أزمة البيئة والمناخ: الرأسمالية والكارثة القادمة
هذه هي مظاهر الكارثة (الأزمة الكوكبية) التي نعيشها وينتظرنا مستقبلها الأكثر كارثية، التسمية ليست من قبل اليسار ومعارضي الرأسمالية، هي تسمية يتفق تقريبًا حولها الجميع ومن معسكر الرأسمالية نفسها. لكن تتفاوت التقديرات حول حجم الأزمة وإمكانية حلها مع الاعتراف بوجودها. هناك رؤية ترى أن الأمور تخضع للتهويل وأن هذه التغيرات تاريخية وتحدث كل مليون سنة تقريبًا، وبالتالي لا وجود لتغير مناخي مقلق، مثال على ذلك ترامب ومؤيديه، متهمين مثقفي وعلماء ويهود المدن بترويج قصص مختلقة لترهيب الناس فقط.
أما الليبراليون، فهم لا يقلون خطورة عن سابقيهم من معسكر اليمين، فبرغم اتفاقهم مع الكلام السابق حول حجم الكارثة، لكنهم يطمحون إلى حلول تقدمها الرأسمالية، مدافعين عن قدرة السوق الرأسمالية والتقدم التكنولوجي الرأسمالي على تطويع الطبيعة ومواجهة الأزمات ما سيؤدي بالضرورة لحل مشكلة التغير المناخي، التي ينكرون تمامًا حدوثها بسبب الاستخدام الخاطئ للطبيعة من قبل البشر، أي من قبل الرأسمالية بوصفها نمط الإنتاج السائد.
ينسى أصحاب الرأيين السابقين أن حل الأزمة يعني الحاجة السريعة لتخفيض الانبعاثات الكربونية بنسبة لا تقل عن 10% كل عام قبل أن يداهمنا العام 2040، ولكي يحدث ذلك يجب أن ينخفض معدل النمو للاقتصاد العالمي للصفر، بمعنى أن تتخلى الرأسمالية عن جوهرها الربحي والتنافسي لأن حوافز الاستثمار وقتها ستصبح صفرية هي الأخرى.
الحلول من خلال الهندسة الجيولوجية: في سبعينيات القرن الماضي اقترح عالم المناخ السوفيتي ميخائيل بوديكو أحد الحلول الممكنة نظريًا لمواجهة التغيير المناخي، وهو استخدام الطائرات على ارتفاع عالي لضخ جزيئات الكبريت في الغلاف الجوي الأعلى وبالتالي خلق حاجز جزئي يحد من الأشعة الشمسية. وكان جزء من منطق اقتراحه هو أن الرأسمالية غير قادرة على وقف التوسع في استخدام الطاقة التقليدية (الفحم، البترول، الغاز) وهو سبب التغيير المناخي وبالتالي يجب البحث عن حلول تكنولوجية للمشكلة.
وفي 1977 اقترح عالم الفيزياء الإيطالي سيزار مارشتي مشروع لامتصاص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محطات الطاقة الكهربائية ونقلها عبر الانابيب إلى أعماق المحيطات.
هذان المشروعان (ضخ الجزيئات في المجال الجوي وامتصاص وعزل ثاني أكسيد الكربون في المحيط) أصبحا بمثابة الفرعين الأساسيين للهندسة الجيولوجية، وسُمي الأول “إدارة الإشعاع الشمسي” (SRM) والثاني “إزالة ثاني أكسيد الكربون” (CDR).
ومع كل التقدم التكنولوجي منذ سبعينيات القرن الماضي واليوم، لا تزال تلك الحلول الهندسية بعيدة كل البعد عن حيز التنفيذ الفعال، ولا تزال تكلفة تطبيقها على نطاق عالمي تقدر بمئات تريليونات الدولارات طبقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيير المناخ (IPCC). ومع ذلك فهذه هي الحلول التي تدافع عنها كبرى الشركات الرأسمالية حتى اليوم.
هناك أيضًا، خاصة في الأوساط الليبرالية الغربية، تصورات حول حل الأزمة من خلال تغيير الاستهلاك الفردي: أننا ينبغي أن نغير من نمط وطرق استهلاكنا حتى نقضي على أسباب التلوث البيئي والتغير المناخي، مثلًا: علينا أن نقلع عن أكل اللحوم لما تسببه تربية الماشية من تلوث للبيئة من جانب ولمنع ذبح الحيوانات من جانب آخر، متناسين أن سبب التلوث هو مزارع كبار الرأسماليين الزراعيين الذين يملكون عشرات ومئات الآلاف من رؤوس الماشية التي يتم تغذيتها بطرق تسبب التلوث. أو بدلًا من شراء ملابس جديدة يمكنك شراء أخرى مستعملة. متناسين أنه في العالم الثالث غالبية السكان فقراء ويشترون بالفعل المستعمل أو رخيص الثمن رديء الخامات. أو توفير نفقات السفر بالطائرات والسفر السفن والقطارات بدلًا منها. في الحقيقة يتناسى هؤلاء أن الشركات الإنتاجية الكبرى هي المسئولة عن تلوث الكوكب، وليس الأفراد وسلوكياتهم الاستهلاكية، وبالتالي كل هذه الإجراءات وغيرها لن تغير في الأمر شيئًا، لن تحسن الوضع قيد أنملة، فقط سيخلد هؤلاء للنوم كل يوم بضمائر صافية، سيموتون في نهاية أعمارهم معتقدين بأنهم قاموا بتأدية واجبهم تجاه الطبيعة.
بالتأكيد ستخطو الرأسمالية خطوات على طريق التحولات المطلوبة ليس بهدف إنقاذ الكوكب والبشرية، ولكن بما يخدم استمرار تدفق أرباحها وإيجاد وسائل أكثر نجاعة واستمرارية للتراكم، وبالتالي لن تكون تلك الإجراءات سريعة وكافية ومؤكدة خلال تلك الفترة الزمنية القصيرة. سيؤدي هذا التباطؤ وإخضاع كل شيء للتراكم إلى أن نشهد مزيدًا من الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات الكارثية، علاوة على ارتفاع درجات الحرارة في مناطق يصعب العيش بها ما سيؤدي إلى تزايد معدلات الهجرة بشكل كبير. سنشهد مئات الملايين من الأفارقة والآسيويين ومن سكان أمريكا اللاتينية حاملين أمتعتهم في طريقهم إلى أوروبا وأمريكا.






