بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نماذج من الإضراب الجماهيري

« السابق التالي »

3. روزا لوكسمبورج – 1905 والرؤية الكلاسيكية للإضراب الجماهيري

يتضمن كتاب روزا لوكسمبورج الكلاسيكي “الإضراب الجماهيري والحزب السياسي والنقابات” تحليلا هو الأكثر وضوحا وعبقرية حتى الآن لمسألة الإضراب الجماهيري، ويتناول دور الإضراب الجماهيري في تشكيل الطبقة العاملة في هيئة وحدة نضالية وفي استحضار نموها الروحي وتغييرها حتى تصبح قادرة على تغيير المجتمع.

وتعرض روزا لوكسمبورج في كتابها تصاعد موجة الإضرابات في روسيا خلال السنوات العشر بين عامي 1896 و1905. ففي مايو من عام 1896 شهدت مدينة بطرسبرج إضرابا عاما لعمال النسيج ضم 40 ألف عامل تلاه إضراب عام آخر لعمال النسيج في عام 1897. وبعد الإضراب الأخير، توالى عدد كبير من الإضرابات الصغيرة حتى اندلع الإضراب الجماهيري التالي في مارس 1902 لعمال البترول في القوقاز. ثم في نوفمبر من نفس العام تحول إضراب جماهيري لعمال السكة الحديد في روستوف إلى إضراب عام. وفي مايو ويونيو ويوليو من عام 1903 اشتعلت منطقة جنوب روسيا بأكملها حيث سيطر الإضراب العام على مدن باكو وتيفليس وباتوم وإليزافيتوجراد وأوديسا وكييف ونيكولاييف وإكاترينوسلاف. وجاء عام 1904 بالحرب وتوقفت حركة الإضرابات لفترة. ولكن فترة التوقف انتهت مع هزيمة الجيش والأسطول القيصري على أيدي اليابانيين. واندلع إضراب عام آخر في باكو في ديسمبر 1904، وقبل انتشار أنباء هذا الإضراب إلى كافة أنحاء الإمبراطورية القيصرية، اندلع إضراب جماهيري في مدينة سان بطرسبرج في يناير 1905، وكانت هذه بداية الثورة الروسية لعام 1905.

“كانت الانتفاضة المفاجئة والشاملة للبروليتاريا في يناير بفعل القوة الدافعة العظيمة لأحداث سان بطرسبرج عملا سياسيا صريحا لإعلان الحرب الثورية على الحكم المطلق. لكن هذا التحرك العام المباشر والأول من نوعه أحدث تفاعلا داخليا أقوى كثيرا كما لو أنه لأول مرة أيقظ المشاعر الطبقية والوعي الطبقي في الملايين والملايين وكأنه استيقظ بالصدمة الكهربائية. وعبر استيقاظ المشاعر الطبقية عن نفسه أكثر حتى أن الملايين من جماهير البروليتاريا أدركوا فجأة وبوضوح شديد إلى أي حد لا تحتمل تلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تحملوهاا صابرين على مدى عقود في أغلال الرأسمالية. ونتيجة لذلك بدأت الهزة العفوية الشاملة في تمزيق هذه الأغلال. معاناة البروليتاريا الحديثة التي لا تحصى أحداثها جميعها ذكرتها بالجروح القديمة التي مازالت نازفة. فهنا ناضل العمال من أجل يوم عمل من ثماني ساعات، وهناك قاوموا أسلوب العمل بالقطعة، هنا حملوا ملاحظ العمال القاسي في زكيبة على عربة الفحم، وفي موقع آخر ناضلوا ضد نظام الغرامات البغيض، وفي كل موقع كافح العمال من أجل تحسين الأجور، وهنا وهناك أيضا ناضلوا من أجل إلغاء العمل المنزلي.” (1)

الإضرابات الجماهيرية الاقتصادية أدت إلى مواجهة مع النظام القيصري، وشرطته وجيشه، وأدت تلك المواجهة مباشرة إلى إضرابات سياسية. وأيقظت هذه الإضرابات الأخيرة عمالا كانوا قبل ذلك خاملين ودفعتهم إلى القيام بإضرابات اقتصادية لتحسين أوضاعهم، وبدورها أعطت الإضرابات الاقتصادية مرة أخرى قوة دافعة جديدة لإضرابات سياسية. فالإضراب الجماهيري يتجاوز ذلك الفصل بين الاقتصاد والسياسة لدى النزعة الإصلاحية (وكذلك لدى نقيضتها التي تشبهها وهي النزعة السينديكالية). والإضراب الجماهيري يعمل على دمج النضال من أجل الإصلاحات في ظل الرأسمالية مع النضال من أجل الإطاحة الثورية بالرأسمالية. والإضراب الجماهيري يعد جسرا بين اللحظة الراهنة “هنا والآن” وبين المستقبل الاشتراكي.

في الإضراب الجماهيري لا يصبح العمال مراقبين لحركة التاريخ لا يتدخلون فيها، ولا جيشا مرحليا في هذه الحركة، بل يتدخلون في معترك الحركة التاريخية لتشكيل مستقبلهم وصياغة أنفسهم.

“في الثورات البرجوازية السابقة، عندما كان التعليم السياسي والقيادة السياسية للجماهير الثورية تقوم بهما الأحزاب البرجوازية من ناحية، وكانت المهمة الثورية محددة في الإطاحة بالحكومة من ناحية أخرى، كانت المعركة القصيرة على المتاريس هي الشكل الملائم للنضال الثوري. أما اليوم، في الوقت الذي تضطر الطبقة العاملة فيه إلى تعليم وتنظيم وقيادة نفسها في خضم النضال الثوري، وحيث الثورة نفسها ليست موجهة ضد سلطة الدولة القائمة فحسب ولكن أيضا ضد الاستغلال الرأسمالي، تبدو الإضرابات الجماهيرية أسلوبا طبيعيا في تعبئة وتثوير وتنظيم أوسع شرائح ممكنة من البروليتاريا في الحركة. وفي نفس الوقت تصبح هذه الإضرابات أسلوبا يجري بواسطة تقويض سلطة الدولة القائمة والإطاحة بها علاوة على مواجهة الاستغلال الرأسمالي.

وحتى يمكن للطبقة العاملة المشاركة بجماهير غفيرة في أي تحرك سياسي مباشر، ينبغي أولا أن تنظم نفسها، الأمر الذي يعني قبل كل شيء أنها يجب أن تلغي الحدود بين المصانع والورش وبين المناجم وأفران الصهر، أي ينبغي عليها تجاوز الانفصال بين الورش الذي تحتمه السيطرة اليومية للرأسمالية. ولذلك فإن الإضراب الجماهيري هو الشكل العفوي والطبيعي الأول الذي يتخذه كل تحرك ثوري بروليتاري عظيم. وكلما أصبحت الصناعة هي الشكل المهيمن على الاقتصاد، كلما أصبح دور الطبقة العاملة أكثر بروزا، وكلما تطور الصراع بين العمل ورأس المال، كلما أصبحت الإضرابات الجماهيرية أكثر قوة وأشد حسما. إن الشكل الرئيسي السابق للثورات البرجوازية، أي المعركة على المتاريس، أو المواجهة المفتوحة مع قوة الدولة المسلحة تعد جانبا ثانويا في الثورة في الوقت الحاضر، إنها لحظة واحدة فقط في عملية شاملة من النضال الجماهيري للبروليتاريا.” (2)

على خلاف جميع الإصلاحيين الذين يرون حائطا صينيا يفصل بين النضالات الجزئية من أجل إصلاحات اقتصادية وبين النضال السياسي من أجل الثورة، أوضحت روزا لوكسمبورج أن النضال الاقتصادي ينمو ويتحول في الفترات الثورية إلى نضال سياسي والعكس.

“إن الحركة لا تسير في اتجاه واحد فقط من النضال الاقتصادي إلى النضال السياسي، ولكنها أيضا تسير في الاتجاه العكسي. فكل تحرك سياسي جماهيري، بعد أن يصل إلى ذروته، ينتج عنه سلسلة من الإضرابات الاقتصادية الجماهيرية. وهذه القاعدة لا تنطبق فقط على إضراب جماهيري واحد، وإنما تنطبق أيضا على الثورة ككل. ومع انتشار ووضوح واحتدام النضال السياسي، فإن النضال الاقتصادي ينتشر ولا ينحسر وفي نفس الوقت يصبح أكثر حدة وتنظيما. فهناك تأثير متبادل وتفاعل بين شكلي النضال. كل هجوم جديد وانتصار جديد للنضال السياسي له أثر قوي على النضال الاقتصادي من حيث أنه في نفس الوقت الذي يؤدي إلى فتح مجال أوسع للعمال من أجل تحسين أوضاعهم ويقوي لديهم حافز الحركة لتحقيق ذلك، فإنه يعزز الروح القتالية لديهم. وبعد كل موجة عالية للحركة السياسية، تتخلف تربة خصبة تنمو عليها آلاف النضالات الاقتصادية. والعكس أيضا صحيح. فنضال العمال الاقتصادي المستمر في مواجهة رأس المال يدعمهم ويساندهم في كل لحظة توقف في المعركة السياسية. ويمكن القول أن النضال الاقتصادي يمثل المخزون الدائم لقوة الطبقة العاملة الذي تستقي منه الصراعات السياسية دائما قوة جديدة.

والخلاصة، أن النضال الاقتصادي هو العامل الذي يدفع الحركة من نقطة سياسية محورية إلى نقطة أخرى. وأن النضال السياسي يهيئ التربة ويخصبها بين فترة وأخرى من أجل النضال الاقتصادي. وفي كل لحظة، يتبادل السبب والنتيجة موقعهما. وهكذا نجد أن عنصري الاقتصادي والسياسي لا يميلان إلى الانفصال عن بعضهما خلال فترة الإضرابات الجماهيرية في روسيا، ناهيك عن الحديث عن نفي أحدهما للآخر كما تفترض الرؤى والسجالات البيزنطية.” (3)

إن الذروة المنطقية والضرورية للإضراب الجماهيري هي “الانتفاضات الشاملة التي يمكن أن تتحقق فقط كتتويج لسلسلة من الانتفاضات الجزئية التي تهيئ التربة، ولذلك تكون هذه الانتفاضات عرضة للتوقف فترة فيما يبدو وكأنها “هزائم” جزئية، وربما تبدو كل منها “غير ناضجة” أو سابقة لأوانها”. (4)

وبالنسبة لروزا، “النمو الروحي للبروليتاريا هو المكسب الذي لا يقدر بثمن، لأنه المكسب الباقي خلال حركة المد والجزر العنيفة للموجات الثورية. التطور السريع في وعي البروليتاريا يوفر الضمانة القوية لمزيد من التقدم في الصراعات الاقتصادية والسياسية الحتمية القادمة.”(5)

وما أروع الروح المثالية التي يبلغها العمال حينذاك! إنهم ينحون جانبا التفكير فيما إذا كانوا يمتلكون سبل إعالة أنفسهم وأسرهم خلال هذا النضال. ولا يسألون إذا ما كانت جميع الاستعدادات التقنية قد أنجزت. فالإضراب الجماهيري يمكن أن “ينتج طاقة هائلة من المثالية بين الجماهير حتى يبدو وكأنهم أصبحوا محصنين تقريبا ضد تأثير الحرمان من أهم ضروريات الحياة.” (6)

التحليل الذي قامت به روزا لوكسمبورج يركز على الأثر الكبير للإضراب الجماهيري في إذابة الحدود والفواصل بين الاقتصاد والسياسة في نضالات العمال. ولكنها أيضا تدرك إن هذا الإضراب يميل إلى إذابة حواجز وفواصل أخرى – مثل القطاعية، والإقليمية، إلخ – في نفس الوقت الذي يكشف عن الهوة التي لا يمكن تجاوزها بين مصالح العمال ومصالح أصحاب العمل ودولتهم. وتنطبق رؤية لوكمسبورج تماما على عدد من الإضرابات الجماهيرية: مثل روسيا 1905، و 1917، وفرنسا وإسبانيا عام 1936، والمجر 1956، وبولندا 1980، وغيرها.

ومع ذلك هناك إضرابات جماهيرية عديدة لا تشترك في الكثير من جوانبها مع التي وصفتها روزا لوكسمبورج. فعندما يكون العمال منظمين بدرجة عالية في نقابات، يكون مدى استقلالهم عن بيروقراطية النقابات المحافظة عاملا مؤثرا في ثقتهم في مواجهة الرأسماليين. وكلما كان مستوى التنظيم والثقة بين القواعد العمالية مرتفعا في مواجهة الرأسماليين، كلما زادت قدرتهم على تحطيم الأغلال التي تفرضها البيروقراطية النقابية، والعكس صحيح. ويحدد المدى الذي يكون فيه الإضراب نيتجة لمبادرة القواعد العمالية مدى اقتراب هذا الإضراب من القاعدة التي وصفتها روزا لوكسمبرج في تحليلها للإضراب الجماهيري.

ولسوء الحظ، يستخدم كثيرون تحليل روزا لوكسمبورج للإضراب الجماهيري بطريقة دوجمائية، وبدلا من مقارنة مفهومها لهذا الإضراب مع ما يحدث واقعيا من إضراب جماهيري، يستخدمون هذا التحليل في التعتيم وليس في التنوير. إن الإضراب الجماهيري، مثل كل الظواهر الاجتماعية، ليس ظاهرة مطلقة، وإنما يعتمد إلى حد كبير على الظروف التي يقع فيها الإضراب. وحتى نبين ذلك، سوف نتناول إضرابين جماهيريين يختلفان تماما عن الإضرابات التي قامت روزا بتحليلها: وهما الإضراب العام الاقتصادي الخالص في السويد 1909 الذي سيطرت عليه البيروقراطية سيطرة مركزية، والإضراب العام السياسي الخالص في بلجيكا 1913 الذي سيطرت عليه البيروقراطية أيضا.

« السابق التالي »