بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سوريا.. ما العمل؟

تمر سوريا اليوم بمرحلة معقدة من التفكك السياسي والاجتماعي، بعد سنوات من الثورة العارمة والحرب الأهلية والصراعات المتعددة الأطراف بين قوى محلية وإمبريالية. ورغم انتهاء هذه المرحلة، ولو بشكل مؤقت، بسقوط نظام الأسد وتولي “هيئة تحرير الشام” قيادة المرحلة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، فإن آثار الحرب لا تزال كارثية.

أدى الصراع الممتد منذ اندلاع الثورة من 2011 إلى 2024 إلى مقتل أكثر من نصف مليون شخص، كما تسبب في واحدة من أكبر موجات النزوح السكاني في التاريخ الحديث، حيث اضطر أكثر من نصف سكان سوريا إلى مغادرة منازلهم، سواء كلاجئين داخل البلاد أو خارجها. رافق هذا النزوح تدهور اقتصادي حاد، إذ يعيش اليوم 80٪ من السكان تحت خط الفقر وتراجعت صادرات سوريا بنحو 92%. هذا فضلا تفكك القوى الفاعلة في المجتمع بفعل القمع والمجازر التي ارتكبها النظام البائد.

يحاول النظام المؤقت في سوريا كسب القبول الدولي عبر تبني خطاب “معتدل”، خاصة فيما يتعلق بالأقليات والاتفاقيات، بما في ذلك موقفه من الكيان الصهيوني. ومع ذلك، جاءت مجازر الساحل السوري الأخيرة لتعيد تأجيج مخاوف الأقليات من عمليات انتقامية محتملة، مما يعقد مساعي النظام الجديد في تحقيق “الاستقرار”. وفي 16 مارس الجاري، أعلن أحمد الشرع عن إصدار إعلان دستوري يحدد المرحلة الانتقالية في سوريا بخمس سنوات، مؤكدًا على مبدأ الفصل بين السلطات وضمان مجموعة من الحقوق والحريات الأساسية، مثل حرية الرأي والتعبير وحق المرأة في المشاركة السياسية. إلا أن توقيع الشرع على مسودة الإعلان جاء تحت وطأة تصعيد إسرائيلي جديد، تمثل في غارة جوية على دمشق، حملت رسالة تحدٍ واضحة للنظام الوليد. ورغم ما يطرحه الإعلان الدستوري من وعود إصلاحية، إلا أنه يتركز فعليًا على منح الرئيس سلطات واسعة خلال المرحلة الانتقالية، إذ يمتلك سلطة تعيين أعضاء الحكومة ومجلس الأمن القومي، إلى جانب قضاة المحكمة الدستورية العليا. كما يمنحه الإعلان صلاحية تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، فضلًا عن اختيار اللجنة التي ستحدد الثلثين الآخرين، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذا البرلمان على تمثيل حقيقي لمختلف فئات المجتمع السوري. خصوصا مع تصدر مواد عن دين رئيس الجمهورية الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع ما يهدد بخلق تناقضات مع المكونات العرقية والدينية الأخرى للمجتمع السوري.

تواجه الإدارة السورية الحالية تحديات هائلة فهي تسعى إلى تقديم نفسها كدولة قادرة على فرض سيطرتها داخليًا وخارجيًا، لكنها تصطدم بمعوقات بنيوية تعيق تحقيق ذلك. من أبرز هذه المعوقات الافتقار إلى جيش نظامي موحد، حيث تعتمد السلطة على مجموعة من الفصائل المسلحة التي تحاول إعادة تشكيل نفسها في إطار جيش منظم، وهي عملية قد تستغرق عقودًا.

في ظل هذه التحديات، اختارت سلطة أحمد الشرع تصعيد الصراع مع إيران وحزب الله، مقابل مهادنة الروس وتجاهل العدوان الصهيوني المستمر، وهو ما أثار استغراب العديد من القوى اليسارية، التي سارعت إلى اتهام النظام الجديد بالخيانة والعمالة للإمبريالية. يمكن فهم هذا الموقف في سياق محاولات تأسيس الدولة الناشئة، التي تسعى إلى الظهور كقوة قادرة على حماية سوريا وإثبات سيادتها. لكن التناقضات العميقة التي تواجهها تجعل هذا المسعى معقدًا، إذ إن “جيش” الدولة لا يزال في جوهره عبارة عن مجموعات مسلحة تحاول التنسيق فيما بينها، مما يجعلها غير قادرة، في المرحلة الراهنة، على مواجهة العدو الصهيوني أو الحد من النفوذ الروسي.

في المقابل، يبدو التصعيد ضد إيران وحزب الله خيارًا أكثر سهولة إذ يمكن للنظام الجديد استغلال المظلومية الحقيقية التي نشأت بسبب تدخل طهران وحزب الله المباشر لدعم بشار الأسد، إلى جانب استثمار حالة التراجع والضعف التي يمر بها الطرفان. وهذا ما يجعلهما هدفًا مناسبًا لحشد الجماهير والظهور بمظهر الدولة صاحبة السيادة. هذا الخيار هو متوافق أيضا مع مشروع الشرع الذي يسعى أن يمثل الطائفة السنية ومن خلفية سلفية لها باع طويل في تأجيج صراعات طائفية ومذهبية. هذا سيخلق بالضرورة تناقضًا مع الكثير من المكونات السنية الاخرى في المجتمع السوري بجانب التناقض مع المكونات الغير سنية.

هذا الخيار السياسي يعكس خريطة التحالفات الإقليمية الداعمة للنظام الانتقالي في سوريا، فتركيا، الدولة الأكبر الداعمة لنظام الشرع، تبقى عضوًا بارزًا في حلف الناتو، وبالتالي لا استغراب من خط النظام الانتقالي الحالي المتوافق مع انقرة. حتى الآن، لم تتخذ السلطة الجديدة الحد الأدنى من الخطوات الدبلوماسية لمواجهة القصف الإسرائيلي، فلم تطلب حتى عقد جلسة في مجلس الأمن، مكتفية ببيانات الإدانة والشجب، وكأن القصف يقع في دولة أخرى! في المقابل، وعند حدوث بعض الاحتكاكات الحدودية مع لبنان وحزب الله، صعد النظام موقفه إلى أقصى درجة، مما يعكس أولويات واضحة في استراتيجيته السياسية والعسكرية.

رغم هذه التحديات شديدة التعقيد، فأمام قوى اليسار والقوى المؤمنة بالديمقراطية فرصة ذهبية لبناء مشروع سياسي بديل، يرتكز على قاعدة شعبية واسعة وعابرة للطوائف، وقادرة على طرح رؤية جديدة لمستقبل سوريا. يجب أن يكون هذا المشروع قادرًا على تمثيل جميع مكونات الشعب السوري بشكل عادل وحقيقي، ويعمل على مواجهة النظام الحالي بوسائل ضغط سياسية وشعبية فعالة، من خلال بناء جبهة واسعة تضم القوى السياسية والاجتماعية المتنوعة، كما يتعين على هذا المشروع تقديم رؤية اقتصادية واجتماعية تعزز العدالة الاجتماعية، يجب أن يكون البعد الاقتصادي والاجتماعي حاضرًا بقوة في خطاب القوى الديمقراطية لمواجهة الخضوع التام من قبل النظام الجديد لأجندة مؤسسات التمويل الدولية النيوليبرالية كما ظهر في مشاركة ممثل السلطة الحالية في منتدى دافوس، هذا التوجه من شأنه أن يخلق صراع مع الغالبية الكادحة من السوريين.

يجب أن يعيد هذا المشروع الأمل في إمكانية التغيير السياسي من خلال الفعل الجماعي المنظم، ويشمل إحياء لجان شعبية في الأحياء، وتفعيل دور النقابات المهنية، بالإضافة إلى إعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني التي دمرها النظام البعثي، كما يجب أن يعزز هذا المشروع من الديمقراطية التشاركية ويتيح للمواطنين المشاركة الفعّالة في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم، مما يضمن استدامة التغيير السياسي والاجتماعي في سوريا.

إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيها القوى اليسارية والديمقراطية هي الارتكان إلى خطاب العمالة والخيانة وغيرها من الاتهامات التي تفرغ الجماهير من فاعليتها السياسية والاكتفاء بخطابات النقد والتنديد، فهذا الخطاب ينتهي في النهاية إلى شلّ الفعالية السياسية للمعارضة ويعزز فكرة أن ما يحدث هو مجرد نتيجة لمؤامرات خارجية مما يخلق مناخًا من العجز والاستسلام ويحول دون بناء بديل سياسي حقيقي، الحل أمام القوى الديمقراطية يجب أن يبدأ من الأسفل، إن الإيمان بقوة الجماهير وبناء التنظيمات القاعدية هو الطريق الوحيد والفعال لمواجهة التيار السائد في المجلس الانتقالي، وهو السبيل لبناء بديل ثوري ديمقراطي يعيد السلطة والثروة إلى أيدي الجماهير.