شهـيدًا على طريق تحرير فلسـطين
لم أبك السنوار

التدوينة من مذكراتي الشخصية، التي أُخبئها لدواعي أمنية ومجتمعية، لم أكن أحرص على تخبئتها من بعد يوم الجمعة الساعة السادسة مساءً في يوم 11 فبراير 2011، عندما عدت طفلاً فرحًا وقتها، يرقص ويغني حُرًا بعد إعلان تنحي، حسني مبارك، قبل أن أعود إلى دفن وتخبئة مذكراتي، وانطباعاتي، وآرائي، بل إنني أخبئ نفسي أحيانًا، بعد سنوات من هزيمة الثورة. أنت تهمس الآن ما علاقة ذلك بــ “يحيى السنوار”، وكيف لك ألا تبكيه؟
أؤكد أنني لم أبك السنوار، من هنا يمكن أن نبدأ، فمشهد استشهاد السنوار يستحق أن أشارككم ما فكرت وشعرت به. أنا لم أبك السنوار، بل إن حزني دفعني نحو مزيد من التفكير، لا البكاء. عندما تم تأكيد خبر استشهاد السنوار، كان مَثلي الأعلى قد قُتل. كنت أُخبئ ذلك أيضًا، لم أُعلم بذلك أحدًا من قبل، عندما سؤلت مرةً، عن من يكون مثلي الأعلى، كانت إجابتي أن المثل الأعلى يجب أن يكون في المبادئ والأفكار التي أؤمن بها، كدليل للعمل، وإن اخترت شخصًا فسأختار فلاديمير لينين، الذي أصاب وأخطأ. لم تسمح أي مناسبة أن أُخبر أحدًا أنني أتطلع إلى السنوار أيضًا، كمَثل، على الرغم من أنني على النقيض من أفكاره، كنت أعتقد فعلاً ما قولت، وأتطلع إلى لينين، ولكنني خبأت السنوار.
كنت ولا أزال أتطلع إلى يحيى السنوار، الذي دوخ أعتى أجهزة الاستخبارات في العالم. عندما تمكن العـدو من قتل السنوار، جاء ذلك بالمصادفة. العـدو ليس غبيًا أو مُتخلفًا، فهو يملك كل العلم والوسائل للوصول إلى السنوار وغيره، لكنه لم يستطع الوصول إلى إليه.
أتطلع إلى السنوار الذي تنوعت مسيرته النضالية بين التقدم والتراجع. تعجبني صرامة مواقفه، قرأت عن ذلك كثيرًا، شاهدته يتحدث وأنصتُ إليه، كان السنوار يمثل لي تكتيكًا بارعًا يتجسد، أعجبت بمناواته وإن اختلفت أو اتفقت معها. أصارحكم القول أنني كنت أعتقد بالفعل أن السنوار، متواجدًا في الأنفاق، وهكذا كان يقول العدو أيضًا. كنت ولا أزال، لا أرى في ذلك إختبائا أو جبنًا من السنوار، أو غيره من المقاومين، فالأنفاق هي معضلة العدو الكبرى في المعركة الجارية، التي تقف فيها المقاومة الفلسطينية محاصرةً من العـدو، ومن الطبقات الحاكمة في المنطقة، ومن النظام العالمي.
أصابتني الدهشة عندما تواردت الأنباء أن السنوار، استشهد مثله مثل أي مقاوم، كان يقاتل بالفعل، فوق الأرض، أول ما نطقت به هو الكلمة الشعبية الدارجة «دماغك سِم»، ثم غرقت في التفكير والتأمل مدفوعًا بالدهشة، لم أرى مشهد عصا السنوار التي يلقيها في وجه الطائرة المسيرة وهو متأثرًا بإصابته إلا درسًا ملهمًا للمــقاومة حتى النفس الأخير، لم يتبادر إلى ذهني وقتها أن العصى تحمل رمزية وأن السنوار يلقى لنا بالعصى كي نستكمل المـقاومة. لا أختلف على أهمية الرمزيات والدلالات وأثرها وسط حالة اليأس التي تنتاب الكثير الآن من المكبلين حتى بأن يرفعوا أصواتهم فقط في مظاهرة تضامن واحتجاج، فمنذ 20 أكتوبر من العام الماضي، يقبع العشرات في سجون مصر، لمجرد تضامنهم مع فلسطين، وباب السجن مفتوحًا لمن يفكر في ذلك. لكن عصا السنوار ليست رمزية، العصا حقيقية، والسنوار ليس أسطورة، بل مقاومًا حقيقيًا، ثابتًا حتى آخر نفس، وبأخر ما استطاع الوصول إليه قاوم العدو فلا خيار سوى المقاومة.
قارنت بين السنوار الذي لا يستخدم أيا من وسائل التواصل الحديثة، وهو ما كان من أحد الأسباب الرئيسية لعدم وصول الاحتلال إليه وبين إعلام المـقاومة الفلسطينية، الذي كان له دورًا بارزًا في الحرب، بنشر أخبارها وتصوير الاشباكات مع العـدو، فلولا ذلك لبقينا أسرى لرواية إعلام العدو الناطق بالعبرية والعربية، الآلة الدعائية للمقاومة عملت جنبًا إلى جنب مع العمل العسكري، بل إنها أثرت وحركت المحتلين أنفسهم ضد قادتهم، فكرت طويلا دون أن أكتب (في تخبئة لما سأخبئه أصلا) في تكتيكات التقدم والتراجع في أثر الدعاية الثورية في المعركة، توقفت عند السنوار الذي تخلى عن وسائل الاتصال الضرورية، لأن مجريات المعركة تقتضي ذلك، وأن الوقوع في قبضة العدو ليس قدرًا وأن تدويخه واستمرار المقاومة ممكن، ذكرني السنوار أن التراجع لا يعني الانكماش.
كان من الممكن أن ترد المقاومة لدحض راوية الاحتلال الكاذبة، بأن السنوار ليس مختبئًا في الأنفاق، يحتمي بالأسري، تاركًا الفلسطينيين للموت، و بأن السنوار يقاتل معهم، «بس ده يبقى هَبل»، هكذا حدثت نفسي. أدرك جيدًا مدى الحزن والغضب الجاثم على نفوسنا من هول حرب الإبادة و المذبحة، وقمعنا ألا ننطق، تخيلت ضابط الأمن جالسًا في حجرته المكيفة يتابع تدوينات اليأس والدعوات الفردية للغضب، منتشيا بهذه الهدية وتوفير جهده من التحري والمتابعة، سألت نفسي لو كان السنوار بيننا هل كان سيفعل ذلك؟ أجزمت بلا. هل كان سيتراجع؟ نعم.
لكن السنوار عندما كان متراجعًا عن الظهور، وهو على رأس المستهدفين من الاحتلال، لم يكن متراجعًا ساكنًا منكمشًا، بل كان في القلب من المعركة. توقف طويلاً حول فكرة المقاومة نفسها التي تتطلب قدرًا هائلاً من «التكتكة» والصبر والعمل والبناء واستخدام ووسائل التواصل لنشر الأفكار والأخبار، بين تخلي السنوار عن كل ذلك واستخدام المقاومة كل ممكن من هذه الوسائل. ما بين الانهماك في الكتابة والتفكير توقفت عن فعل ذلك لوقت، لا أدري مدته، وتناولت كوبا من القهوة السادة كعادتي، وليس بكائًا على السنوار، فأنا لم ابك السنوار.
قرأت أكثر عن السنوار توقفت فجأة. أدرك جموح السنوار وإخلاصه، لكن سؤالاً قفز في رأسي، هل اضطر السنوار للانخراط المباشر في القتال، نظرًا للظروف الرهيبة للمعركة، هل يجب التحرك لإنقاذ ودعم المقاومة الآن. « لأن الوضع بقى صعب اوى؟»، وعلى المحك. تدافعت إلى ذاكرتي ثورة يناير 2011، إن لم تهزم، هل كنت سافكر في هذا السؤال؟ إن كل المذابح وحرب الإ بـادة الجارية منذ أكثر من عام، لم تكن لتستمر طوال هذه الفترة، لولا هزيمة الثورات في منطقتنا. لم يكتفى السنوار بأمنيات وشعارات لتحرير فلسطين، السنوار ابن مخيمات فلسطين وابن نكبتها، ونحن أبناء الثورة ونكبتها، لم يستسلم السنوار، بل أعاد بناء المقاومة، ولن تتحرر فلسطين إلا بتجاوز نكبات ثوراتنا.
بعد انتهاء كوب القهوة وعدد غير معلوم من السجائر، لكنه كثير، عدت إلى السنوار وعصاه، كتبت نصًا «أنا حزين على قتل السنوار لكنني لا ابكيه، السنوار ليس بطلاً أسطوريًا أو إستثنائيًا، السنوار مقاوم، عمل وخطط على مدار سنوات لبناء حركة المقاومة، لم يفعل ذلك وحده، ولكنه اتبع تكتيكات جدية، مدركًا صعوبة المعركة، وعندما اسـتشهد كان ضمن مجموعة من المقاتلين، فلا أحد يهزم العدو وحده»، مثلي الأعلي الذي أخرجه لكم بعد أن خبأته، يتفق محبيه وأعدائه أنه المخطط لطــوفان الأقصى.
منذ فترة كنت قد بدأت في كتابة رواية، و شرعت فعلاً في كتابة مسودة، ثم توقفت لضيق الوقت أو الكسل، لا أدري، لكنني توقفت. عندما قرأت أن السنوار كتب رواية (الشوك والقرنفل) وهو قيد الأسر، أعدت فتح مسودة روايتي، وتولد لدي دافع هائل كي أُُكمل، كيف أبكي السنوار إذًا! أحب السـ ــنوار المـ ــقاوم، وأتمنى عند إنجاز روايتي، ان تكون الظروف مواتية كي أكتب في مقدمتها أنه أعاد لها الروح، وألا أكون مضطرًا لتخبئة السنوار مرة أخرى.
وعلى ذكر المُثل العليا للأفكار، كدليل ومرشد للعمل، كان تطلعي إلى السنوار ضمن فكرة الدعم غير المشروط للمقاومة، فلا يجوز أن أتكئ، واضعًا قدمًا فوق الأخرى ثم أطلب من المقاوم أن يغير أفكاره، كشرط لدعمه ولتذكية خيار المقاومة. وأقول لجنين روايتي، التي لم تولد بعد، أن السنوار عندما كتب روايته، وهو قيد الأسر، لم يكن مثقفًا منعزلاً، بل كان يقود الحركة الاسيرة ويؤرخ لحقبة من التاريخ الفلسطيني. وأقول لكم لاتبكوا السنوار، ولا تتلقفوا، عصاه الرمزية، ادعوكم لتلقف مقـاومته.





