نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
مع اندلاع ثورة يناير قام مجلس نقابة الأطباء مع الحركات النقابية المستقلة، وأبرزها بالطبع “بلا حقوق” و”أطباء التحرير”، بإنشاء وإدارة المستشفيات الميدانية لإسعاف المصابين، كما قاموا بإدانة مهاجمة قوات الأمن للمستشفيات الميدانية، والقبض على المصابين أثناء تلقيهم العلاج بها، إلا أن الدور البارز كان للحركات النقابية والشبابية المستقلة.
كان قانون 100 لعام 1993 قد سقط قبل الثورة بأيام بحكم قضائي، ولم تتح الثورة للنظام فرصة عمل قانون جديد، ليعود قانون 45 لعام 1969، وتخلو الساحة لجماعة الإخوان المسلمين كتنظيم وحيد قوي بعد سقوط الحزب الوطني وحرق مقراته، قام الإخوان باستخدام نفس القانون الموروث من العهد الناصري، لمحاولة احتكار الحركة النقابية بقطاع الأطباء، فوقفوا حجر عثرة دائمًا أمام كل المحاولات الرامية لتعديله، وإعادة هيكلة العملية النقابية بما يوسع من مساحة المشاركة القاعدية والتمثيل داخل المجالس الفرعية والمجلس العام بما يتوازى مع الارتفاع الكبير في أعداد الأطباء.
كما ألقت تحالفات الإخوان السياسية مع المجلس العسكري بظلال ثقيلة على أداء النقابة، فمثلًا بالرغم من قيام وفد من المجلس المحسوب علي جماعة الإخوان بأخذ تصريح من قبل النائب العام بزيارة بعض السجون والوقوف على الأوضاع الصحية للمسجونين، إلا أنه اتخذ موقفًا مخزيًا مما قامت به قوات الجيش من كشوف عذرية على المعتقلات في 2011، حيث رفضوا التحقيق مع الطبيب المجند المسئول عن هذه الواقعة، مما جعل الطبيب المتهم في قضية كشوف العذرية يشيد بدورهم في اظهار براءته وبعقد مؤتمرا صحافيا لمساندته.
كما حاول مجلس النقابة عرقلت محاولات إقرار إضراب مايو 2011، وتزوير قرار الجمعية العمومية للالتفاف على قرار الإضراب، لولا ما قام به الأطباء بعد الجمعية من قطع لشارع القصر العيني بأجسادهم، مما أجبرهم على تمرير قرار الإضراب، وكان لكل هذه الممارسات، بالإضافة إلى الواقع الثوري الذي عزز من المفهوم النضالي للنقابة على حساب المفهوم الخدمي، أثر كبير في تقليص مساحة جماهيرية الإخوان، ليس فقط بين عموم شباب الأطباء، ولكن أيضًا بين الأطباء الشباب المنتمين للجماعة.
في المقابل كان هناك تحديًا كبيرًا داخل هيكل “أطباء بلا حقوق” بعد الثورة، وهو الأعداد الكبيرة من الأطباء التي اندفعت للشأن العام، والتي شكلت معضلة للتنظيم المغلق لبلا حقوق، والذي اكتسب الطابع الستاليني شديد المركزية من قياداته الأكبر سنا مع انشغال شباب الحركة في فعاليات سياسية عديدة للثورة، مما أدى إلى انغماس قطاع من شباب الأطباء في تكوينات بديلة أكثر انفتاحًا أشهرها “ائتلاف شباب الأطباء” والذي كان امتدادًا لحركة شبابية للأطباء تشكلت قبل الثورة بقيادة د. أحمد عاطف أشرنا لها سابقا ومجموعات شبابية أخرى مثل “أطباء التحرير” و”ألتراس أطباء”، كما قام العاملين بمستشفى منشية البكري من أطباء وممرضين وعمال وموظفين بقيادة د. محمد شفيق بإعلان أول نقابة مستقلة تضم كل العاملين بمستشفى واحد، في إعلان صريح للتمرد على ما تم فرضه قانونا بعدم تكون نقابة منشآت للعاملين بالقطاع الصحي تجمع الأطباء وغير الأطباء، وتم عقد مؤتمرها التأسيسي بمقر نقابة الصحفيين يوم 25 مارس 2011، لترسم هذه النقابة طريقاً جديداً للعمل النقابي، متجاوزة بذلك تقسيم العمل النقابي على أساس مهني وعمالي، وتضع اللبنة الأولى في بناء وحدة العاملين بأجر في مواجهة أصحاب العمل والمديرين الفاسدين، وتكون أولى قراراتها اقالة مدير المستشفى بعد تعنته في الاستجابة لمطالب العاملين، واختيار مدير مؤقت للمستشفى لحين إجراء انتخابات حرة بين أكثر من مرشح على موقع المدير.
وطوال 2011و 2012 انتشرت تحركات الأطباء الاحتجاجية العفوية والمنظمة من وقفات احتجاجية ومسيرات واعتصامات وإضرابات كما ظهرت تكتيكات احتجاجية جديدة مثل الإضراب عن الطعام والنزول إلى الشوارع لمسح السيارات تعبيرا عن تدهور حال الأطباء، كما كانت هناك دعوات متكررة مع كل تحدي أو خلاف في الرؤية بين الأطباء، إلى عقد جمعية عمومية واللوذ بسلطتها الديمقراطية، وكان هذا اعترافا عمليا بأنها السلطة العليا الممثلة لعموم الأطباء، وهو ما ستتراجع وتيرته بعد 2013
وسط كل هذا كان الهم الأكبر لبلا حقوق، هو السعي للتواصل وتنظيم هذه الحركات الاحتجاجية عبر عناصرها المنتشرة بالمحافظات، بالتوازي مع الحفاظ على مكانتها وسط تلك الكيانات الشبابية الصاعدة، واستيعاب كوادرها الأبرز، وتوجيه المجهود المشترك بين هذه الكيانات ضد وزارة الصحة وضد نقابة الأطباء ذات الأغلبية الإخوانية.
وبالرغم من النجاح الكبير لهذه السياسة، والتي أسفرت عن دخول د. منى مينا إلى مجلس النقابة العامة في 2011، بعد أول انتخابات نقابية منذ 19 عامًا، ومعها أقلية معتبرة من زملائها، إلا أن بلا حقوق واجهت تحديا آخر كبيرا بداية من منتصف 2012، فعلى عكس الممارسات الستالينية المركزية التي كانت تمارسها القيادة الأكبر سنا داخل الحركة، التي تعزز العزلة بين عضوية بلا حقوق، وجعل نفسها مركز الاتصال الوحيد فيما بينهم، أتاحت ظروف الثورة المصرية والنمو الهائل في وسائل الاتصال فرص كبيرة للتواصل والتنظيم بين ملايين من البشر في مصر، ولم يكن نشطاء بلا حقوق المبعثرين بطول مصر وعرضها استثناء من هذه القاعدة، فقد أتاحت لهم وسائل التواصل الاجتماعي والفعاليات العديدة من مظاهرات واعتصامات وإضرابات، فرصًا عديدة للقاء والتواصل والنقاش، وقد حفز هذا ظهور مراكز مختلفة للتأثير داخل أطباء بلا حقوق موزعة جغرافيا وبرامجيا، وكان كثير من هذه المراكز خاص بـالانتهازيين ذوي الطموحات والمصالح الشخصية، وآخرين معادين للإخوان بشكل براجماتي ورأوا في بلا حقوق فرصة للتغلب على الإخوان كخصوم سياسيين.
كما كان هناك مركز لهؤلاء المهتمين بتطوير الحركة الاحتجاجية للأطباء، ومنحها أبعادًا أكثر جذرية في التعامل مع السلطة، وتجاوز ثنائية الدولة والإخوان، وتحدي مفهوم النقابة المهنية ذات العضوية المختلطة المصالح، وخلق استقطاب طبقي جديد من داخلها بين الأطباء العاملين بأجر وبين أساتذة الجامعات خاصة المساهمين بالمستشفيات الخاصة وأصحاب المستشفيات الخاصة والأطباء التنفيذيين العاملين بالمراكز القيادية للدولة، مع رفض عودة مفهوم النقابة الخدمية، والسعي لترسيخ مفهوم النقابة النضالية في وعي الأطباء، والسعي لتوسيع شبكة التنسيق مع باقي أعضاء المهن الطبية وغيرها من النقابات ومنظمات المجتمع المدني، والسعي لتعميم فكرة نقابة المنشأة التي تضم كل العاملين بها، إقتداءا بتجربة نقابة العاملين بمستشفى منشية البكري، ومثل هؤلاء أقلية شبابية في القاهرة والإسكندرية، وأغلبية شبابية في المنصورة وبورسعيد، كان أحد المكونات الرئيسية لهذا المركز هو “مكتب الأطباء بحركة الاشتراكيين الثوريين” مع العديد من المستقلين، وكانت تجمعهم بالأساس رؤية مشتركة، تنتقد الخط العام لـأطباء بلا حقوق، والمركزية المفرطة في اتخاذ القرارات، والأهم تنتقد رؤية الجناح الأكبر سنا والمتمركز في القاهرة والخاص بطبيعة تكوين ودور النقابة.
كان الخلاف في جوهره بين مجموعة ترى ضرورة فتح أبواب بلا حقوق وكسر العصبوية والمركزية القديمة التي تكاد تخنق الحركة وتقلل من فرص نموها، وبين مجموعة أخرى تخشى من الانفتاح السريع وعواقبه على التماسك والانسجام بين أعضاء الحركة وتصر على الثبات حول المجموعة المركزية القديمة.
كانت هذه المجموعة الأكثر شبابية ترى أن بيت الداء في رؤية الجناح الأكبر سنا هو الرؤية البيروقراطية لطبيعة العمل النقابي التي تفصل تعسفيًا بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي، وما هو مهني وما هو عمالي، وتستسلم لقانون النقابة المعيب على مستوى طبيعة العضوية والنظام الانتخابي وطبيعة التمثيل داخل المجلس وحجمها مقارنة بأعداد الأطباء، كانت تنتقد جعل هذا القانون مرجعية دائمة دون سعي جدي لتغييره، وفرض واقع جديد على الأرض مستغلين المناخ الثوري السائد.
كما كان هذا الجناح البيروقراطي يفترض عزلة نقابة الأطباء عن باقي النقابات وباقي القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة بالمجتمع، ويقتصر دور النقابة على التفاوض مع الدولة، التي يفترض فيها الحياد من وجهة نظرهم، للحصول على بعض المكاسب الجزئية.
كانت هذه المجموعة الشبابية أيضا تنتقد الرؤية التي تخلط بين تحزيب العمل النقابي الذي يعني اختطاف النقابة لصالح كيان حزبي بعينه كما فعل الإخوان في السابق، وبين الدور السياسي للنقابة الذي يعني الانفتاح على قضايا المجتمع مثل الدفاع عن حريات الأطباء وحقهم في النضال من أجل معتقداتهم السياسية دون قيود، والمشاركة الإيجابية في القضايا المجتمعية والقومية مثل القضية الفلسطينية وتحرير سعر الصرف وتحرير سعر الدواء.. الخ، وكان هذا نابع من قناعتهم بأن الحرص الكامل على السعي من أجل تحسين المناخ النضالي العام، هو جزء لا يتجزأ من ضمان أمان واستمرارية النضال النقابي الخاص، فلا يمكن ممارسة العمل النقابي في مناخ سياسي غير منفتح وغير ديمقراطي، كما أنه لا يمكن تحقيق هذا المناخ المنفتح والديمقراطي دون مشاركة للنقابات في النضال السياسي من أجله، وأخيرا كان هؤلاء الشباب ينتقدون حالة التعالي على السياسة ووصمها بالدنس من قبل البعض داخل الجناح الأكبر سنا في بلا حقوق.
وقد كان هذا الخلط والتشوش في الرؤية عند الجناح المحافظ الأكبر سنا داخل الحركة، هو الذي دفع بهم بعد تحقيق الأغلبية داخل مجلس النقابة في 2013، إلى اتخاذ مواقف مخزية رسخت بشكل غير مباشر لغلق المناخ الديمقراطي العام، وبالتالي انعكس هذا في الشأن النقابي الخاص.
وهنا يجب الإشارة إلى أن أحد المشاكل الرئيسية التي واجهت هذه المجموعة من شباب الأطباء الراديكالين، كانت “عدم التفرغ للعمل النقابي” نظرا لالتزاماتهم العائلية والمادية والدراسية وهم في مقتبل العمر، وهذا ما حد من قوتهم وتأثيرهم في مواجهة المجموعة المركزية البيروقراطية المحافظة من كبار السن المتفرغين للعمل النقابي.






