نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
لا يمكن قراءة كل ما سبق بمعزل عن الوضع السياسي العام، فبعد 30 يونيو مباشرة كان الاستقطاب قائمًا على العداء للإخوان، وكان من يطلق عليهم اسم قوى مدنية، بالإضافة إلى نقابيين معروفين مثل كمال أبو عيطة من الداعمين لنظام 30 يونيو، أعضاء في حكومة الببلاوي، ومن الجدير بالذكر أن منصب وزارة الصحة عُرض على د. منى مينا المتحدث الإعلامي لأطباء بلا حقوق وعضو مجلس النقابة العامة بعد 30 يونيو بأيام في الحكومة نفسها، ولكن أغلبية أعضاء الحركة صوتوا لصالح رفض المنصب (كان موقف المجموعة الراديكالية الرافض تمامًا لتولي عضو بالحركة أي منصب في هذه الحكومة هو الذي رجح قرار الرفض، وجرى فصل هذه المجموعة بعد هذا الموقف بشهور قليلة كما سردنا سابقًا).
أقرت حكومة الببلاوي قانون منع التظاهر، ورفعت مدة الحبس الاحتياطي، وأعطت الأمر بفض اعتصام رابعة والنهضة، وكل الانتهاكات التي ارتكبت ضد الإسلاميين بهذه الاعتصامات وغيرها. وبالطبع امتد هذا التحالف وألقى بظلاله على أداء مجلس نقابة الأطباء في الشهور الأولى، حتى لو ادعى الحياد، فصمت المجلس بشكل شبه كامل عن الانتهاكات وفض المستشفيات الميدانية بالقوة واعتقال الأطباء والنقابيين، وعلى مستوى الرعاية الصحية المقدمة للمعتقلين بالسجون حتى لو كانوا من الأطباء، ورجح النهج التفاوضي والقضائي والقانوني في التعامل مع مشكلات الأطباء ومظالمهم بين النقابة والحكومة، وتعمد تثبيط أي محاولات للتصعيد المطلبي ضد الحكومة، وقد سردنا في السابق موقف المجلس من إضراب 2014م، كما أنه رغم صدور حكم محكمة ببدل عدوى 1000 جنيه للطبيب في نوفمبر 2015، لم يقم المجلس بالدعوة لجمعية عمومية لحشد الأطباء على تصعيد مناسب للضغط على الحكومة من أجل تنفيذ الحكم الذي طعنت وزارة الصحة عليه، وأكتفى بالدعوة لهاشتج #نفذواـ بدل ـ العدوى و #أنقذواـ بدل – العدوى.
ملاحظة 1: ما حدث لا يختلف كثيرًا عما قام به الإخوان بعد الثورة مباشرة إلا في حجم الدماء، فكما انعكست التحالفات السياسية للإخوان على أداء مجلس النقابة، سواء مع المجلس العسكري، أو بعد وصول محمد مرسي للحكم، انعكس تحالف القوى المدنية مع المجلس العسكري في أداء مجلس النقابة الجديد أيضًا.
ملاحظة 2: بمجرد تحقيق تحالف بلا حقوق الانتخابي الأغلبية داخل المجلس في 2013 اختفى من المشهد اسم “أطباء بلا حقوق” وأعلن عن حل الحركة وحلت محلها “قائمة الاستقلال” (استخدم هذا الاسم انتهازيون وفلول الحزب الوطني في مواقع أخرى) ليحل هذا التحالف الانتخابي محل الكيان النضالي السابق عليه في دلالة واضحة.
مع انتخابات أكتوبر 2015 التي حققت فيها قائمة الاستقلال أغلبية ساحقة، كان هناك في العمق تحالف من نوع جديد يتشكل داخل المجلس، فالقيادة القديمة صاحبة التاريخ النضالي الطويل، رأت بعدما تخلصت من قواعدها الأكثر راديكالية في 2013 (الأمر الذي خلق حالة كبيرة من الفراغ)، ضرورة سد الفراغ بتحالف جديد يضم قطاعات من الأطباء سهلة الانقياد، وتفتقد للتجربة النقابية والخبرة النضالية الطويلة، والأهم الرؤية السياسية الشاملة، وهو ما عزز من قوة الجناح البيروقراطي والانتهازي داخل المجلس، ليتصدر المشهد د. حسين خيري ود. أسامة عبد الحي، وهم أساتذة جامعة معادون لفكرة الإضراب، إلى جوار د. منى مينا ود. إيهاب الطاهر العاملين بوزارة الصحة والمؤيدين القديمين لفكرة الإضراب، جرى هذا في الوقت الذي كانت فيه تحالفات 30 يونيو على المستوى السياسي العام قد تفككت نسبيًّا، وجرت الإطاحة بالجناح السياسي المدني من الحكومة، وبدأت التهديدات الصريحة والمبطنة للنقابيين، مما خلق فتورًا في العلاقة بين النظام والجناح الإصلاحي الذي شارك في ٣٠ يونيو وامتداده داخل نقابة الأطباء والمتمثل في “قائمة الاستقلال”، هذا الفتور كان يحتاج بعض الضغط المحسوب لتحريكه بما لا يخلق صدامًا كبيرًا مع السلطة، بحجة أنه يجب ألا نهز المركب حتى لا يعود الإخوان. وكانت هذه هي الصورة لحظة أحداث مستشفى المطرية (دار الحكمة يسيطر عليه تحالف بيروقراطي وانتهازي، ولحظة جفوة شديدة بين القوى المدنية المشاركة في النظام الجديد).
أما على مستوى قواعد الأطباء في المستشفيات، فقد كان لتراكم النضال لسنوات أثر كبير في الارتفاع بمستوى وعي عموم الأطباء حول مفهوم العمل النقابي، بجانب تزايد حدة الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الطبيب بوصفه جزءًا من المجتمع، كما شكَّلَ توحش الداخلية حافزًا قويًّا آخر خاصةً مع تزايد حالات تعدي أفراد الداخلية على الأطباء، بقتل طبيب الإسماعيلية البيطري، ثم قتل طبيب الفيوم، واعتقال الطبيب أحمد سعيد، والطبيب طاهر مختار، كل هذا خلق حالة تراكمية من الغضب، وكانت أحداث مستشفى المطرية هي الشرارة التي فجرت هذا كله.
حيث انه في تمام الساعة الثانية مساء يوم الخميس 29 يناير 2016 اقتحم اثنان من أمناء الشرطة التابعين لقسم المطرية المستشفى، وقاموا بالاعتداء على إثنين من الأطباء بها هما د. أحمد محمود ود. مؤمن عبد العظيم بعد رفضهما عمل محضر طبي كاذب لأحدهما وتسجيل إصابة غير حقيقية به، ثم اقتياد الطبيبين إلى قسم المطرية إمعانا في التنكيل بهما، مما دفع أطباء المستشفى للإضراب وإغلاق قسم الطوارئ.
لينفجر غضب عموم الأطباء، وتتم الدعوة لجمعية عمومية تاريخية في 12 فبراير 2016، حضرها أكثر من 10 آلاف طبيب، تظاهروا قبلها أمام دار الحكمة ضد الداخلية دون تصريح، في تحد صارخ لقانون منع التظاهر.
ولكن في المقابل، وجدنا د. حسين خيري نقيب الأطباء يهدد من فوق منصة الجمعية بالاستقالة من منصبه في حال تم التصويت لصالح قرار الإضراب الجزئي المفتوح، ليس هذا فقط، بل عبر بنفسه إلى الجانب الآخر من الطريق قبل انعقاد الجمعية العمومية بدقائق لإلقاء التحية على قيادات الداخلية التي تحاصر مقر النقابة، وعندما ارتفع صوت هتاف الحضور بالقاعة “الداخلية بلطجية”، أخرستهم المنصة بالهتاف “مهنية.. مهنية” حتى توقف الهتاف المعادي للداخلية من الحضور، وحتى قبل الجمعية لم يصدر أي بيان من النقابة بخطوات تصعيدية واضحة ليتم التصويت عليها، فرغم إعلان مجلس النقابة، ربما تحت ضغط الغضب الكبير لعموم الأطباء، الوقوف بجانب أطباء مستشفى المطرية وحقهم في الامتناع الاضطراري عن العمل لحين اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه بلطجة أمناء الشرطة وحماية المستشفى بشكل حقيقي، وتوجه وفد من النقابة إلى مكتب النائب العام للمطالبة بفتح تحقيق فوري في القضية، إلا أن معظم أعضاء المجلس كانوا في حالة تردد حول كيفية التصعيد وطبيعة المطالب التي سوف يجري طرحها على الرأي العام في الجمعية العمومية القادمة، كما كان يسيطر عليهم هاجس العداء للإخوان، وضرورة ألا نهز المركب ونصطدم بالحكومة حتى لا يعودوا، وللأسف ما حدث هو أن دفعت قيادة الجمعية العمومية ونقيب الأطباء القرارات في اتجاه بعيد عن الإضراب والصدام مع الحكومة، لينتهي الأمر باتخاذ قرار تقديم العلاج المجاني بالكامل، دون العمل على وضع آليات أو لجان أو خطة حقيقية لتنفيذه.
في البداية رجَّ الحكومة بشدة مشهد التجمع الكبير للأطباء وهتافهم ضد الداخلية، مما دفعها إلى تحديد موعد للقاء أعضاء مجلس النقابة مع رئيس الوزراء، وهو ما جرى التراجع عنه لاحقًا واستبداله بلقاء مع وزير الصحة، وهو ما جرى التراجع عنه أيضًا بعدما تكشَّف للحكومة يومًا بعد يوم مدى ضعف القرارات التي صدرت عن الجمعية العمومية، وتردد مجلس النقابة وعدم جديته في التصعيد ضدها، وإن جل ما يريده المجلس هو المسار القضائي والحصول على حكم ضد أمناء الشرطة كحد أقصى وفقط. ومن ثم تجاهلت الحكومة الأمر بشكل واضح، كما جاء قرار الرئيس بالتجديد لوزير الصحة الذي حولته الجمعية العمومية للجنة آداب المهنة، تتويجًا لهذه الاستهانة، ليصل الحال إلى عزوف الأطباء عن حضور جمعية 8 أبريل من العام نفسه في رسالة رمزية لمجلس النقابة.
ملاحظة 3: عند مقارنة بين الجمعية العمومية الحاشدة في 2012 والتي أقرت الإضراب، بجمعية يوم الكرامة 2016 التي تمخضت عن قرار العلاج بالمجان، نجد تضاعف أعداد الأطباء المشاركين في الجمعية من 1500 في 2012 إلى 10 آلاف طبيب في 2016، ورغم ذلك لم يتم إقرار الإضراب!! ويرجع ذلك لعدة عوامل، أولها ان المناخ العام كان عقب ثورة مضادة، وثانيا انه كان قد تم حل أطباء بلا حقوق وفصل عضويتها النشطة وبالتالي لم تكن موجودة بنفس القوة بين جموع الأطباء لحشدهم على قرار الإضراب، ثالثا ضعف رابطة العاملين بالصحة بعد اعتقال وعدم تفرغ معظم عضويتها، وأخيرا عدم وجود ممثل حقيقي للإضراب على المنصة حيث كان معظم تركيبة المجلس رافضة أو على لأقل غير محبذة لفكرة الإضراب والصدام مع الحكومة، وبالتالي جاء قرار العلاج بالمجان والذي جاء باقتراح عشوائي من أحد الحضور، وكان مسمى براق، ولكنه دون آليات حقيقية لتنفيذه كما سنعرض في ملحق 3.
ملاحظة 4: على عكس التراث النضالي لبلا حقوق الذي كان ضمنا يحارب الفصل التعسفي بين النقابات العمالية والنقابات المهنية، هذا الفصل الذي تحاول الدولة الترسيخ له، ارتفع الهتاف من فوق المنصة (مهنية.. مهنية) للتأكيد على تبني المنصة أو على الأقل استسلامهم لرؤية الدولة حول طبيعة نقابة الأطباء.
وسنكتفي بهذا القدر من عرض تاريخ نقابة الأطباء، ونتوقف عند هذه اللحظة المفصلية في تاريخ نقابة الأطباء، وهي “يوم الكرامة” باعتباره يوما فارقا في تاريخ العمل النقابي للأطباء، بعد فشله فقد الأطباء الثقة إلى حد بعيد في جدوى العمل النقابي والخلاص الجماعي وساد منطق الخلاص الفردي، فتدفق سيل من استقالات الأطباء بشكل فردي وغير منظم من وزارة الصحة تمهيدا لهجرتهم للعمل بالخارج، ففي 2016 استقال 1044 طبيب من مستشفيات وزارة الصحة، وفي 2017 استقال 2049 من مستشفيات وزارة الصحة، وفي 2018 استقال 2379 طبيب من مستشفيات وزارة الصحة، وفي 2019 استقال 3212 طبيب من مستشفيات وزارة الصحة، وفي 2020 استقال 2854 طبيب من مستشفيات وزارة الصحة، وفي 2021 استقال 3471 طبيب من مستشفيات وزارة الصحة، ليترك اكثر من 62% من الأطباء العمل رسميا بالحكومة وفقا لتصريحات د. احمد حسين عضو مجلس النقابة السابق. كما ضعف نفوذ مجلس النقابة، ليس فقط أمام جموع الأطباء، ولكن حتى أمام الحكومة ومؤسساتها، فصار التهجم على عضوية مجلس النقابة إعلاميا شيء متكرر ومعتاد، ووصل الأمر الى حصار النقابة بالأمن، ومنع عضويتها من الدخول لعقد مؤتمر صحفي إبان أزمة كورونا في يونيو 2020.






