الثورة الدائمة المنحرفة
لا توجد صعوبة في فهم أسباب أن طبيعة التطور المتأخر للبرجوازية، كقاعدة أساسية، هي طبيعة محافظة ومتخاذلة (النقطة الأساسية الأولى عند تروتسكي)، وكذلك في حتمية السمة الثورية للطبقة العاملة الناشئة (النقطة الأساسية الثانية عند تروتسكي). إلا أن الأيديولوجية المهيمنة في المجتمع بحيث الطبقة العاملة طرفًا كطبقة مسيطرة يتداخل فيها عدد من الأسباب.
في الكثير من الحالات تؤدي حقيقة وعود أغلبية عائمة وغير متبلورة من العمال الجدد في الريف إلى صعوبات بالنسبة لتنظيمات البروليتاريا المستقلة، فتقص الخبرة والأمية تضاف إلى ضعفهم، وهذا يؤدي علاوة على ذلك إلى ضعف آخر: الاعتماد على غير العمال للقيادة: ففي الدول المتخلفة تدار غالبًا النقابات العمالية من “دخلاء”، ويوضح ذلك تقرير من الهند:
(تدار النقابات الهندية عمليًا من أشخاص لا يمتلكون أية خلفية صناعية “دخلاء” والكثير من هؤلاء الدخلاء يجمعون في أيديهم أكثر من نقابة واحدة. ويميز القائد الوطني ذي المكانة العالية بأنه رئيس الثلاثين نقابة تقريبًا. ولكن يضاف إلى ذلك أنه بوضوح لا يوجد ما يقدمه في العمل لأي من هذه النقابات).
الضعف والاعتماد على “دخلاء” تؤدي إلى عبادة الفرد:
(لا تزال تتسم الكثير من النقابات بالالتفات حول أشخاص. فيهيمن الشخص القوي على النقابة، ويحدد كل سياساتها وأعمالها، وتعرف النقابة باعتبارها نقابته، ويتطلع العمال إليه لحل مشاكلهم ولتأمين متطلباتهم، ويكونوا على استعداد في أن يتبعوه إلى حيث يقودهم).
عامل هام لعبادة البطل في هذه الحالة، هو وجود عدد من مثل هؤلاء الأبطال داخل الحركة، لمساعدة العمال في تلبية بعض احتياجاتهم، ولكن ليست المساعدة في تطوير تنظيمات ديمقراطية متعمدة على نفسها.
(لن تنمو مثل تلك التنظيمات دون أن يتعلم العمال أن يقفوا على أجلهم، وألا يعتمدوا بشكل مثير المشفقة على أشخاص بارزين لحل مشاكلهم).
الاعتماد على الدولة، هو ضعف آخر للحركة العمالية في الكثير من الدول المتخلفة، ويوضحه أيضًا تقرير من الهند:
(فعليًا تأخذ الدولة الكثير من الوظائف والتي تعد في مجتمع حرمن اختصاص النقابات العمالية، وتقدم باعتبارهم هبة من الدولة، ولكنها – أي الدولة – لا تعقد مساومات بين العمال وأصحاب العمل، بل تقوم هي بالجزء الكبير في تحديد الأجور وباقي شروط العمل. وهذا مما لا شك فيه يرجع بدرجة كبيرة إلى الشروط الاقتصادية وكذلك ضعف العمال ونقاباتهم العمالية).
ومن “غرب أفريقيا الفرنسية”:
(محاولات النقابات المباشرة في مواجهة أصحاب العمل نادرًا ما تثمر عن زيادة أجور حقيقية للعمال الأفارقة. ولكن في الآونة الأخيرة، كان للتشريع الاجتماعي وتأثير الحركة السياسية مسئولية في معظم الزيادة في الأجور).
ومن أمريكا اللاتينية:
(تسعى التمثيلات النقابية إلى تحقيق أرباحها من خلال التدخل والقرار الحكومي).
جزاء الاعتماد على الدولة هو الخضوع للسياسات الحكومية، وتجنب سياسات معادية للسيدات الحاكمة، كذلك تحديد نشاط النقابات العمالية في متطلبات “اقتصادية” ضيقة، أو باستخدام التعبير اللينيني، سياسات “نقابوية”.
هذا يؤدي تباعًا على ابتعاد النقابات العمالية عن نضالات الكادحين الزراعيين، فالاختلاف ما بين مستوى معيشة القرية والمدينة عامة هو اختلاف كبير في الدول المتخلفة مقارنة بالدول المتقدمة. في ظل هذه الظروف ومع وجود حالة البطالة وانعدام العمل للريفيين، يكون تحقيق مستوى أجور وشروط عمل في الصناعة، معتمدًا إلى حد بعيد على المؤسسات التي لا تستخدم إلا عمالاً نقابيين، ويتم تشغيل العمال في الصناعة من خلال النقابات العمالية والحكومة – في إهمال الكادحين الريفيين. وقد كان هذا هو الوضع في أرجنتين “بيرون” وبرازيل “فارجوس”. وكوبا “باتيستا”.
ونتج عنه حركة عمالية محافظة وضيقة ومثالية.
العامل الأخير ولكنه لا يعني العامل الأقل في تحديده لثورية الطبقة العاملة في الدول المتخلفة من عدمها. هو العامل الذاتي، أي فعالية الأحزاب وخاصة الأحزاب الشيوعية. ومن الضروري هنا إعادة التذكير بالدور الستاليني في الثورة المضادة بالدول المتخلفة.
الخلاصة، إن الخبرات حتى الآن أعطت لنا صورة لكل من الدوافع الثورية بين العمال الصناعيين في الدول النامية، وضعفها الشديد، وبأنه لا يوجد ارتباط آلي بين الاقتصاد المتخلف وبين النضالية السياسية الثورية.
أصبحت الطبيعة الثورية الأكيدة للطبقة العاملة – الدعامة الأساسية لنظرية تروتسكي – مشكوكًا فيها. ونقطته الأساسية الثالثة غير متحققة، فلا يستطيع الفلاحون أن يتبعوا طبقة عاملة غير ثورية، ولكن لا يعني هذا أنه لا شيء من ذلك يمكن أن يحدث. فسلسلة من الظروف الوطنية والعالمية جعلت قوى الإنتاج ضرورية لهدم العوائق الإقطاعية والامبريالية. فالعصيانات الفلاحية لم تكن كافية بحد ذاتها لكسر عبودية ملاك الأراضي والامبريالية، بل هناك ثلاثة عوامل أخرى مساعدة:
- ضعف العالم الامبريالي نتيجة لزيادة التنافسات فيما بين قوى الإنتاج والركود. جعل من الضروري إحداث التدخل المتبادل بوجود القنبلة الهيدروجينية.
- نمو أهيمه الدولة في الدول المتخلفة، والذي يعد أحد سمات التاريخ، فعندما تواجه المجتمع مهمة تاريخية في ظل غياب الطبقة التي عليها التغيير، يحل محلها مجموعة أخرى من البشر، وفي الغالب ما تكون سلطة الدولة، وتلعب هذه السلطة في مثل تلك الظروف دورًا غاية في الأهمية، فهي لا تعكس فقط ما يمكن أن يبني عليه الاقتصاد اليوم.
- نمو الأهمية الأنتلجنسيا كقائدة وموحدة للوطن، وتكون فوق الكل كمتلاعب بالجماهير، وهذه النقطة الأخيرة تحتاج لتفصيل خاص.






