بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الضفة الغربية في عين العاصفة

نفس السلوك والاستباحة والقتل العشوائي وحصار المستشفيات يجري الآن في قلب مدينة جنين، ولكن الهدف أكبر ليس فقط تطهيراً عرقياٌ كما يحدث في غزة، بل الهدف هو أيضا الضم والتهويد ومخطط تحكمه دولة عنصرية لا تتورع عن ارتكاب المجازر بكل علانية وليس ضماً تدريجياً عبر بناء المستوطنات وقضم الأراضي الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى كما كان يحدث في السابق. السبب الرئيسي لتصاعد هذه الوحشية عن النمط السابق هو أصابتهم بالجنون نتيجة للمقاومة الفلسطينية الباسلة والنوعية في غزة، ولكن ما يشجع تصرفاتهم هي ثلاثة أمور، رد الفعل الدولي الهزيل أولا، وتواطؤ الأنظمة العربية ومواصلتها التطبيع مع الكيان الصهيوني على الرغم مما يجرى في غزة سواء في استشهاد 50 ألف فلسطيني وتهجير حوالي 2 مليون فلسطيني وتدمير أكثر من 80% من غزة ثانياً، ووصولا الى الانقسام الفلسطيني بين المقاومة والتنسيق الأمني لسلطة أوسلو مع الكيان الصهيوني ثالثاً.

الفلسطيني ليس امامه الا الصمود والمقاومة وهما السلاحان الوحيدان الذي يملكه هذا الشعب. وعزل الكيان دوليا من خلال النضال الأممي العمالي والطلابي في نقاباتهم وجامعاتهم لوقف تعامل حكوماتهم مع هذا الكيان وترقب تغييرا ثوريا يطيح بالأنظمة العميلة والمتواطئة تكون سندا وظهرا لدحر الاحتلال. ما يحدث في مخيمات جنين وطولكرم يجب ان يدق ناقوس خطر في كافة مناطق فلسطين. فالشعب الفلسطيني يجابه الان نكبة ثانية. فالاشتباكات بين المقاومين وقوات الاحتلال عند المدخل الجنوبي لمدينة جنين وتعزيزات عسكرية ودخول عدد كبير من فرق جنود الاحتلال الى مخيم جنين تتواصل لليوم الرابع على التوالي. وعلى الطرف الأخر هجوم مزدوج على مدينة الخليل واعتقالات وأغلاق للحرم الإبراهيمي.

أجمعت قراءات محللين سياسيين من فلسطينيي 48 وباحثين بالشؤون الإسرائيلية أن العملية العسكرية التي يشنها جيش الاحتلال على مدن ومخيمات شمالي الضفة الغربية المحتلة تنسجم مع الحرب على قطاع غزة، وتأتي في سياق حرب الإبادة الهادفة للقضاء على الوجود السكاني للفلسطينيين بفلسطين التاريخية. وقدرت التحليلات أن هذه العملية العسكرية التي قد تمتد إلى جميع مناطق الضفة، تعتبر الأوسع منذ عملية “السور الواقي” عام 2002، وتنسجم مع سياسات حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، التي لوحت مع بدء معركة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 إلى تهجير الفلسطينيين، بذريعة أنهم يشكلون خطرا وجوديا على استمرار المشروع الصهيوني.

وتوافقت القراءات على أن العملية العسكرية للاحتلال تعتبر وجها آخر لخطة “الحسم” التي تهدف لتكريس المشروع الاستيطاني، وفرض وقائع على الأرض تحول دون إقامة دولة فلسطينية، وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين لدفعهم للهجرة القسرية، إلى جانب الإمعان في ضم الضفة والأغوار إلى السيادة الصهيونية. المحلل السياسي الكاتب طه إغبارية كتب أن العملية العسكرية شمالي الضفة تندرج ضمن خطة حكومة اليمين المتطرف لحسم الصراع مع الفلسطينيين، الذي يدفع إليه تيار “الصهيونية الدينية” برئاسة وزير المالية سموتريتش، لفرض السيادة الصهيونية على الضفة.

إغبارية أوضح للجزيرة نت أن العملية العسكرية الواسعة شمالي الضفة جزء لا يتجزأ من سياسات حكومة نتنياهو تجاه القضية الفلسطينية، وهي تضاف إلى حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، التي تندرج في سياق المخطط الشامل لتكريس المشروع الاستيطاني في كل فلسطين التاريخية، عبر إخلاء وتهجير متدرج للفلسطينيين. ولفت إلى أن سياسات حكومة اليمين في الضفة تأتي استمرارا لنهج الحكومة السابقة برئاسة نفتالي بينيت التي أطلقت عملية “كاسر الأمواج”. بيد أن العملية العسكرية الحالية التي تقودها حكومة نتنياهو تأخذ أبعاد أكثر تطرفا، وذلك رهانا منها على توسيع المشروع الاستيطاني، وتحقيق مكاسب سياسية بأوساط المجتمع الصهيوني.

وردا على سؤال: لماذا تعتبر سلطة الاحتلال أنه من الضروري التعامل مع الضفة على أنها غزة ثانية؟ أجاب المحلل السياسي بالقول إن “المؤسسة الإسرائيلية تخشى أن تنتقل المقاومة المسلحة إلى جميع المناطق بالضفة، وعليه تسعى إلى استباق الأمور بعملية عسكرية في مدن ومخيمات شمالي الضفة، التي يتم التعامل معها على أنها نموذج مصغر لغزة”. وأشار إلى “أن إسرائيل ترى بالضفة الخطر الداهم والجبهة التي قد تكون الأوسع، وقد تؤدي إلى إشعال انتفاضة شاملة في كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة”. وبين المحلل السياسي أن الكيان يرى بالضفة أخطر الجبهات، كونها مرتبطة جغرافيا بالعمق الإسرائيلي، حيث إن إشعال الضفة بانتفاضة شاملة مسلحة من شأنه أن يعمق المأزق الإستراتيجي الذي يعاني منه الكيان، بكل ما يتعلق في الصراع مع الفلسطينيين.

من جانبه، يرى الباحث في “مركز التقدم العربي للسياسات” والمختص بالشؤون الإسرائيلية أمير مخول أن العملية العسكرية شمالي الضفة تأتي في سياق الحرب على غزة، وضمن سياق مخطط أوسع للقضاء على الوجود السكاني الفلسطيني في كل فلسطين التاريخية. وردا على سؤال حول الخطر الداهم الذي تراه القيادة العسكرية والأمنية للاحتلال في المقاومة الفلسطينية، بمدن ومخيمات شمال الضفة، أوضح مخول للجزيرة نت أن “إمعان المؤسسة الإسرائيلية بالتهويل من الخطر الأمني وتغلغل النفوذ الإيراني لدعم فصائل المقاومة في الضفة، يأتي لتبرير العدوان على الشعب الفلسطيني”. ولفت إلى أن العملية العسكرية تندرج ضمن مخططات حكومة اليمين المتطرف لتصفية القضية الفلسطينية، والشروع بتطبيق عملي لخطة “الحسم” الهادفة لتعزيز وتكريس المشروع الاستيطاني وتهجير للفلسطينيين، وهي الخطة التي تمهد بشكل عملي إلى ما يسمى “الوطن البديل” في الأردن.

وشدد الباحث بالشأن الصهيوني على أن العملية العسكرية التي قد تمتد إلى جميع مناطق الضفة، تعتبر جزءا من حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني وتدور فصولها الأولية في قطاع غزة، وتهدف إلى تشتيت الشعب الفلسطيني، وفصل غزة عن الضفة، وتقويض أي مقومات بنيوية من شأنها أن تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية. ويعتقد الباحث بالشأن الصهيوني أن العملية العسكرية الحالية على شمالي الضفة تتجاوز كافة الأهداف المعلنة بذريعة توفير الأمن والأمان للصهاينة، وتتركز في الهدف الأصلي لمؤسسة الكيان بالقضاء على الوجود الفلسطيني، قائلا إن “المرحلة المقبلة من العدوان ستطال فلسطينيي 48”.

ويعتقد الخبير العسكري العراقي الدكتور مهند العزاوي، أن الكيان الصهيوني يسعى لاستغلال تراجع المخاوف من التصعيد مع حزب الله، أو على الأقل النزول عن مستوى التهديد السابق مع الحزب، للتفرغ لتهديدات ترى أنها تمددت من غزة إلى الضفة. ولا يستبعد أن يكون هناك قرار صهيوني جديد بإعادة ترتيب الوضع الأمني في الضفة بموجبه تم الدفع بهذا العدد الكبير من القوات وشن عملية عسكرية بهذا الحجم في عدد من مدن ومخيمات الضفة. وقال إنه إذا استمرت هذه العملية وتصاعدت فإنّ من شأن ذلك أن يؤدي إلى نتائج كارثية، وأزمات نزوح ولجوء على غرار تلك التي نشاهدها يوميا في قطاع غزة. ويشير العزاوي إلى أن طبيعة البيئة التي تجري فيها العملية تشي بمخاطر كبيرة مع استمرار العملية، حيث تم تسليح المستوطنين، وهناك قوات صهيونية على الأرض، مع غياب أي رد فعل من السلطة الفلسطينية، وفي ظل حالة من التحريض والتحفز من وزراء وقادة اليمين المتطرف في إسرائيل لحسم ملف الضفة.

كل الاحتمالات تطرح نفسها بقوة وعنف، وداخل الحكومة والرأي العام الصهيوني، بات الحديث متصاعدا عن ضرورة التعامل مع الضفة، بذات الأسلوب الذي تعامل به غزة، وفق تصريح وزير خارجية الكيان كاتس. وتضمن التصريح الذي أطلقه كاتس صباح اليوم بعد بدء العملية العسكرية في الضفة، دعوة إلى تهجير سكان الضفة، قائلا إنه يجب تنفيذ إجلاء مؤقت للسكان هناك، والقيام بأي خطوات أخرى مطلوبة، مبررا ذلك بالقول إن “هذه حرب على كل شيء وعلينا أن ننتصر فيها”. ويعزز الإعلام الصهيوني هذه الفرضية، مع خبر نشرته يديعوت أحرونوت عن احتمال “تنفيذ إجلاء منظم للسكان الفلسطينيين المدنيين وفقا لمراكز القتال المتوقعة” خلال العملية العسكرية.

بدوره اعتبر المحلل عزام أبو العدس في منشور له على التليجرام أن هذه العملية العسكرية أخطر من السور الواقي في عام 2002، وتفسيرا لذلك، قال إن ذلك يعود لعدة أسباب هي:
عملية السور الواقي عندما تم تنفيذها كانت الفصائل الفلسطينية حاضرة في الضفة الغربية وموجودة من حيث البنى التحتية والمالية والعسكرية ولها القدرة على إعادة تكوين قواتها وتعويض الخسائر، أما الآن فالفصائل تم تفكيكها ماليا وعسكريا واجتماعيا.

عملية السور الواقي تمت في فترة كان عدد المستوطنين فيها بالكاد يصل إلى 70 ألف مستوطن والآن عددهم 800 ألف مستوطن وهذا يعني أن القضاء على المقاومة سيزيد من تغول الجيش والمستوطنين.
نتنياهو بحاجة ماسة الى انتصار وبما أنه عجز عن تحقيق الانتصار في غزة سيحصل في الضفة على صورة انتصار ترفع من شعبيته لا سيما وسط المستوطنين وبالتالي وفي ظل عودة شعبية نتنياهو للصعود ستزيد هذه العملية من حظوظه في الانتخابات القادمة التي ينوي الترشح لها.

في عام 2002 كان الاحتلال لا يزال يعيش تحت صدمة دخول شارون للمسجد الأقصى وكان الأقصى خارج اللعبة لكن الآن إذا نجحت إسرائيل في القضاء على آخر عمل مقاوم فهذا يعني بناء الكنيس الذي تحدث عنه بن غفير ومن ثم تهجير أهل القدس.

وبين مختلف الاحتمالات والسياقات، تؤكد تفاصيل الأرض وقياس الشاهد على مثيله، أن المقاومة قد أعدّت ما تستطيع من قوة ومن رباط، وأن الضفة لن تكون سياحة لجيشٍ انهارت السياحة في بلده، بعد أن انهارت دفاعاته، وترنحت آماله في النصر على وقع حرب مفتوحة، يبتعد فيها النصر الصهيوني مع مدى كل قذيفة تخترق جسدًا صغيرا، أو تدمّر منزلا، أو تهدم منارة.