بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رأسمالية الدولة في روسيا

« السابق التالي »

11. حاشية 1988: من ستالين إلى جورباتشوف

بقلم:  كريس هارمان

ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب (1) عندما كانت الستالينية في قمتها – بعد الاحتلال الروسي لأوروبا الشرقية وقبل الشقاق بين تيتو وستالين.

في مارس 1953 مات ستالين، وخلال شهور ظهرت تصدعات هائلة في الصرح الذي بناه. سرعان ما بدأ نوابه السابقون في الشجار الحاد. في بادئ الأمر بدا أن مالينكوف قد ورث سلطة ستالين، مدعـوما بقـوة مـن بيريا، قائد البوليس الشهير بسوء سمعته. ثم اعدم بيريا فجأة وحل خروتشوف محل مالينكوف في الوضع المسيطر داخل القيادة.

كانت المشاحنات مصحوبة بالتغييرات الفجائية والحادة في السياسة، فآلة الإرهاب التي كانت شديدة الأهمية في أيام ستالين انتكست فجأة. وأدينت أحدث المؤامرات المكتشفة (ما يسمى بمؤامرة الأطباء) باعتبارها مكيدة، وتم القبض على أولئك الذين قيل أنهم كانوا قد حرضوا على حملات الاعتقال. وفي السنوات الثلاث التالية، افرج عن 90% من أولئك الذين كانوا في معسكرات العمل.

اعترفت القيادة الروسية الجديدة علانية أن أخطاء هائلة قد ارتكبت على مدى السنوات الثلاث الأولى، ألقت اللوم فيما يتعلق بهذه الأخطاء على بيريا و “عصابة من الجواسيس المعادين للاشتراكية” الذين “اخترقوا” جهاز الدولة. ولكن بعد ذلك في عام 1956، أدان خروتشوف ستالين نفسه (وان كان في السر) في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي، وفي عام 1962 جعل جزءا من سياسة الإدانة علنيا، بنقل جثمان ستالين من ضريح لينين في موسكو.

لقد صحبت الخلافات في قمة إمبراطورية ستالين باندلاع موجة سخط مفاجئة من اسفل. فالعمال في معسكرات العمل العبودي في روسيا لم ينتظروا حتى يقوم النظام بإعادة النظر في قضاياهم:  في يوليو 1953 أضرب نزلاء أكبر وأسوأ المعسكرات على الرغم من إعدام أكثر من 120 من قادة الإضراب رميا بالرصاص. وفي برلين الشرقية رد عمال البناء على الزيادة في معدلات العمل بإضراب تحول إلى شبه انتفاضة لكل العمال في ألمانيا الشرقية.

في يونيو 1956 تكرر هذا العمل بواسطة عمال بوزنان في بولندا، وفي أكتوبر 1956 بواسطة عمال كل المجر. وقمعت هذه التمردات بأكثر الأشكال دموية. إلا أن هذا لم يحدث إلا بعد أن اهتزت الأوهام التي كانت لدى الكثير من الاشتراكيين حول روسيا – كما إنها تحدت أيضا أي رأي يقول بأن الدول الشرقية هي كتل صخرية ميتة لا يمكن تخيل التمرد فيها.

على الرغم من ذلك، فان الاعتقاد بأن روسيا مختلفة عن ومتفوقة جوهريا على الغرب، ظل أمرا مسلما به من جانب أغلب اليسار عالميا. فحتى عام 1960 جادل سياسي حزب العمل البريطاني ريتشارد كروسمان (كان قبل ذلك محرر كتاب الحرب الباردة، “الإله الذي فشل”) بأن تفوق “التخطيط” الروسي على الرأسمالية الغربية سيكون من شأنه آخر الأمر أن يجبر الدول الغربية على انتهاج توجه اشتراكي. (2) وعلى يسار ذلك، جادل أبرز مثقفي الأممية الرابعة ايرنست مانديل في عام 1956 بأن:  “يحتفظ الاتحاد السوفيتي بإيقاع ثابت بدرجة أو بأخرى للنمو الاقتصادي، خطة بعد خطة، وعقد بعد عقد، دون أن يؤثر تقدم الماضي على احتمالات المستقبل… إن جميع قوانين التطور للاقتصاد الرأسمالي التي تسبب إبطاءاً في سرعة النمو الاقتصادي قد تم التغلب عليها”…. (3)

دفع مثل هذا التفكير مانديل للتعبير عن تفضيله لمحاولة إصلاح النظام فوقيا بواسطة جمولكا مثلا  في بولندا على تحقيق ذلك بواسطة تمرد العمال في المجر. (4) بل انه دفع كاتب سيرة تروتسكي – اسحق دويتشر إلى ابعد من ذلك – إلى تأييد سحق الثورة المجرية.

كانت مثل هذه الآمال في التوجهات الإصلاحية لحكام الدول الشرقية منتشرة في سنوات ما بعد عام 1956. ورغم أنها انهارت مع عزل خروتشوف عن السلطة فـي عام 1964، إلا أنها قد انتعشت لفترة قصيرة أثناء فترة دوبتشيك في تشيكوسلوفاكيا في النصف الأول من عام 1968. وهي تنتعش الآن مرة أخرى مع برنامج الجلاسنوست (المكاشفة) والبيروسترويكا (إعادة البناء) الذي يطرحه جورباتشوف.

فترة خروتشوف

وسع توني كليف عمله عن الستالينية بدراسات عن دول أوروبا الشرقية (5) والصين (6) كتبت في عامي 1950 و 1957. وفي أواخر الخمسينات وأوائل الستينات شرع في تعميق تحليله لروسيا لكي يفسر إصلاحات فترة خروتشوف ويبين أوجه قصورها المتأصلة فيها.

في عام 1947 كان قد أشار بالفعل إلى التناقض المركزي في روسيا الذي ضمن تزايد الأزمة والتمرد العمالي آخر الأمر. كان دور البيروقراطية هو تصنيع روسيا برفع إنتاجية العمل. كان بإمكانها حتى نقطة معينة أن تفعل ذلك بواسطة القهر والحد الأدنى من مستويات المعيشة. واصل كليف قوله:  ولكن بعد نقطة معينة “لكي يتم رفع إنتاجية العمل ينبغي أن يرتفع مستوى معيشة الجماهير، حيث أن العمال الذين يعانون من سوء التغذية ورداءة الإسكان وفقر المستوى التعليمي، لا يستطيعون إنجاز الكثير في مجال الإنتاج الحديث”. وقد رأى أن الفشل في رفع مستويات المعيشة، قد يؤدى بالفعل إلى هبوط معدل نمو الإنتاجية والى اهتزاز تطور الإنتاج. (7) إلا أن ضآلة المعلومات التي يعتمد عليها حول الاقتصاد الروسي والطابع الجديد لهذه النظرية حول روسيا يعنى أن مقولات كليف هنا كانت بالضرورة غير متطورة – مثلها مثل مقولته حول الشكل الذي تأخذه الأزمة الاقتصادية في رأسمالية الدولة (الجزء الأخير من الفصل السابع لهذه الطبعة). وبحلول أواخر الخمسينات توافرت معلومات أكثر، إلا أن التنقيب عنها من بين كتل الإحصاءات الرسمية وتقارير الصحف وخطب القيادة قد ظل عملا هائلا.

وقد فعل كليف هذا أولا في سلسلة من المقالات، (8) وكتيب قصير (9) وبعد ذلك في تحديث من 140 صفحة لطبعة عام 1964 من العمل الحالي والتي نشرت تحت عنوان ” روسيا:  تحليل ماركسي “.

إن المواد الإضافية كانت متعلقة تحديدا بفترة خروتشوف، ولم تتضمنها الطبعات التالية لأنها أصبحت قديمة وقت صدور هذه الطبعات. ومع ذلك فان كثيرا من النقاط التي أوردها كليف في هذه الإضافات، جديرة بتعليق موجز.

كانت مقولة كليف المركزية أن خروتشوف قد ورث عن ستالين اقتصادا موبوءا أكثر فأكثر بعناصر الأزمة. وقد دفع في اتجاه الإصلاحات لأنه بدونها، كان خطر الثورة باديا.

كان منهج ستالين في التعامل مع كل فشل أو صعوبة جديدة، هو زيادة الضغط والإرهاب، ولكن هذا المنهج الجامد قد أصبح ليس فقط لا إنسانيا يوما بعد يوم وإنما أيضا غير فعال. فكل طرقعة جديدة للسوط قد زادت المقاومة العنيدة، وان كانت صامتة، للشعب. اصبح القهر الستاليني الجامد عائقا أمام كل تقدم زراعي وصناعي حديث.

لم تقتصر الأزمة في روسيا على الأساس الاقتصادي، وإنما اجتاحت البنى الفوقية، الثقافية والأيديولوجية والسياسية أيضا. و لم تؤثر فقط على الوضع الداخلي في روسيا، وإنما أيضا على العلاقات بين روسيا ودول شرق أوروبا التي تدور في فلكها وعلى الحركة الشيوعية العالمية.

أجرى كليف بعد ذلك دراسة تفصيلية لكل من جوانب الأزمة.

الأزمة في الزراعة

إن الإرث الذي تركه ستالين في الريف هو زراعة موحلة في مستنقع من الركود دام لأكثر من ربع قرن. كان إنتاج الحبوب في الفترة من عام 1949 إلى عام 1953 أعلى بنسبة 8ر12% فقط منه في الفترة من 1910 إلى 1914، في حين أن عدد السكان زاد في نفس الوقت حوالي 30%. لم تصل إنتاجية العمل في الزراعة السوفيتية إلى خمس مثيلتها في الولايات المتحدة…

أصبح هذا الركود تهديدا للنظام لعدة أسباب. أولا، بعد التغلب على البطالة المقنعة في الريف إلى حد كبير، اصبح من المستحيل نقل العمل إلى الصناعة بنفس المعدل السابق دون رفع إنتاجية العمل في الزراعة. ثانيا، اصبح من المستحيل بعد نقطة معينة سحب موارد رأسمالية من الزراعة لمساعدة النمو في الصناعة.

تحول أسلوب “التراكم البدائي” لستالين من عامل مساعد إلى عائق، وهو عائق أبطأ حركة الاقتصاد كله. (10)

حاول خروتشوف أن يتعامل مع هذه الأزمة بطريقتين – “الجزرة والعصا”. شملت الجزرة إصلاحات رفعت الأسعار المدفوعة للمنتجين الزراعيين وزادت استثمارات الدولة في الزراعة، مما أعطى المزارع الجماعية حرية أكبر لتخطيط إنتاجها، وتخفيف السيطرة على الإنتاج من خلال الأراضي التي خصصت للفلاحين. إلا أن تلك الإصلاحات كانت محفوفة بالمصاعب:  “كان هناك حوالي 25 سنة من الاحباطات التي مارستها الستالينية… من المرجح جدا أن الارتفاع البسيط في الموارد الرأسمالية المخصصة للزراعة، في السلع الاستهلاكية للمزارعين، في الأسعار التي تدفعها الدولة للإنتاج الزراعي، يمكن لفترة من الوقت – وربما لفترة فد تطول – أن يكون له تأثير تثبيطي وليس تحفيزي للفلاحين. فمع ارتفاع الأسعار قد تهبط الرغبة في العمل. إن الحوافز الهائلة المقدمة على مدى فترة طويلة جدا هي فقط القادرة على التغلب على الماضي ودفع المزارعين لزيادة نشاطهم. ولكن للأسف يفتقد خروتشوف كلا من الفوائض الرأسمالية الكافية والوقت أيضا، كما أن الحصول عليها قد أصبح مستحيلا بفعل الوضع العالمي الذي يتطلب إنفاقا هائلا على الأسلحة، والإدارة البيروقراطية للاقتصاد التي تمثل أزمة الزراعة لديها إحدى أهم الجوانب. (11)

كان هذا هو ما دفع القادة الروس للجوء المتكرر لعصا السيطرة المركزية الأكبر، حتى لو تناقض هذا مع محاولاتهم لتقديم حوافز أكبر. هكذا فان التحرك نحو إعطاء الفلاحين حرية أكبر في الأرض الخاصة بهم قد تبعه تضييق اشد على هذه الأراضي ؛ والتوجه نحو الاستقلال الذاتي للمزارع الجماعية، تبعته حملة لبناء مزارع الدولة عالية المركزية. ومع فشل كل من العصا والجزرة في تحقيق النتائج المنشودة، اندفعت ا لقيادة نحو حملات كبرى كان من المفترض أن تسمح للزراعة الروسية باللحاق بأمريكا بين يوم وليلة، مثل حملات الأراضي البكر والذرة في منتصف الخمسينات.

إلا أنه لم يكن هناك مخرج من الأزمة. كان من المفترض أن يرتفع إنتاج الحبوب بمقدار 40% خلال الفترة من عام 1956 إلى 1960 وبدلا من ذلك زاد بمقدار 7ر2% فقط، ثم أصابه الركود إلى درجة أنه في عام 1963 كان على الروس إن يشتروا ملايين الأطنان من الحبوب من الخارج. وكان إنتاج اللحوم في عام 1960 أكثر قليلا من ثلث الهدف الأصلي.

كتب كليف عن خروتشوف أنه قصد أن يكون ” حل الأزمة الزراعية هو المبدأ الأساسي في برنامجه، والفشل في تحقيق ذلك قد يؤدي إلى سقوطه”. (12) وبعد ذلك بشهور قليلة تم عزل خروتشوف عن السلطة بواسطة بقية أعضاء المكتب السياسي، الذين شكوا من الخطط الطائشة التي لم تحقق آية نجاحات.

الأزمة في الصناعة

كانت الصناعة على عكس الزراعة، قد شهدت توسعا هائلا خلال فترة ستالين، واستمرت في النمو في ظل خروتشوف. إلا أن معدل النمو انخفض. كما أن الإنتاجية التي كانت قد نمت أسرع منها في الغرب في الثلاثينات توقفت الآن عند مستوى اقل كثيرا منها عند المنافس الأكبر للبيروقراطية الروسية، الولايات المتحدة. وكما لاحظ كليف:

في نهاية عام 1957 كان عدد العمال الصناعيين في الاتحاد السوفيتي أكبر بمقدار 12% من الولايات المتحدة.. ومع ذلك، وحتى وفقا للتقديرات السوفيتية، فان الإنتاج السنوي للصناعة في الاتحاد السوفيتي في عام 1956 كان يساوي نصف الإنتاج للولايات المتحدة. (13)

بسبب الأزمة في الزراعة لم يعد من الممكن تعويض المستوى الأدنى للإنتاجية في الصناعة، من خلال نمو هائل في عدد العمال الصناعيين. هكذا فقد اضطرت البيروقراطية الروسية لإعطاء عناية متزايدة لانتشار التبديد و رداءة الإنتاج في الاقتصاد الروسي.

حدد كليف العديد من مصادر التبديد:  استقلالية الوحدات الإنتاجية دفعت وحدات إنتاجية إلى إنتاج سلع كان من الممكن أن تنتج بتكلفة أقل في أماكن أخرى. (14) تخزين الإمدادات بواسطة المديرين والعمال. (15)، ميل المديرين لمقاومة الإبداع التقني (16)، الاهتمام بالكم على حساب الكيف (17)، إهمال الصيانة (18)، انتشار العمل الورقي والفوضى (19)، الفشل في إقامة آلية السعر المتسمة بالكفاءة والعقلانية التي كان المديرون يحتاجون إليها لقياس الكفاءة لمختلف المصانع. (20)، وقد استنتج:

إذا فهمنا مصطلح الاقتصاد المخطط على  أنه اقتصادا يتم فيه تكييف وتنسيق جميع العناصر المكونة في إيقاع واحد، تقل فيه الاضطرابات إلى الحد الأدنى، كما – قبل كل شيء – يسود فيه بعد النظر في اتخاذ القرارات الاقتصادية، فالاقتصاد الروسي ليس مخططا على الإطلاق، وبدلا من الخطة الحقيقية، يتم اللجوء إلى الوسائل الصارمة للأوامر الحكومية لسد الثغرات في الاقتصاد الناتجة عن قرارات وأنشطة هذه الحكومة نفسها. وبالتالي، فبدلا من الحديث اقتصاد سوفيتي مخطط سيكون من الأدق أن نتحدث عن اقتصاد تتم إدارته بيروقراطيا… (21)

كانت هناك روايات عن عدم كفاءة الصناعة الروسية قبل توني كليف، كما ظهرت العديد من الروايات الأخرى بعدها. وقد وفرت “الأدلة” العملية لكل أولئك – على اليسار كما على اليمين – الذين يزعمون أن النظام الروسي أدنى درجة من ناحية الكيف من النظام الغربي. ما ميز رواية كليف، لم يكن التركيز على التبديد وعدم الكفاءة، وإنما الطريقة التي نظر بها إلى تلك الأمور بوصفها ناتجة عن طابع رأسمالية الدولة للنظام.

إن السبب المباشر لأنواع التبديد العديدة هو أن المخططون وضعوا أهدافا للإنتاج أكبر مما كان من الممكن تحقيقه بسهولة. ولكي يحموا أنفسهم من هذه الضغوط، قام المديرون بتخزين المواد وإمدادات العمل. ولكي يحموا أنفسهم من ضغوط المديرون المفاجئة، كان العمال يعملون بهمة تقل كثيرا من الحد الأقصى. وقد دفع إدراك هذه الظاهرة على امتداد الاقتصاد، المخططين بدورهم لتعمد فرض أهداف كبيرة. وكما وضعها كليف:

ما هي الأسباب الأساسية للفوضى والتبديد في الاقتصاد الروسي؟ إن الأهداف العالية للإنتاج مع قلة الموارد – مثل ذراعي كسارة البندق – يضغطان على المديرين لكي يغشوا، ويخفوا إمكانيات الإنتاج، ويضخموا احتياجاتهم من الأدوات والإمدادات ويلعبوا بحرص، وبصفة عامة يتصرفون بطريقة محافظة.

يؤدي هذا إلى تبديد وبالتالي ندرة الإمدادات والى زيادة الضغط من فوق على المدير، الذي يضطر للغش مرة أخرى.. وهكذا في حلقة مفرغة.

الأهداف العالية والموارد الشحيحة، تؤدي إلى المزيد من التصرف المستقل للوحدات الإنتاجية، مرة أخرى حلقة مفرغة. كبر الأهداف وشح الموارد تجعل الوعي بالأولويات ضروريا من جانب المديرين. إلا أن نظام الأولويات هذا، وأسلوب “الحملات”، الذين يعوزهما المعيار الكمي الواضح يؤديان إلى التبديد، وبالتالي إلى الحاجة المتزايدة إلى جداول الأولويات. مرة أخرى حلقة مفرغة.

جميع هذه المتطلبات تقتضي تعدد أنظمة الرقابة، وهي في ذاتها تبديدية، كما أنها تؤدي إلى مزيد من التبدد بسبب افتقادها للنظام والتجانس. بالتالي هناك حاجة لرقابة أكبر ؛ لأهرامات من الورق وسيل من البيروقراطيين، مرة أخرى حلقة مفرغة.

إن ما قيل عن الحلقة المفرغة الناتجة عن التناقض بين الأهداف المخططة شديدة الطموح وقلة الموارد ينطبق، مع ما يلزم من التبديل والتعديل على تأثير آلية السعر الضعيفة. هكذا، على سبيل المثال، فان آلية السعر الضعيفة تؤدي إلى استقلالية الوحدات الإنتاجية وحملات الأولويات وسيل من أنظمة الرقابة. وتؤدي هذه الأمور إلى أخطاء متزايدة لآلية السعر. مرة أخرى حلقة مفرغة. (22)

تم استخدام وصف “الحلقة المفرغة” لكليف في مناسبات لا تحصى منذ عام 1964 بواسطة اقتصاديين من أوروبا الشرقية(23). وقد أقام بعض هؤلاء الصلة بين الأهداف المبالغ فيها (التي يشار إليها أحيانا بأنها استثمار زائد)، والنقص في الإنتاج(الذي يشار إليه أحيانا بأنه حاجز التضخم) وتخزين الإمدادات، واستقلالية الوحدات الإنتاجية في الاقتصاد. بل لقد ذهب عدد من هؤلاء الاقتصاديين لأبعد من كليف فيما يتعلق بإحدى النواحي ببيان كيفية انسجام هذه العوامل المختلفة فيما بينها في دورة الاستثمار والإنتاج قريبة بعض الشيء من نمط الانتعاش – الركود الكلاسيكي للتطور الرأسمالي الغربـي. (24) إلا أن نقطة بالغة الأهمية لكليف فاتتهم. إن الحلقة المفرغة، والتي تبدو غير عقلانية، من عدم الكفاءة والتبديد، لها، من وجهة نظر البيروقراطية الحاكمة، نقطة انطلاق عقلانية. “الاستثمار الزائد” هو نفسه نتيجة لإقحام الاقتصاد الموجه بيروقراطيا في نظام عالمي تنافسي:

العقبتان العظيمتان على طريق تخفيض أهداف الإنتاج هما التنافس العالمي على القوة، والإنفاق العسكري الهائل. (25)

لا يمكن النظر إلى النظام الروسي، كما يفعل الكثيرون ممن يركزون على طبيعته التبديدية اليوم، على انه ببساطة فشل عظيم:

على المرء مع ذلك أن يتجنب خطأ افتراض أن سوء الإدارة الذي يصيب الاقتصاد القومي لروسيا بالتآكل، يحول دون إنجازات هامة، بل وهائلة. في الواقع، توجد بين سوء الإدارة البيروقراطية، والاندفاع العظيم لا على للصناعة في  روسيا وحدة جدلية محكمة. فلا يمكن تفسير رأسمالية الدولة البيروقراطية إلا من خلال تخلف قوى الإنتاج في البلد، والاندفاع العظيم نحو تنميتها السريعة (بالإضافة إلى سلسلة كاملة من العوامل المرتبطة بذلك) وقبل كل شيء، إخضاع الاستهلاك لتراكم رأس المال.

إن جهود وتضحيات الجماهير قد رفعت روسيا، على الرغم من سوء الإدارة البيروقراطية والتبديد، إلى قوة صناعية عظيمة.

إلا أن رأسمالية الدولة تصبح عقبة متزايدة أمام تطور أهم قوى إنتاجية – العمال أنفسهم – والتي لا يمكن إلا لمجتمع اشتراكي متجانس أن يحررها.(26)

لا يمكن تقدير ما إذا كانت الإنتاجية المنخفضة قد جاءت نتيجة لسوء الإدارة والحماقات في القمة أم نتيجة لمقاومة العمال من أسفل. من الطبيعي يصعب فصل الأمرين عن بعضهما. الرأسمالية بصفة عامة – ورأسمالية الدولة البيروقراطية بصفة خاصة تعنى بخفض النفقات ورفع الكفاءة وليس تلبية الحاجات الإنسانية. إن عقلانيتها ليست عقلانية بالأساس، حيث أنها تغرب العامل، محولة إياه إلى “شيء”، إلى موضوع متحكم فيه، بدلا من ذات تشكل حياتها وفقا لرغباتها. لهذا السبب يعمد العمال إلى تخريب الإنتاج. (27)

وكما في الزراعة، سعى ورثة ستالين للتعامل مع هذه المشكلة في الصناعة بواسطة الجزرة، ووجدوا أنهم لا ينجحون هكذا، وعادوا جزئيا على الأقل للعصا.

إن إغلاق معسكرات العمل العملاقة بعد وفاة ستالين، قد تلاه إبطال للقوانين التي جعلت العمال عرضة للعقوبات القانونية عند غيابهم أو تأخرهم عن العمل. يقارن كليف هذه التغييرات بما حدث خلال تطور الرأسمالية الغربية:  في المراحل الأولى للثورة الصناعية استخدمت كافة أنواع الإكراه “قوانين التشرد، نظام ملاجئ الفقراء” لإجبار الناس على قبول نظام الانضباط في المصنع، ولكن متى صار للنظام الرأسمالي الجديد جذور فان أنواع الإكراه هذه بدأت تعطل إنتاجية العمل، واستبدلت بأشكال إكراه ذات طابع اقتصادي صرف. (28)

ولكن كانت هناك قيود صارمة على حجم الجزرة التي كان بالإمكان استخدامها لتحفيز العمال لرفع الإنتاجية. في عام 1953 / 1954 وعد أول رئيس وزراء بعد ستالين، مالينكوف، بإنتاج أكبر للسلع الاستهلاكية على حساب وسائل الإنتاج. إلا أن فترة شهر العسل للصناعة الخفيفة لم تدم طويلا، ففي إطار التنافس الاقتصادي، والعسكري العالمي، لا يمكن تجنب إخضاع الاستهلاك للتراكم. وما أن حل خريف عام 1954 حتى شنت هجمة، قادها خروتشوف وبولجانين (وزير الدفاع وقتها) وشيبيلوف، ضد “تدليل المستهلكين”، ودعت للعودة إلى المزيد من التركيز على الصناعة الثقيلة. في يناير 1955 أعلن خروتشوف أن:

المهمة الأكثر أهمية، والتي يكرس الحزب كافة جهوده لإنجازها كانت وتظل، تقوية الدولة السوفيتية، وبالتالي الإسراع بتطوير الصناعة الثقيلة.

بعد ذلك بأسبوعين أجبر مالينكوف على الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء. أما نصيب الصناعات الخفيفة والصناعات الغذائية في الاستثمار الصناعي للدولة، والذي تراوح بين 16 و 17% في الخطط الخمسية للثلاثينات، و 3ر12% في النصف الثاني من الأربعينات، فقد انخفض لأقل من ذلك في الخمسينات وأوائل الستينات إلى حوالي 9%. (29)

بدون أي حل للأزمة الزراعية وبدون أية زيادة في الاستثمار في صناعات السلع الاستهلاكية، كان هناك حد للارتفاع الممكن في مستويات معيشة العمال خلال سنوات خروتشوف. وبحلول 1963:

بشكل مطلق، تحسن إنتاج السلع الاستهلاكية. ومع ذلك، فإجمالا لم تصل النتائج في حالات كثيرة حتى إلى أهداف الخطة الخمسية الأولى فيما يتعلق بنصيب الفرد من الإنتاج… على الرغم من كل التغييرات، إلا أن مستويات المعيشة في روسيا ما زالت أقل كثيرا منها في أوروبا الغربية وأعلى قليلا فقط منها في روسيا في عام 1928 (قبل عهد الخطط). (30)

هكذا فعلى الرغم من أن الأوضاع كانت أفضل كثيرا بالنسبة للعمال في نهاية فترة خروتشوف، مما كانت عليه في ظل ستالين (يذكر أن مستوى معيشتهم كان قد انخفض في منتصف الثلاثينات إلى حوالي ثلاثة أخماس ما كان عليه في عام 1928) ,فان التحسينات لم تكن بأي حال كافية لكي تحدث زيادات هائلة في إنتاجية العمل. هكذا ختم كليف فصله عن العامل الروسي:

إحدى الهموم الرئيسية للقادة الروس اليوم هي كيفية تنمية إنتاجية العامل. لم يسبق أن كان موقف عمالهم بهذه الأهمية بالنسبة للمجتمع.

فمن خلال جهدهم في تحويل العامل إلى ترس في آلة بيروقراطية، يقتلون فيه ما هم في أشد الحاجة إليه، الإنتاجية والقدرة الإبداعية. الاستغلال المرشد والصارم يخلق عقبة رهيبة أمام ارتفاع إنتاجية العمل.

كلما زادت مهارة ووحدة الطبقة العاملة، كلما قامت ليس فقط بمقاومة الاغتراب والاستغلال، وإنما أيضا بإظهار احتقار متزايد لمستغليها ومضطهديها. لقد فقد العمال احترامهم للبيروقراطية بوصفهم مديرين تقنيين. لا تستطيع أي طبقة حاكمة أن تحافظ على نفسها لفترة طويلة في مواجهة الاحتقـار الشـعبي.(31)

التغييرات في البناء “الفوقي”

لم يقتصر تشخيص كليف لفترة خروتشوف على الاقتصاد فقط. فقد تجاوز ذلك إلى إبراز انعكاس تغير الحاجات الاقتصادية في ” البناء الفوقي” الاجتماعي والسياسي.

إن ابرز الخصائص التي ميزت فترة ما بعد ستالين كان تخفيف الإرهاب. فقد أغلقت أغلب معسكرات العمل وأصبحت التطهيرات الجماعية شيئا من الماضي. كما أن عناصر هامة من حكم القانون، قد أعيدت إلى الحياة إذ فقد البوليس سلطة اعتقال الناس وإعدامهم دون أحكام قضائية.

بالنسبة لكليف، كان السبب الرئيسي وراء هذه التغييرات هو أنها كانت الوجه الآخر للتحول من “التراكم البدائي”، القائم على أساس مقدار كبير من العمل القسري، إلى “رأسمالية الدولة الناضجة” القائمة على العمل الحر. إلا أن هذه التغييرات تماشت أيضا مع الرغبات الفردية لأعضاء البيروقراطية:

إن الطبقة الحاكمة في روسيا، من أجل مصلحتها الذاتية، تريد أن تسترخي. يريد أعضاؤها أن يعيشوا لكي يستمتعوا بامتيازاتهم. إحدى المفارقات التي عانى منها نظام ستالين هي أنه حتى البيروقراطيين المتميزين اجتماعيا لم يكونوا على وفاق معه. فكثيرا ما وقعت أيدي الـ  م. ف. د (الاسم القديم للـ كيه. جي. بي.) حتى على البيروقراطيين الممجدين. لقد قدر انه خلال الفترة من عام 1938 إلى عام 1940 سجن أو اعدم حوالي 24% من المتخصصين التقنيين. لقد سعت البيروقراطية الآن لتطبيع حكمها. (32)

ولكن كما كانت هناك حدود ” للجزرة ” في المجال الاقتصادي، كانت هناك حدود على تخفيض سلطة البوليس. استمرت الـ كيه. جي. بي. مركزا هاما للقوة داخل الدولة. واستمر العمل بالعديد من القوانين التي تعاقب الناس على أي اعتراض جاد على سلطة الطبقة الحاكمة أو على تنظيم الإضرابات والمظاهرات. وتكونت “محاكم رفاقية” للتعامل مع “انتهاكات الشرعية السوفيتية وقانون السلوك الاشتراكي”. وكان المقصود بهذا نطاق من الأنشطة التي تمثل تحديا لاحتكار البيروقراطية لملكية الدولة أو لإجبار باقي المجتمع للعمل لصالح البيروقراطية – “الاستخدام غير القانوني للمواد أو الأدوات أو وسائل النقل التابعة للدولة أو العامة… التهرب من العمل المفيد اجتماعيا والعيش كطفيلي… الصيد بغير إذن… الإضرار بالمحاصيل أو المزارع بواسطة حيوانات… الإثراء الدنيء… السكر… والتلفظ بألفاظ غير لائقة”…(33)

بالنسبة لكليف، كان المزيد من التخفيف لاستبداد سلطة الدولة مستبعدا بسبب الندرة العامة للسلع، وعدم القدرة على التعامل مع “التعسف البيروقراطي والأوامر الإدارية” في الاقتصاد، وأيضا ” لأن الدولة مستودع جميع وسائل الإنتاج ومركز التنظيم التعليمي والثقافي” وبالتالي محور “كل أشكال النقد لكافة جوانب النظام”.

هكذا فان رأسمالية الدولة بطبيعتها، على عكس الرأسمالية الفردية، تستبعد إمكانية الديمقراطية السياسية الواسعة، ولو كانت شكلية. فحيث تكون الدولة مستودع وسائل الإنتاج، لا يمكن فصل الديمقراطية السياسية عن الديمقراطية الاقتصادية.(34)

وراء القيود على الإصلاحات السياسية تقف حقيقة أن السلطة قد استمرت مركزة في طبقة بيروقراطية ضيقة:

إن الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي لم يكن أقل احتكارا للسلطة في ظل خروتشوف مما كان عليه في ظل ستالين. كما أن تكوينه الاجتماعي لم يتغير أيضا. بل إن تركز القمم القيادية للحزب في أيدي البيروقراطية كان أكثر مما كان عليه في ظل ستالين… الأرجح أن العمال العاديين والمزارعين في المزارع الجماعية لا يشكلون أكثر من خمس وبالتأكيد ليس أكثر من ربع أعضاء الحزب. وكلما صعدنا في هرمية الحزب، كلما قل عدد العمال ومزارعي المزارع الجماعية. (35)

إن التناقضات بين محاولات خروتشوف لتمرير الإصلاحات وعدم قدرته على ذلك، بعد نقطة معينة قد عبرت عن نفسها في العلاقات بين القوميات المختلفة داخل الاتحاد السوفيتي.

جاءت وفاة ستالين في قمة حملة الروسنة… كان على ورثة ستالين أن يقرروا إذا كانوا سيستمرون على هذه السياسات أم سيقدمون تنازلات للأقليات القومية. (36)

في بداية الأمر كانت التنازلات تبدو ممكنة:

“إن ثقة الشعوب غير الروسية في الاتحاد السوفيتي بأنفسهم عقب تقدمهم الاقتصادي والثقافي ينبغي أن تؤدي إلى معارضة متزايدة للاضطهاد القومي… حيثما تم التراجع عن المركزية المفرطة لستالين في الإدارة الاقتصادية… أصبحت قسوة وتطرف سياسته تجاه القوميات، غير محتملة”…

بدأت مؤشرات التغيير في الظهور بعد فترة وجيزة من وفاة ستالين.  وقد أعطى كليف عددا من الأمثلة لزعماء حزبيين في الجمهوريات المختلفة أنزلت درجاتهم لفرط حماسهم وتأييدهم لسياسة ستالين تجاه القوميات، وآخرين تمت تبرئتهم من اتهامات سابقة بالـ ” وطنية البرجوازية”. في خطابه في المؤتمر العشرين للحزب، خرج خروتشوف عن مساره لكي يدين تهجير ستالين لقوميات بأسرها، وبعد ذلك بقليل أعيد تسكين عددا منهم (ولكن ليس تتار القرم وألمان الفولجا).

ولكن الخطوط الرئيسية لسياسة القوميات لم تتغير جذريا في حقيقة الأمر. في حكومات الجمهوريات الآسيوية المعينة حديثا في عام 1959، كان من بين الـ 118 وزيرا مالا يقل عن 38 أوروبيا” وقد شغل هؤلاء المناصب الرئيسية مثل وزارات أمن الدولة والتخطيط ونيابة رئاسة مجلس الوزراء. واستمر إضفاء صفات الكمال على عمليات الضم القيصرية، كما ” تستمر اللغة الروسية في تهميش اللغات القومية حتى في مدارس الجمهوريات القومية.

على الرغم من أن المواطنين غير الروس يشكلون حوالي نصف سكان الاتحاد السوفيتي، فان توزيع الجرائد باللغات غير الروسية مثلا في عام 1958 بلغ نسبة 18% فقط من التوزيع الإجمالي.(37)

قد لا يتعرض من يقاومون هذه النزعة للرمي بالرصاص كما في زمن ستالين، إلا أنهم يتعرضون لتخريب مستقبلهم المهني. استمر القيام بالحملات “المعادية للقومية” في مختلف الجمهوريات القومية، وظلت هذه الحملات تتمخض عن عمليات طرد وإنزال للدرجات على نطاق واسع.

واجهت القيادة الروسية مشكلة “قومية” داخل حدود الاتحاد السوفيتي وخارجها أيضا. في زمن ستالين كانت موسكو مركز حركة شيوعية دولية تمسك بالسلطة في ثلث العالم، وتحظى بتأييد العديد من أكثر قطاعات العمال نضالية في بقية دول العالم. كان هذا مفيدا لستالين بطريقة مزدوجة. كان بالإمكان استخدام الأحزاب الشيوعية الأجنبية كأوراق ضغط في الألعاب الدبلوماسية مع القوى الغربية، كما أن مديحهم لروسيا كان بالإمكان استخدامه كسلاح أيديولوجي في معركة الاستمرار في السيطرة على عمال وفلاحي روسيا – أي دليل على صحة أساليب ستالين أفضل من أن العمال على مستوى العالم يمتدحونها؟

ولكن قدرة روسيا على السيطرة على الأحزاب الشيوعية الأخرى اعتمدت على كونها القوة الشيوعية المستقلة الوحيدة:

لمدة طويلة…. عانت الحركة الشيوعية العالمية من نكسة بعد أخرى:  في ألمانيا، من هزيمة الثورة في عام 1919 إلى ظهور هتلر، في الصين، هزيمة الثورة في الفترة بين عامي 1925 و 1927، هزيمة الجمهورية في الحرب الأهلية الأسبانية في عام 1936، انهيار الجبهة الشعبية في فرنسا.. الخ. الحزب الشيوعي الوحيد المحتفظ بالسلطة كان في روسيا.

إذا كان ضعف الإنسان في مواجهة قوى الطبيعة أو المجتمع يؤدي إلى تعاطيه أفيون الدين بوعده بعالم آخر أفضل، فان الستالينية أصبحت قطعا أفيون الحركة العمالية العالمية أثناء فترة المعاناة والعجز التي دامت طـويلا. (38)

لقد تغيرت الأمور بعد الحرب العالمية الثانية. أولا في يوغسلافيا وألبانيا وبعد ذلك، وهذا أهم كثيرا، في الصين، وفي وقت لاحق في كوبا وفيتنام، وصلت للسلطة أنظمة شيوعية لم تكن تعتمد على الروس. وقد أوضح كليف في عدد من الكتب والمقالات (39) إن هذه الأنظمة كانت مدفوعة بنفس منطق تراكم رأسمالية الدولة مثل روسيا. ولكن هذا المنطق ذاته أدى بها حتما إلى صراعات مريرة مع حكام روسيا.

قاطع تيتو ستالين في عام 1948 لان ستالين، ولمصلحة تراكم رأس المال الروسي، حاول فرض سياسات تضر بإمكانية بناء رأسمالية دولة وطنية مستقلة في يوغسلافيا. وبعد ذلك باثني عشر عاما واجه خروتشوف انشقاقا أهم كثيرا وهو انشقاق حكام “جمهورية الصين الشعبية” العملاقة.

أرجع كليف جذور هذا الانشقاق إلى الحاجات الاقتصادية المختلفة للطبقتين الحاكمتين. كان الروس معنيين بمحاولة اللحاق بالولايات المتحدة في الإنتاجية – وقد تضمن هذا تركيز الاستثمار في صناعاتهم المتقدمة نسبيا بالفعل واستخدام ما يتبقى من موارد لمحاولة رفع مستويات المعيشة الروسية. أما الصينيون، على النقيض، فكانوا في حاجة ماسة للاستثمار في بناء صناعات جديدة من الصفر مستخدمين أكثر الوسائل بدائية إذا لزم الأمر، وكانوا بحاجة إلى إبقاء مستويات المعيشة على اقل مستوى ممكن. أدت المصالح المتباينة لمشاحنات مريرة حول توزيع الموارد. و تمخضت عن الانقسامات الاقتصادية انقسامات أيديولوجية. احتاجت القيادة الروسية، أثناء إنجازها للانتقال من التراكم البدائي إلى رأسمالية الدولة الناضجة لأيديولوجية تتباهى بالمكاسب المباشرة لسياستها المنعكسة على مستويات المعيشة. احتاجت لأن تدير ظهرها بحدة للأيديولوجية الستالينية المبنية على التضحية التي لا تنتهي والتعبئة التي لا تعرف الكلل. أما الصينيون الذين كانوا لا يزالون في مرحلة التراكم البدائي فقد احتاجوا لهذه الأيديولوجية أكثر من أي وقت آخر:

أن تنتمي الصين لنفس الكتلة في حين تحصل من الناحية المادية على حصة أقل فأقل مقارنة بشريكها الغني، لهو أمر سيئ في حد ذاته. ولكن كأمر مهبط للروح المعنوية، فان تأثير ذلك على معسكر ماو الشديد التنظيم يمكن أن يكون كارثيا في المدى البعيد.(40)

كان استنتاج كليف هو أن الشقاق بين روسيا والصين لم يكن مجرد مرحلة عابرة ولكنه دائم. وقد عني ذلك انه ” أيا كان الطريق الذي يتطور إليه الصراع بين موسكو وبكين، فهناك شيء مؤكد – لقد تهشمت الصخرة الشيوعية العالمية. ” (41)

مرة أخرى، هذا استنتاج قد لا يبدو عميقا بشكل خاص اليوم. ولكن في أوائل الستينات كان هذا رأيا تتبناه الأقلية. كان الرأي السائد في صفوف اليمين واليسار في الغرب هو أن روسيا والصين ستصفيان خلافهما عاجلا. عبر اسحق دويتشر عن رأي أغلب الاشتراكيين عندما قال أن ما هو مشترك بين البلدين كان عظيما جدا، بحيث لا يمكن للشقاق بينهما أن يدوم لوقت طويل. (42)

سنوات بريجينيف

عزل نيكيتا خروتشوف عن السلطة بواسطة المكتب السياسي الروسي في خريف عام 1964، ومات في ظل تعتيم رسمي. حكم خليفته، ليونيد بريجينيف لمدة 18 سنة، ضعف فترة خروتشوف، ومات وهو في منصبه، ومع ذلك فلم يكد جثمانه يبرد إلا وكانت الصحافة الروسية قد وصفت سنوات بريجينيف بأنها فترة “ركود”

تمكن بريجينيف من الاستيلاء على السلطة في عام 1964 لأن سلسلة الإصلاحات والإصلاحات المضادة لخروتشوف قد ضايقت شريحة كبيرة من البيروقراطية دون أن تؤدى إلى نتائج اقتصادية باهرة. كان من السهل تكوين ائتلاف من المصالح البيروقراطية المختلفة المعارضة لأية “خطط طائشة” أخرى. ومن خلال مناوراته بين هذه المصالح، استطاع الزعيم الجديد أن يحقق المزيد من الهيمنة لنفسه  حتى أصبح غير قابل للتحدي، إذ أنه جمع بين منصبي سكرتير الحزب ورئيس الدولة.

إلا انه، مع ذلك، كان لابد له أن يدفع ثمنا لنجاحه. كان عليه أن يسترضى جميع الذين ساعدوه في الصعود، وقد عنى ذلك ترك بيروقراطيين أقوياء في أماكنهم، بصرف النظر عن كفاءتهم في أداء أعمالهم. لقد تميزت فترة ستالين بالتطهيرات الضخمة و الدموية، وفترة خروتشوف بالتطهيرات غير الدموية. أما فترة بريجينيف، فقد افتقدت الاثنين معا. كانت فترة طويلة من الاستقرار البيروقراطي، عزل الموت فقط خلالها الكثير من كبار البيروقراطيين من مناصبهم. عندما مات ستالين عام 1953 كان متوسط عمر أعضاء المكتب السياسي 55 سنة ومتوسط عمر سكرتيري اللجنة المركزي 52 وعند وفاة بريجينيف ارتفع المتوسط إلى 70 و 67.

في البداية كانت هناك جهودا رمزية لمواصلة الإصلاح، حاول كوسيجين، أول رئيس وزراء لبريجينيف أن يدخل نظاما جديدا يتم فيه قياس نجاح مديري المصانع من خلال الربحية، وليس فقط الإنتاج الكمي. في عام 1967 سلطت الأضواء على نجاح مجمع شيكينو الكيميائي في زيادة الإنتاج مع تخفيض قوة العمل كنموذج يتعين على المشروعات الأخرى إتباعه. إلا أن الإصلاحات الجديدة سرعان ما تلاشت. لم تنجح المحاولات العشوائية لإصلاح النظام في تحقيق المكاسب المتوقعة، كما أن المعارضة التي شكلتها المصالح البيروقراطية الراسخة قد حالت دون حدوث ما هو أكثر من مجرد محاولات عشوائية لإصلاح النظام.

لمدة اثنا عشر عاما، كان يتراءى أن المشكلات التي طاردت خروتشوف بشده كان من الممكن ببساطة تجاهلها. قد يكون معدل نمو الاتحاد السوفيتي في حالة انخفاض، إلا أنه ظل أسرع منه في معظم الدول الغربية. إن مجرد حجم الاتحاد السوفيتي والوجود المستمر لموارد معدنية كبيرة قد سمح له بتجاهل الضعف الذي اعترى قطاعات بأكملها من اقتصاده. فإذا كان الاستثمار في الزراعة و السلع الاستهلاكية قد تأخر بسبب ضغوط التنافس العسكري، فقد ظل من الممكن مع ذلك زيادة الإنتاج – ومستويات المعيشة. كان متوسط محصول الحبوب في سنوات خروتشوف 4ر124 مليون طن، وقد بلغ 7ر176 مليون طن خلال العقد الأول من حكم بريجينيف. (43) في عام 1965، كان 24% فقط من العائلات السوفيتية يمتلكون تلفزيون، و 59% يمتلكون جهاز راديو و 11% ثلاجة و 21% غسالة غسيل، بحلول عام 1984 ارتفعت النسب إلى 85%، و 96% و 91% و 70%. (44)

بينما تحسنت الأوضاع بهذه الطريقة، كان يبدو أنه من الممكن تجاهل كل المشكلات التي استحوذت تماما على خروتشوف. إلا أنها بدأت تظهر مرة أخرى بحده في أواخر السبعينات. بدأ معدل النمو الاقتصادي في الهبوط بسرعة. وضعت خطة 1976 – 1980 أقل أهداف نمو منذ العشرينات، ومع ذلك لم تتحقق. إذا كان معدل النمو السنوي قد بلغ في المتوسط 5% في سنوات خروتشوف الخمس الأخيرة، و 2ر5% في سنوات بريجينيف الخمس الأولى، فقد بلغ 7ر2% فقط خلال الفترة من  1976 إلى 1980 وفقا للتقديرات الأمريكية. (45) (الأرقام الروسية الرسمية أعلى قليلا، لكنها تظهر نفس النزعة).

لقد أصابت ظاهرة النزوع إلى الكساد صناعات معينة بقسوة بالغة:  كان إنتاج الكهرباء والبترول ينمو بحلول عام 1980 فقط بحوالي ثلثي معدل السنوات الخمس السابقة، في حين أن إنتاج الفحم والصلب وأدوات ماكينات قطع المعادن قد انخفض بعض الشيء بالفعل. (46) بل وأسوأ من ذلك فان المحصول الجيد نسبيا لعام 1978 قد تبعته محاصيل فقيرة في عامي 1979 و 1980 ومحصول مأساوي في 1981.

تقول القيادة الروسية اليوم:

“النزعات غير المواتية التي ظهرت على السطح فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية خلال السبعينات أصبحت اكثر حدة في أوائل الثمانينات بدلا من أن تهدأ. استمر تباطؤ معدلات النمو خلال السنتين الأوليتين. وتدهورت مؤشرات الجودة الخاصة بالإدارة الاقتصادية. في عام 1982 كان معدل الزيادة في الصناعة، أقل بنسبة 4ر33% من متوسط فترة الخطة الخمسية السابقة”. (47)

كان رد فعل جيل بريجينيف من البيروقراطيين المتقدمين في السن هو محاولة التهرب من كل المشكلات التي طرحها الهبوط الاقتصادي. لقد حاولوا الاستمرار بالطريقة القديمة واستخدام التأثير السياسي لحماية إمبراطورياتهم الصغيرة. مرة أخرى كما تقول القيادة الآن:

في المركز كما في المناطق المحلية، استمر الكثير من القادة في العمل بالوسائل البالية واثبتوا انهم غير مستعدين للعمل في الظروف الجديدة. تدهور الانضباط والنظام إلى مستوى غير محتمل. كان هناك هبوط في مستوى الدقة والمسئولية:  كما أن الممارسة الرديئة للتعديل السلبي للخطط قد انتشر على نطاق واسع.(48)

خلال فترتي ستالين وخروتشوف، كان بوسع البيروقراطيين على مختلف المستويات أن يكون لديهم شعور معين بالفخر بمنجزاتهم. ربما عاشوا في خوف من ستالين أو سخطوا على تقلبات سياسات خروتشوف، إلا انهم على الأقل قد رأوا نمو الاقتصاد في ظل سيطرتهم الجماعية، إلى جانب هيبتهم الفردية. كان بوسعهم الاعتقاد في ” التقدم الذي لا يتوقف للشيوعية” – ليس بمعنى تقدم التحرر الإنساني الذي دعا إليه ماركس ولينين، وإنما بمعنى نمو قوة رأسمالية الدولة الروسية.

في ظل بريجينيف تحول الفخر إلى تهكم، وأفضى التهكم بسهولة إلى الفساد الصريح. على القمة تورطت أسرة بريجينيف نفسها فيما يلي:  اتهمت ابنته بالاشتراك في فضيحة تعلقت بمجوهرات مسروقة، واتهم زوج أخته، نائب رئيس الكي. جي. بي. بالتستر عليها. (49) وتحت هذا قليلا في التسلسل البيروقراطي، يبدو أن القيادات الوطنية لعدد من الجمهوريات قد بنوا قاعدة لأنفسهم بالتستر على عناصر شبه مجرمة:  وجهت اتهامات بهذا الخصوص إلى قيادات كازاخستان واوزبكستان وجورجيا وأرمينيا عقب وفاة بريجينيف.

من الواضح أن تهكم البيروقراطية قد رافقه اغتراب جماهيري مستمر عند القاعدة. تزايد إدمان الخمر إلى مستوى قياسي. لم يتحسن مستوى إنتاج المصانع. ظلت الإنتاجية في الصناعة عند مستوى 55% من المستوى الأمريكي (50) وكانت ترتفع أسرع من الأجور بقدر ضئيل فقط (51).

جورباتشوف

تولي يوري اندروبوف الزعامة بعد وفاة بريجينيف. وبوصفه رئيسا للكي. جي. بي. فقد كان من الممكن توقع أن يكون محافظا في منهجه. ولكن في الدولة الشمولية كثيرا ما يكون البوليس السري هو الجهة الأكثر دراية بالمزاج الحقيقي لجماهير الشعب:  فلديهم شبكة من المخبرين الذين يقدمون التقارير عما يقوله جيرانهم حقا، في حين أن أعضاء حزب النظام لا يضمنون تقاريرهم إلا ما يريد قادتهم سماعه. هكذا فقد كان أندروبوف ملما بالتهكم والفساد وعمق الاغتراب الشعبي. كما أنه كان أيضا سفيرا لروسيا في المجر عام 1956 وتعلم مدى السرعة التي يمكن بها لمثل هذه العناصر أن تشعل تمردا شعبيا – وهو درس عززه الصعود المفاجئ لحركة التضامن في بولندا في عام 1980. لقد سار على طريق الإصلاح، كما فعل خروتشوف قبل 30 عاما، لكي يقلل هذه المخاطر على الحكم البيروقراطي.

عاش اندروبوف لمدة 14 شهرا أخري فقط، وكانت القوى المحافظة -قوى بريجينيف- لا تزال قوية عند وفاته بما يكفي لضمان تولي أحدهم، تشيرنينكو المسن، للحكم. ولكن أندروبوف قد نجح في تحويل ميزان القوى بعض الشيء. وعندما مات تشيرنينكو بدوره بعد 13 شهرا وهو في منصبه، تم تعيين ميخائيل جورباتشوف سكرتيرا عاما.

في هذه الأثناء، استمر الركود الاقتصادي:  كان إنتاج سلسلة كاملة من السلع، من الصلب إلى الأسمدة أقل فعليا مما كان عليه في العام الماضي. ولم يكن بوسع الزعيم الجديد تجنب القفز إلى الوراء فوق سنوات بريجينيف إلى الحديث عن الإصلاح والتغيير الذي كان قد دفن مع عزل خروتشوف.

ابتدع جورباتشوف شعاري البيروسترويكا (إعادة البناء) والجلاسنوست (المكاشفة). وتحدث عن الحاجة إلى “ثورة سلمية”. وشجع الاقتصاديين ذوي الميول الإصلاحية إلى إبراز الأخطاء في تنظيم الصناعة والزراعة. كما تحدث عن الحاجة لاستبدال القادة المحليين الفاسدين والمديرين غير الأكفاء.

وقد أفضى الحديث عن الإصلاح الاقتصادي إلى الحديث عن الإصلاح السياسي. فقد تمت مصالحة مع أشهر المنشقين، سخاروف، الذي سمح له بالعودة إلى موسكو من منفاه في جوركي. كما تجدد النقد لستالين وأعيد اعتبار القادة البلاشفة الذين اعدمهم وخاصة بوخارين. وكان هناك تسامح إزاء مجموعات النقاش غير الرسمية المستقلة. كما حدث تغيير في النظام الانتخابي يسمح  بوجود أكثر من مرشح في بعض الحالات. وجرى حديث حول السماح بالاقتراع السري في الانتخابات الحزبية الداخلية. بل وكان هناك وعد انتخاب مديري المصانع بواسطة القوى العاملة.

دفع كل ذلك الكثير من الناس في اليسار إلى تكوين نفس نوع الثقة في الحماس الإصلاحي لجورباتشوف الذي كان أشخاص مثل دويتشر قد أظهروها تجاه خروتشوف قبل ثلاثين سنة. ولكن، مثل خروتشوف، تراجع جورباتشوف عن الإصلاح الراديكالي الوارد في بعض كلماته. فإصلاحه الاقتصادي، مثل خروتشوف، يعنى العصاة والجزرة معا.

لقد أشار جورباتشوف بحماس للحركة الستاخانوفية في الثلاثينات والأربعينات كنموذج ينبغي الاهتداء به. (52)

وقد ذكر في اجتماع في خاباروسك:  “إن الشيء الأساسي الذي نحتاج إليه الآن، وأنا أقوله لكم وأطلبه منكم، هو:  العمل العمل العمل !”(53) وكان أول إجراء رئيسي اتخذه في مجال التعامل مع عدم الكفاءة الاقتصادية هو منع العمال من تناسي أحزانهم، فقد أصدر مرسوما يحد من بيع الكحول ويرفع سعره بنسبة 30%. وبالفعل، بالنسبة لعدد كبير من العمال كانت كفة العصا ترجح كثيرا على الجزرة:  فحين طبق الإصلاح على مستوى الوحدة الإنتاجية، أدى إلى تخفيضات في الأجور – والى إضرابات، كما في توقف الترام في تشيخوف. (54) وما وصفته إزفستيا بأنه مظاهرة وحشية في مصنع شاحنات نهر كاما. (55) اعترف جورباتشوف نفسه بوقوع عدة حالات “توقف عن العمل” بسبب إجراءات الرقابة على الجودة التي خفضت مكافآت العمال. (56)

لم تسفر وعود الجلاسنوست عن حتى الديمقراطية المحدودة جدا المعروفة في الدول الغربية المتقدمة. كان هناك اختيار المرشحين في انتخابات عام 1987 – ولكن في 5% فقط من الدوائر، وحتى في هذه لم يسمح بالحملات الانتخابية المفتوحة للدعاية للسياسات المختلفة.

إن القواعد الخاصة بانتخابات المديرين قد أوضحت أن العمال لن تكون لهم سيطرة حقيقية، حيث لا يحدد العمال أنفسهم من على قائمة المرشحين النهائية سيتم التصويت له. على المرشح الناجح أن يحصل على موافقة الجهاز الأعلى المسئول عن الوحدة الإنتاجية. (57) كما أن التصويت لا يقوم به العمال فقط وإنما كل الموظفين (بما في ذلك المديرين والمشرفين والملاحظين). وأخيرا ففي الانتخابات التي جرت حتى الآن لم يسمح للعمال بالقيام بحملات لصالح أو ضد مرشح محدد (كما شكي العمال في مصنع سيارات راف في لاتفيا عام 1987). (58) من السهل أن نرى كيف انه، في مثل هذه الظروف، ستستطيع المجموعة الوحيدة المسموح لها بإجراء الحملات داخل الوحدة الإنتاجية، أي خلية الحزب، أن تحدد من يفوز وتظهر الإحصائيات أن 7ر16% فقط من أولئك الذين يحتلون مواقع رئيسية في خلايا الحزب المحلية من العمال.(59)

إلى جانب الانتخاب المزعوم للمديرين، تم تكوين مجالس منتخبة للوحدات الإنتاجية، ولكن مرة أخرى، أوضحت قواعد الانتخاب إن هذا ليس مثالا للديمقراطية العمالية الحقيقية. ذلك أن “مجال السلطة الأساسي” للمجالس هو مراقبة أداء العمال وتعزيز إنتاجية الوحدة الإنتاجية.

… يركز المجلس اهتمامه الأساسي على تطوير مبادرة الشعب العامل، وعلى إسهام كل عامل في القضية المشتركة، كما يطبق الضوابط الكفيلة بتحقيق أعلى مستوى من النتائج المستهدفة… وجنى الإيرادات الجماعية المجدية من الناحية الاقتصادية.(60)

كانت الحملات الانتخابية الأولى قائمة بالكامل على سجلات المرشحين في تعزيز الكفاءة والإنتاجية وولائهم “لقواعد القانون والأخلاق الاشتراكية”. (61) من الواضح أن هذه الهيئات اقرب كثيرا إلى دوائر مراقبة الجودة منها إلى المجالس الحقيقية للمصانع.

وإذا كانت هناك أية شكوك حول هذا الأمر، فان المادة 6 من القانون الجديد تقول صراحة أن جهاز الحزب “يشرف على عمل تنظيم الإدارة الذاتية الجماعية”.

ويظهر نفس الجمع بين الحديث عن الإصلاح والسيطرة الحقيقية من أعلى عند تناول مسألة القوميات. حيث اعتبرت الكثير من المجموعات العرقية المضطهدة التي تشكل أكثر من نصف سكان الاتحاد السوفيتي أن الجلاسنوست تعني انهـم يستطيعون لأول مرة خلال سبعين عاما أن يتحدثوا عن التمييز الذي يعانونه. ففي عام 1987 كانت هناك مظاهرات في جمهوريات البلطيق وأخرى قام بها تتار القرم.

وشهد شهر فبراير من عام 1988 مظاهرة لمليون شخص في العاصمة الأرمينية. ومع ذلك فان الإجراءات التي اتخذتها حكومة جورباتشوف كانت بناء على توجيهات مركزية من موسكو بدلا من الاعتماد على المبادرة المحلية. في نهاية عام 1986 فرض شخص روسي على جمهورية كازاخستان الآسيوية كسكرتير أول بدلا من زعيم محلي ادعي أنه فاسد – وتدفقت آلاف عديدة من الكازاخ إلى “الما آتا” واشتبكوا مع البوليس إعرابا عن احتجاجهم. كما أدار النظام ظهره للاحتجاجات في جمهوريات البلطيق وتلك التي قام بها التتار. وعندما التقى جورباتشوف بوفد منتخب من المظاهرة الجماهيرية للأرمن، اخبرهم انه سيكون عليهم الانتظار لبضع سنوات قبل التخلص من آلامهم. وكما في حالة خروتشوف قبل ثلاثين سنة، فان وعد جورباتشوف بالإصلاح يناقضه اندفاعه لجعل الصناعة الروسية أكثر كفاءة – وهذا يعني توجيها مركزيا، وليس محليا، للموارد.

مرة أخرى مثل خروتشوف، تميزت فترة حكم جورباتشوف بالتقلبات المفاجئة. ففي الفترة بين عامي 1984 و 1986، تحدث عن الإصلاح ولكنه ركز أساسا على تغيير الأشخاص، بحيث يستبدل أنصار بريجينيف برجاله هو. ثم بدأ خلال الشهور العشر الأولى من عام 1987 يدعو للتغيير السريع في سلسلة من الخطب وفي كتابه البيروسترويكا. ولكن في أكتوبر من ذلك العام حدث تراجع مفاجئ إلى أساليب اقدم.

في طليعة حملة المطالبة بالإصلاح كان بوريس يلتسين، زعيم التنظيم الحزبي في موسكو الذي عيّن مؤخرا. قد افتتح جلسة أكتوبر للجنة المركزية بخطبة يبدو أنها تضمنت هجوما شديدا على أولئك الذين يعرقلون البيروسترويكا (لا نعرف المضمون الدقيق لخطبته، حيث أن الجلاسنوست لا تصل إلى مستوى المصارحة حول مثل هذه الإجراءات). تلا ذلك الهجوم عليه من جانب ما لا يقل عن 26 متحدثا، ثم مرر الاجتماع بالإجماع قرارا “يعتبر كلمته خطأ سياسيا”. تم إطلاع الصحافة الأجنبية على النقاشات الدائرة، ولكن ليس شعب الاتحاد السوفيتي. كان أول شيء يسمعه الشعب رسميا بعد ثلاثة أسابيع من ذلك، عندما صوت اجتماع خاص لحزب مدينة موسكو لصالح طرد يلستين. كان الذي حدد لهجة الاجتماع هو جورباتشوف نفسه، الذي زعم أن يلتسين “تبنى منذ البداية مقولات ووعود طنانة غذاها إلى حد كبير طموحه المفرط وغرامه بالبقاء في الأضواء”. لم تكن اللغة مختلفة كثيرا عن تلك التي استخدمها ستالين ضد خصومه في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات (قبل أن يتحول إلى تسميتهم بعملاء الإمبريالية). وقد كشف رد فعل يلتسين عن النطاق المحدود جدا للجدل المفتوح لدى القيادة التي تستلهم الجلاسنوست، وبدلا من أن يدافع عن نفسه رد يلتسين باعتراف كان يمكن أيضا أن يصدر عن عهد ستالين:

لابد أن أقول أنني لا أستطيع تفنيد هذا النقد… إنني مذنب جدا أمام التنظيم الحزبي لمدينة موسكو، إنني مذنب جدا أمام اللجنة الحزبية للمدينة، وأمام المكتب السياسي، و، بالطبع، أمام ميخائيل جورباتشوف صاحب المكانة العظيمة في تنظيمنا، في بلدنا، وعلى امتداد العالم. (62)

لم تكن مسألة يلتسين حدثا معزولا. لقد شكلت ما يشبه نقطة التحول في الاندفاع نحو الجلاسنوست. يظهر هذا من خلال تحول في منهج جورباتشوف ذاته. قبل مسألة يلتسين، في صيف عام 1987، كتب كتابه البيروسترويكا، الذي يطالب بالإصلاح الراديكالي. وبعد الهجوم على يلتسين في اللجنة المركزية ألقى خطابا في الذكرى السبعين لثورة أكتوبر، كان من المتوقع على نطاق واسع أن يدعو هذا الخطاب للإسراع بالبيروسترويكا والجلاسنوست. ولكنه بدلا من ذلك ركز بنفس المقدار على “مخاطر” ” السير السريع جدا” ومخاطر مقاومة البيروسترويكا.

إن مثل هذه الانتكاسات المفاجئة في السياسة ليست أمرا عرضيا. فالركود في الاقتصاد الروسي يولد ضغوطا من أجل الإصلاح، ولكن هذه الضغوط تواجه عقبات هائلة داخل البيروقراطية نفسها. والأمر ليس فقط أن ملايين من البيروقراطيين الأفراد ملتزمون بالطرق القديمة لتنظيم الأمور، أنها أيضا خوف البيروقراطية كلها من أن يؤدي الجدل المرير فيما بينها إلى فتح ثغرة أمام الملايين من أفراد الشعب تحتها، يستطيعون من خلالها اتخاذ خطوات في سبيل تحقيق مصالحهم الخاصة.

كانت بالتحديد شقاقات كهذه داخل البيروقراطية هي التي مهدت الأرض لانتفاضة ألمانيا الشرقية في عام 1953، وانتفاضة بوزنان في يونيو 1956، ثورة أكتوبر – نوفمبر 1956 المجرية، وأحداث 1968 في تشيكوسلوفاكيا. (63) في كل حدث، فان ما بدأ كجدالات في أقسام مختلفة من البيروقراطية شل جزئيا آلة القمع وسمح للطلبة والمثقفين وأخيرا العمال بالتحرك.

كانت الإشارات الأولى لتحركات كهذه قد ظهرت بالفعل كنتاج للجدالات على الجلاسنوست. كان هناك الصدام بين المتظاهرين والبوليس في “الما آتا” في عام 1986، والمظاهرات القومية في دول البلطيق في عام 1987، والمظاهرة الضخمة في أرمينيا في أواخر فبراير 1988. وخارج الاتحاد السوفيتي نفسه، في دائرة نفوذه في أوروبا الشرقية، كانت هناك مؤشرات إلى أن الأمور قد تخرج تماما عن السيطرة، مع حدوث إضرابات ومظاهرات المجر، وشبه انتفاضة في مدينة براسوف الرومانية، واستمرار السخط في بولندا وتشيكوسلوفاكيا.

وأكثر من ذلك، فان أولئك الذين يقاومون الإصلاح لديهم حجة قوية جدا:  ليس بديهيا بأي حال أن الإصلاح الاقتصادي سيحل مشاكل الاقتصاد. في بلدين من أوروبا الشرقية، المجر ويوغسلافيا، أجريت إصلاحات واسعة النطاق في اتجاه ما يسمى أحيانا اشتراكية السوق، ولبعض الوقت حظيت هذه الإصلاحات بمديح هائل في الإعلام الغربي. ومع ذلك فان الاقتصاديين المجري واليوغسلافي اليوم ليسا أحسن حالا من الاقتصاد الروسي، يعاني الاثنان من الركود الصناعي ومعدلات تضخم عالية، وديون أجنبية كبيرة، ويسعى الاثنان لفرض تخفيضات في الأجور والعمالة على عمالهما، مما يخلق سخطا متزايدا أدى، في حالة يوغسلافيا، إلى موجة ضخمة من الإضرابات في عام 1987.

المقصود هو أن الإصلاحات لا تستطيع التعامل مع السبب الجذري للإخفاقات الاقتصادية للاتحاد السوفيتي. يكمن هذا، كما ذكر كليف قبل أربعين عاما في الطريقة التي تخضع بها البيروقراطية الحاكمة الاقتصاد كله للتنافس العسكري والاقتصادي مع الغرب (و، اليوم، مع الصين). يفرض هذا مستوى تراكم لا تستطيع الموارد تحمله. كما انه يدفع جماهير السكان – العمال والمزارعين في المزارع الجماعية – إلى اغتراب عميق عن عملهم بالدرجة التي تجعلهم لا يهتمون بنوعية إنتاجهم.

الأخطاء التي يركز عليها المصلحون الاقتصاديون – التبديد، الطابع الرديء لسلع كثيرة، عدم عناية العمال بعملهم، المشاريع العملاقة التي تتعرض للصدأ من عدم الاستعمال – لها جميعا نظائر في المؤسسات العملاقة للرأسمالية الغربية. كارثة المفاعل النووي في تشيرنوبل يقابلها جزيرة ثري مايل في الولايات المتحدة، وقبل ذلك حادث وينسكيل في بريطانيا في عام 1957. الفاقد في الاقتصاد الروسي تقابله مصانع الصلب والكيماويات الحديثة العاطلة المنتشرة على امتداد أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، ضحايا السوق الذي يراه كثير جدا من المصلحين كإنقاذ لروسيا.

ربما تعاني روسيا من رداءة الإنتاج. ولكن هذا هو أيضا حال صناعات كاملة في الغرب – انظر تجربة بلاد مثل بريطانيا حيث انتج انتعاش البناء في  أواخر الستينات وأوائل السبعينات مئات الآلاف من الشقق والمنازل التي كانت من الناحية الفعلية غير صالحة للسكن الآدمي بعد اقل من 15 سنة. إذا كان البيروقراطيون الروس يحاولون رمى سلع رديئة النوعية على جمهور غير مشكك، فهذا ما فعله الباعة الغربيون الذي قدموا أدوية “ثاليدومان” “أوبرين”، والذين حثوا النساء على استخدام الواقي “دلكن”، والذين أغروا الناس باستخدام معدية “هيرالد أوف فرى انتربرايز”. وبدلا من أن يعاقب السوق الشركات العملاقة المعنية، فانه كثيرا ما سمح لها بحصد مكاسب هائلة. وحتى الشركات عديمة الكفاءة بالمعايير النقدية الضيقة نادرا ما تدفع إلى الإفلاس الصريح في ظل ظروف الرأسمالية الغربية الحديثة:  تتحرك الدولة لإنقاذهم كما فعلت مع كرايسلر في الولايات المتحدة وإيه اي جيه في ألمانيا الغربية، وماسي فيرجسون في كندا وبريطانيا. إن وحدات الرأسمالية الحديثة ضخمة جدا بحيث يكون الخراب الماثل في حالة ترك كل شيء للعب قوى السوق الحر عظيم جدا حتى بالنسبة لأكثر الحكومات ميلا للسوق، مثل حكومة تاتشر في بريطانيا وحكومة ريجان في الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك فان مقاييس عدم الكفاءة الداخلية للشركات (والتي اسماها أحد الاقتصاديين “س – عدم كفاءة”) تشير إلى أن كثيرا من الشركات يمكن أن تعمل بضعف إنتاجيتها الحالية.(64)

يبلغ الاقتصاد الروسي نصف حجم منافسه الأساسي، الولايات المتحدة. وهو لا يتحمل أن يعمل بوحدات إنتاجية اصغر من منافسه، هكذا فان تركيز الإنتاج أعلى نسبيا، وتأثير حالات معينة من عدم الكفاءة والتبديد أكبر نسبيا. ولا يستطيع حكام روسيا بالطبع أن يتعاملوا مع هذه الحالات ببساطة باستخدام السوق لدفع وحدات رئيسية خارج مجال العمل، حيث أن الخراب الناتج سيكون اكبر كثيرا منه في الولايات المتحدة.

القيادة الروسية اليوم واقعة في ورطة كبيرة. إنها لا تجرؤ على ترك الأشياء كما هي لوقت أطول. إنها تخشى أن يؤدي الركود الاقتصادي فجأة، إلى نفس نوع التمرد الشعبي الذي خلق حركة التضامن في بولندا عام 1980. ومع ذلك فهي تخشى أن تدفع الإصلاح للأمام باتساق ولا تعرف حتى إذا كان الإصلاح سينجح أم لا. إنها تتأرجح بين سياسة وأخرى، ويصحب ذلك مشاحنات مريرة داخل البيروقراطية. هذه النزاعات تجعل من الصعب على البيروقراطية أن تفرض إرادتها على باقي السكان. تلك كانت المكونات التي فتحت الطريق لأحداث ألمانيا الشرقية في عام 1953، والمجر عام 1956، وتشيكوسلوفاكيا عام 1968.

كتب ماركس في عام 1859 أنه “بعد أن كانت أشكالا لتطور القوى الإنتاجية، فأن علاقات الإنتاج القائمة تتحول إلى قيود. ثم يبدأ عهد ثورة اجتماعية”. من الواضح تماما إن علاقات الإنتاج التي خلقتها البيروقراطية الستالينية أصبحت قيودا من هذا النوع. يمكن جدا لروسيا أن تكون في طريقها إلى “عهد جديد للثورة الاجتماعية”.

لقد حذر ماركس انه من المستحيل “تحديد الأشكال القانونية أو السياسية أو الدينية أو الجمالية أو الفلسفية – باختصار، الأيديولوجية – التي يصبح بها الناس واعين للصراع ثم يخوضون الحرب ضده”. إننا قطعا لا نستطيع التنبؤ بالسرعة التي ستتطور بها الفترة الجديدة في روسيا ولا بالتكوينات السياسية والأيديولوجية التي ستبرز. ما نستطيع أن نقوله بيقين، مع ذلك، هو أن البيروقراطية تواجه فترة أزمة خطيرة جدا. شهدت هذه الأزمة بالفعل اكبر مظاهرات قومية منذ العشرينات وانتشار للأفكار الإصلاحية. ينتظر أن يلي ذلك صراعات الطبقة العاملة. ولكن لكي يفرض العمال حلهم للازمة فانهم سيحتاجون لفهم واضح لطبيعة النظام ودينامياته – فهم يمكن فقط أن يأتي من نظرية رأسمالية الدولة مثل تلك التي طورها توني كليف قبل أربعين عاما.

 

« السابق التالي »