بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة الدائمة المنحرفة

« السابق التالي »

3. ثلاثة آراء حول الثورة:

من تجربة ثورة 1905 الروسية طور تروتسكي نظريته. في هذا الوقت رأى معظم الماركسيين من كاوتسكي إلى بليخانوف إلى لينين أن تلك الدول المتقدمة صناعيًا هي فقط المهيأة لثورة اشتراكية، بمعنى آخر، فقد رأوا أن تلك الدول سوف تصل إلى السلطة العمالية طبقًا لدرجة ما حققته تكنولوجيا، وسيمكن للدول المتخلفة أن ترى مستقبلها المفترض منعكسًا في تلك الدول المتقدمة، وفقط بعد مرحلة طويلة من التطور الصناعي ومن التحول خلال حكومة برجوازية برلمانية تستطيع الطبقة العاملة أن تنضج بالقدر الكافي لتطرح على عاتقها مهام الثورة الاشتراكية.

سلم معظم الاشتراكيين الديمقراطيين الروس – من المناشفة إلى البلاشفة – بأن روسيا تقترب من ثورة برجوازية، ناتجة عن التناقض بين قوى الإنتاج الرأسمالية من ناحية، والحكم المطلق وملاك الأراضي وباقي المؤسسات الإقطاعية القائمة من ناحية أخرى.

استنتج المناشفة أن البرجوازية بالضرورة ستقود الثورة، وستأخذ في يدها السلطة السياسية. وسوف يكون على الاشتراكيين الديمقراطية أن يدعموا البرجوازية الليبرالية في الثورة، في الوقت نفسه يدافعوا عن المصالح الخاصة للعمال داخل الإطار الرأسمالي عبر النضال ليوم عمل من ثماني ساعات وغيره من الإصلاحات الاجتماعية. (1)

وافق لينين والبلاشفة بأن الثورة ستكون برجوازية في طابعها. ولن يكون هدفها تجاوز حدود الثورة البرجوازية، فقد كتب لينين: (لن تمتد الثورة البرجوازية خارج نطاق العلاقات الاجتماعية الاقتصادية البرجوازية)، و(بهيمنة البرجوازية، لن تكون هذه الديمقراطية الثورية ضعيفة، بل ستكون قوية)، وقد عاد إلى هذا الموضوع مرات ومرات.

حتى ثورة 1917 لم يكن لينين قد نبذ هذه الرؤية، ففي سبتمبر 1914، على سبيل المثال، لا يزال يكتب أنه لابد أن تحدد الثورة الروسية نفسها بثلاث مهام أساسية: (تأسيس جمهورية ديمقراطية – بحيث يسمح بالمساواة في الحقوق وبالحرية الكاملة في تقرير المصير لكل القوميات – ومصادرة عكسية كبار ملاك الأراضي، وتطبق يوم عمل في ثماني ساعات).

وعندما أختلف لينين بشكل أساسي مع المناشفة. كان كل هذا في إصراره على استقلالية الحركة العمالية عن البرجوازية الليبرالية، وذلك لدفع الثورة البرجوازية في الانتصار ضد مقاوميها. وفي حين دعا المناشفة إلى تحالف بين الطبقة العاملة والفلاحين، وبينما توقع المناشفة حكومة ما بعد الثورة مكونة من وزراء ليبراليين برجوازيين، توقع لينين ائتلافًا يضم حزب العمال وحزب الفلاحين “ديكتاتورية ديمقراطية للعمال والفلاحين”، وفيها ستكون الأغلبية لحزب الفلاحين، وتؤسس الجمهورية، كما ستقوم بمصادرة ملكية ملاك أراضي وفرض يوم عمل من ثماني ساعات. منذ ذلك الحين فصاعدًا سيكف الفلاحون عن أن يكونوا ثوريين ويؤيدوا الملكية الخاصة وبقاء الوضع الراهن كما هو عليه، ويتحدوا مع البرجوازية. هناك فالبروليتاريا الصناعية في تحالفها مع البروليتاريا وشبه البروليتاريا الفلاحية سوف تصبح هي المعارضة الثورية.

تلك المرحلة المؤقتة من “الديكتاتورية الديمقراطية” ستساعد على انهيار الحكومة البرجوازية المحافظة داخل إطار الجمهورية البرجوازية.

بالنسبة لتروتسكي فقد كان مقتنعًا مثل ما كان لينين بأنه لن تستطيع هذه البرجوازية الليبرالية إنجازًا يا من المهام الثورية بحسم، وأن تلك الثورة الزراعية وكذلك المهام الأساسية في الثورة البرجوازية يمكن أن تحقق فقط عبر التحالف بين الطبقة العاملة والفلاحين. لكنه أختلف في مدى الإمكانية لاستقلالية حزب فلاحي، لرؤية أن الفلاحين منقسمين بحدة ما بين أغنياء وفقراء بطريقة لا يمكن أن تجعل له حزبهم الموحد والمستقل.

وكتب: (تؤكد الخبرة المستخلصة من التاريخ أن الفلاحين لا يمتلكون بأي حال من الأحوال القدرة على القيام بدور مستقل).

فالفلاحون قد دعموا في كل الثورات منذ “الإصلاح الألماني” فصيلاً أو آخر من البرجوازية، أما في روسيا فسوف تقود قوة الطبقة العاملة والمحافظة التي تتسم لها البرجوازية إلى أن يدعم الفلاحون الثورة البروليتاريا. ولن تقتصر الثورة نفسها على إنجاز المهام الديمقراطية البرجوازية، بل ستتقدم فورًا لتخطي الحدود إلى الاشتراكية البروليتارية.

(تنمو الطبقة العاملة وتقوى مع بعضها البعض بقدر نمو الرأسمالية، فتطور الرأسمالية يعني تطور البروليتاريا باتجاه الديكتاتورية، لكن لا يعتمد مباشرة الوقت الذي تنتقل فيه السلطة إلى يد البروليتاريا على وضع قوى الإنتاج، بل على شروط الصراع الطبقي، وكذلك الوضع العالمي، وأخيرا يعتمد على سلسلة من العوامل الذاتية: الأفكار، المبادرة، قراءة الصراع.

وبالنسبة لمن يقول بأنه في دولة مختلفة اقتصاديًا تستطيع البروليتاريا الإمساك بالسلطة أسرع منها في الدول المتقدمة اقتصاديًا. وبأنه في 1871 استطاعت البروليتاريا بوعي أن تأخذ بيدها الإدارة لشئون المجتمع في مواجهة برجوازية باريس الضعيفة – حتى وإن كانت فقط لمدة شهرين – ولم تستطع ذلك في المراكز الرأسمالية القوية في إنجلترا والولايات المتحدة ولا لمدة ساعة واحدة، والقول بأن البداية لبعض أنواع الاستقلال التقني لديكتاتورية البروليتاريا يقوم على القوى التقنية وموارد الدولة. اشتقاق مجحف من اقتصادية مادية غاية في التبسيط لا تقترب من الماركسية في شيء.

(فالثورة الروسية، في رأينا، تخلو مثل تلك الشروط حيث يمكن أن تمسك البروليتاريا بالسلطة – وبانتصار ثورتها بالطبع – قبل أن تكسب البرجوازية الليبرالية الإمكانية لمنح وضعها ميلاً منفتحًا بالكامل).

العامل الآخر الهام في النظرية، الطابع الأممي للثورة الروسية القادمة، فهي ستبدأ داخل نطاق قومي، ولكنها تكتمل إلا بانتصار الثورة في أكثر الدول المتقدمة.

(ومع ذلك إلى أي مدى استطيع أن تصمد السياسة الاشتراكية للطبقة العاملة في ظل الشروط الاقتصادية الروسية؟ شيء واحد فقط نستطيع أن نؤكده. سوف تخترق البروليتاريا العوائق السياسية بمسافة قبل أن يتم إعاقتها من قبيل تقنية الدولة المتخلفة، وبدون دعم مباشر دولي من البروليتاريا الأوروبية، لن تستطيع الطبقة العاملة الروسية أن تبقى في السلطة. ولن تستطيع أن تحول سيطرتها المؤقتة إلى ديكتاتورية اشتراكية مستقرة). (2)

يمكن تلخيص العناصر الأساسية لنظرية تروتسكي في ست نقاط:

  1. تختلف بشكل أساسي البرجوازية التي وصلت متأخرة على مسرح الأحداث عن أسلافها في القرن السابق. فهي لا تمتلك القدرة على تقديم على تقديم حلول ديمقراطية ثورية متماسكة للمشاكل التي أوجدها الإقطاع، وكذلك الاضطهاد الإمبريالي. ولا تمتلك القدرة على الدفع باتجاه الهدم الكامل للإقطاع، والوصول إلى استقلال قومي حقيقي وديمقراطية سياسية. فقد كفت عن كونها ثورية. في أي من الدول المتقدمة والمتخلفة، فهي قوة محافظة تمامًا.
  2. يقع الدور الثوري الحاسم على البروليتاريا، رغم ما يمكن أن نكون عليه من حدائه وصغر عدد.
  3. ولعدم قدرة الفلاحين على العمل المستقل. فإنهم سيرتبطون بالمدنية، وبالأخص بقيادة البروليتاريا الصناعية.
  4. الحل المتماسك للمسألة القومية، ولوضع حل للعوائق الاجتماعية والاستبدادية تلك التي تمنع التقدم الاقتصادي السريع، ستحتم التحرك خارج حدود الملكية البرجوازية الخاصة. (الثورة الديمقراطية سوف تتحول فورًا إلى الاشتراكية، وهنا فقط ستكون ثورة دائمة).
  5. لا مجال للتفكير في إتمام الثورة الاشتراكية (داخل النطاق القومي، فالثورة الاشتراكية سوف تصبح ثورة دائمة بلك معنى الكلمة، فهي تكتمل فقط في الانتصار النهائي المجتمع الجديد بكل كوكبنا، وبعد حلم رجعي وضيق محاولة تحقيق “الاشتراكية في بلد واحد”).
  6. نتيجة لذلك سوف تؤدي الثورة في البلدان المتخلفة إلى اضطرابات عنيفة في البلدان المتقدمة.

أثبتت بالفعل ثورة 1917 في روسيا كل توقعات تروتسكي، فالبرجوازية كانت ضد الثورة، والبروليتاريا الصناعية كانت هي الطبقة الثورية بغير منازع، وارتبط الفلاحون بالطبقة العاملة، وتحول معارضو الإقطاع والثورة الديمقراطية فورًا إلى الاشتراكية، وبالفعل أدت الثورة الاشتراكية إلى اضطرابات ثورية في أماكن أخرى – ألمانيا والنمسا والمجر… الخ – لكن للأسف أدى أخيرًا انعزال الثورة الاشتراكية إلى انحطاطها وسقوطها.

أما بالنسبة للثورة الصينية 1925 – 1927 فقد كانت أيضًا إثباتًا نموذجيًا لنظرية تروتسكي. لكن مما يؤسف له فالإثبات كان سلبيًا بشكل أوسع بشكل أوسع مما حدث في روسيا، على الرغم من أن النقاط (1–4) تم إثباتها، فالتضليل الستاليني تأكد بأن الثورة لم تنته بانتصار البروليتاريا ولكن بهزيمتها، ونتيجة لذلك انهزم أيضًا الفلاحون، وليس فقط لم تتحقق الثورة الاشتراكية، بل كذلك الديمقراطية. فالثورة الزراعية ووحدة الدولة واستقلالها عن الإمبريالية قد انهزما. لذا فالنقطتان (5-6) لم تتح لهما الفرصة ليختبرا تجريبيًا. على الرغم من هذا، فمنذ ذلك الحين كان هناك حدثان لهما أهميتها العالمية، هما وصول “ماو” للسلطة في الصين و”كاسترو” في كوبا، وأبديا نفيًا عمليًا لكل افتراضات النظرية.

 

« السابق التالي »