نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
مع الوقت بدأت في الفصل بين حركة ضباط يوليو 1952 وبين أحداث مارس 1954، الأولى كانت حتمية تاريخية مع انهيار العقد الاجتماعي القديم بحريق القاهرة وعدم وجود قوة مدنية في الشارع قادرة على القيام بتحرك لخلق عقد اجتماعي جديد لظروف شتى، بينما الثانية كانت انتصار للعقد الاجتماعي الذي فرضه عسكر يوليو برفضهم العودة للثكنات وترك السياسة للمدنيين ويجب هنا الا ننسى ان الدور الحاسم في هذا الانتصار يعود أيضا لقطاع من قيادات العمال – حتى لو كان نخبويا – حيث آمن هذا القطاع بما طرحه العسكر من عقد اجتماعي، وارتضى بعقد صفقة معهم “لنا الرخاء الاقتصادي والاجتماعي النسبي ولكم السياسة وأعبائها” وكان هذا إيذانا بخروج الطبقة العملة من الحياة السياسية وجنين الفصل بين النقابي والسياسي في مصر وهذه نبذة مختصرة عن هذا الصدام الذى كان على إثر محاولات النقابات، كجزء من الحراك السياسي المنادي بالديمقراطية، تنظيم إضراب عام في 28 مارس 1954، قررته بالأساس الجمعية العمومية لنقابة المحاميين، وتجمعات أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والجبهات الطلابية، وكان يجري التواصل والتنسيق مع نقابات مثل نقابة عمال الترام واتحاد عمال النقل العام، للمطالبة بعودة الجيش لثكناته، وانهاء الأحكام العرفية، والافراج عن جميع المعتقلين السياسيين، وعودة الأحزاب السياسية.
ولكن رئيس اتحاد نقابات النقل المشترك الصاوي أحمد الصاوي توجه الى مقر هيئة التحرير بالقاهرة والتقى الصاغ أحمد طعيمة والصاغ إبراهيم الطحاوي، وابلغهما بما يحدث من دعاية للإضراب من اجل الديمقراطية داخل الاتحاد، وتم الاتفاق في جلسة لبعض القيادات العمالية المؤمنة بأن الثورة سوف ترفع مستوى العمال وتستجيب لمطالبهم (كان هناك لبس وقتها بين الثورة والانقلاب العسكري في وعي هذه القيادات فكان استمرار الثورة وفقا لدعاية هيئة التحرير تقتضي التخلص من الديمقراطية!!)
تم الاتفاق داخل هيئة التحرير على أن يتم القيام بتحرك استباقي نخبوي في 26 مارس، وتحريك مظاهرات معادية للديمقراطية، واختير الصاوي أحمد الصاوي لقيادة هذا التحرك، رغبة في احتواء اتحاد عمال النقل ومنعه من المشاركة في المظاهرات المؤيدة للديمقراطية المزمع اقامتها يوم 28 مارس، نظرا لقدرته على شل العاصمة، مستغلين اضراب قطاع من عمال النقل اعتراضا على نقل احد المحطات بغير رغبتهم، وتحويل هذا الاعتصام الى مرتكز لهم، وبالفعل بدأ الاعتصام المناهض للديمقراطية من قيادات عمالية بالأساس، وبشكل نخبوي بحت، وتم رفع شعارات مثل عدم السماح بقيام الأحزاب السياسية ورفض عودة الجيش لثكناته والمطالبة بتشكيل هيئة من النقابات والروابط والاتحادات والجمعيات تساند مجلس قيادة الثورة، وصدرت هذه البيانات وتمت اذاعتها عبر الراديو رغم عدم علم قواعد النقابات العمالية وعدم عرضها عليها من الأساس.
ومن الأمثلة الساطعة على نخبوية هذا التحرك، كان رفض عمال الترام المشاركة في اضراب يهدف إلى تصفية الديمقراطية رغم مشاركة رئيس النقابة زكي مخيمر فيه، وبرز هنا دور القيادي اليساري العمالي محمود فرغلي الذي تم الاعتداء الوحشي عليه من قبل عناصر عمالية وبوليسية، ثم تم إيقاف مركبات الترام بالقوة بواسطة عناصر انتظمت في مجموعات أمام مبنى الاتحاد لقذف المركبات بالطوب والحجارة لتكسيرها أدي هذا الصدام إلى حل الضباط الاحرار لمجلس نقابة المحامين والصحفيين في 15 ابريل 1954، واعتقال المئات من عضوية النقابتين، وسيطرة التنفيذيين على نوادي اعضاء هيئة التدريس، والاعتداء على المستشار عبد الرزاق السنهوري بمقر مجلس الدولة، بتدبير من الضباط وتنفيذ من قبل بعض المتظاهرين الرافضين للديمقراطية والمؤمنين بالجيش، فيما عرف بعد ذلك في التاريخ ب “قصة ضرب السنهوري بالجزم على سلالم مجلس الدولة”، ثم كانت مذبحة القضاة الأولى في أواخر الستينيات ختام لتأميم الدولة للقضاء.
انتصرت وجهة النظر الجناح العمالي التي كانت تخلط بين الثورة والانقلاب وترفض عودة الجيش لثكناته وترى أن هذا في صالح العمال، وبالفعل التزم الضباط بتحقيق بعض المكاسب للعمال حيث توسعوا في بناء المصانع وتوفير فرص العمل، كما شغل العمال مناصب أعضاء في مجالس إدارات الشركات وحصلوا على حصة من الأرباح، وقاموا بالتأميم الذي حسن من دخول العمال والطبقة الوسطى وأحوالهم المعيشية.. الخ، ونحن نرى أن كل هذا كان من ضمن التكتيكات المتبعة لاحتواء النقابات والتنظيمات العمالية في ذلك الوقت، حيث كان أحد أهداف التوسع في السياسات الداعمة للطبقة العاملة والطبقة الوسطى اقتصاديًّا واجتماعيًّا هو تلطيف علاقة العمال مع الدولة، والسماح لها بتأميم العمل النقابي والسيطرة عليه دون مقاومة تذكر، وهكذا حققت الناصرية مكاسب للعمال، ولكنها حولت تنظيماتهم إلى هياكل صفراء ميتة تعيش في كنف النظام، وتعمل في صفه، وضمنت ولاء البيروقراطية النقابية لها بشكل سياسي مباشر وفج.






