بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين

« السابق

ملحق 3

مقطع من مقال “الأطباء بين جمعيتين عموميتين” الذي نشر على بوابة الاشتراكي بتاريخ 6 ابريل 2016.
……………

لماذا انتهى قرار تقديم العلاج بالمجان إلى لا شيء؟


ربما يبدو للوهلة الأولى أن تقديم جميع الخدمات الطبية بالمجان للمواطنين هو إجراء أضعف من تنفيذ إضراب عن العمل في المستشفيات وأقل تحديًا للدولة، أو ربما هذا ما تصوره أعضاء مجلس النقابة أثناء الجمعية العمومية فتلقفوا الاقتراح هربًا من التورط في تنظيم إضراب مشابه لإضرابات الأعوام السابقة. لكن في حقيقة الأمر، فإن تفعيل مثل هذا القرار يعني ما هو أكثر بكثير من الإضراب الذي هو في جوهره (الامتناع عن العمل) ويتجاوزه إلى العمل وفق السياسة والأهداف التي يضعها العاملون أنفسهم، بمعنى الإدارة الذاتية للمنشأة أو المؤسسة من العاملين فيها رغمًا عن الدولة، وهو في ذلك يمثل تحديًا أشد وطأة من الإضراب وأكثر قوة وأعظم تأثيرًا.

لكنه في المقابل يتطلب لتنفيذه على أرض الواقع أكثر من مجرد قرار يكتفي مجلس النقابة بإعلانه، أو وضع “بروتوكول” على الورق للاسترشاد كما حدث.
ولفهم صعوبة تفعيل مثل هذا القرار، علينا تسليط الضوء على الأشكال الرئيسية للخدمات العلاجية التي تقدمها المستشفيات الحكومية. بشكل عام ومختصر، تقدم المستشفيات الحكومية ٣ أنواع رئيسية من الخدمة: النوع الأول هو “خدمة العلاج المجاني للحالات غير الطارئة”، والمقصود بهذه الحالات هي الأمراض التي لا تشكل تهديدًا للحياة أو يُحتمل حدوث مضاعفات شديدة بسببها، ولا تتطلب التدخل الطبي الفوري. وهذه الخدمة تُقدم في ساعات العمل الرسمية نهارًا، ويتلقى فيها المريض الفحوصات والعلاج مقابل تذكرة بقيمة جنيه أو اثنين في أغلب المستشفيات، وإذا استدعت الحالة فقد يتم حجزها بالقسم الداخلي بالمستشفى تمهيدًا لإجراء تدخل جراحي أو لتلقي المزيد من العلاج.

النوع الثاني من الخدمة العلاجية هي خدمة “استقبال الحالات الطارئة والحوادث”، وهي خدمة يتم تقديمها على مدار الـ 24 ساعة طوال الأسبوع ولا تتأثر بالعطلات الرسمية، وهي تختص بالحالات التي تتطلب التدخل الطبي الفوري، وهذه الخدمة مجانية بالكامل.

أما النوع الثالث فهو الخدمة الطبية بمقابل أو “العلاج الاقتصادي”، وهي خدمة تُقدم بمقابل مادي يدفعه المريض بشكل مباشر، أو بصورة غير مباشرة من خلال التأمين الصحي أو بعد الحصول على قرار بالعلاج على نفقة الدولة.

لكن بالرغم من وجود الخدمة الطبية المجانية بشكل عام، فإن المريض قد يضطر إلى اللجوء لتلقي الخدمة بمقابل، نتيجة أسباب لا حصر لها، منها على سبيل المثال عدم توفر أنواع معينة من الأدوية أو الفحوصات في القسم المجاني، أو نفاد أنواع أخرى وعدم كفايتها، أو تكدس الأقسام الداخلية المجانية في المستشفيات وعدم وجود أَسرَّة، وغيرها من الأسباب.

من هنا يتبين بسهولة أن مجرد اتخاذ قرار بتقديم الخدمات الطبية بالمجان لا يعني أكثر من مجرد الإعلان عن الالتزام بتنفيذ القرارات الوزارية المنظمة لعمل المستشفيات الحكومية، أي لا يضيف جديدًا، إلا إذا تمت تغطية القصور في الخدمة المجانية من خلال الاعتماد على الموارد المتوفرة في الأقسام “الاقتصادية”، وهنا تكمن الصعوبات الجمة، فالقواعد المنظمة للعمل داخل المستشفيات تفصل فصلًا تامًا ماليًا وإداريًا ودفتريًا في تقديم الأنواع السابقة الذكر من الخدمات الطبية، بمعنى أن في كل مستشفى تتواجد صيدليات ومخازن مستقلة ومنفصلة تماما للأدوية والمستلزمات المخصصة لكل نوع من تلك الخدمات الثلاث، وهي عهدة منفصلة يوقع باستلامها صيادلة وفنيون أو تمريض مختلفون لكل نوع، وبناءً على ذلك فلا يمكن لصيدلي في القسم الاقتصادي مثلًا أن يقوم بصرف دواء ما مقيد في دفاتر القسم الاقتصادي دون أن يتلقى إيصالًا أو ما يفيد بدفع المقابل المادي له، وإلا وقع تحت طائلة القانون بتهمة التبديد أو الاختلاس.

يتضح بذلك إلى أي مدى يمثل قرار (ذو معنى) بتقديم كامل الخدمة الطبية مجانًا تحديًا سافرًا للدولة وقوانينها ولوائحها، وكيف يتطلب تطبيقه سيطرة كاملة على المستشفيات، وتنحيةً تامةً لإداراتها، وهو ما يستحيل تنفيذه دون لجان إدارة بديلة قوية وثورية في كل مستشفى، وتنسيق كامل مع كل الفريق الطبي وممثليه من صيادلة وتمريض وفنيين، وحتى الموظفين، ودعاية ضارية تكسب المرضى لصالح تلك الإدارات البديلة وتحث المواطنين والرأي العام على حمايتها وعدم السماح بالتنكيل بها.

باختصار، فإن تنفيذ هذا القرار بشكل واقعي يتطلب جهدًا وإعدادًا يفوق بكثير ما يتطلبه تنفيذ إضراب على مستوى الجمهورية، وهو ما لم يلتفت له مجلس النقابة في حينه، ولم يحاول القيام به بعد ذلك، واكتفى بمجرد توجيه مكاتبات تنصح ببعض الحيل التافهة غير العملية للأطباء للإفلات من المساءلة القانونية عند تقديم العلاج المجاني للمواطنين من خلال صيدليات قسم “الاستقبال والطوارئ” الفقيرة أصلًا، دون الاقتراب من موارد الأقسام الاقتصادية، لينتهي الأمر إلى شكل دعائي مفرغ من أي مضمون، ودون أي فارق محسوس لدى المرضى أو حتى الأطباء الذين كانوا على استعداد كبير لتحدي الحكومة قبل جمعيتهم العمومية وخلالها، ثم فوجئوا بقرارات لا تعني أكثر من تنفيذ القواعد الحكومية والوزارية للعمل، ومع قيادات نقابية لم تجهد نفسها فيما هو أكثر من إرسال فاكسات بـ”بروتوكول” مكتوب للمستشفيات، وحتى هذا الأخير فطن الأطباء سريعًا إلى أنه لا يقدم شيئًا غير إيهام المرضى بأن الأطباء “يفعلون شيئًا مختلفًا” من خلال إجبار المرضى على التوجه لقسم الاستقبال للحصول على تذكرة مجانية بدلًا من دفع جنيهًا واحدًا قيمة تذكرة العيادات الخارجية، لينتهي الأمر بالأطباء بتجاهل كل ذلك بعد أيام قليلة جدًا، كما فعلت الدولة تمامًا، تاركًا لديهم قدرًا كبيرًا من الإحباط، وقدرًا آخر من الدهشة تجاه التصريحات والنسب التي كان ينشرها مجلس النقابة عن “شيء مبهم” يتم تنفيذه بشكل ممتاز في المستشفيات تحقيقًا لقرارات الجمعية العمومية.

« السابق