قمة تركيع المقاومة
الاحتلال يتمدد والعرب يعولون على ترامب

كما كان متوقعًا، جاءت القمة العربية الأخيرة مخيبة للآمال، إذ لم ترقَ قراراتها إلى مستوى التحديات الراهنة، ولم تتضمن أي خطوات فعلية لوقف العدوان الإسرائيلي. بدت المخرجات هزيلة، تكرّر الإدانات المعتادة دون أي إجراءات عملية تلزم الاحتلال بوقف جرائمه، ولو بمجرد التلويح بقطع العلاقات أو سحب السفراء. اكتفت القمة بتصريحات فضفاضة حول رفض التهجير، بينما طُرحت خطة إعادة إعمار مشروطة بالموافقة الأمريكية، وكأن القرار بيد ترامب، الذي لم يُخفِ دعمه الصريح لتهجير الفلسطينيين والسيطرة على القطاع. أظهرت القمة أن القادة العرب لا يزالون يعوّلون على “قرارات الشرعية الدولية” والمجتمع الدولي، وكأن طوفان الأقصى وحرب الإبادة الإسرائيلية لم يحدثا.
منذ 7 أكتوبر 2023، دخلت إسرائيل مرحلة غير مسبوقة من التصعيد العسكري ضد غزة، حيث شنت حرب إبادة مروعة على قطاع غزة، مستخدمةً أقصى درجات العنف ضد أهل القطاع، متبعةً سياسة الأرض المحروقة، التي لم تترك بيتًا أو بنيةً تحتية إلا ودمرتها.
لم يكن هدف إسرائيل القضاء على المقاومة فقط، بل استهدفت بشكل مباشر سكان القطاع في محاولة لفرض تهجير قسري وتغيير ديموغرافي، وسط صمت دولي وتواطؤ إقليمي.
وعلى الجبهة الشمالية، لم تكن الحرب أقل ضراوة، حيث صعّدت إسرائيل من عملياتها العسكرية ضد لبنان، متجاوزةً كل الخطوط الحمراء، عبر غارات مكثفة واعتداءات مستمرة على البنية التحتية والمدنيين، في محاولة لفرض معادلة جديدة على المقاومة هناك.
منذ طوفان الأقصى صار جليًا أن إسرائيل لا تتحرك فقط بدافع الانتقام من حركة المقاومة في غزة وحاضنتها الشعبية، بل إن الكيان الصهيوني، الحكومة والمعارضة على حد سواء، رأت في هذه اللحظة فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة المنطقة وفق رؤية توسعية جديدة.
وكما قلبت المقاومة الفلسطينية الطاولة بطوفان الأقصى، أدركت إسرائيل أيضًا أن عجلة التاريخ قد تحركت، وأن العودة إلى ما قبل هذه الأحداث لم تعد ممكنة. من هنا، استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حالة الهلع الوجودي الدائم وصعود تيارات اليمين المتدين داخل إسرائيل لتنفيذ ما يمكن تسميته “التأسيس الثالث” للكيان الصهيوني.
لم تكن حكومة نتنياهو الأخيرة مجرد استمرار لحكوماته السابقة، بل كانت تعبيرًا عن ولادة تيار جديد في قيادة الدولة. فمنذ تأسيس إسرائيل، مرت الدولة بمرحلتين رئيسيتين: الأولى كانت علمانية بقيادة حزب العمل الذي حكم لنحو 30 عامًا، حتى جاء التغيير في 1977 مع مناحم بيجن وصعود حزب الليكود. مثَّل ذلك بداية التأسيس الثاني للكيان حيث تشكلت هوية الدولة كدولة قومية يمينية علمانية لم تكن تتعارض مع التيارات الدينية داخلها.
ولكن مع سقوط حكومة نفتالي بينيت، انتهى فعليًا عهد التيار القومي اليميني العلماني. فحكومة نتنياهو الحالية لم تعد جزءًا من هذا التيار، بل تمثل تحالفًا غير مسبوق بين اليمين المتطرف والتيار الديني الصهيوني. هذا التحالف الجديد يحمل مشروعًا أكثر تطرفًا، قائمًا على إعادة تفسير المشروع الصهيوني بمنظور ديني، وهو ما يفسر السياسات العنيفة وغير المسبوقة التي تنتهجها إسرائيل على مختلف الجبهات.
في نفس الوقت ومع صعود الثورات المضادة في دول الطوق، بدأت إسرائيل والدول العربية، بالتعاون مع أمريكا، نهجا أكثر جدية فيما يخص التطبيع، متجاوزين تماما القضية الفلسطينية. تجلى هذا في اتفاقيات “إبراهام”، التي دشنت تطبيعا شديد الفجاجة مع الخليج وخصوصا الإمارات.
تتحرك إسرائيل اليوم ضمن رؤية توسعية شاملة تشمل فلسطين التاريخية، وسوريا، ولبنان، في محاولة لاستغلال الأوضاع الإقليمية لصالحها. ومع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية في سوريا مستهدفة مواقع استراتيجية للجيش السوري، شملت أنظمة صواريخ متطورة ومستودعات أسلحة ومنشآت تصنيع الذخائر. جاءت هذه الهجمات بالتزامن مع سيطرة فصائل المعارضة على دمشق وانسحاب قوات النظام.
لم تكن الهجمات الإسرائيلية على سوريا مجرد رد فعل على وصول المعارضة للسلطة، بل كانت جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد، تهدف إلى إضعاف القوى المناهضة لها، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. فمنذ اندلاع الحرب السورية، استغلت إسرائيل حالة الفوضى لتنفيذ غارات جوية متكررة استهدفت مواقع عسكرية حساسة، بحجة منع نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله. حتى قبل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، كانت إسرائيل تكثّف عملياتها العسكرية، مستخدمةً الضربات الاستباقية كأداة لفرض وقائع جديدة على الأرض.
مع انهيار نظام بشار، الذي لم يقم ولو لمرة واحدة بالرد على الاعتداءات الصهيونية المتكررة، صعّدت تل أبيب من تدخلها، معتبرةً أن الفراغ السياسي والعسكري فرصة لتعزيز نفوذها، متجاوزةً بذلك اتفاقيات سابقة مثل اتفاقية “فصل القوات” لعام 1974. وإصدار تعليمات للجيش بالاستيلاء على المنطقة العازلة، لضمان عدم تمركز أي قوة معادية على حدود إسرائيل.
في لبنان، لم يختلف المشهد كثيرًا. فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، واصلت إسرائيل خروقاتها، حيث سجل خلال الأسبوع الأول أكثر من 60 خرقًا، وفق تصريحات رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي. وبحلول 18 ديسمبر 2024، ارتفع العدد إلى 253 خرقًا، شملت عمليات نسف منازل، وتوغلات محدودة، وتحليق مكثف للطائرات المسيرة فوق بيروت والضاحية الجنوبية. وفي فبراير 2025، أعلنت إسرائيل نيتها الإبقاء على 5 مواقع عسكرية استراتيجية في جنوب لبنان، في خطوة اعتبرها حزب الله احتلالًا يستدعي الرد.
لم تتوقف إسرائيل عند حدود العمليات العسكرية، بل كشفت تصريحات القيادة الصهيونية، التي تبناها ترامب خطط لترحيل سكان قطاع غزة إلى سيناء المصرية، مع تقديم تسهيلات لهجرتهم إلى دول أخرى. أما في الضفة الغربية، زاد العنف الصهيوني لدرجة غير مسبوقة وعادت الدبابات للظهور داخل الضفة لأول مرة منذ الانتفاضة الأولى، ووصل عدد المهجرين نحو 30000 من مخيم جنين وحده.
التحولات الجارية اليوم تشير إلى أن إسرائيل، بقيادة نتنياهو، ليست فقط بصدد تحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية آنية، بل تسعى إلى إرساء قواعد جديدة لعلاقتها بالمنطقة، أو “تشكيل الشرق الأوسط”، على حد تعبيره، وفق رؤية أكثر تشددًا وتطرفًا من أي وقت مضى. هذا يعني أن القادم قد يكون أشد خطورة، خاصة مع استمرار حالة الضعف وتواطؤ الأنظمة العربية في تمرير المخططات الإسرائيلية تحت غطاء التطبيع والمصالح المشتركة.
في ظل هذا الواقع يبرز السؤال المصيري: هل نشهد إعادة رسم للخريطة الجيوسياسية للمنطقة، أم أن إسرائيل، رغم عربدتها وجبروتها، ستتحطم على صخرة المقاومة في غزة ولبنان؟ هذه الهجمة الشرسة تضعنا أمام خيار وحيد: إحياء روح المقاومة في أوطاننا، بعدما كشفت الأنظمة العميلة، التي تتغنى بـ”السلام الدافئ”، عن وجهها الحقيقي، إذ لم تحرك ساكنًا حتى في ظل حرب إبادة. بل زادت وتيرة التطبيع، وارتفعت الصادرات التجارية بين مصر والكيان الصهيوني. هذه الأنظمة القمعية، التي لم تكتفِ بالتخاذل بل زجّت بالأحرار المتضامنين مع فلسطين خلف القضبان، لا يمكن الوقوف معها، بل يجب التصدي لها، لأن مقاومتها هي الخطوة الأولى نحو كسر المشروع الصهيوني ووقف تمدده في المنطقة.





