نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
بعد سقوط الإخوان سياسيًا في يوليو 2013، حاول الإخوان تعطيل الانتخابات النقابية بنقابة الأطباء عبر الدعوة لجمعية عمومية 3 اكتوبر لإقرار تأجيل الانتخابات خوفا من الهزيمة وضياع الأغلبية داخل المجلس، وفي هذه الجمعية قاموا باعتداء عنيف على عضوية أطباء بلا حقوق بالضرب والركل بشكل غاية في العنف والبربرية والوحشية، ولكنهم فشلوا في تحقيق الأغلبية والتصويت لصالح قرار تأجيل الانتخابات.
حققت «أطباء بلا حقوق» الأغلبية داخل المجلس العام لنقابة الأطباء في 13 ديسمبر 2013، والتي لم تتحقق سوى عبر تحالفات انتخابية واسعة مع أحزاب وقوى سياسية في انتخابات مقاعد النقابة العامة والنقابات الفرعية، بين الحركة وعناصر محسوبة على الدولة وداعمة صراحة لنظام دولة 30 يونيو في “قائمة الاستقلال”، وقامت الحركة بذلك بالتوازي مع حصار ثم فصل وتجميد كوادرها الأكثر جذرية ممن وقفوا ضد عقد هذه التحالفات (تم الفصل بدون لجنة تحقيق)، وكانوا هم بالضبط نفس المجموعة الشبابية التي كانت على خلاف في السابق حول الخط العام والرؤية لطبيعة النقابة ودورها، وما يبرز هذا أن من أسباب هذا الفصل من «أطباء بلا حقوق» كان بيان “لن نصمت ولن ننحاز.. كفانا هوانا” الذي أصدرته هذه المجموعة ضد ما حدث للأطباء في المستشفيات الميدانية في انتهاكات الحرس الجمهوري ورابعة العدوية وما حدث من اعتقالات للأطباء وأعضاء في مجالس نقابات عامة وفرعية وأساتذة جامعات بسبب خلفياتهم السياسية (ملحق 1)، بالإضافة إلى إعلانهم الانسحاب من قائمة الاستقلال.
وجب التنويه هنا إلى حدث سابق على هذا الفصل، وأثناء مناقشة الموقف من المشاركة في الانتخابات على “قائمة الاستقلال”، وهو حدوث خلاف داخل هذه المجموعة الراديكالية بين المقاطعة الكاملة مع تحالف «أطباء بلا حقوق» الانتخابي “قائمة الاستقلال” بالشكل البيروقراطي والتحالف الانتهازي الحالي، لعدم تقديم الدعم لشخصيات شديدة الانتهازية بالقائمة، وبين رؤية أخرى كانت ترى ضرورة الاستمرار في التحالف الانتخابي، مع الإعلان عن تحالف راديكالي من داخل المجلس بمجرد انتهاء الانتخابات، نظرًا لأن صعود الفاشية العسكرية البادي في الأفق قد لا يسمح بمشاركة هذه العناصر في انتخابات جديدة، وأن القدرة على التغيير ستكون أفضل من داخل النقابة، وكانت أصوات الأغلبية المطلقة داخل هذه المجموعة لصالح المقاطعة، لتعلن في بيان لها عن انفصالها عن قائمة الاستقلال، وخوضها الانتخابات بشكل مستقل، ولم ينجح من هذه المجموعة بعدها سوى عضو بمجلس النقابة العامة هو د. عمرو الشورى وعضو بنقابة فرعية.
ليرث هذا المجلس الإخوان في النقابة، وكما فعل الإخوان في المجالس السابقة من اختطاف للنقابة لصالح الإخوان، فقد اختطف مجلس النقابة الجديد المجلس في الاتجاه المضاد للإخوان، فلم يسعوا جديًا لتعديل القانون واللائحة السلطوية المنظمة للعمل النقابي، ولم يعيدوا النظر في طبيعة العضوية داخل المجلس، بحيث يتم التحالف في القوائم الانتخابية مع غير العاملين بالجهاز الإداري للدولة وأصحاب الأسهم بالمستشفيات الخاصة وأساتذة الجامعات، بل على العكس كانت تحالفاتهم الانتخابية ترتكز عليهم طوال الوقت في انتخابات 2013 و2015 و2017 و2019.
كما لم يسعوا إلى تغيير النظام الانتخابي وتفعيل الشكل الذي نجح في مستشفى منشية البكري، أو على الأقل تفعيل لجان نقابية بالمستشفيات، وتوسيع التمثيل النقابي ليتناسب مع أعداد الأطباء، كما اختاروا العمل تحت سقف النظام الجديد والتفاوض داخل غرفة المغلقة دون تجاوز الخطوط الحمراء، وغضوا الطرف عن انتهاكات المستشفيات الميدانية في رابعة والنهضة ومسجد الفتح، وتجاهلوا اعتقالات بالجملة بين الأطباء، حتى بلغ الأمر عدم التضامن مع أعضاء معتقلين بعضوية مجلس النقابة العامة والفرعيات لمجرد انتمائهم للإخوان، وغضوا الطرف عن ما يحدث من انتهاك للأوضاع الصحية للمعتقلين، ليس هذا فقط بل أعلنوا عن حل حركة اطباء بلا حقوق وذلك بعد فصل عضويتها الراديكالية بشهور، ليفقد الأطباء واحد من أهم التنظيمات المستقلة التي اكتسبها منذ 2008.
كما غلبت لغة الخطابات والمناشدات على اللغة النضالية، وغلب السعي عبر مخاطبة النواب البرلمانيين وعمل وقفات رمزية في أقصى الأحوال، دون سعى جاد لتصعيد المواجهة والاستعانة بالجمعية العمومية، وتم تكرار عبارات من نوعية أن نقابة الأطباء نقابة مهنية وليست نقابة عمالية على لسان الكثير من عضوية مجلسها.
وهنا نود ذكر أن بعض عضوية النقابة قد قاموا بالانتقاد العلني لمشاريع قوانين فرضتها الدولة مثل مشروع قانون التأمين الصحي الجديد وقانون المستشفيات الجامعية الجديد، كما قاموا بعمل جبهات نقابية وسياسية واسعة للمطالبة بزيادة موازنة الصحة وفقا للدستور الجديد، وكان هذا التحالف في جوهره امتداد للجنة الدفاع عن الحق في الصحة التي نشأت قبل الثورة، ولكن غلبت لغة المخاطبة والمناشدة وتقديم النصائح للحكومة، على لغة المواجهة والتصعيد والاستعانة بالجمعية العمومية وفتح جبهات نضالية على هذه القضايا.
كما عاد مفهوم النقابة الخدمية، وإعلانات الرحلات ومعارض السلع المعمرة ومشاريع العلاج، إلى تصدر الصورة من جديد، بل وصل الأمر إلى عمل إعلانات من قبل بعض ممثلين النقابة عن فرص عمل خارج مصر للأطباء!!






