بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«انقطاع الكهرباء».. بين تخفيف الأحمال وبيزنس الطاقة المتجددة

شهدت مصر أواخر يونيو الماضي انقطاعًا للكهرباء وصل إلى 6 ساعات يوميًا. اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالغضب، مما اضطُر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى الاعتذار في 25 يونيو الماضي عن فترات الانقطاع الطويلة للكهرباء، ووجه رئيس الوزراء بتنفيذ خطة لترشيد الكهرباء بغلق المحلات التجارية والمولات بدءًا من الساعة العاشرة مساء، فيما عدا الصيدليات ومحلات السوبر ماركت والمطاعم، معلنا عن أن وقف انقطاع الكهرباء بشكل كامل سيكون بحلول الأسبوع الثالث من يوليو الجاري.

في الأول من يوليو الجاري، عادت جداول انقطاع الكهرباء المقررة بساعتين يوميا إلى العمل، ما عرف ب”خطة الساعتين”، ولازالت وعود الحكومة قائمة بانتهاء انقطاع التيار الكهربائي بعد أيام، لكن ماذا عن الوعود الأهم بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة بعد الاستثمارات الهائلة بهذا القطاع؟، من يجني ثمارها؟ ولصالح من في ظل أزمة الكهرباء التي يتم تحميل عبئها المواطنين؟.

تمتلك مصر مواردا هائلة من الطاقة المتجددة، مثل طاقة الشمس وطاقة الرياح والطاقة الحرارية والطاقة المائية، وتمثل هذه الموارد أهمية كبرى للحد من مسببات التغير المناخي، فضلاً عن كونها أحد أهم حلول تخفيف التكلفة الاقتصادية المترتبة على استخدام مصادر الطاقة التقليدية. وفقا للتقرير السنوي 2023 لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، ارتفعت ربحية الهيئة لأكثر من 260 مليون جنيه عام 2022، لكن هذه الأرباح الطائلة لم تترجم عمليًا على أرض الواقع في المساهمة في حل أزمة انقطاع الكهرباء، كبديل عن الاعتماد على مصادر الطاقة غير المتجددة، التي تواجه مشكلات هيكلية مرتبطة بسوء إدارة الموارد وتبديدها، فضلاً عن انحيازات التصرف في هذه الموارد، مما كان له تأثيرًا على استدامة الكهرباء، وجعلها رهينة لمشكلات توفير مصادر الطاقة التقليدية اللازمة لتشغيلها.

لمعرفة أين ذهبت أرباح الهيئة والطاقة التي يتم إنتاجها من المهم تتبع سلسلة القوانين وتعديلاتها التي تنظم عمل هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، فوفقًا لقانون رقم 135 لسنة 2014 الصادر بقرار من رئيس الجمهورية بتعديلات على القانون المنظم لهيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة، يجوز للهيئة بعد موافقة وزير الكهرباء إنشاء شركات مساهمة بمفردها أو مع شركاء آخرين، وتتيح التعديلات أن تقوم الهيئة بتنفيذ مشروعات وإنتاج واستخدام الطاقة المتجددة، وبيع الطاقة الكهربائية المنتجة من هذه المشروعات للغير.

أما القانون رقم 203 لسنة 2014 فمنح المستثمرين دورًا أكبر في مستقبل الطاقة المتجددة في مصر، يجيز القانون في المادة رقم (3) تخصيص الأراضي اللازمة لإقامة مشروعات إنتاج الطاقة الكهربائية من مصادر الطاقة المتجددة بنظام حق الانتفاع. ويشير تقرير هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة لعام 2023 أن مصر خصصت مصر مساحات تجاوزت 40 كيلو متر مربع من الأراضي المميزة التي تقع في نطاق الشبكات الكهربائية إلى المستثمرين.

المادة(2) من القانون رقم 203، تعطي الحق للمستثمرين في التعاقد مباشرة مع المستهلكين، لبيع الطاقة الكهربائية المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة، باستخدام شبكات النقل والتوزيع، وفقًا للسعر والمدة المُتعاقد عليها، بعد الحصول على التراخيص اللازمة(مادة 5)، ووفقًا لنص المادة فإن منح الترخيص لايترتب عليه أي وضع احتكاري في النطاق الجغرافي لأي من المرخص لهم، لكن المادة لم تفسر كيفية تطبيق ذلك عمليا.

القانون رقم 87 لسنة 2015 (قانون الكهرباء) أعطى أيضا الحق لشركات توليد الكهرباء، بعرض إنتاجها على المستهلك النهائي، وسمح للغير باستخدام شبكة الكهرباء لتوصيل الكهرباء نظير مقابل.

السوق الواعدة لموارد الطاقة المتجددة في مصر والضمانات القانونية للمستثمرين، دفعت نحو ضخ رؤوس الأموال في استثمارات هائلة عبر تحالفات من الشركات لجني الأرباح من هذه السوق. في أبريل عام 2022 تم توقيع مذكرة تفاهم بين كلاً من صندوق مصرالسيادي، والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والشركة المصرية لنقل الكهرباء وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل (مصدر) الإماراتية، وشركة حسن علام للمرافق، للتعاون في تطوير محطات لإنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر (الهيدروجين الأخضر يتم إنتاجه من خلال عملية كيميائية يطلق عليها -التحليل الكهربائي- بفصل مكوني الماء الهيدروجين عن الاكسجين وله دور مستقبلي كأحد أهم مصادر الطاقة المتجددة).

لم تكن هذه الاتفاقية الوحيدة لمشروعات الطاقة المتجددة في مصر، فقائمة الاستثمارات الأوروبية والإماراتية والسعودية طويلة، ولها أذرع ممتدة من الشركات متعددة الجنسيات، لما تمثله مصادر الطاقة المتجددة من أهمية مستقبلية ومصدر للربح في ظل التسهيلات التي تقدمها مصر للمستثمرين.

لكن إنتاج الطاقة المتجددة يتم تصديره إلى الخارج. في يوليو الجاري وقعت مصر عقدًا بقيمة 397 مليون يورو، لتوريد (الأمونيا المتجددة) من مصر للاتحاد الأوروبي حتى عام 2033، يتم إنتاج الأمونيا من مشروع مصر للهيدروجين الأخضر بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والذي يتشارك به صندوق مصر السيادي مع عدد من الشركات، وتعد الأمونيا التي يتم إنتاجها باستخدام الهيدروجين الأخضر أحد مصادر الوقود المستدامة لتوليد الكهرباء، ففي ديسمبر الماضي تم توقيع مذكرة تفاهم بين عدد من الشركات لتطوير وبناء وتشغيل أول محطة كهرباء تعمل بالأمونيا في أوروبا بمدينة كورك الأيرلندية.

ضمن سياق تنفيذ وثيقة ملكية الدولة للأصول العامة وتخارجها من الأنشطة الاقتصادية بشكل كلي أو جزئي، وما تتضمنه الوثيقة من مشاركة القطاع الخاص في نشاط إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة، أعلن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، في يونيو الماضي، عن بدء تلقي طلبات التسجيل للشركات الراغبة بالمشاركة في المرحلة الأولى من مشروعات إنتاج الطاقة الكهربائية من المصادر المتجددة المنشأة عن طريق القطاع الخاص، والتي سيسمح لها باستخدام الشبكة المصرية لنقل الكهرباء لبيع الطاقة الكهربائية المنتجة لمستهلكين «جُدد».

وفقًا للموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات في مصر، يشير بيان سابق في نوفمبر 2022 إلى قيام شركة (النويس) الإماراتية بشراء الطاقة من مشروع الطاقة الشمسية بمنطقة كوم أمبو بمحافظة أسوان بقدرة 500 م.وات، فضلاً عن شراء الشركة نفسها للطاقة من محطة الرياح بمنطقة خليج السويس بقدرة 500 م.وات، وشراء شركة(ليكيلا) الانجليزية الطاقة من مزرعة الرياح بخليج السويس بقدرة 10.5 م.وات.

ويشير تقرير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن الاستثمارات في المجمعات الصناعية لإنتاج الوقود الأخضر في العين السخنة ومنطقة شرق بورسعيد، تستهدف استخدام هذا الوقود في تموين السفن أو تصديره للخارج.

ما زلنا رهائن لجدوال انقطاع الكهرباء، والاختيار بين انقطاعها أو مضاعفة أسعارها كما أعلن السيسي. ولاشك أن الطاقة المتجددة أحد أهم الحلول للخروج من هذه الأزمة، ولكن عندما تمتلك الأغلبية هذه الموارد وتديرها وتوزعها بعدالة.