أزمة البيئة والمناخ: الرأسمالية والكارثة القادمة
مواجهة الكارثة: بين الشمال والجنوب
إذا نظرنا إلى إحصائيات الانبعاثات الكربونية اليوم سنجد فوارق ضخمة بين الدول النامية وبين الدول الصناعية. الولايات المتحدة الأمريكية مسئولة عن 15% من الانبعاثات والاتحاد الأوروبي عن 10% والصين عن 27% عالميًا.
أما قارتنا الإفريقية، فرغم أن سكانها (1.4مليار نسمة) يشكلون 17% من سكان العالم، لا تتخطى انبعاثات الكربونية للقارة كلها من استخدام الطاقة ومن الصناعة سوى 2 إلى 3% من الانبعاثات العالمية.
من البديهي أن المسئولية التاريخية عن التغيير المناخي تقع على الرأسماليات الصناعية الكبرى في أمريكا وأوروبا واليابان، ولم تنضم لهم الصين إلا في العقود الأربعة الأخيرة.
هذه الحقائق بالطبع تستخدمها حكوماتنا في الجنوب على المستوى السياسي والإعلامي. فحكومات الجنوب تستجدي دول الشمال الغنية لمساعدتها في التحول لمصادر الطاقة المستدامة (شمسية، رياح، مياه) وزراعة الأشجار ومواجهة التصحر وغيره. ومن جانب آخر، تدافع تلك الحكومات عن حقها في تبني مشاريع تنموية، حتى وإن أدت تلك المشاريع إلى زيادة الانبعاثات.
ويقع بعض قطاعات اليسار في فخ تأييد مواقف تلك الحكومات والتحالف معها في مواجهة ما يرونه الغرب الاستعماري الذي تسبب في المشكلة، ويريد أن ندفع نحن دول الجنوب الثمن. ويتساءل هؤلاء: لماذا إذًا يحمِّل الشمال الجنوب تبعات أزمات خلقها بنفسه، هل يقف بذلك كحجر عثرة أمام فرص نمو اقتصادات الجنوب، هل ليس للجنوب الحق مثل الشمال في التصنيع والتطوير التكنولوجي ورفع مستويات المعيشة؟
ولكن هذا بالضبط هو خطاب زعماء الجنوب الذين يطرحون أنفسهم كممثلين لفقراء دولهم ويتسولون باسمهم من الدول الغنية. وكأن المشاريع التنموية لهؤلاء الزعماء تصب في مصلحة شعوبهم وهو كما نعلم جيدًا بعيدًا كل البعد عن الواقع المعاش. المشاريع التنموية في بلداننا هي مشاريع رأسمالية يقرر مضمونها من يملكون السلطة والثروة ولا تصب إلا في مصلحة من يملكون السلطة والثروة. وهذا ينطبق تمامًا على تأثيرها البيئي.
فقراء الجنوب هم من يدفعون ثمن الدمار البيئي في بلدانهم. والمسئولية عن ذلك الدمار تقع على شراكة بين رأسماليات الشمال وحلفائهم من رأسماليين وحكومات الجنوب. هذه الشراكة هي التي تنقل لبلداننا الصناعات الملوثة مثل الأسمنت والسماد وغيرها. وأرباح تلك المشروعات والصناعات لا تذهب فقط إلى الشركات الغربية والصينية وغيرها ولكنها أيضًا تملأ جيوب شركائهم المحليين، في حين أن الآثار البيئية المدمرة لا يدفع ثمنها سوى الفقراء.
رغم كل ما أوردناه حول دور الرأسمالية وشركاتها الكبرى وحالة السعار من أجل زيادة تراكم رأس المال ومضاعفته في خلق الأزمة الكوكبية التي نعيشها حاليًا، فإن من سيتأثر جراء كوارث التغير المناخي هم الملايين من فقراء الجنوب. في الشمال تستطيع الحكومات -إن أرادت- نقل عدد كبير من السكان -بكلفة مرتفعة طبعًا- إلى أماكن أخرى حال تعرض مدنهم للغرق بسبب ذوبان جليد القطبين، لكن حال غرق مدن ساحلية في دول الجنوب، أو مواجهتها لأي كارثة، سيهرب وقتها أغنياؤها وينتقلون للعيش في أماكن آمنة أو يرحلون إلى الشمال، أما الفقراء أصحاب البيوت المتهالكة عديمي الأرصدة البنكية ستتركهم حكوماتهم ليموتوا غرقًا مع منازلهم التي ستنهار سريعًا.
وحتى في بلدان الشمال فهناك بعدًا طبقيًا واضحًا للأزمة البيئية. ففي بريطانيا على سبيل المثال، يتسبب أغنى 1% من السكان في نفس كمية الانبعاثات الكربونية لأفقر 10%. وقد قُدر أن من ينتمي لهؤلاء الـ10% يحتاج إلى 26 عامًا لينتج الانبعاثات التي ينتجها الغني في عام واحد. وكما في حال الجنوب، فمن يدفع ثمن التغيير المناخي والانهيار البيئي هم دائمًا الفقراء. انظر فقط للتقارير الإخبارية عن متضرري الأعاصير والحرائق والفيضانات في أوروبا وأمريكا وسترى أن غالبيتهم من الفقراء ذوي الانبعاثات الكربونية الضئيلة.
التراكم الرأسمالي هو السبب الرئيسي في الكارثة البيئية التي تواجهها البشرية، وعلى المستوى الإستراتيجي لن يكون هناك مستقبل للبشرية إلا بتجاوز الرأسمالية. وحتى إذا حدث ذلك، سيكون أمام البشرية تحديات ضخمة لإصلاح ما أفسده التراكم الرأسمالي، ولرأب الصدع التفاعلي بين الإنسانية والطبيعة ولخلق ذلك التناغم الذي تحدث عنه كارل ماركس في مخطوطات 1844.
ولكن القارئ سيستنتج على الفور أن الفقرة السابقة تدعو إلى التشاؤم الشديد. تجارب القرن الماضي كله أثبتت الصعوبة البالغة لتجاوز الرأسمالية. وحتى لو كان ما تطرحه تلك الفقرة صحيح على المستوى التاريخي أو الإستراتيجي، ماذا نفعل الآن؟
نحن نعرف أن الأعوام والعقود القادمة ستشهد كوارث مناخية وبيئية من حرائق وفيضانات وتسونامي وغرق لمدن ساحلية وتآكل للأراضي الزراعية ونقص فادح للموارد المائية. لقد بدأت هذه الكوارث بالفعل، ونحن نعرف أنها ستزداد ضراوة عام بعد عام.
لقد أصبح من الضروري إعادة صياغة مشروع اليسار لمواجهة الخطر الوجودي الذي تشكله الأزمة المناخية والبيئية. المعارك من أجل البقاء أصبحت أحد المحاور الأساسية للصراع الطبقي. كل معركة من أجل الهواء النظيف والماء النظيف والغذاء الآمن والسكن الآمن، كل معركة ضد الصناعات الملوثة وضد القوانين التي تحمي تلك الصناعات، هي معارك لم يعد من الممكن فصلها عن المعارك من أجل الحرية ومن أجل المساواة.






