر أن أبناء العربجية والخدم الطباخين والغسالات وأصحاب الدكاكين الصغيرة وأمثال هؤلاء الناس لا ينبغي تشجيعهم على الارتفاع فوق البيئة التي ينتمون إليها”. وختاما، يتضح مما سبق ذكره أن الفرق بين فوارق الدخل قبل الخطة الخمسية وبعد إدخالها يتجاوز بالضرورة نطاق الكم وحده ويصبح فارقا كيفيا أيضا. إذا كان المتخصص أو مدير المصنع يحصل على ما بين أربعة وثمانية إضعاف ما يحصل عليه العامل غير الماهر، فإن هذا لا يعني بالضرورة وجود علاقة استغلال بين الاثنين. العامل الماهر أو المتخصص أو المدير ينتج قيما أكثر من العامل غير الماهر في ساعة العمل الواحدة.

بل حتى لو كان المتخصص يحصل على أكثر من الفارق في القيم التي ينتجونها، فإن هذا لا يثبت أنه يستغل العامل غير الماهر. يمكن التدليل على ذلك ببساطة، دعونا نفترض أنه في دولة عمالية، ينتج عامل غير ماهر ضرورياته في ست ساعات يوميا. وأنه يعمل ثمان ساعات، حيث تخصص الساعتان الإضافيتان لإنتاج الخدمات الاجتماعية، وزيادة كمية وسائل الإنتاج في أيدي المجتمع.0 الخ. حيث أن ساعتي العمل هاتين ليستا عملا لشخص آخر وإنما له لنفسه، فإنه من الخطأ وصف هذا العمل بأنه عمل فائض. ولكن تجنبا لإدخال مصطلح آخر، ولكي نميز ساعتي العمل عن الساعات الست الأولى، دعونا نسميه “عمل فائض” في حين نسمي الساعات الست “عمل ضروري”. من أجل التبسيط، دعنا نقول أن ساعة العمل غير الماهر تنتج القيمة المتجسدة في شلن واحد. ينتج العامل غير الماهر إذن 8 شلنات ويحصل على 6. دعونا نفترض أن المتخصص ينتج 5 وحدات قيمة، أو 5 شلنات في ساعة عمله. إذا حصل المتخصص على خمسة أمثال ما يحصل عليه العامل الماهر، أي 30 شلنا، فمن الواضح عدم وجود علاقة استغلال بينهما. وحتى لو حصل على ستة أمثال ما يحصل عليه العامل غير الماهر، في حين أنه لا ينتج سوى خمسة أضعاف ما ينتجه الأخير، فإن هذا لا يعني وجود علاقة استغلال لأن المتخصص في هذه الحالة يحصل على 36 شلنا يوميا في حين أنه ينتج 40 شلنا. ولكن إذا حصل المتخصص على 100 شلن أو200، فإن الوضع يكون مختلفا بشكل جوهري. في مثل هذه الحالة، سيكون جزءا كبيرا من دخله بالضرورة آتيا من عمل الآخرين. تبين الإحصائيات التي في متناول أيدينا بشكل قاطع أنه على الرغم من أن البيروقراطية تمتعت بوضع متميز في الفترة السابقة على الخطة الخمسية، فليس هناك أساس للقول بأنها في أغلب الحالات كانت تحصل على فائض قيمة من عمل الآخرين. ويمكن القول بنفس القطع أنه منذ إدخال الخطط الخمسية، تكون دخل البيروقراطية إلى حد كبير من فائض القيمة.

سوء الإدارة البيروقراطية

في ظل الرأسمالية القائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، يستخدم الرأسمالي آلية السوق بمثابة بوصلة مالية، مع تحديدها الأعمى لأسعار عناصر الإنتاج بالإضافة لسعر السلعة المنتجة. عليه أن يدير نظام محاسبة دقيق، عقوبته على سوء الحساب هي الخسارة المالية، أما عقوبة الخطأ الكبير ، فهي الإفلاس. في ظل اقتصاد تهيمن عليه الدولة، حيث تحدد أغلب الأسعار إداريا، وحيث لا يتصل دخل مدير المؤسسة بعلاقة مباشرة بالحالة الاقتصادية الحقيقية لمؤسسته، فإن نظام المحاسبة الدقيق يصبح أكثر ضرورة، حيث يستطيع مدير المؤسسة إخفاء عيوب المشروع لفترة طويلة إذا كان ذلك ضروريا، فهو ليس خاضعا لقانون السوق وحده. بدون نظام محاسبة دقيق، يمكن استيعاب أي تشوه في مشروع ما كعنصر في حسابات مشاريع أخرى، وهكذا بطريقة تراكمية. يستطيع الكرملين معاقبة المدير الذي يفشل، ولكن الفشل لا يظهر إلا بعد أن يكون الضرر قد حدث بالفعل. ومرة أخرى، فإن الطابع الإداري والشديد القسوة للعقوبات المنتظرة (إنزال الرتبة، السجن.0 الخ) لا يعطي سوى إلحاحا وتشجيعا إضافيا للمدير الذي يخفي الحقائق، كما يعطي حافزا أكبر لمثل هؤلاء المديرين للتآمر مع مسئولين آخرين في الإدارة. فضلا عن ذلك، فإن نفس الطابع الذي لا يعرف الرحمة للعقوبات يوليه درجة عالية من الحذر – ولا نقول الخوف – لدى أي مدير يواجه بالحاجة للمخاطرة أو اتخاذ قرار. ومن هنا يوجد ميل واضح على اتساع الجانب الإداري من الصناعة الروسية لإلقاء المسئولية على الآخرين والزيادة المفرطة في عدد المسئولين غير المنتجين. ومع ذلك، مرة أخرى، فإن هؤلاء المديرين شديدي الوعي بالطابع الإداري المتصلب للعقوبات التي تهددهم، وبالتالي بمدى اعتماد مصيرهم على قرارات تعسفية تنتج تلقائيا عن سياسة عامة سارية يمكن – كما حدث كثيرا – أن تستبدل بين يوم وليلة بأخرى ذات طابع مختلف كليا.

أخيرا، من المفروغ منه أن التعقيد والتنوع الغالبين على أي اقتصاد صناعي حديث يتطلب درجة قصوى من المبادرة المستقلة المحلية وأوسع ما يمكن من حرية إدارية. إلا أن هذا وضع في تناقض مباشر مع الحكم الممعن في البيروقراطية في روسيا.

الاندفاع التصنيعي الستاليني مخطط، إذا عنينا بالتخطيط التوجيه المركزي. في ظل الرأسمالية الفردية يسير الاقتصاد بشكل أعمى، بحيث أنه يمثل في أي لحظة ما مجموع العديد من القرارات الفردية والمستقلة (ما يعتبر خارج نطاق اهتمام هذا المقال، هو بحث الموضوع الهام المتعلق بالخطة الموجهة مركزيا في نطاق الرأسمالية الفردية الحالية خصوصا عندما تمليها ضرورة أوقات الحرب)  في روسيا، مع ذلك، تقرر الحكومة كل شيء تقريبا. أما إذا عنينا بمصطلح “الاقتصاد المخطط” اقتصاد يتم فيه تكييف وتنسيق جميع العناصر المكونة في إيقاع واحد، تقل فيه الاحتكاكات إلى الحد الأدنى، كما – قبل كل شيء – يسود فيه بعد النظر في اتخاذ القرارات الاقتصادية – فالاقتصاد الروسي إذن ليس مخططا على الإطلاق. انتهجت الخطة الخمسية الأولى بناء على افتراض أن الزراعة ستظل أساسا في أيدي الفلاحين الفردية (كان مقدرا أن تنتج الكولخوزات 5ر11% فقط من إجمالي إنتاج القمح في البلاد أثناء السنة الأخيرة من الخطة) (230) وعندما انتهت كان 70% من الزراعة في الكولخوزات والسوفخوزات. لقد توقعت الخطة الارتفاع التالي في الماشية:  الخيل 1ر6 مليون، البقر 5ر14 مليون الخنازير 2ر12 مليون، الخراف والماعز 8ر28 مليون، والإجمالي 6ر61 مليون، (231) في الواقع، انخفض عدد الخيل بمقدار 9ر13 مليون، والبقر 2ر30 مليون، والخنازير 4ر14 مليون، والخراف والماعز 6ر94 مليون، وانخفض المجموع بمقدار 1ر153 مليون. (232) كما افترضت الخطة أيضا أن العلاقات بين جميع فروع الاقتصاد ستقوم على التبادل في السوق – ومع ذلك انتهت الفترة فعليا بنظام الحصص بالكامل. وكان افتراضا أخرا هو أن عدد العمال الموظفين في اقتصاد الدولة سيزداد بمقدار 33% (233) – ولكنه في واقع الأمر زاد بمقدار 6ر96% (234). كان مفترضا أن ترتفع مستويات المعيشة، إلا أنها انخفضت. يمكن افتراض أن أهداف الإنتاج الخاصة بالسلع المختلفة مرتبطة ببعضها البعض ، ومع ذلك فقد تراوح معدل تحقيق الأهداف المختلفة على نطاق واسع جدا. افترضت الخطة أن سكان الريف سيزيدون بمقدار 9%، وسكان المدن بمقدار 4ر24% ، ومجموع السكان بمقدار 11.8%، إلا أن الأرقام الفعلية على التوالي كانت 1ر1 ، 2ر40، 1ر8. وينطبق نفس الشيء على الخطط اللاحقة. التضخم (ارتفاع لا يقل عن 1500% في مستوى الأسعار أثناء عقدي مرحلة الخطط)، والمجاعة الفظيعة في عام 1932 -1933، والإجراءات الإدارية القاسية ضد الفلاحين والعمال – هذه هي بعض أعراض افتقاد البيروقراطية لبعد النظر في إدارة الاقتصاد، وعدم التجانس بين عناصر الاقتصاد المختلفة التي تعتمد على بعضها البعض.

يوجد غياب واضح للتنسيق بين المصانع المختلفة. على سبيل المثال:  وفقا لكبير مهندسي مصنع جرارات ستالينجراد، ديميانوفيتش، كان هناك 753 جرارا تساوي قيمتها 18 مليون روبل مكدسة في مخازن المصنع. في أكتوبر1940، بسبب عدم توفر أجزاء كان ينبغي شراؤها من شركات صغيرة بقيمة 100 ألف روبل – أدى ذلك لإعاقة خطيرة للإنتاج. (235)

تظهر التفككات الكبرى في الاقتصاد أيضا من ظاهرة تتميز بها روسيا بغرابة بهذا الشكل المتطرف. المشروعات المختلفة التي تنتج نفس المنتج تظهر اختلافات ضخمة في نفقات الإنتاج. هكذا فإن الناتج السنوي من الحديد الخام والصلب للعامل في شركات مختلفة في عام 1939 كان:  (236)

 

الشركة الحديد الخام الصلب
(بالطن) (بالطن)
اتحاد ماجنيتوجورسك 2840 1168
اتحاد كوزنيتسك 2324 1389
شركة كريفوي روج 1733
“زابورو زتال” 1679 1074
ازفستال 1642 664
شركة كيرف 2102 523
شركة دزيزينسكي 785 529
شركة بتروفسكي 799 299
شركة كيراماتورسك 725 293
شركة أوردزونيكيدز 707 400
شركة فرونز 636 403

 

في الكتاب الذي أخذ منه الجدول أعلاه، ذكر بوضوح تام أن السبب الرئيسي وراء هذه الاختلافات الكبيرة في إنتاجية العمل لا ترجع للتباين في الظروف الطبيعية للإنتاج وإنما إلى المعدات التقنية للمشروعات (237) في حالات كثيرة، وحتى حيث لا توجد اختلافات كبيرة في المعدات التقنية للشركات المعينة، تختلف نفقات الإنتاج كثيرا من شركة لأخرى. هكذا، فقد كتبت “ازفستيا”:  “كثيرا ما تختلف نفقات الإنتاج كثيرا بين مشروعين في ظل نفس الوزارة وبنفس المعدات، حيث تبلغ النفقات الإدارية في أحدهما ضعف أو ثلاثة أمثال مقدارها في الآخر.00 يمكن إبعاد مئات الآلاف من العمال الزائدين عن الحاجة وتخفيض نفقات الإنتاج بشكل ملحوظ إذا ما ساد النظام فيما يتعلق بهيئة العاملين”. (238)

سبب آخر لاختلافات النفقات هو التباين الكبير في نسب السلع المعيبة. في تقريره للسوفيت الأعلى حول ميزانية الدولة لعام1947، قال وزير المالية، زفيريف، عن مصنعين لإنتاج المصابيح الكهربائية إن نفقات الإنتاج في أحدهما كانت خمسة أضعاف مقدارها في الآخر، السبب الذي قدمه لذلك كان أن 3ر47% من الناتج في أحدهما كان معيبا في حين كانت هذه النسبة في الثاني 3ر7% فقط. (239) من البديهي أن مثل هذه الاختلافات في نفقات الإنتاج ما كان لها أن توجد في ظل ظروف الرأسمالية القائمة على الملكية الفردية. المشروع المتخلف كان سيخرج مبكرا من الإنتاج. ومن البديهي أن الحفاظ على هذه الشركات دون تحقيق تساوي أو تقارب في نفقات إنتاجها يتضمن من وجهة نظر اقتصادية عامة، فاقدا ضخما.

هذا الغياب في التنسيق بين الصناعات المختلفة وعدم التجانس في نموها يظهر من خلال الارتفاع والانخفاض الحاد في الأسعار وغياب العلاقات المنسجمة بينها. وضح الدكتور جانسي هذا بوضوح شديد وهاهو أحد الأمثلة التي يعطيها:

“تطور أسعار الخشب والخشب المنشور أثناء فترة الخطط كان متناقصا بشكل غريب. فعقب انخفاض طفيف في عام 1927 -1928، ارتفعت أسعار الخشب المنشور أكثر من100%، بدءا من أول إبريل 1936. وقد ظلت ثابتة بعد ذلك لمدة حوالي 13عاما على الرغم من التضخم والنقص الحاد في الخشب وتقطيع شجر الغابات بما يفوق كثيرا ما كان معقولا من الناحية الاقتصادية. ارتفعت أسعار الخشب المنشور إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه تقريبا وذلك ابتداءا من أول يناير1949، لكي تصبح سبعة أضعاف ما كانت عليه في عام 1926 – 1927..

انخفضت أسعار الخشب المستدير الذي تستخدم كميات كبيرة منه مباشرة في البناء في الاتحاد السوفيتي بمقدار 7ر14% من عام 1926 – 1927 إلى عام 1927 – 1928 ثم ارتفعت بشكل معتدل في عام 1936. ارتفعت أسعار الخشب ارتفاعا طفيفا مرة أخرى في عام1944، ولكنها ظلت مع ذلك أعلى بمقدار معتدل فقط من أسعار عام 1926 – 1927 وبعد ذلك، ولكي يتم تعويض هذه المتأخرات، تضاعفت أسعار الخشب أربع مرات ونصف بضربة واحدة في عام 1949. وعلى وجه التقريب، كانت أسعار الخشب نصف أسعار الخشب المنشور في عام 26 -1927، في عام1936، أصبحت أكثر قليلا من 20% من الأخيرة، ثم ارتفعت النسبة إلى 30% في عام 1944 وتجاوزت 40% في عام1949.

أظهرت عارضات ربط السكك الحديدية، وهي منتج خشبي بسيط، مع ذلك منحى آخر:  تضاعفت في عام 1936 ثم زادت أكثر من الضعف مرة أخرى في عام 1943. وزادت مرة أخرى بأكثر من الضعف في عام 1949 حتى أصبح السعر ابتداءا من أول يناير 1949 حوالي عشرة أضعاف مستوى عام 1927. (240)

في كتاب آخر، يعطي جانسي مثالا آخرا لغياب الصلات بين أسعار السلع المتنافسة أو بين أسعار المواد الخام والمنتجات:

في عام 1933 ارتفع سعر الكيروسين للأغراض التقنية إلى حوالي عشرة أضعاف ما كان عليه، لكي يبلغ 45 ضعف سعر فحم دونباس الجيد. في عام1949، أصبح سعر نفس الكيروسين أقل من ستة أضعاف سعر الفحم. لا يوجد تبرير – لا يمكن حتى إيجاد تفسير – لمثل هذا الاختلاف. المعدلات المختلفة بين أسعار الكيروسين والفحم هي حالة متطرفة، إلا أن هنالك عددا لانهائيا تقريبا من التحولات الواسعة غير المبررة لعلاقات الأسعار والمعدلات. في 1949 كانت كلفة أنواع هامة من الصلب الأسطواني حوالي خمسة إلى ستة أضعاف نفس الكمية من الفحم، في النصف الثاني من 1950 كانت العلاقة حوالي ثلاثة إلى واحد فقط ” (241)

مرة أخرى:  كان خطأ فاضحا أن ترفع أسعار الماكينات بمقدار 30 – 35% في سنة واحدة (1949) ثم إلغاء الزيادة كلها وأكثر في السنة التالية (1950)، أو زيادة معدلات أجر الشحن في السكك الحديدية على المسافات القصيرة أقل كثيرا منها على المسافات الطويلة (مراجعة المعدلات في عام1939). ثم عكس الأمر تماما في المراجعة التالية.
(242)

لقد أعطى ستالين نفسه ابرز مثال على الأساليب الفجة المستخدمة في ضبط الأسعار وغياب الروابط بينها حيث يقول:

“إن مسئولي الإدارة والتخطيط لدينا، مع بعض الاستثناءات القليلة، ضعيفو الإلمام بآليات قانون القيمة ولا يدرسونها ولا يستطيعون أخذها في الاعتبار عند عمل حساباتهم. هذا في الواقع يفسر الارتباك الذي ما يزال يحكم سياسة تحديد الأسعار. إليكم مثالا واحد من أمثلة كثيرة:

منذ زمن مضى، تقرر تعديل أسعار القطن والقمح لمصلحة زراعة القطن، وتحقيق أسعار أكثر دقة للقمح المباع لزارعي القطن، وزيادة سعر القطن المسلم للدولة. قدم مديرونا ومخططونا اقتراحا بهذا الشأن ما كان له إلا أن يذهل أعضاء اللجنة المركزية، حيث أنه اقترح تحديد سعر طن القمح على نفس المستوى عمليا لطن القطن، وبالإضافة إلى ذلك اعتبر الاقتراح أن سعر طن القمح مساو لسعر طن الخبز. وللرد على ملاحظات أعضاء اللجنة المركزية بأن سعر طن الخبز يجب أن يكون أعلى من سعر طن القمح بسبب المصاريف الإضافية للطحن والخبز، وأن القطن أغلى كثيرا من القمح، وهو ما يظهر أيضا من الأسعار في السوق العالمي، لم يجد أصحاب الاقتراح أي شيء متماسك يقولونه. اضطرت اللجنة المركزية بالتالي إلى أن تأخذ الأمر في أيديها وتخفض أسعار القمح وترفع أسعار القطن”. (243)

أي تشويش هذا! وفي أعلى المستويات في البلاد. ظاهرة غريبة أخرى تكشف انعدام التكامل بين المصانع المختلفة، هي ظهور مجموعة من الوسطاء يرتزقون من خلال إيجاد وحدات إنتاج لديها فائض وأخرى تعاني عجزا ثم ترتيب اتفاقات مقايضة فيما بينها، مخالفين بذلك الأسعار المحددة بواسطة السلطات. أفـادت “بلانوفو فوزييستفو” عن حالة مصنع ماكينات ثقيلة وعد بإعطاء شركة بناء، في مقابل 5ر2 مليون طوبة، ليس فقط السعر الرسمي للطوب وإنما أيضا الزيادات التالية 800 طن من الفحم، 250طن من الخشب، 11طن من الكيروسين، وكميات متنوعة من عدد من السلع الأخرى. (244) كل هذا غير قانوني، ولكنه مع ذلك شائع جدا:  الحكومة البيروقراطية التي تمنع هذا، هي – في النهاية – سبب وجوده.

مثال آخر من نفس النوع هو سوق الكولخوز، الذي ازدهر بشكل خاص أثناء الحرب بوضعه للطعام في التموين، والذي كان في كل شيء ماعدا الاسم “سوقا سوداء”.

كذلك، ظهور التولكاخ – موفر الإمدادات – الذي يأخذ، بطريقة غير قانونية تماما، عمولة ضخمة لاقتنائه موادا وماكينات، الخ، أيضا الأهمية الكبرى للبلات – النفوذ الشخصي – في الحصول على المواد والماكينات، الخ التي لا يخول لمدير المصنع الحق في الحصول عليها. تعطي النشرات الروسية اعترافات كثيرة بأنها كانت ظاهرة بارزة هناك. يظهر المدى الواسع من النزاعات بين المشروعات والاتحادات والمجالس الصناعية والوزارات.0 الخ من العدد الكبير للدعاوى القضائية فيما بينها. في عام 1938 على سبيل المثال، تم رفع أكثر من 330,000 قضية في الجوساربيتراز (مجلس تحكيم الدولة، وهو نظام خاص من المحاكم لفض النزاعات بين الوحدات الاقتصادية) (245). لا يتضمن هذا الرقم النزاعات بين الوحدات الاقتصادية – المجالس الصناعية والشركات داخل وزارة واحدة – التي تبت فيها مجالس تحكيم الإدارات، يكتب برمان:  “أنواع النزاعات التي تنظر فيها الجوسابيتراز متنوعة بشكل مدهش. يدور كثير منها حول جودة السلع التي يتم توريدها وفقا للعقد. كما يتضمن عدد كبير منها مسألة الأسعار، حيث أنه على الرغم من أن الأسعار محددة، إلا أن هناك طرقا عديدة لتجنب أو التهرب من الأسعار المقررة. (246)

أحد أهم عناصر سوء الإدارة البيروقراطية هو التغيير السريع والمتعسف في القرارات بواسطة الحكومة المركزية ذاتها. سنعطي القليل من الأمثلة.

لعدد من السنوات، كان من المسلم به الاعتقاد بأنه كلما كبر المشروع كلما كان ذلك أفضل بصرف النظر عن مستويات الكفاءة التقنية المثالية. هكذا، على سبيل المثال، أعلن ستالين:  “جميع حجج (العلم) ضد إمكانية وضرورة خلق مصانع قمح ضخمة تتراوح بين 50 ألف و 100 ألف هكتار لكل، قد تلاشت إلى غبار”. (247)

في عام 1930 أنشئ كولخوز يتكون من 50 قرية و 84 ألف هكتار، كما شمل كولوخوز آخر 29 قرية و 33553 هكتارا. (248) ومع ذلك، فبعد خسائر رهيبة، رجعت الحكومة على أعقابها، في عام 1938 كان الكولخوز المتوسط يضم مساحة 484 هكتارا من الأراضي الصالحة للزراعة. لتسع سنوات (28-1937) هيمنت الحماسة للمشروعات العملاقة حتى حدث التراجع الذي أعلن في أعقابه أن “جنون العملقة” هو نتيجة الأنشطة الخبيثة “للتروتسكيين والفاشيين”

في أوقات أخرى ” وضعت أهداف الإنتاج في مستوى عال بشكل يدعو للسخرية، مما أسفر عن معدلات مغامرة، بتكلفة جسيمة من حيث الخراب، واستهلاك وبلي الماكينات، وتبديد المواد والعمل. هكذا، على سبيل المثال، ذكر ج. ك. أوردزونيكيدز، قوميسار الصناعة الثقيلة في المؤتمر السابع عشر للحزب (30يناير1932) إن المهمة في عام 1932 كانت:  ” على مدى عام واحد يجب أن تزيد قدرة مصانع المعادن إلى أكثر من الضعف، رافعين إياها إلى 5ر13 – 14 مليون طن (من الحديد الخام).0 ماذا يعني تحقيق برنامج إنتاج صناعة الحديد والمعادن في عام 1932؟.00 انه يعني إنتاج زيادة مقدارها 4 مليون طن في عام واحد.00 كم استغرقت البلاد الرأسمالية من وقت لإنجاز نفس الشيء؟ إنجلترا استغرقت 35 عاما لإنجاز ذلك.00 واستغرقت ألمانيا عشر سنوات.00 الولايات المتحدة ثمان سنوات. ويجب على الاتحاد السوفيتي تحقيق ذلك في عام واحد.0 (249) في الواقع استغرق ذلك من ست لسبع سنوات وليس سنة واحدة0

بل أن صحيفة هيئة التخطيط اتخذت موقفا أكثر سخافة في وصفها أهداف الخطة الخمسية الثانية. فقد أعلنت أن الاتحاد السوفيتي سينتج ما يلي في عام 1937:  450- 550 مليون طن من الفحم، 150مليون طن من خام البترول، 60مليون طن من الحديد الخام، 150مليون كيلووات ساعة من الطاقة الكهربائية. لقد تعين تخفيض هذه بأكثر من النصف في مؤتمر الحزب السابع عشر (يناير1932) وبأكثر من ذلك أيضا في مؤتمر الحزب السابع عشر (يناير1934) الذي مرر المسودة النهائية.

إن مقارنة بسيطة للأهداف تظهر إلى أي مدى يتسم تخطيط الحكومة بالتعسف والمغامرة. (250)

 

خطة الإنتاج لعام 1937

خطة هيئة التخطيط (1931) مؤتمر الحزب ال17 (1932) الكونجرس ال 17 للحزب (1932) الإنجاز الفعلي (1937)
الفحم (بالمليون طن) 450-550 250 6ر152 0ر128
البترول الخام(بالمليون طن) 150 80-90 8ر46 5ر30
الحديد الخام(بالمليون طن) 60 22 4ر17 5ر14
الكهرباء (بالمليون ك و س) 150 100 0ر38 4ر25

 

حادثة أخرى غريبة ولكنها نموذجية. في عام1931، كانت لدى عضو هام بالمجلس الأعلى للاقتصاد القومي الجرأة الكافية لكي يقول انه لا يعتقد بإمكانية إنتاج 60 مليون بالة من القطن، وإنما 30 مليون فقط. (251) لقد تمت محاكمته، وأعلن المدعي:  “إن الرقمين فقط يكفيان لإظهار الضرر العملي لما قام به سوكولوفسكي” اعترف سوكولوفسكي، وقال أنه من الممكن بالفعل تحقيق 60 مليون باله. (لم ينقذه “الاعتراف”، وكان عليه أن يدفع ثمن تشككه السابق السجن لعشر سنوات). بعد ذلك بأربع سنوات، في عام1935، في مؤتمر لزارعي القطن، قام قوميسار الصناعة الخفيفة، لوبيموف، وقوميسار الزراعة، شيرنوف، بإعلام ستالين بأن النجاحات العظيمة في برنامج القطن ستجعل من الممكن في هذا العام إنتاج 32 مليون باله من القطن ! اعتبر ستالين ذلك بعيد المنال وسأل بتشكك:  “ألست مندفعا خلف مشاعرك بفعل الحماس” (252)

تلخيصا، يمكن القول بأنه في روسيا، وبدلا من إتباع خطة حقيقية يتم اللجوء إلى الوسائل الصارمة للأمر الحكومي لملء الفجوات في الاقتصاد الناتجة عن قرارات وأنشطة هذه الحكومة نفسها. وبالتالي، فبدلا من الحديث عن اقتصاد سوفيتي مخطط، سيكون أكثر دقة أن نتحدث عن اقتصاد مدار بيروقراطيا. والواقع أن الدكتاتورية السياسية الشمولية البيروقراطية تساعد على التغلب على نتائج سوء التخطيط، الذي تكمن أصوله في نفس الوقت في هذا النظام البيروقراطي ذاته.

على المرء مع ذلك أن يتجنب خطأ افتراض أن سوء الإدارة الذي يصيب الاقتصاد القومي لروسيا بالتآكل، يحول دون إنجازات هامة، بل وهائلة. توجد بين سوء الإدارة البيروقراطية والاندفاع العظيم لأعلى لصناعة روسيا وحدة جدلية محكمة. فلا يمكن تفسير رأسمالية الدولة البيروقراطية إلا من خلال تخلف قوى الإنتاج في البلد، والاندفاع العظيم نحو تنميتها السريعة (بالإضافة إلى سلسلة كاملة من العوامل المرتبطة بذلك) و- قبل كل شيء – إخضاع الاستهلاك لتراكم رأس المال.

روسيا – عملاق صناعي

إن عظمة وتضحيات الشعب قد طورت روسيا، على الرغم من سوء الإدارة البيروقراطية والموارد المبددة إلى قوة صناعية عظيمة، فبعد أن كانت فيما يتعلق بالناتج الصناعي في المرتبة من الرابعة في أوروبا والخامسة في العالم أصبحت الأولى في أوروبا والثانية في العالم. لقد صحت من تخلفها الناعس لكي تصبح بلدا حديثة قوية، متقدمة صناعيا. استحقت البيروقراطية بذلك نفس الإشادة التي منحها ماركس وإنجلز للبرجوازية:  “لقد كانت أول من أظهر ما يمكن أن يحققه الفعل الإنساني.. لقد أنجزت عجائب تفوق كثيرا الأهرامات المصرية والقنوات الرومانية والكاتدرائيات القوطية.. البرجوازية… تجر كل الأمم إلى الحضارة.. لقد خلقت مدنا ضخمة… وبذلك أنقذت جزءا كبيرا من السكان من بلاهة الحياة الريفية. لقد خلقت البرجوازية، أثناء حكمها الذي لم يتجاوز مائة سنة، قوى إنتاجية أكثر جسامة وأكثر ضخامة مما فعلت كل الأجيال السابقة مجتمعة”. (253)

الثمن المدفوع لتحقيق هذه الإنجازات كان، بالطبع، الشقاء الإنساني على نطاق يستحيل تقديره.

ولكن من وجهة نظر اشتراكية، فإن المعيار الحاسم ليس هو نمو الإنتاج في حد ذاته، وإنما العلاقات الاجتماعية التي تصاحب هذا النمو الهائل لقوى الإنتاج. هل يصحب هذا النمو تحسين في الوضع الاقتصادي للعمال، زيادة في قوتهم السياسية، تعزيز للديمقراطية، تقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وتخفيف لقمع الدولة؟ هل التنمية الصناعية مخططة، وإذا كان الأمر كذلك، من يخططها، ولمصلحة من؟ هذه هي المعايير الاشتراكية الأساسية للتقييم الاقتصادي.

لقد تصور ماركس أن نمو قوى الإنتاج في ظل الرأسمالية سيدفع الإنسانية نحو أزمة لا يوجد لها سوى مخرجين:  أحدهما، هو إعادة تنظيم المجتمع على أسس اشتراكية، والثاني، ارتداد إلى البربرية. إن تهديد البربرية يأخذ شكل ربط القوى الإنتاجية الإنسانية والصناعة والعلم – أمام أعيننا – بعربة الحرب والدمار. إن مكان ماجنيتوجورسك (ماجنيتوجورسك هي مدينة بجمهورية روسيا الاتحادية تعد أكبر مركز حديد وصلب في الاتحاد السوفيتي (المترجم).) ومافة البلوط (مافة البلوط هي مدينة أمريكية أنشأت بها الحكومة الأمريكية المعمل القومي لخامة البلوط في عام 1943 كجزء من مشروع مانهاتن لإنتاج قنبلة ذرية أثناء الحرب العالمية الثانية. (المترجم)) في تاريخ الإنسان سيحدد ليس بإنجازاتهما المادية الهائلة، وإنما بالعلاقات الاجتماعية والسياسية التي ترتكز عليها هذه الإنجازات.

« السابق التالي »