رأسمالية الدولة في روسيا
في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي يصيغ ماركس بإيجاز الاستنتاجات الأساسية للمادية التاريخية. حيث يكتب:
إن أي نظام اجتماعي لا يمكن أن يختفي قبل أن يطور كافة القوى الإنتاجية التي يسمح بتطويرها، كما أنه لن تظهر علاقات إنتاج جديدة أعلى قبل نضج ظروف وجودها المادية في رحم المجتمع القديم.
وقد استدل المناشفة بهذه الجملة ليثبتوا أن الرأسمالية في روسيا لم تكن ناضجة بعد للثورة الاشتراكية، وأن مستقبلا طويلا كان ينتظرها حتى تصل إلى مثل هذه المرحلة. ولكن هذا الاستنتاج البسيط، يغفل سلسلة كاملة من العوامل التي تحدد أو تحد من أو توسع إمكانيات تطور القوى المنتجة.
إن ما حدد التطور في روسيا القيصرية كان – من ناحية – علاقات القوى بين الطبقات داخل روسيا نفسها، ومن ناحية أخرى تبعية روسيا للرأسمالية العالمية. فهذان العاملان يرتبطان ببعضهما البعض جدليا. فبدون الإقرار بوحدة العالم، لا يمكن تفسير التطور اللامتكافيء والمركب للبلاد المختلفة: لماذا كان على الصراع الطبقي أن يتخذ الشكل الأكثر عمقا والأكثر حدة في بلد متخلف كروسيا. وكيف أن البروليتاريا الروسية في ظل القيصرية كانت مركزة في مؤسسات عملاقة بقدر أكبر من حتى بروليتارية الولايات المتحدة الأمريكية. إن هذه الظواهر تدل على المستوى العالي للإنتاج الاجتماعي الذي وصل إليه الاقتصاد العالمي، ونضج العالم لإحلال علاقات الإنتاج الاشتراكية محل تلك الرأسمالية. إن الحرب العالمية الأولى التي عجلت بسقوط القيصرية لم تكن دليلا على المستوى المتقدم للقوى الإنتاجية في كل من البلاد المتحاربة، ولكنها أظهرت أن الظروف المادية كانت ناضجة للثورة الاشتراكية على النطاق العالمي. كذلك فان سلسلة الهزائم العسكرية التي كبدت الجيش الروسي خسائر فادحة، قد أوضحت بجلاء التخلف الصناعي والعسكري لروسيا داخل العالم المتقدم. وكون أن الماركسية ثمرة التوليف بين الاشتراكية الفرنسية والنظرية الاقتصادية الإنجليزية والفلسفة الألمانية – قد تم استجلابها إلى روسيا عندما كانت الحركة العمالية لا تزال في مهدها لدليل على الوحدة الروحية للعالم. ومن ناحية أخرى، فكون أن الأفكار الانتهازية والتحريفية لم تكن قد تأصلت وترسخت في الحركة العمالية الروسية كما حدث في بلاد الغرب تكشف عن تخلف روسيا في عالم ناضج للاشتراكية: مستوى المعيشة المنخفض للعمال والذي ساعد في بقائه كذلك تيار هجرة الفلاحين للمدن، عدم امتلاك البرجوازية الروسية لاستثمارات في الخارج وبالتالي القدرة على استخدام جزء من الأرباح العالية الناتجة عن هذه الاستثمارات في رشوة شريحة من العمال وتحقيق تحسن مؤقت في ظروف الجماهير ككل لفترة من الوقت، كما حدث في الغرب، تركيز العمال في مؤسسات عملاقة وجلوس البلد متقلقلا على برميل بارود الثورة الزراعية.
كون أن القوى الإنتاجية تتطور داخل إطار العلاقات الاجتماعية الوطنية والعالمية، وليس في فراغ، كما يتصور المناشفة، قد أبطل تماما حلمهم بإمكانيات التطور الهائلة المفتوحة أمام الرأسمالية الروسية. فعلى العكس من اعتقادهم، كان استمرار وجود الرأسمالية الروسية داخل العلاقات الوطنية والعالمية القائمة آنذاك كان سيحافظ على إيقاع الإقطاع. لقد كان سيوقع البلد في حروب كان من الجائز جدا أن تحول روسيا المتخلفة إلى مستعمرة أو شبه مستعمرة للقوى الغربية. كان هذا سيعني أن تطور الأقليات الوطنية التي كونت نصف سكان روسيا، كان سيبقى معرقلا.
الاقتباس السابق من نقد الاقتصاد السياسي ينطبق على النظام العالمي، وليس على بلد منعزل. ومجرد قيام أول ثورة بروليتارية في بلد متخلف يؤكد هذا، انه أفضل شاهد على نضج العالم للثورة الاشتراكية.
من بين الأسباب الرئيسية للأزمة المستعصية في العالم الحديث هو أنه، مع التقسيم العالمي للعمل، أصبحت الحدود الوطنية إطارا ضيقا جدا لتطور القوى الإنتاجية. بالنسبة لبلد مثل روسيا، فان وجود الحدود الوطنية لا يضع فقط عقبات جدية في طريق الحصول على المساعدات المادية من البلاد الصناعية الأكثر تقدما، وإنما يفرض أيضا العبء الثقيل لسباق التسلح مع الدول الوطنية الأخرى. حتى وفاة لينين، لم يشر أحد في الحزب البلشفي إلى أن روسيا تستطيع أن تبني الاشتراكية بجهودها الذاتية. لقد أكد لينين نفسه مرارا وتكرارا على العكس. “الثورة الروسية” كتب يقول في 4 يونيو 1918 – “لا ترجع للمزايا الخاصة للبروليتاريا الروسية، وإنما لمسار الأحداث التاريخية، وقد وضعت هذه البروليتاريا مؤقتا في موضع القيادة بإرادة التاريخ، وأصبحت لبعض الوقت طليعة الثورة العالمية” (1)
“لقد راهنا دائما على ثورة عالمية وكان هذا موقفا سليما تماما، لقد أكدنا دائما… أنه من المستحيل إنجاز عمل مثل الثورة الاشتراكية في بلد واحد” (6 نوفمبر1920، لينين، الأعمال (بالروسية) الطبعة الثالثة، الجزء25، ص 473 – 474 “التشديد من عندي، هذه الكلمات محذوفة من الطبعة الرابعة للأعمال الكاملة للينين (بالروسية). أنظر الجزء 31 ص 370).
حتى بعد وفاة لينين فان ستالين الذي طرح فيما بعد فكرة “الاشتراكية في بلد واحد” كان قد قال: “ولكن إسقاط سلطة البرجوازية وإقامة سلطة البروليتارية في بلد واحد لا يضمن بعد الانتصار الكامل للاشتراكية. فالمهمة الرئيسية، وهى تنظيم الإنتاج الاشتراكي، تبقى في انتظار الإنجاز. هل ننجح ونضمن الانتصار الحاسم للاشتراكية في بلد واحد بدون الجهود المجتمعة البروليتاري عدة بلاد متقدمة؟ بالقطع لا. إن جهود بلد واحد تكفي لإسقاط البرجوازية. هذا هو ما يثبته تاريخ ثورتنا. ولكن من أجل الانتصار الحاسم للاشتراكية، تنظيم الإنتاج الاشتراكي، فان جهود بلد واحد وحدها لا تكفي، خاصة إذا كان بلدا ريفيا بالأساس مثل روسيا، إن الأمر يحتاج لجهود بروليتاري عدة بلاد متقدمة”. (ستالين، نظرية وممارسة اللينينية، الحزب الشيوعي البريطاني، 1925، ص 45 – 46. في الطبعة الروسية الثانية لهذا الكتاب، التي ظهرت في ديسمبر 1924 حذفت هذه الفقرة، وكتب محلها: “أما وقد عززت سلطتها وقادت الفلاحين فان بروليتاريا البلد المنتصر تستطيع وينبغي عليها بناء مجتمع اشتراكي… هذه هي بصفة عامة السمات المكونة للنظرية اللينينية للثورة البروليتارية” (ستالين، الأعمال “بالروسية” الجزء السادس، ص 107 – ص 108) أيضا ستالين ” مشاكل اللينينية”، ص 27. ص 28)).
مما يجدر ذكره أن تروتسكي عبر عن ذات الفكرة الأممية في عدة مناسبات.
يمكن فهم الثورة الروسية بواسطة قانون التطور اللامتكافيء الذي يمثل أحد وجهي وحدة التطور العالمي. ولكن هذا القانون يسمح باحتمالين للتطور: أولا، أن الثورة الروسية، كونها دليلا على نضج العالم للاشتراكية، تمثل المقدمة لسلسلة من الثورات الجديدة التي تقوم فورا أو بعد فترة معينة، ثانيا – وهذه إعادة صياغة للاحتمال الأول – بسبب اللاتكافؤ، قد تطول هذه “الفترة المعينة” إلى سنوات تاركة الثورة الروسية معزولة في عالم رأسمالي معادي. قبل أكتوبر 1917 كان من المستحيل تحديد أي طريق ستسلكه الإنسانية بمجرد الاعتماد على اعتبارات عامة تتعلق بالطابع الشمولي للتاريخ العالمي، فالتناقضات التي يحتوي عليها هذا الشمول – أي قانون التطور اللامتكافىء – يجب أيضا أخذها في الاعتبار. الممارسة الإنسانية وحدها تستطيع أن تقرر الطريق الذي يسير فيه التاريخ. الآن، نستطيع أن نقول بأثر رجعي أية ممارسة إنسانية بعينها – مثلا التأييد الذي أعطته الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية للرأسمالية في أوروبا الغربية والوسطى – تسببت في فشل الثورات التي اندلعت في أعقاب ثورة أكتوبر.
لكي يمكن للقوى الإنتاجية أن تتطور، كان لابد من اختفاء النظام الاجتماعي القائم في ظل القيصرية. ولكن أي نظام اجتماعي كان ينبغي أن يحل محله؟ بالنظر إلى أن تدمير النظام الاجتماعي لروسيا القيصرية كان تعبيرا عن نضج العالم للاشتراكية، فليس هناك شك في أنه، لو كانت الثورة قد انتشرت، فان النظام الاجتماعي الذي كان سيحل محله كان سيكون المرحلة الأولى للمجتمع الشيوعي. ولكن حيث أن ثورة أكتوبر لم تنتشر، فأي نظام اجتماعي كان يمكن أن يظهر في روسيا !
إن الخطوة الأولى التي ينبغي اتخاذها للإجابة على هذا السؤال هي تحليل الإرث المادي الذي تركه النظام الاجتماعي الموجود قبل أكتوبر:
الناس لا يبنون لأنفسهم عالما جديدا بـ “المتاع الدنيوي كما تقول الخرافة الفجة” وإنما بالإنجازات التاريخية للعالم القديم الآيل للزوال. في مسار التطور، عليهم أن يبدأوا بالاعتماد على أنفسهم تماما في إنتاج الظروف المادية لمجتمع جديد، ولا يمكن لأي جهد من جانب العقل أو الإرادة الإنسانية أن يخلصهم من هذا المصير.(2)
الإرث المادي للفترة القيصرية
في عام1913، كان 80% من سكان روسيا يعتمدون على الزراعة كمصدر لعيشهم و 10% فقط على الصناعة والتعدين والنقل. هذه الأرقام وحدها تكفي لكي تبين تخلف روسيا. من بين جميع بلدان أوروبا، لا يوجد مثل هذا التوزيع المهني للسكان إلا في يوغوسلافيا وتركيا ورومانيا وبلغاريا.
في بلاد أوروبا الغربية والوسطى و الولايات المتحدة الأمريكية، في منتصف القرن التاسع عشر، كانت النسبة المئوية من السكان الذين يعملون في الصناعة والتعدين والنقل أعلى كثيرا، كما كانت النسبة المئوية التي تعمل في الزراعة، أقل كثيرا مقارنة بروسيا في عام 1913. هكذا ففي بريطانيا في عام1841، كانت نسبة السكان الذين يعملون في الزراعة وصيد الأسماك والصيد 7ر22%، ونسبة العاملين في الصناعة والبناء والتعدين والنقل 3ر47%. أما فرنسا التي كانت متأخرة جدا عن بريطانيا، فكان بها 63% يعملون في الزراعة في عام 1837، وفي عام 1866 كان بها 43% يعملون في الزراعة و 38% في الصناعة. أما ألمانيا، ففي عام 1800 كان حوالي ثلثي سكانها يعملون بالزراعة، في عام 1852 أصبح بها 4ر44% يعملون بالزراعة و 9ر40% يعملون بالصناعة والحرف اليدوية. أما الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أصلا بلا استيطان زراعي بالأساس، فكان 3ر72% من سكانها يعملون بالزراعة والصيد، وصيد الأسماك في مقابل 3ر12% في الصناعة والبناء والتعدين في عام1880، وفي عام1850، أصبحت النسبتان 8ر64% و 8ر17% على التوالي.
يتضح من إحصائيات الدخل القومي مدى فقر الإرث المادي الذي وجده البلاشفة عندما استولوا على السلطة، ليس فقط بالمقارنة مع البلاد الرأسمالية المتقدمة المعاصرة لهم، وإنما حتى بالمقارنة بتلك البلاد نفسها في مستهل تطورها الرأسمالي.
الحساب أكثر تكاملا ودقة – في الحدود التي تكون الدقة فيها ممكنة في مثل ذلك الحساب الضخم والمعقد – للدخل القومي في بلدان مختلفة في فترات مختلفة أجراه كولين كلارك في كتابه شروط التقدم الاقتصادي. (لندن، 1940)
يقدر كلارك أن الدخل الحقيقي للفرد العامل في روسيا في عام 1913 يعادل 306 وحدة عالمية (و.ع) (يعرف كلارك الوحدة العالمية بأنها مقدار السلع والخدمات التي يمكن للدولار الواحد شراؤها في الولايات المتحدة فوق متوسط الفترة من عام 1925 إلى 1934″).
في مقابل هذا، كان متوسط الدخل الحقيقي للفرد العامل في بعض البلدان المتقدمة كما يلي: (3)
| بريطانيا | فرنسا | ألمانيا | الولايات المتحدة | ||||
| السنة | و.ع | السنة | و.ع | السنة | و.ع | السنة | و.ع |
| 1688 | 372 | 1850-1859* | 382 | 1850 | 420 | 1850 | 787 |
| 1860-1869* | 638 | 1860-1869* | 469 | 1877 | 632 | 1880 | 1032 |
| 1904-1910* | 999 | 1911 | 786 | 1913 | 881 | 1900 | 1388 |
| 1913 | 1071 | 1917 | 1562 | ||||
| 1929 | 1636 | ||||||
* المتوسط السنوي
هكذا فان متوسط دخل الفرد العامل في روسيا في عام 1913 كان 9ر80% فقط من الرقم المقابل في بريطانيا في عام 1688 – أي قبل الثورة الصناعية بحوالي مائة عام.
حكم الطبقة العاملة عندما لا تتوفر الشروط المادية لإلغاء علاقات الإنتاج الرأسمالية
يتناول ماركس وإنجلز في أكثر من مناسبة مسألة ما يمكن أن يحدث إذا استولت الطبقة العاملة على السلطة قبل وجود الشروط التاريخية لإحلال علاقات الإنتاج الاشتراكية محل علاقات الإنتاج الرأسمالية. وقد توصلا إلى أنه في مثل هذه الحالة ستفقد الطبقة العاملة السلطة لصالح البرجوازية. ستمكث الطبقة العاملة في السلطة لفترة مؤقتة فقط وستمهد طريقا للرأسمالية المتنامية. هكذا، على سبيل المثال، فقد كتب ماركس في عام1847:
إذا كان صحيحا أن البرجوازية من الناحية السياسية، أي من خلال سلطة الدولة ” تحافظ على عدم عدالة علاقات الملكية (تعبير هاينزن)، فانه ليس أقل صحة أنها لا تخلق هذه العلاقات. إن عدم عدالة علاقات الملكية مشروط بالتقسيم الحديث للعمل، والشكل الحديث للتبادل والتنافس وتجميع رأس المال، الخ،،، وهو لا يعود في أصله بأي شكل من الأشكال للسيطرة السياسية للطبقة البرجوازية،.. إن السيطرة السياسية للبرجوازية تنشأ من علاقات الإنتاج القائمة. لذا إذا تمكنت البروليتاريا من إسقاط الهيمنة السياسية للبرجوازية، فأن هذا الانتصار سيكون مؤقتا فقط و نقطة في عملية الثورة البرجوازية ذاتها، وسيخدم قضيتها غرضه كما فعل في عام1794، وذلك طالما أن حركة التاريخ لم تخلق الظروف المادية التي تجعل من الضروري إلغاء نمط الإنتاج البرجوازي ومعه بالتأكيد إسقاط السيطرة السياسية للبرجوازية. كان على ” عصر الإرهاب ” في فرنسا إذن أن ينجز مهمة تنظيف سطح فرنسا من الحطام الإقطاعي بواسطة ضربات المطرقة الرهيبة. لم تكن البرجوازية الجبانة المترددة لتستطيع أن تكمل هذه المهمة في عقود من الزمن.. لم تفضي الأعمال الدموية للشعب إذن إلا إلى تمهيد الطريق للبرجوازية.(4)
كتب إنجلز في الاتجاه ذاته:
إن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لزعيم حزب متطرف، هو أن يضطر لرئاسة الحكومة في زمن لا تكون فيه الحركة ناضجة بعد لسيطرة الطبقة التي يمثلها ولاتخاذ التدابير التي تمليها هذه السيطرة… انه بالضرورة يجد نفسه في ورطة. ما يستطيع أن يفعله هو على نقيض كل أعماله السابقة، وكل مبادئه، والمصالح الحالية لحزبه، وما ينبغي أن يفعله لا يمكن تحقيقه. بكلمة واحدة، انه يضطر لتمثيل ليس حزبه ولا طبقته، وإنما الطبقة التي تكون الظروف ناضجة لسيطرتها. ولصالح الحركة ذاتها، يضطر للدفاع عن مصالح طبقة غريبة، وتغذية طبقته بالجمل والوعود، مؤكدا أن مصالح هذه الطبقة الغريبة هي مصالحهم. إن من يضع نفسه في هذا الوضع المحرج يضيع ضياعا لا رجعة فيه. (5)
إن ما يقوله ماركس وإنجلز، حول الثورة التي تأتي بالبروليتاريا إلى السلطة قبل وجود المقدمات التاريخية للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، لا ينطبق على ثورة أكتوبر بشكل مباشر. والأمر ليس كذلك فقط لأن المقدمات التاريخية المادية كانت قائمة على النطاق العالمي، وإنما أيضا بسبب الظروف المحددة القائمة في روسيا. فالبرجوازية الروسية لم يتم إسقاطها سياسيا فقط، وإنما أيضا نزعت ملكيتها الاقتصادية بعد أشهر قليلة من أكتوبر. والبرجوازية الريفية التي استمرت لم تنجح في إسقاط البروليتاريا، وكان وزنها الاجتماعي خاصة من تاريخ إعلان الخطة الخمسية، شبه معدوم. إن عزلة أكتوبر لم يجعل منها “نقطة في عملية التطور البرجوازية الروسية لأن البرجوازية الروسية قد تم تصفيتها. فإذا كان الأمر كذلك فأية علاقات إنتاج يمكن أن تلي أكتوبر؟
أهي علاقات إنتاج اشتراكية؟
إن إقامة علاقات إنتاج اشتراكية يتطلب وجود مستوى من القوى الإنتاجية أعلى كثيرا مما كان عليه ارث القيصرية. إن تفسير إنجلز لسبب الانقسام الطبقي في المجتمع، وللانقسام إلى مستغلين ومستغلين، يصلح تماما لظروف روسيا حتى بعد أكتوبر:
إن انقسام المجتمع إلى طبقتين، مستغلة ومستغلة، حاكمة ومضطهدة، قد كان النتيجة الحتمية لضعف تطور الإنتاج في الماضي. فحيث لا يقدم العمل الاجتماعي الإجمالي إلا كمية من المنتجات لا تكاد تفيض عما هو ضروري لبقاء المجتمع ككل، وحيث يستوعب العمل، بالتالي، جل وقت الأغلبية العظمى لأفراد المجتمع، أو تقريبا كل وقتهم، كان هذا المجتمع منقسما بالضرورة إلى طبقات. والى جانب هذه الأغلبية العظمى المستوعبة بالكامل في العمل، تتكون طبقة معفاة من العمل المنتج المباشر ومكلفة بإدارة الشئون العامة للمجتمع: توجيه العمل، والشؤون السياسية، والقضاء، والعلوم، والفنون، الخ.. لذا فان قانون تقسيم العمل هو الذي يكمن في جذور انقسام المجتمع إلى طبقات. ولكن هذا لا ينفي إطلاقا أن تقسيم المجتمع إلى طبقات لم يتم باستعمال العنف والسلب والحيلة والغش، أو أن الطبقة الحاكمة فور توليها السلطة لم تتوانى قط في توطيد سيطرتها على حساب الطبقة العاملة، و تحويل الأشراف الاجتماعي إلى استغلال للجماهير. (6)
وظيفة الرأسمالية
يلخص لينين الرسالة التاريخية للبرجوازية في نقطتين: زيادة القوى الإنتاجية للعمل الاجتماعي وإضفاء، الطابع الاجتماعي على العمل. فعلى النطاق العالمي، تم إنجاز هذه المهمة بالفعل. و في روسيا، قضت الثورة على معوقات تطور القوى الإنتاجية، ووضعت نهاية لبقايا الإقطاع، وأقامت احتكارا للتجارة الخارجية يحمي تطور القوى الإنتاجية للبلاد من الضغط المدمر للرأسمالية العالمية، كما أعطت كذلك دفعة رهيبة لتطور القوى الإنتاجية في شكل ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. في ظل ظروف كهذه، أزيلت جميع المعوقات من أمام الرسالة التاريخية للرأسمالية – إضفاء الطابع الاجتماعي على العمل وتركيز وسائل الإنتاج، والتي تعد شروطا ضرورية لإقامة الاشتراكية لم تكن البرجوازية قادرة على توفيرها. وقفت روسيا ما بعد أكتوبر على أعتاب تحقيق الرسالة التاريخية للبرجوازية.
حتى في بلد متقدم، ستكون هناك بعض المهام البرجوازية التي سيتعين على ثورة بروليتارية ظافرة أن تنجزها. على سبيل المثال، في بعض أجزاء الولايات المتحدة (الزراعية أساسا) يعوق النظام الرأسمالي تطور القوى الإنتاجية، بحيث أن الإنتاج الاجتماعي وتركيز وسائل الإنتاج لم يتحققا بعد. ولكن لأن القوى الإنتاجية للولايات المتحدة ككل متطورة جدا، فان هذه المهام البرجوازية ستكون إضافات ثانوية بالنسبة للعمل الأساسي وهو بناء مجتمع اشتراكي. هكذا، على سبيل المثال، فان إقامة الإنتاج الاجتماعي وتركيز وسائل الإنتاج حيث لا يوجدان بعد، لن يتحقق من خلال خلق بروليتاريا من ناحية ورأس مال من ناحية أخرى ؛ فالعمال من البداية لن يكونوا منفصلين عن وسائل الإنتاج. على العكس من ذلك، كان تحقيق المهام البرجوازية المشكلة الرئيسية في روسيا ما بعد أكتوبر مع المستوى المنخفض لدخلها القومي. في الولايات المتحدة يمكن أن تقترن إضافة وسائل إنتاج جديدة ضرورية لإضفاء الطابع الاجتماعي على العمل بزيادة في مستوى معيشة الجماهير، وتقوية عنصر الاقتناع في نظام الإنتاج، وتعزيز السيطرة العمالية، والتخفيض التصاعدي في فروق الدخل بين العمال اليدويين والذهنيين، الخ.. ولكن هل يمكن تحقيق هذا في بلد متخلف في ظل ظروف حصار؟ هل يمكن أن يسود نظام العمل القائم أساسا على الاقتناع عندما يكون مستوى الإنتاج منخفضا جدا؟ هل يمكن إنجاز معدلات عالية للتراكم، يحتمها تخلف البلد وضغط الرأسمالية العالمية، بدون انقسام المجتمع إلى مديرين لشؤون المجتمع العامة ومدارين، قادة للعمل ومقودين؟ هل يمكن إنهاء الانفصال قبل أن يتمكن من يديرون الإنتاج من إدارة التوزيع أيضا لمصلحتهم الخاصة؟ هل يمكن لثورة عمالية في بلد متخلف، منعزلة بفعل الرأسمالية العالمية المنتصرة، أن تكون أي شيء آخر غير “نقطة في عملية ” تطور الرأسمالية، حتى لو كانت الطبقة الرأسمالية قد قضي عليها؟
لماذا تعني الخطة الخمسية تحول البيروقراطية إلى طبقة حاكمة
في الفصلين الأول والثاني رأينا أن بدء الخطة الخمسية شكل نقطة التحول في تطور علاقات التوزيع، والعلاقات بين التراكم والاستهلاك، وبين إنتاجية العمل ومستوى معيشة العمال، والسيطرة على الإنتاج، والحقوق القانونية للعمال، وجهاز العمل القسري، وعلاقة المزارعين بوسائل الإنتاج، والارتفاع الهائل في ضريبة المبيعات، وأخيرا، في هيكل وتنظيم جهاز الدولة.
جاءت حقيقة التصنيع ونظام المزارع الجماعية على النقيض تماما لآمال الجماهير فيهما، بل والنقيض تماما لأوهام البيروقراطية ذاتها. لقد اعتقدوا أن الخطة الخمسية ستأخذ روسيا شوطا بعيدا نحو الاشتراكية، ومع ذلك، فان هذه ليست المرة الأولى في التاريخ التي تكون فيها نتائج الأعمال الإنسانية على النقيض لأماني وآمال القائمين بهذه الأعمال أنفسهم.
كيف يمكن أن نجيب على السؤال: لماذا كانت الخطة الخمسية الأولى نقطة التحول هذه؟
الآن، ولأول مرة، تحاول البيروقراطية خلق بروليتاريا وتحقيق تراكم سريع لرأس المال. بعبارة أخرى، كان هذا هو الوقت الذي سعت فيه البيروقراطية لإنجاز الرسالة التاريخية للبرجوازية بأسرع ما يمكن. إن تراكما سريعا لرأس المال على أساس تدنى مستوى الإنتاج، وانخفاض متوسط دخل الفرد لابد أن يحدث ضغطا شاقا على استهلاك الجماهير، و على مستوى معيشتهم. في ظل ظروف كهذه، فان البيروقراطية – وقد تحولت إلى تجسيد لرأس المال، يمثل تراكم رأس المال بالنسبة لها الغاية القصوى – يتعين عليها التخلص من جميع بقايا السيطرة العمالية، ويتعين عليها إحلال القهر في عملية العمل محل الاقتناع، وتجزئة الطبقة العاملة، وحشر الحياة الاجتماعية و السياسية بأسرها في قالب شمولي. ومن البديهي أن البيروقراطية، التي أصبحت ضرورية في عملية تراكم رأس المال، والتي أصبحت مضطهدة العمال، لن تتوانى في استخدام تفوقها الاجتماعي في علاقات الإنتاج لكسب امتيازات لنفسها في علاقات التوزيع. هكذا فان التصنيع والثورة التقنية في الزراعة (المزارع الجماعية) في بلد متخلف في ظل ظروف حصار يحولان البيروقراطية من شريحة تخضع للضغط والسيطرة المباشرين وغير المباشرين للبروليتاريا، إلى طبقة حاكمة، إلى مدير للشؤون العامة للمجتمع: إدارة العمل، وشئون الدولة، والقضاء، والعلم، والفن وما إلى ذلك “.
إن التطور التاريخي الجدلي، المليء بالتناقضات والمفاجآت، جعل من الخطوة الأولى التي اتخذتها البيروقراطية بهدف الإسراع ببناء “الاشتراكية في بلد واحد” الأساس لبناء رأسمالية الدولة.






