رأسمالية الدولة في روسيا
مقدمة:
لأسباب بديهية، كانت مناقشة طبيعة المجتمع السوفيتي مركزية في تفكير أغلب اشتراكيي الجيل الأخير.
إن فهم روسيا في ظل ستالين وخلفاءه كاشتراكية، أو كنوع مشوه من الاشتراكية (“دولة عمالية منحطة” بلغة التروتسكيين الأرثوذكس الدوجماتيين)، قد قابل نوعين من النقد من الماركسيين، الأول، الذي يوافق عليه هذا الكتاب، يعرف النظام الستاليني بأنه رأسمالية دولة والثاني يراه لا اشتراكية من أي نوع، ولا رأسمالية. لقد سكت هذه المدرسة الفكرية الأخيرة مصطلحا خاصا للنظام الستاليني الجماعية البيروقراطية. كان أول كاتب مسك هذا المصطلح هو الماركسي الإيطالي برونو آر، في كتابه بقرطة العالم (باريس، 1939). وقد تبنى هذا الاشتراكي الأمريكي ماكس شاختمان نفس المصطلح وقام بتطوير الفكرة (دون الاعتراف بعمل برونو آر).
موضوع هذا المقال هو تقييم ونقد هذه الأطروحة.
من الصعب جدا القيام بنقد للجماعية البيروقراطية لأن أصحابها لم ينشروا أبدا عرضا متطورا للنظرية. صحيح أن شاختمان كتب مئات الصفحات من النقد لنظرية أن روسية الستالينية بلد اشتراكي أو دولة عمالية من أي نوع (هو طرح جانبا نظرية رأسمالية الدولة في جملة أو اثنتين). ولكنه يكاد يكون لم يكتب شيئا عن قوانين حركة الاقتصاد “الجماعي البيروقراطي”، كما لم يجر أي تحليل على الإطلاق للطابع الخاص للصراع الطبقي داخل هذا الاقتصاد. وهو لم يذكر بوضوح أيضا مكان المجتمع الجماعي البيروقراطي في سلسلة التطور التاريخي، وكثيرا، على كل حال، ما يفتقد عرض شاختمان الاتساق. إحدى الاطروحات المركزية لهذا المقال هي أ، الفقر النظري لنظرية الجماعية البيروقراطية ليس صدفة. سنحاول أن نبين أن نظرية الجماعية البيروقراطية سلبية فقط، وهي لذلك فارغة، مجردة، وبالتالي تعسفية.
سيوحي نقد النظرية بعدد من الخصائص المشتركة – ضمنيا على الأقل – في تصورات أخرى عن الستالينية – من تصور التبريريين إلى تصور رواية 1984 لجورج اورويل. وسيظهر في نقد النظرية قوة أو ضعف النظرية البديلة عن روسيا الستالينية – نظرية رأسمالية الدولة.
مكان الجماعية البيروقراطية في التاريخ:
لأول وهلة لا يوجد ما هو أكثر إقناعا من وصف روسيا الستالينية أنها ليست رأسمالية ولا دولة عمالية. ولكن هذا التبسيط ذو قيمة ضئيلة، لأنه لا يقول الكثير عن النظام، فالإقطاع أيضا لم يكن رأسمالية ولا اشتراكية، وكذلك المجتمع العبودي، بل وكذلك أي نظام آخر لم يوجد في الواقع وإنما يخلقه الخيال. كان سبينوزا مصيبا عندما قال إن “التعريف هو نفي”، ولكن ليس كل نفي تعريفا. إن مقولة أن النظام الستاليني لم يكن رأسماليا ولا اشتراكيا قد تركت الهوية التاريخية لهذا النظام غير محددة. ومن ثم فقد كان بوسع شاختمان أن يقول في إحدى المناسبات أن الجماعية البيروقراطية أكثر تقدمية من الرأسمالية (مهما كانت غير تقدمية بالمقارنة بالاشتراكية)، وأن يقول، بعد سنوات قليلة من ذلك، إنها أكثر ربحية من الرأسمالية.
وصف شاختمان روسيا بأنها دولة جماعية بيروقراطية لأول مرة في 1941. ذكر قرار حول المسألة الروسية صادر عن مؤتمر عام 1941 لمنظمته الميتة حاليا “حزب العمال”.
من وجهة نظر اشتراكية، الدولة الجماعية البيروقراطية نظام اجتماعي رجعي، إما بالمقارنة بالعالم الرأسمالي، فإنها تقف على أرضية أكثر تقدمية تاريخيا.
على أساس هذا، تم إقرار سياسة “دفاعية مشروعة”. يقول القرار:
لا تستطيع البروليتارية الثورية أن تتخذ موقفا دفاعيا ثوريا (أي نقدي، مستقل تماما، طبقي) فيما يتعلق بالنظام الستاليني إلا عندما تكون القضية الحاسمة في الحرب هي محاولة قوة معادية لردع الرأسمالية في روسيا، وحيث لا تكون هذه القضية ثانوية بالنسبة لقضايا أخرى، أساسية أكثر. هكذا ففي حالة حرب أهلية يسعى خلالها أحد أقسام البيروقراطية لإرجاع الملكية الخاصة الرأسمالية، يمكن للطليعة الثورية أن تحاب مع جيش النظام الستاليني ضد جيش الإرجاع الرأسمالي. وهكذا، ففي حالة حرب تحاول الإمبريالية العالمية بواسطتها أن تخضع الاتحاد السوفيتي وأن تحصل على فرصة حياة جديدة بإنزال روسيا إلى مستوى المستعمرة الإمبريالية، يمكن للبروليتاريا أن تتخذ موقفا دفاعيا ثوريا في روسيا. وهكذا، ففي حالة حرب أهلية منظمة ضد النظام القائم بواسطة جيش يستند على “السخط الشعبي” ولكن فعليا على العناصر الرأسمالية وشبه الرأسمالية التي لا تزال موجودة في البلد والساعية لإرجاع الرأسمالية، فمن الممكن مرة أخرى أن تحارب البروليتاريا في جيش ستالين ضد جيش الرجعية الرأسمالية. في جميع هذه الحالات أو حالات مماثلة، فان التأييد المشروط للبروليتاريا جائز فقط إذا لم البروليتاريا مستعدة بعد لإسقاط النظام الستاليني.
منطقيا، كان على شاختمان وأتباعه، عندما هاجمت ألمانيا الهتلرية روسيا بعد أشهر قليلة من هذا المؤتمر، أن يدافعوا عن روسيا بحكم أنها كانت تقف “على أرضية أكثر تقدمية تاريخيا”.
كانت الحجة التي قدمها شاختمان الآن هي أنه، رغم أن روسيا كانت أكثر تقدمية من المانيا الرأسمالية، إلا أن حربها مع ذلك كانت جزءا ثانويا فقط من الحرب الشاملة، والتي كان الطابع الأساسي لها هو الصراع بين معسكرين رأسماليين إمبرياليين. لقد كتب:
إن طابع الحرب، وإدارة الحرب، و(بالنسبة للوقت الحالي) نتيجة الحرب، يحددون بواسطة الماردين الإمبرياليين الذين يسيطران على كل معسكر على الترتيب، الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى من جهة، وألمانيا واليابان من جهة أخرى. (وداخل كل مارد من الاثنين، كذلك، شريك كبير وآخر صغير !) جميع البلاد الأخرى في الائتلافين العظيمين ليست سوى توابع للعمالقة، وهذا أمر يختلف من حيث الدرجة فقط في كل حالة. تتحدد هذه التبعية بواسطة سيطرة “زوجي القوة” العظيمين على الحرب اقتصاديا (صناعيا – تقينا)، وبالتالي ماليا، وبالتالي سياسيا. إيطاليا أقل تبعية لأسيادها في الائتلاف من المجر، والمجر أقل تبعية من سلوفاكيا. ولكن هذه الأمور لا تغير واقع التبعة – إنما فقط تحدد درجتها. روسيا الستالينية أقل تبعية لأسيادها في الائتلاف من الصين (ولكنها بمعنى آخر أكثر تبعية للولايات المتحدة – إنجلترا من الصين، إلا أننا سنبتعد كثيرا عن الموضوع اذا حاولنا أن نبين كيفية ذلك)، والصين أقل تبعية من الفليبين. ولكن، مرة أخرى، هذه الأمور تحدد فقط درجة التبعية. باستثناء، إذن، أصحاب الأطوار الشاذة غير المؤثرين، فان الجميع في العالم البرجوازي يفهم الطبيعة الشاملة للحرب ككل، والطبيعة الشاملة لكل ائتلاف، والوضع والوزن النسبيين لكل قطاع من الائتلاف، والاعتماد المتبادل لجميع الجبهات. (1)
هكذا، فعلى الرغم من أن الجماعية البيروقراطية أكثر تقدمية من الرأسمالية فقد تم اتخاذ موقف انهزامي بسبب تبعية روسيا للإمبريالية الانجلو-أمريكية. أكدت “الأممية الجديدة” في سبتمبر 1941 هذه النقطة:
لقد فقد ستالين آخر آثار الاستقلال… الدبلوماسية السوفيتية تملى بالفعل في لندن.
لن نتناول الأخطاء المتعلقة بالوقائع، فهي أقل خطورة من المنهج الذي يصل به شاختمان لاستنتاجاته. تتطلب الماركسية أن نشتق استنتاجاتنا السياسية من تحديدات اجتماعية. عندما ناقض مجرى الحرب حكم شاختمان على روسيا بأنها دولة تابعة، كان عليه أن يرفض موقفه الانهزامي السابق، حيث أن الجماعية البيروقراطية، كما قال، أكثر تقدمية من الرأسمالية. بدلا من ذلك، تمسك بالاستنتاج السياسي الانهزامي وغير الأساس الاجتماعي. أصبح يطلق على الجماعية البيروقراطية الآن البربرية الجديدة، انحدار الحضارة، الخ. ومع ذلك فانه لم يقدم أية وثيقة تحتوى على تحليل جديد للاقتصاد الروسي بعد قرار مؤتمر 1941.
كان العنصران الثابتان الوحيدان في النظرية هما: أولا، استنتاج انه في أي ظرف ملموس، لا يجب الدفاع عن روسيا الستالينية (بصرف النظر عن أن الظروف الملموسة تتغير باستمرار)، وثانيا، أن اسم النظام الستاليني هو الجماعية البيروقراطية.
فيما يتعلق بالعنصر الأول، فان الماركسيين الجادين، في حين أنهم يسعون للحفاظ باتساق المبادئ نفسها، فانهم كثيرا ما يغيرون تكتيكاتهم، حيث أن التكتيكات يجب أن تتغير مع الظروف المتغيرة. يجب على الماركسيين أن يتمسكوا بتكتيك بعينه يثبت خطأ المنهج الذي اتخذه شاختمان. انه يستنتج نفس الاستنتاج من افتراضين متضادين، أحدهما هو ان الجماعية البيروقراطية أكثر تقدمية من الرأسمالية، والآخر هو أنها صورة البربرية، وأنها أكثر رجعية من الرأسمالية، أما التكتيك المتبع فهو الانهزامية. لماذا؟ مرة لأن روسيا ليست القوة الأساسية وإنما مجرد تابع الإمبريالية الأنجلو- أمريكية، والآن لأن روسيا قوة إمبريالية كبرى تهدد بغزو العالم.
أما فيما يتعلق بالاسم، فربما يحق لنا أن نكرر نقد ماركس الذكي لبرودون، الذي اعتاد على اختراع الكلمات الشامخة، معتقدا أن هذه هي الطريقة التي تقدم بها العلم. لقد اقتبس ماركس ما يلي:
“حيث يوجد نقص في الأفكار، تحل محلها الجمل الجوفاء”.
في تحليل ماركس وانجلز للرأسمالية، ظلت الأساسيات – مكان الرأسمالية في التاريخ، تناقضاتها الداخلية، الخ – ثابتة منذ أول اقتراب لهما من المشكلة حتى نهاية حياتهما. أتت سنواتهما الأخيرة فقط بتوضيحات وإضافات القيمة الأساسية. أما نظرية الجماعية البيروقراطية، فقد كان لها مصير أقل سعادة كثيرا خلال تاريخها القصير. اعتبر شاختمان أولا الجماعية البيروقراطية أكثر تقدمية من الرأسمالية، ثم اعتبرها “بربرية شمولية”. ويعتبرها داعية آخر للنظرية، هو برونو آر، مجتمع عبودي، وعتبة الانتقال السلمي للشيوعية في نفس الوقت.
“برونو آر” حول الجماعية البيروقراطية
يختلف برونو آر عن شاختمان في أساسيات كثيرة. يختلف تحليله لأصل الجماعة البيروقراطية، على سبيل المثال، بشكل أساسي من تحليل شاختمان. انهما يتفقان حول أصل النظام في روسيا. ولكنهما يختلفان عندما يتخطيان حدود روسيا. في حين أن قرار مؤتمر حزب العمال في 1941 ذهب إلى أن “الجماعية البيروقراطية هي ظاهرة محدودة وطنيا، تظهر في التاريخ في مجرى تضافر معين للأحداث”، فقد رآها برونو آر كمجتمع سيحل محل الرأسمالية على النطاق العالمي من خلال تجريد البرجوازية من السلطة بواسطة البيروقراطية الستالينية والبيروقراطية الفاشية. أما فيما يتعلق بتحديد ووصف وتحليل الجماعية البيروقراطية في حد ذاتها – كنظام اجتماعي – فهما على اتفاق كامل.
في كتابه بقرطة العالم (باريس، 1939)، يكتب برونو آر.:
في رأينا، يمثل الاتحاد السوفيتي نوعا من المجتمع تقوده طبقة اجتماعية جديدة: هذا هو استنتاجنا. تمتلك هذه الطبقة بالفعل الملكية المجمعة وقد أدخلت نظاما جديدا – ومتفوقا – للإنتاج. ينتقل للاستغلال من الفرد إلى الطبقة. (2)
وفي رأينا أن النظام الستاليني نظام وسيط. انه يلغي الرأسمالية التي انتهى عمرها الافتراضي، ولكنه لا يستبعد الاشتراكية بالنسبة للمستقبل. انه شكل اجتماعي جديد قائم على الملكية الطبقية والاستغلال الطبقي.(3)
وفي رأينا أن أصحاب الملكية في الاتحاد السوفيتي هم البيروقراطيون، حيث أنهم هم الذين يمسكون بالسلطة في أيديهم، وهم الذين يديرون الاقتصاد كما كان معتادا في صفوف البرجوازية، وهم الذين يستولون على الأرباح لأنفسهم كما كان معتادا في صوف الطبقات المستغلة (بكسر الغين)، وهم الذين يحددون الأجور وأسعار السلع: مرة أخرى، انهم البيروقراطيون. (4)
ما هو طابع الطبقة المحكومة؟ هل توجد بروليتاريا روسية؟ أم أنه كما استبدلت البرجوازية بطبقة مستغلة جديدة، استبدلت البروليتارية بطبقة مستغلة (بفتح الغين) جديدة؟ هكذا يجيب برونو آر:
يحدث الاستغلال بالضبط كما في مجتمع قائم على العبودية: يعمل الشخص الخاضع للدولة لصالح السيد الذي اشتراه، ويصبح جزءا من رأسمال سيده، ويمثل الماشية التي يجب العناية بها وإسكانها والتي تكون إعادة إنتاجها مسألة في غاية الأهمية بالنسبة للسيد. إن دفع ما يسمى بالأجور، والتي تتكون جزئيا من خدمات وسلع الدولة، لا يجب أ، يدفعنا للخطأ ويجعلنا نفترض وجود شكل اشتراكي للدفع: فالأجر في الواقع لا يعني سوى العناية بالعبد ! الفارق الجوهري الوحيد هو أن العبيد في الأزمنة القديمة لم يكن لديهم شرف حمل السلاح، في حين أن عبيد العصر الحديث مدربون بمهارة على فن الحرب… لم تعد الطبقة العاملة الروسية تتكون من بروليتاريين، انهم مجرد عبيد. إنها طبقة من العبيد في مضمونها الاقتصادي وفي تعبيراتها الاجتماعية. إنها تركع عند مرور “الإله الصغير” وتقدسه وهي تتخذ جميع خصائص الخنوع وتسمح لنفسها بأن تقذف من أحد طرفي الإمبراطورية الضخمة إلى الطرف الآخر. إنها تحفر القنوات، وتبني الطرق والسكك الحديدية، كما كانت هذه الطبقة نفسها تشيد الأهرامات في الأزمنة القديمة.
ان جزءا صغيرا من هذه الطبقة لم يفقد نفسه بعد في لا دراية كاملة، انهم، وقد، احتفظوا بإيمانهم، يلتقون في الكهوف لأغراض المناقشة، كما كان المسيحيون قديما يصلون في السراديب. ومن وقت لآخر، ينظم الحرس غزوة ويلقون القبض على الجميع. ثم تجرى محاكمات شيطانية “على طريقة نيرو” وبدلا من أن يدافعوا عن أنفسهم، فان المتهمين يعترفون بالذنب. يختلف العمال الروس تماما عن البروليتاريين من كل النواحي، لقد اصبحوا رعايا للدولة واكتسبوا جميع سمات العبيد.
ولم يعد لديهم أي شيء مشترك مع العمال الأحرار باستثناء عرق جبينهم. سيحتاج الماركسيون بالفعل إلى مصباح يوجينيس اذا كانوا ينوون إيجاد أي بروليتاريين في المدن السوفيتية. (5)
رغم أن برونو آر يصف روسيا الستالينية بأنها تجديد العبودية بكل التخلف التاريخي المرتبط بالعبودية، فانه مع ذلك يقول أن هذا النظام أكثر تقدمية من الرأسمالية، وانه بالإضافة إلى ذلك – يؤدي مباشرة، دون قفزات أو صراعات، إلى المجتمع الشيوعي. انه يقول:
إننا نعتقد أن المجتمع الجديد سيؤدي مباشرة للاشتراكية، بسبب الحجم الهائل الذي وصل إليه الإنتاج.
إن القادة (هكذا سنسمى الآن أولئك الذين أطلقنا عليهم بازدراء اسم “البيروقراطيين” وسنسمي الطبقة الجديدة الطبقة القائدة)، وقد حققوا احتياجاتهم المادية والثقافية والمعنوية، قد يجدون بالطبع الرفع الثابت للمستوى المادي والثقافي والمعنوي للطبقة العاملة عملا ممتعا. (6)
لا ينبغي أن تبهر الدولة الشمولية الماركسيين. في الوقت الحالي، هذه الدولة شمولية بالمعنى السياسي أكثر من المعنى الاقتصادي. وسوف تنعكس هذه العوامل في مجرى التطورات الاجتماعية المتوقعة والعادية. ستفقد الدولة الشمولية أكثر فأكثر خصائصها السياسية وتحتفظ فقط بخصائصها الإدارية. في نهاية هذه العملية سيكون لدينا مجتمع لا طبقي واشتراكيا. (7)
انه “زوال” جديد “للعبودية الجماعية”، “للجماعية البيروقراطية الشمولية”، في الشيوعية ! ويعلن برونو آر بفخر أن هذا التطور هو “انتصار المادية التاريخية”! (انظر بصفة خاصة الفصل الذي يحمل هذا الاسم في كتابه).
ان جماعية برونو آر البيروقراطية تؤدي مباشرة، أوتوماتيكيا، للشيوعية، إنها بلا شك مفهوم مادي، ولكن ليس جدليا، إنها مدخل ميكانيكي، قدري للتاريخ ينكر الصراع الطبقي للمضطهدين باعتباره القوة المحركة الضرورية.
النظام الستاليني – بربرية
يكتب شاختمان عن النظام الستاليني:
إنها التحقيق القاسي لتنبؤ جميع العلماء الاشتراكيين، من ماركس وإنجلز فصاعدا، بأن الرأسمالية يجب أن تنهار بسبب عجزها عن حل تناقضاتها، وأن البديلين الذين يواجهان الإنسانية ليسا الرأسمالية والاشتراكية، بقدر ما هما: الاشتراكية أو البربرية. الستالينية هي هذه البربرية الجديدة.(8)
إذا كان النظام الستاليني يعني انحدار الحضارة، والنفي الرجعي للرأسمالية، فهو إذن بالطبع أكثر رجعية من الرأسمالية. ينبغي بالتالي الدفاع عن الرأسمالية أمام البربرية الستالينية.
ولكن شاختمان يضع نفسه في معضلة.
عندما تحدث ماركس عن “الخراب المشترك للطبقات المتنازعة” – كما حدث في روما بعد تفكك المجتمع العبودي – فان هذا الخراب قد ارتبط بهبوط عام للقوى الإنتاجية. لا ينطبق هذا الوصف بالطبع على النظام الستاليني، بالتطور الديناميكي لقواه الإنتاجية. لقد عنت البربرية في مفهوم ماركس موت جنين المستقبل في رحم المجتمع القدم. ان جنين الاشتراكية في رحم الرأسمالية وهو الإنتاج الاجتماعي الجماعي الكبير الحجم، ومرتبطة به، الطبقة العاملة. لم يضعف النظام الستاليني هذه العناصر بل دفعها للأمام.
دافع الاستغلال في مجتمع البيروقراطية الجماعية
يفسر شاختمان دافع الاستغلال في مجتمع البيروقراطية هكذا:
في الدولة الستالينية، يجري الإنتاج ويتوسع من أجل تلبية حاجات البرجوازية، ومن اجل زيادة ثروتها وامتيازاتها وسلطتها” والآن إذا كان دافع الاستغلال في ظل البيروقراطية، هو مجرد تلبية حاجات الحكام، فما هي الصلة بين هذا وبين الجذور التاريخية العامة للاستغلال في مختلف الأنظمة الاجتماعية؟
يشرح إنجلز لماذا انقسم المجتمع في الماضي إلى مستغِلين ومستغَلين؟:
كان انقسام المجتمع إلى طبقة مستغلة وأخرى مستغلة، طبقة حاكمة وأخرى مضطهدة، النتيجة الحتمية للتطور الضعيف للإنتاج في ذلك الوقت. طالما أن إجمالي العمل الاجتماعي أثمر إنتاجا زاد بمقدار ضئيل فقط على ما كان ضروريا لمجرد وجود الجميع، وطالما، إذن، إن كل أو أغلب وقت الغالبية العظمى من أعضاء المجتمع كان مستوعبا في العمل طالما تحتم أن ينقسم المجتمع إلى طبقات. والى جانب هذه الغالبية العظمى المستغرقة تماما في العمل، تطورت طبقة، محررة من العمل الإنتاجي المباشر، تولت إدارة شئون المجتمع العامة: إدارة العمل، شئون الدولة، العدالة، العلم، الفن، وما إلى ذلك.(9)
في الاقتصاد الذي يكون فيه الدافع للإنتاج هو إنتاج القيم الاستعمالية للحكام، هناك حدود معينة لمقدار الاستغلال. هكذا، على سبيل المثال، ففي المجتمع الإقطاعي، أخضعت القرية والمدينة معا لحاجة النبلاء الإقطاعيين للسلع الاستهلاكية، وطالما أن الإنتاج الذي أعطاه الاقنان لسيدهم لم يسوغ على نطاق واسع، فقد “وضعت حدود جدران معدته حدود استغلاله للفلاحين” (ماركس). ان هذا لا يفسر وجود الاستغلال في ظل الرأسمالية.
لا شك أن حوائط معدة الرأسمالي أوسع كثيرا من حوائط معدة النبيل الإقطاعي في العصور الوسطى، ولكن، في الوقت نفسه، القدرة الإنتاجية للرأسمالية أكبر بما لا يقارن من قدرة الإقطاعي الإنتاجية نكون إذن مخطئين تماما إذا فسرنا زيادة استغلال جماهير العمال بأنها نتيجة لاتساع حوائط معدة البرجوازية.
إن الحاجة لتراكم رأس المال، التي تمليها المنافسة الفوضوية لرؤوس الأموال، هي الدافع للاستغلال في ظل الرأسمالية. في الواقع إذا كان الاقتصاد الجماعي البيروقراطي موجها نحو تلبية “حاجات البيروقراطية” – وليس خاضعا لتراكم رأس المال – فليس هناك ما يمنع أن ينخفض معدل الاستغلال مع الوقت، وحيث أن القوى الإنتاجية في العالم الحديث ديناميكية، فان هذا سيؤدي – طوعا أو كرها – إلى “زوال الاستغلال”.
مع ديناميكية القوى الإنتاجية عالية التطور، فان الاقتصاد الذي يكون على إشباع حاجات الحكام، يمكن أن يوصف بشكل متعسف بأنه مؤدي إلى عصر الرخاء والسعادة أو إلى ‘1984’. في ظل نظام كهذا، يصبح حلم برونو آر وكابوس جورج اورويل، وأي شيء بينهما – أمور ممكنة. إن نظرة الجماعية البيروقراطية إذن هوائية وتعسفية تماما في تعريف حدود واتجاه الاستغلال في ظل النظام الذي تدعي تعريفه.
العلاقات الطبقية في ظل الجماعية البيروقراطية
يتلخص جوهر موقف شاختمان في مقولة أن حكام روسيا في ظل ستالين لم يكونوا عمال ولا أصحاب ملكية خاصة لرأس المال. ما هو الأمر الحاسم، وفقا للمنهج الماركسي، في تعريف الطابع الطبقي لاي مجتمع؟ حيث أن تاريخ جميع المجتمعات الطبقية هو تاريخ الصراع الطبقي، فمن الواضح أن ما يحدد مكان أي نظام في سلسلة التطور التاريخي، هو تلك العوامل التي تحدد طابع الصراع الطبقي فيه. والآن، فان طابع ووسائل وأهداف الصراع الطبقي للطبقة المضطهدة يعتمد على طبيعة الطبقة المضطهدة ذاتها: مكانها في عملية الإنتاج، والعلاقة بين أعضائها في هذه العملية، وعلاقتهما بملاك وسائل الإنتاج. ولا تتحدد هذه العلاقة بواسطة نمط الاستيلاء أو نمط التجنيد الخاص بالطبقة الحاكمة. يمكن شرح ذلك من خلال بعض الأمثلة.
إننا نعرف أن النبيل الإقطاعي في العصور الوسطى كان له حق توريث حقوقه الإقطاعية لورثته، من ناحية أخرى، لم يكن للأسقف هذا الحق، ولا حتى الحق في تكوين عائلة. كان النبيل الإقطاعي ابن نبيل إقطاعي، أما الأساقفة فقد تم تجنيدهم من طبقات وشرائح مختلفة من المجتمع، وكثيرا ما جاءوا من صفوف الفلاحين. (أشار إنجلز للأصل السوقي لهيراركية الكنيسة العليا – وحتى لعدد من البابوات – بوصفه أحد أسباب استقرار الكنيسة في العصور الوسطى). هكذا فان نمط تجنيد الأساقفة كان مختلفا عن ذلك الخاص بالنبلاء الإقطاعيين الفرديين. أما فيما يتعلق بنمط الاستيلاء، فقد كان الاختلاف عظيما بالمثل: فالنبيل الإقطاعي كمالك، كان مخولا بالحصول على كل الإيجار الذي يستطيع جمعه من أقنانه، في حين أن الأسقف كان مفتقدا للملكية من الناحية القانونية، وبالتالي كان مخولا بالحصول على “رابت” فقط. ولكن هل أدت هذه الاختلافات في نمط الاستيلاء ونمط التجنيد الخاصين بالنبلاء الإقطاعيين وهيراركية الكنسية العليا إلى أي اختلاف أساسي بين الصراع الطبقي للاقنان على أرض الكنيسة من ناحية، وعلى ارض النبيل من ناحية أخرى؟، بالطبع لا. كان للفلاح، بوسائل إنتاجه البدائية، بنمط الإنتاج الفردي، نفس العلاقة بالفلاحين الآخرين، ونفس العلاقة بوسائل الإنتاج (الأرض أساسا)، ونفس العلاقة بمستغله – الفئة العليا من الاكليروس (أو الذين اسماهم كاوتسكي في كتاب أشاد به إنجلز كثيرا، “الطبقة البابوية”).
وبالمثل، ففي المجتمع العبودي كان هناك إلى جانب الملكية الخاصة للعبيد، ملكية دولة جماعية، كما في سبارتا.(10)
من وجهة نظر المستغلين تكتسب مسألة نمط استيلاءهم وتجنيدهم أهمية أساسية. هكذا، على سبيل المثال، فان كاوتسكي يقول في توماس مور واليوتوبيا:
لقد بدا وكأن الكنيسة قد سعت لان تصبح مالك الأرض الوحيد في العالم المسيحي. إلا انه تعين أن يتم كبح جماح الأقوى. لقد كان النبلاء دائما معادين للكنيسة، وعندما حصلت الأخيرة على أراضي كثيرة جدا، تحول الملك إلى النبلاء طلبا للمساعدة لوضع حدود لطموحات الكنيسة. وفضلا عن ذلك أضعفت الكنيسة بسبب غزوات القبائل الوثنية والمسلمين. (11)
حصلت الكنيسة – ليس بدون صراع (وهو صراع كان أحد الأسلحة المستخدمة في تزوير مستندات الهبة) – على حوالي ثلث جميع الأراضي في أوروبا ككل، بما في ذلك اغلب الأراضي في بعض البلاد (مثل المجر وبوهيميا) ومن ثم، فربما اعتبر النبلاء إن الاختلافات بينهم وبين الفئات العليا من الاكليروس، في الأصل وفي نمط الاستيلاء – ذات أهمية.
ولكن من وجهة نظر الصراع الطبقي للاقنان أو البرجوازية الصاعدة ضد الإقطاع، كانت هذه الاختلافات ذات أهمية ثانوية تماما. ليس من الصواب القول بأنها كانت بلا أهمية، حيث أن الاختلافات في تكوين الطبقة الحاكمة شكلت إلى حد ما صراع الاقنان والبرجوازية الصاعدة. هكذا، على سبيل المثال، فان تركيز وسائل الإنتاج في أيدي الكنيسة جعل صراع الاقنان ضد الكنيسة اصعب كثيرا من صراعهم ضد ملاك الأراضي الأفراد، كما كان هناك اختلاف في شكل التبرير الأيديولوجي للملكية الإقطاعية، بين استعراض الـدم الأزرق وسـترة السـلاح (سترة السلاح هي رمز أو شعار النبالة “المترجم”) من ناحية، واقتباس الجمل الدينية باللاتينية من ناحية أخرى. ومما يساعد على إظهار أن هذه الاختلافات القانونية لم تكن عديمة الأهمية، إن ملكية الكنيسة كانت مسماة رسميا “ميراث الفقراء” في حين أن الملكية الإقطاعية الخاصة لم تمنح هذا اللقب الفخم. ولكن من وجهة نظر العملية التاريخية ككل، أي من وجهة نظر الصراع الطبقي، فان جميع الاختلافات بين نمط الاستيلاء وطريقة التجنيد للمجموعات المختلفة ليست سوى ثانوية.
ينسى شاختمان وبرونو آر (وكذلك التروتسكيون “الأرثوذكس”) مقولة ماركس منذ قرن مضى: “إن تناول شكل الملكية مستقلا عن قوانين حركة الاقتصاد، مستقلا عن علاقات الإنتاج، هو تجريد ميتافيزيقي”. هكذا فان الاختلافات الكبيرة بين نمط استيلاء وتجنيد البيروقراطيين الروس والبرجوازية، لا تثبت على الإطلاق أن روسيا تمثل مجتمعا غير رأسمالي، مجتمعا طبقيا جديدا هو الجماعية البيروقراطية. لإثبات ذلك، ينبغي إظهار أن طبيعة الطبقة المحكومة – ظروف حياتها وصراعها – تختلف جوهريا في روسيا عن ما هو قائم، حتى بالنسبة لشاختمان، في الرأسمالية. وهذا هو بالضبط ما حاول برونو آر، ثم شاختمان بعده أن يفعلاه.
طبيعة الطبقة العاملة في روسيا
حول مسألة ما إذا كان العمال في روسيا برولتياريين أم لا، يجيب دعاة نظرية البيروقراطية الجماعية، ويجب أن يجيبوا، بأنهم ليسوا كذلك. انهم يقارنون العامل الروسي بالعامل الكلاسيكي الذي كان “حرا” من وسائل الإنتاج ومتحررا أيضا من أي عوائق قانونية على بيع قوة عمله. من الصحيح انه كثيرا ما وجدت عوائق قانونية أما حركة العمال الروس من مشروع لآخر. ولكن هل هذا سبب كافي للقول بأن العامل الروسي لم يكن بروليتاريا؟
إن الأمر كذلك، فلا شك أن العامل الألماني في ظل هتلر لم يكن بروليتاريا. أو، على النقيض الآخر، العمال الذين يصلون للسلطة ليسوا أيضا بروليتاريين بمقدار ما انهم ليسوا “أحرارا” كجماعة من وسائل الإنتاج. لاشك أن العامل الأمريكي يختلف كثيرا عن فتاة تحت التدريب في مصنع ياباني تتعاقد لعدد من السنوات وتضطر للعيش في ثكنات للشركة خلال ذلك الوقت. ولكنهما أساسا عضوان في الطبقة نفسها. لقد ولدا مع أكثر أشكال الإنتاج ديناميكية في التاريخ، وهما متحدان بواسطة عملية الإنتاج الاجتماعي، وهما – في الواقع – نفي رأس المال، وفي الإمكانية، الاشتراكية ذاتها (بسبب ديناميكية الاقتصاد الحديث، فان أية قيود قانونية لم توقف بالكامل في الواقع حركة العمال من مشروع لآخر في ظل ستالين).
كان هلفردينح وبرونو آر ودوايت ماكدونالد متسقين، ومثلما لم يعتبروا العامل الروسي بروليتاريا، فانهم لم يعتبروا العامل في المانيا هتلر بروليتاريا. حاول الشاختمانيون أن يتجنبوا هذه النتيجة. وقد دفعهم ذلك لتحريف الوقائع. انهم يزعمون مثلا أن العمال الألمان في ظل هتلر كانوا اكثر حرية في الحركة من العمال الروس، وانهم كانوا اكثر حرية في المساومة مع أصحاب العمل، وان العمل العبودي لم ينتشر أبدا في ألمانيا بمثل انتشاره في روسيا. هكذا، فان ايفرينج هوو، أحد أتباع شاختمان في ذلك الوقت كتب:
“لم يستخدم النازيون العمل العبودي بمقدار ما فعلت روسيا الستالينية، في ظل نظام هتلر، لم يصبح العمل العبودي أبدا جزءا لا غنى عنه من الاقتصاد القومي لألمانيا، كما اصبح في روسيا في ظل ستالين… ظلت الصناعة في ظل هتلر معتمدة بشكل واسع على “العمل الحر” (بالمعنى الماركسي، أي متحررة من ملكية وسائل الإنتاج وبالتالي مضطرة لبيع قوة العمل، وإنما أيضا ممتلكا لحرية إن يقرر أن يبيع أو لا يبيع قوة العمل هذه.) ورغم كل القيود الهتلرية، كانت هناك مساومة لا بأس بها بين الرأسمالي والبروليتاري، وأيضا بين الرأسماليين سعيا وراء العمال أثناء فترات نقص الأيدي العاملة”. (12)
على الرغم من كافة القيود، فان العامل الروسي في الواقع يتحرك من مصنع إلى آخر أكثر كثيرا من العامل الألماني، أو فيما يتعلق بهذا الأمر، من أي عامل آخر في العالم كله. في وقت مبكر كسبتمبر 1930، منع العمال من تغيير أماكن عملهم بدون إذن خاص، وجلبت كل سنة بعد ذلك مزيد من المحظورات. ومع ذلك، فان معدل استبدال العمال كان هائلا. في 1928، في مقابل مائة عامل يشتغلون بالصناعة سجلت 4ر92 حالة ترك، في 1929، 2ر115، 1930، 4ر152، 1931، 8ر136، 1932، 3ر135، 1933، 4ر122، 1934، 7ر96، 1935، 1ر86. في السنوات التالية لم تنشر الأرقام، ولكن من الواضح أن معدل الاستبدال العالي استمر، وتشهد على ذلك المناشدات الحماسية الكثيرة في الصحافة. بل إن حتى الحرب لم تضع نهاية لذلك. كانت الإدارة الألمانية أكثر كفاءة بما لا يقارن في مكافحة الحركة الحرة للعمل في ظل هتلر. لقد جعل هذا، بالإضافة إلى عوامل أخرى (بصفة خاصة الدينامية الأعلى كثيرا نسبيا للاقتصاد الروسي)، معدل استبدال العمال في ألمانيا اقل كثيرا منه في روسيا. ماذا عن معسكرات العبيد في روسيا ستالين؟ لقد حاول شاختمان أن يوحي أن العمل العبودي كان عامل الإنتاج الأساسي في روسيا. إلا أن هذا خاطئ تماما. إن عمل السجناء مناسب فقط بالنسبة للعمل اليدوي، حيث لا تستخدم التقنية الحديثة، انه يشغل بالتالي في بناء المصانع، والطرق.. الخ.، وعلى الرغم من رخصه فانه بالضرورة ذو أهمية ثانوية فقط بالنسبة لعمل العمال، حيث أن العمل “غير الحر” دائما ما يكون ضعيف الإنتاجية نسبيا. ولو لم يكن العمل العبودي عائقا أمام زيادة إنتاجية العمل، لما انحدر المجتمع الروماني ولما ألغيت العبودية في الولايات المتحدة، مع اختلاف الظروف بين الحالتين، في مواجهة ظروف محددة – نقص وسائل الإنتاج ووفرة قوة العمل – من المفهوم أن تقوم البيروقراطية الستالينية بإدخال واستخدام العمل العبودي على نطاق واسع. ولكن من الواضح إن الميل التاريخي الأساسي يسير في اتجاه معاكس. فجميع المصانع التي تنتج الدبابات والطائرات والماكينات.. الخ في روسيا، كانت تقوم على العمل الأجير. وقد وجدت ألمانيا هتلر أثناء الحرب إن من المفيد استخدام اثني عشر مليون عامل أجنبي، تم تجنيد اغلبهم كسجناء وعلى هيئة عمل قهري.
أصر ماركس على أن الميل التاريخي نحو إذلال البروليتاريا – اضطهادها المتزايد بواسطة رأس المال – هو أمر جوهري بالنسبة للرأسمالية، في حين أن استبدال البروليتارية بطبقة جديدة، أو بالأحرى قديمة، من العبيد هو أمر مناقض تماما للميل العام للتاريخ. وكما قلنا، فان الاستخدام الواسع للعمل السجين في روسيا ستالين لا يمكن تفسيره إلا بنقص وسائل الإنتاج ووفرة قوة العمل. ومن هنا جاء الاختفاء شبه الكامل للعمل السجين منذ وفاة ستالين، حيث أن روسيا وصلت للنضج الصناعي.
إن نظرية البيروقراطية الجماعية لشاختمان، تؤدي بالضرورة إلى نتيجتها المنطقية. إذا لم يكن العامل الروسي بروليتاريا، فان العامل الألماني في ظل هتلر لم يكن بروليتاريا، كما أن ما كان قائما في ألمانيا هتلر، لم يكن نظام عمل أجير وإنما نظام “عبودية جماعية”. ووفقا لذلك فان الطبقة الحاكمة في ألمانيا هتلر، لا يمكن أن تسمى طبقة رأسمالية، حيث أن الرأسماليين هم مستغلو البروليتاريا. لدى برونو آر ودوايت ماكدونالد وهلفر دينج مزية الاتساق، على الأقل. لقد استخلصوا هذه الاستنتاجات وكانوا بالتالي مبررين في وصف ألمانيا هتلر بأنها جماعية بيروقراطية (برونو آر ودوايت ماكدونالد) أو “اقتصاد دولة شمولي” (هلفر دينج).
إذا قبلنا أن العمال الذين تشغلهم الدولة الستالينية ليسوا بروليتاريين، فينبغي أن نصل للاستنتاج العبثي القائل بأن العمال في مناطق القوى الغربية، في برلين بروليتاريون، أما في المنطقة الروسية فان العمال المشتغلين في الشركات الألمانية المؤممة ليسوا بروليتاريين، في حين أن أولئك المشتغلين في الصناعة الخاصة بروليتاريون!
ومرة أخرى، ينبغي أن نصل إلى الاستنتاج العبثي القائل بأن غير العمال في ظل ستالين قد تحولوا تدريجيا إلى بروليتاريين بعد وفاته.
وقبل كل شئ، إذا كان شاختمان على صواب وإذا لم يكن هناك بروليتاريا في النظام الستاليني، فان الماركسية كمنهج، كمرشد للبروليتاريا بوصفها صانعة التغيير التاريخي، تصبح بلا معنى. الحديث عن الماركسية في مجتمع بلا بروليتاريا يجعل الماركسية نظرية فوق – تاريخية.
الحدود التاريخية للجماعية البيروقراطية
عندما نقبل بالطبيعة الرأسمالية الدولتية للنظام الستاليني، فأننا لا نحدد فقط قوانين حركة هذا النظام – تراكم رأس المال الذي يمليه ضغط الرأسمالية العالمية – وإنما نحدد أيضا الحدود التاريخية لدوره. فمتى تكدس رأس المال وأصبحت الطبقة العاملة هائلة الحجم، تهتز الأرض تحت أقدام البيروقراطية.
بالنسبة للماركسي الذي يرى أن روسيا رأسمالية دولة، فان الرسالة التاريخية للبرجوازية هي إضفاء الطابع الاجتماعي على العمل وتركيز وسائل الإنتاج. على النطاق العالمي، تحققت هذه المهمة بالفعل. وفي روسيا، أزالت الثورة العوائق أمام تطور القوى الإنتاجية، ووضعت نهاية لبقايا الإقطاع، وأقامت احتكارا للتجارة الخارجية يحمي تطور القوى الإنتاجية للبلد من الضغط المخرب للرأسمالية العالمية، كما أعطت أيضا دفعة هائلة لتطور القوى الإنتاجية في صورة ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. في ظل هذه الظروف ألغيت جميع هذه العوائق أمام الرسالة التاريخية للبرجوازية – إضفاء الطابع الاجتماعي على العمل وتركيز وسائل الإنتاج، وهي شروط ضرورية لإقامة الاشتراكية – وهي الرسالة التي لم تكن البرجوازية قادرة على إنجازها. لقد وقفت روسيا ما بعد أكتوبر أمام إنجاز الرسالة التاريخية للبرجوازية، التي لخصها لينين في نقطتين: “زيادة في القوى الإنتاجية للعمل الاجتماعي وإضفاء الطابع الاجتماعي على العمل”.
متى خلقت البيروقراطية الستالينية طبقة عاملة هائلة ورأس مال مركز هائل، فان الشروط الموضوعية لإسقاط البيروقراطية أصبحت قائمة. هكذا فقد خلقت البيروقراطية الستالينية حفار قبرها (ومن هنا جاءت توترات ما بعد ستالين في روسيا وأوروبا الشرقية).
إن نظرية الجماعية البيروقراطية عاجزة بحكم طبيعتها من أن تقول أي شئ عن الدور التاريخي والحدود التاريخية للبيروقراطية الستالينية. ومن ثم فان الاشتراكية أيضا تبدو كمجرد حلم يوتوبي، وليس عمل ضروري للتناقضات الكامنة في النظام الستاليني ذاته. إذا قمنا بتجريدها من تناقضات الرأسمالية، فان الدعوة للاشتراكية تصبح مجرد خيال مثالي.
الموقف من الأحزاب الستالينية
من افتراض أن الجماعية البيروقراطية أكثر رجعية من الرأسمالية، يستنتج شاختمان انه إذا تعين الاختيار بين الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي تؤيد الرأسمالية والأحزاب الشيوعية – عملاء الجماعية البيروقراطية – فعلى الاشتراكي أن يقف إلى جانب الأولى ضد الأخيرة.
هكذا، فقد كتب شاختمان في سبمتبر1948:
الستالينية هي تيار رجعي شمولي، معادي للبرجوازية ومعادي للبروليتاريا داخل الحركة العمالية ولكن ليس من الحركة العمالية… وفي الحالات التي لا يكون فيها المناضلون – كما هي القاعدة العامة اليوم – قد وصلوا بعد للقوة الكافية للصراع من اجل الزعامة مباشرة، وحيث يكون الصراع على السيطرة على الحركة العمالية، في الواقع، محصورا بين الإصلاحيين والستالينيين، سيكون من العبثي بالنسبة للمناضلين أن يعلنوا “حيدتهم”، كما سيكون تأييدهم للستالينين كارثة بالنسبة لهم. بدون أدنى تردد، عليهم أن يتبعوا الخط العام المتمثل في تأييد القيادة الإصلاحية ضد القيادة الستالينية. وبكلمات أخرى حيث لا يكون ممكنا بعد كسب النقابات لقيادة المناضلين الثوريين، فأننا نفضل صراحة زعامة الإصلاحيين، الذين يستهدفون الحفاظ على الحركة العمالية بطريقتهم الخاصة، على زعامة الشموليين الستالينيين الذين يستهدفون إبادتها… على الرغم من أن الثوريين ليسوا متساويين بالإصلاحيين وان الإصلاحيين ليسوا متساوين بالثوريين، إلا أن الاثنين الآن حليفان ضروريان وكاملان ضد الستالينية. إن الخلافات التي ينبغي تسويتها مع الإصلاحية ستسوى على أساس عمالي وبطريقة عمالية، وليس في ظل قيادة الرجعية الشمولية أو التحالف معها (13).
مرة أخرى، هناك افتقاد للأفق التاريخي وللتحليل الحقيقي للقوى الاجتماعية، فضلا عن الإفراط في التبسيط، كما أن هناك إغفال تام للدور المزدوج للأحزاب الشيوعية في الغرب – بوصفها عميلة لموسكو، وبوصفها مجموعة من المناضلين، الأفراد لمحاربين تخنقهم البيروقراطية نفسها.
إذا اتخذ الاشتراكيون في الغرب موقف شاختمان من الأحزاب الشيوعية، فان هذا سيؤدي إلى: أولا، تقوية الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية اليمينية. وثانيا، تقوية سيطرة قيادة الحزب الشيوعي على قواعده. هذه طريقة أكيدة لتصفية أي نزعة عمالية استقلالية.
استنتاج
إن نظرية الجماعية البيروقراطية فوق – تاريخية، وسلبية، ومجردة. إنها لا تحدد قوانين الحركة الاقتصادية للنظام، ولا تفسر تناقضاته المتأصلة فيه، ولا تبين الحافز وراء الصراع الطبقي. وهي تعسفية تماما. ومن ثم فأنها لا تعطي أفقا ولا يمكن أن تمثل أساسا لاستراتيجية الاشتراكيين.






