نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
وفي المقابل شكلت الجبهة المفصولة من “أطباء بلا حقوق” ما عرف بعد ذلك باسم “رابطة العاملين بالصحة”، تعبيرًا عن رغبتهم في الانفتاح على باقي نقابات العاملين بالقطاع الصحي، ومرفق بيان توضيحي نشر على صفحة الرابطة للتعريف بها:
(نشأت رابطة العاملين بالصحة منذ 2013 لتضم أعضاء من كل مقدمي الخدمة الصحية (أطباء، صيادلة، أسنان، تمريض) العاملين في وزارة الصحة والمستشفيات الخاصة وسلاسل الصيدليات الكبرى، وهي التي قادت إضراب الأطباء، والصيادلة، والأسنان في 2014. وتهدف الى ربط كل نضالات مقدمي الخدمة الصحية من أجل الارتقاء بالمستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، لمقدمي الخدمة الصحية والانفتاح على النضال المجتمعي من أجل خدمة طبية حقيقية تلبي حاجة المريض الفقير والدفاع عن حقه في تنظيم نفسه من أجل الحصول على حقوقه كاملة).
واستمرارًا لنفس الأداء الذي فرضه السقف المنخفض والتحالفات القائمة لمجلس النقابة، رفض مجلس النقابة الجديد التنسيق مع نقابات المهنية الأخرى في إضراب يناير 2014 المحدود والمعروف بين الأطباء بإضراب “أطبطب وأدلع” لضعفه وعدم فاعليته، حيث كان مقرر عمل إضراب ليوم في الأسبوع، لمناشدة الحكومة بشكل رمزي بتنفيذ بدل المهن الطبية وغيرها من المطالب، ليس هذا فقط، بل خرجت د. منى مينا أمين عام نقابة الأطباء بمقال كبير في 8 فبراير ٢2014 بعنوان “لا يمكن كسب المعارك بدون جيش”، تعلن فيه عن استقالتها المسببة بإلقاء اللوم على جيوش الأطباء، تتهمهم فيه بالتخاذل وعدم النشاط، وكان المقال يحمل بداخله تعاليًا شديدًا، يذكرنا بخطاب الحكومة عندما تحاول رفع المسئولية عن نفسها وتحميلها لوعي المواطن.
هذا المقال الذي جاء الرد عليه سريعًا، بقرار الإضراب القوي لجميع العاملين بالقطاع الصحي في الجمعية العمومية 21 فبراير 2014، وتصويت جموع الأطباء على قرار الاضراب الجزئي المفتوح بداية من يوم 8 مارس 2014.
هذا القرار الذي شمل جميع العاملين بالقطاع الصحي من أطباء البشريين وأطباء الأسنان والصيادلة والفنيين والتمريض العاملين بوزارة الصحة، وشكلت لجنة تنسيقية بين نقابة الأطباء ومجلس نقابة الصيادلة ومجلس نقابة أطباء الأسنان للتنسيق من أجل إدارة الإضراب بشكل ناجح.
ليتم تنفيذ أكبر إضراب قطاعي للعاملين بالصحة في تاريخ مصر الحديث والذي استمر لـ60 يومًا، رافقه حملة واسعة لجمع الاستقالات الجماعية المسببة ووقفات احتجاجية امام دار الحكمة وبالعديد من المحافظات، كم تم تنظيم مسيرة حاشدة الي مجلس الوزراء بتاريخ 28 ابريل 2014.
تصدر لقيادة هذا الإضراب من الأطباء البشريين الأعضاء المفصولين والمجمدين من عضوية أطباء بلا حقوق الذين شكلوا رابطة العاملين بالصحة، مع أقلية من مجلس النقابة المنتخب بترشيح من دكتور أحمد حسين عضو النقابة العامة في الجمعية العمومية، وكان دكتور أحمد حسين أحد هذه الأقلية المشاركة في تنظيم الإضراب مع دكتور إيهاب الطاهر.
في الوقت الذي وقف فيه أغلبية هذا المجلس ضد إضراب الأطباء في مارس 2014 ونعتوه بالإضراب المسيس، مثل د خالد سمير الأستاذ الجامعي وعضو مجلس النقابة العامة الناجح على “قائمة الاستقلال” والمسئول عن اللجنة التأديبية بنقابة الأطباء، ولم يقدم اغلبيتهم العون للجنة الإضراب التي شكلتها الجمعية العمومية من خارجه، بل سجلت محاولات من بعض أعضاء تحالف قائمة الاستقلال لكسر هذا الإضراب ببعض المستشفيات، وتساهل ومماطلة من قبل اللجنة التأديبية التي يديرها د. خالد سمير مع الأطباء كاسري الإضراب والامتناع عن محاسبتهم، مما دفع لجنة الإضراب لعمل بلاك ليست بأسماء الأطباء غير الملتزمين بالقرار.
كما تجاهل المجلس كذلك قرار جمعية عمومية تالي أقر ضم أعضاء مجلس النقابة العامة للجنة الإضراب لإجبارهم على العمل وتقديم العون للإضراب، ومارسوا نفس فعل الإخوان في 2011، حيث قاموا بتزوير قرار الجمعية العمومية بعد التصويت عليه، كما استضافوا وكرموا وزير الصحة المحوَّل للجنة آداب المهنة من قبل لجنة الإضراب في يوم الطبيب 18 مارس.
وفي المقابل كانت هناك عيوب كبيرة في “رابطة العاملين بالصحة”، فبالرغم من صمودها البطولي وقيادتها لأكبر إضراب قطاعي في تاريخ مصر، وهو الإضراب الذي أجبر الحكومة على زيادة وإقرار بدل المهن الطبية، بعد لقاءين من ممثلي لجنة الإضراب مع رئيس مجلس الوزراء ولقاءات عديدة بينهما مع ممثلين عن وزارة الصحة ووزارة المالية، إلا أن انتماء أعضاء الرابطة لفئة الشباب خلق “عدم تفرغ للعمل النقابي” نتيجة المسئوليات العائلية والأعباء المالية والدراسية، وبالتالي قلل من دور الرابطة بعد الإضراب.
لتكتفي الرابطة بعد ذلك بعدة فعاليات احتجاجية، مثل الوقفة التي نظمتها على سلالم النقابة ضد جهاز فيروس سي التابع للقوات المسلحة المعروف إعلاميا بجهاز الكفتة، وكان شعارها “يسقط حكم الكفتة”، تضامنًا مع دكتور محمد فتوح (كان د. فتوح قد أعلن استقالته من حركة “أطباء بلا حقوق” اعتراضا على قرار فصل العضوية السابق ذكره) وطالب المشاركين في الوقفة بتحويل الأطباء المشاركين في الترويج لجهاز الكفتة إلى لجنة آداب المهنة ورفض القرار القضائي الصادر ضد دكتور فتوح لانتقاده العلني للجهاز وداعميه من الأطباء، هذه الوقفة التي رفض أعضاء مجلس نقابة الأطباء المشاركة فيها بالبداية، ولكن بعد التهديد بفضحهم إعلاميًا قاموا بالمشاركة فيها.
وكانت رابطة العاملين بالصحة أول من طالب في فبراير 2014 برفع قضية للمطالبة ببدل العدوى، ولكنهم أرفقوا هذه المطالبة بضرورة التحرك على الأرض وتفعيل خطوات احتجاجية، مثل المسيرات السلمية، أو حملات جمع التوقيعات، أو الاستقالات الجماعية المسببة، لدعم هذا التحرك القانوني.
كما قاموا بالدعوة لـ«إيفنت» لحضور الحكم النهائي للمحكمة ببدل العدوى للأطباء في نوفمبر 2015، والدعوة إلى يوم تضامني مع الأطباء المعتقلين في 26 ديسمبر 2015، والمشاركة في الانتخابات النقابية على “قائمة التحرير” التي لم يكتب النجاح لأي من أعضائها (ومن الجدير بالذكر أن من مطالب الرابطة في هذه الانتخابات أن يكون المرشح على مقعد النقيب أحد العاملين بوزارة الصحة وليس أستاذًا جامعيًا).
كما قاموا بعد ذلك بتنظيم وقفة تضامنية صباح يوم الجمعية العمومية “يوم الكرامة” في 12 فبراير 2016 مع بانر كبير عليه صور الأطباء المعتقلين، للمطالبة بالإفراج عن هؤلاء الأطباء وغيرهم من الأطباء المعتقلين على خلفية سياسية، وطالبوا بتحسين أوضاع السجون، وحق المعتقلين في الرعاية الصحية، ومن الجدير بالذكر أيضًا أن مجلس النقابة قام بإنزال هذا البانر بحجة أنه رمز سياسي.
ولكن الغالب كان حضورهم على مواقع التواصل الاجتماعي، في بيانات عديدة للتضامن مع الأطباء، والصيادلة، والتمريض، وحتى العمال الذين يعملون في ظروف غير آمنة صناعيًا، وعمال النقل العام في الدفاع عن حقهم في الإضراب، وعمال الترسانة البحرية ضد محاكمتهم عسكريًا، والصحافيون ضد اقتحام الأمن لمقر نقابتهم وفض الاعتصام بالقوة، وضد غلق مركز النديم، وبيانات أخرى ضد تحرير سعر الدواء، وضد نظام التأمين الصحي المعيب، وحتى بيانات للتضامن مع القضية الفلسطينية، ومع تحركات تجمع المهنيين في السودان. كما طالبت الرابطة في أكثر من بيان بتشكيل تجمع مصري للمهنيين للوقوف في وجه تغول السلطة، وبطشها بكل الحقوق والمكتسبات والحريات النقابية والسياسية، ونشر عضويتها عدة مقالات وقاموا بمداخلات تلفزيونية للتحدث بشأن بعض القضايا، مثل التعليق على مادة الصحة بالدستور ، انتقاد مشروع قانون المستشفيات الجامعية ، ومشروع قانون التأمين الصحي الجديد ، وقرار تحرير سعر الدواء، وبيزنس الصحة في مصر .. الخ، وأخيرا قدمت الرابطة اثنين من المعتقلين، ثم تدريجيًا توقف نشاطها، إلا من بعض المقالات الفردية على مواقع التواصل الاجتماعي.






