“شارك تانك” وأساطير ريادة الأعمال

برنامج “شارك تانك مصر” هو النسخة المصرية من برنامج تلفزيون الواقع الأمريكي الشهير “Shark Tank” الذي يقدم فيه رواد الأعمال أفكارهم التجارية لمجموعة من رجال الأعمال المشهورين، أو “القروش” على حد تعبيرهم، على أمل الحصول على استثمار. في كل حلقة، يقدم رواد الأعمال مشاريعهم لرجال الأعمال، لتبدأ بعدها جولة درامية من التفاوض، تشمل محادثات حامية بين المتسابقين وأعضاء اللجنة حول الملايين التي سيتم استثمارها مقابل حصص في رأس المال والأرباح. النقاشات في البرنامج غالبًا ما تتضمن مصطلحات مالية معقدة، وتنتهي الحلقات بقبول أو رفض العروض المقدمة.
حظي البرنامج بشعبية واسعة منذ انطلاقه في مصر، حيث حقق مشاهدات كبيرة على التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي. تضم لجنة “القروش” عددًا من كبار رجال الأعمال المصريين مثل: أحمد السويدي، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة السويدي إليكتريك؛ أيمن عباس، رئيس مجلس إدارة مجموعة إنترو القابضة؛ عبد الله سلام، الرئيس التنفيذي لشركة مدينة مصر للإسكان والتعمير؛ محمد فاروق، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة موبكا ديزاينز؛ محمد منصور، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إنفينيتي سولار؛ أحمد طارق، رئيس مجلس إدارة أليانز الشرق الأوسط للخدمات الملاحية واللوجستية؛ ودينا غبور، ابنة عائلة غبور، إحدى أكبر الشركات العاملة في مجال السيارات.
من اللافت في النسخة المصرية من البرنامج أنه يغلب عليها الجدية مقابل الهزلية المفرطة والابتذال في النسخة الأمريكية الأصلية – لربما هي الأقرب لروح البرنامج. لم يكن من الصدفة أن انطلاق البرنامج في الولايات المتحدة كان في عام 2009 بعد الانهيار الاقتصادي في 2008 الذي تسبب في خسارة مئات الآلاف لوظائفهم ومنازلهم. فالبرنامج هو تمثيل للحل النيوليبرالي للأزمة الاقتصادية مروجًا لفكرة الحلول الفردية للأزمات الاقتصادية من خلال ريادة الأعمال، حيث يظهر البرنامج وكأنه يقول للمشاهد: “مسؤوليتك الشخصية وحدها هي سبب فقرك” بعرضه نماذج فردية “ناجحة”، متجاهلًا العوامل الهيكلية والاقتصادية الأكبر.
ما لا يظهره البرنامج، أنه ووفقًا للمنطق الرأسمالي ذاته، فإن أكثر من 80٪ من مشاريع ريادة الأعمال تنتهي بالإفلاس. وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، فإنه وفقًا لدراسة أجرتها شبكة الأبحاث في العلوم الاجتماعية عام 2007، فإن الدول التي تستثمر بكثافة في الشركات الناشئة تنتهي غالبًا بـ”مشروعات هامشية تخلق عددًا قليلًا من الوظائف وتواجه معدلات فشل مرتفعة”.
وفي مصر، حيث نسبة الفقر بلغت 32٪ وفقًا لأرقام البنك الدولي نفسه، فيما الشواهد وفقًا لتقديرات البنك المحدثة لخط الفقر تشير إلى أن هذه النسبة سترتفع عن ذلك بكثير، ففي الأرقام المحدثة فكل من قل دخله الشهري عن 10275 جنيهًا أو نحو 41 ألف جنيه لأسرة من أربعة أفراد هو تحت خط الفقر. وهنا يظهر الجانب الأيديولوجي والدعائي في هذا البرنامج، حيث يلعب البرنامج دورًا شبيهًا لنظيره الأمريكي. فبينما ترتفع معدلات تصفية الأصول والخصخصة وتراجع دور الدولة عن توفير أدوارها الأساسية في الصحة والتعليم، يحاول رواد الأعمال تقديم حلول فردية لبعض هذه المشاكل. ويظهر رجال الأعمال بصورة المخلصين أنصاف الآلهة القادرين على تغيير مصائر الناس وإنقاذ الاقتصاد بكلمة واحدة، مستغلين غطاء “المسؤولية الاجتماعية” في محاولة لتبرير سياسات الدولة النيوليبرالية في تشجيع الاستثمار.
هذه الدعاية الفجة والرخيصة التي تنطق بها حلقات البرنامج تتناسى أن هؤلاء “القروش” بنوا ثرواتهم المهولة من تراكمات وأملاك عائلية جمعت عبر استغلال عمل الطبقات الكادحة وعلاقات مشبوهة بالدولة. ثم يخرجون علينا بعد ذلك في برامج حوارية طويلة بها خلاصة حكمتهم ورحلتهم لبناء ثرواتهم. ولا يتردد بعضهم في التفاخر بنقل شركاتهم من دول مثل ألمانيا إلى مصر بسبب “رخص العمالة” وغياب أي شبكة أمان اجتماعي، ما أدى إلى زيادة أرباحهم.
يُظهر لنا البرنامج للمفارقة تناقض المنطق الرأسمالي نفسه، فأي مشروع أو منتج مهما بلغت أهميته، فقيمته تستمد فقط من قدرته على إدرار الأرباح. وفي المقابل، فإن “قروش” البرنامج على استعداد لاستثمار الملايين في أي منتج مهما بلغت تفاهته طالما كان مربحًا، وطالما كانت هناك ماكينة التسويق التي تضمن استمرار الاستهلاك والشراء وبالتالي المزيد من الأرباح.
يسلط البرنامج الضوء أيضًا على قدرتنا على ابتكار العديد من الأفكار والحلول الإبداعية لمواجهة تحدياتنا. فكل بيئة عمل تعج بالعمال الذين يمتلكون رؤى حول تحسين المنتجات، وظروف العمل، وإحداث تأثير إيجابي في مجتمعاتهم. ولو كانت وسائل الإنتاج في أيديهم، لتمكنوا من تطبيق هذه الأفكار بأنفسهم، دون الحاجة للاستجداء أمام لجنة من الأثرياء. ومن دون دافع الربح، لكان بإمكانهم المساهمة في تحقيق العدالة للجميع بدلًا من تعزيز ثروات خمسة مليارديرات متغطرسين.





