من أجل حركة نقابية مستقلة
الانتفاضات الجماهيرية التي شهدتها بعض البلدان. وكان الملمح لجميع هذه النضالات على اختلاف مشاربها وأطيافها هو رفع شعار ضد الرأسمالية والاستغلال الرأسمالي.
هذا التطور للحركة الجماهيرية العالمية جاء على خلفية أزمة طاحنة يمر بها النظام الرأسمالي العالمي، وليست مصر ومثيلاتها من الرأسماليات المتخلفة استثناء من هذا التطور. فقد شاهدنا في مصر تصاعد الحركة الجماهيرية تضامنًا مع الانتفاضة الفلسطينية ولمناهضة الحرب على العراق، هذه الحركة لم تنشأ في فراغ وإنما قامت على خلفية أزمة سياسية واجتماعية شديدة، وتوجت نفسها بانفجار هائل شهده قلب القاهرة يومي 20 و21 مارس الماضيين، تحول فيه الغضب الجماهيري بوضوح من العداء للإمبريالية إلى الغداء للفساد والاستغلال والاستبداد.
طوال سنوات التصاعد هذه بدأ العمال في مصر غائبين عن الصورة. فرغم استمرار منحنى الاحتجاجات العمالية في الصعود في مواجهة هجوم رأس المال في السنوات الأخيرة، إلا أن هذه النضالات ظلت مصبوغة بالطابع الدفاعي المطلبي المفتت، ولم يختلط داخلها السياسي بالاقتصادي بعد. يرجع ذلك في حقيقة الأمر إلى عوامل كثيرة أهمها – وهو ما نريد التأكيد عليه هنا – هو ضعف القدرة التنظيمية للطبقة العاملة المصرية لأسباب عدة، ربما أهمها هي التحولات الهيكلية التي طرأت على الرأسمالية المصرية وبالتالي على بنية الطبقة العاملة في العقود الماضية. رغم أن هذه التحولات لم تؤثر في الحقيقة على نمو حجم الطبقة العاملة في عمومها، ولا على الوزن النسبي للإنتاج الصناعي داخل الاقتصادي القومي، الذي تزايد باطراد (أنظر ملف العدد الرابع من أوراق اشتراكية – نوفمبر/ ديسمبر 2003).
المهم أنه إذا كان مأزق الطبقة العاملة – في جانب كبير منه – في تنظيمها، وإذا كنا نرى أن أي دور للطبقة العاملة في التغيير الاجتماعي القادم مرهون بدرجة تنظيمها في أطر وهياكل تعبر عن مصالحها، فما هو السبيل إلى ذلك؟
ربما نتفق جميعًا على أن الهيكل النقابي العمالي الرسمي أصبح أبعد ما يكون عن مصالح العمال والتعبير عنهم، حيث تم تدجينه بالكامل من قبل الدولة، حتى أن كثيرًا من الاحتجاجات التي تصدر عن العمال تكون ضد التنظيم النقابي سواء على مستوى المنشأة أو النقابة العامة أو على مستوى الاتحاد العام. ظهر ذلك جليًا في معركة الانتخابات النقابية الأخيرة (دورة 2001/ 2006)، حيث حصل العمال على أحكام قضائية نهائية ببطلان الانتخابات، وبالتالي بطلان الهيكل النقابي القائم بأكمله. غير أن الحكومة رفضت تنفيذ أحكام القضاء وقررت فرض سياسة القوة على الأرض، مما دفع العمال الحاصلين على أحكام وبعض النشطاء النقابيين لتنظيم أنفسهم في شكل لجنة عمالية (اللجنة التنسيقية للدفاع عن حقوق العمال) في محاولة للتصدي لانتهاكات الدولة ولبناء حركة نقابية مستقلة بناء على أحكام القضاء. وقد نجحت اللجنة في طرح القضية على الساحة الإعلامية والسياسية والقانونية.
وبقيت الخطوة الأهم في تقديرنا، وهي جوهر القضية، خوض غمار المعركة وسط جماهير العمال في قلب المصانع، وتعبئتهم في معارك مطلبية تربط ما بين قضاياهم المباشرة (كالغلاء والفقر والبطالة والتأمينات) وبين أهمية تنظيم أنفسهم في نقابات مستقلة، لتوحيد صفوفهم في المعركة. هنا فقط سيكتشف العمال أنهم في نضالهم في حاجة إلى كيان يوحدهم، هو النقابة المستقلة التي تعبر عنهم فعليًا، القادرة على حمايتهم من مخالب رأس الأمل في المصنع وخارج المصنع. وحينما يشكل العمال نقاباتهم المستقلة من رحم حركتهم النضالية يمكن الحديث عن حركة نقابية عمالية مستقلة قادرة على الإطاحة بالنفايات النقابية القديمة التابعة للدولة.
في هذا السياق يصبح الدور الأعظم للنشطاء العماليين واليسار هو إعمال ماكينة الفرز داخل الطبقة العاملة عبر التعبئة المطلبية، وذلك لدفع معركة استقلالية الحركة النقابية إلى قلب المصانع، حيث البيئة الموضوعية والصحيحة لنهوض حركة نقابية مستقلة، ولصهر جيل جديد من الطليعة العمالية المناضلة.





