لماذا انهزم الصحفيون؟
مرة أخرى يتمكن النظام من احتواء حركة معارضة لسياساته وقوانينه القمعية، فقد استخدم النظام تكتيك المراوغة فنجح في هزيمة جموع الصحفيين المعارضين للقانون الخاص بتشديد العقوبات على جرائم النشر. وبالرغم من الدعاية التي تروجها الصحف الحكومية والحزبية عن انتصار الصحفيين فان الواقع يقول أن الصحفيين هزموا فعلا لان مطلب إلغاء القانون لم يتحقق وتم الالتفاف عليه ولم تحتجب الصحف كما قررت الجمعية العمومية الطارئة في 10 يونيو الماضي، والإضراب كان “رمزيا” حسبما قررت لجنة صياغة قرارات الجمعية العمومية الثانية. وأظهرت تصريحات مبارك لصحيفة الوطن الكويتية إلى أي مدى تعامل النظام مع معارضي القانون حيث وصفهم مبارك بأنهم ” ناس بيُشتروا بالفلوس ” وقال أنه لا يخشى معارضتهم لأنه يعرف كيف يمكن إسكاتهم بسهولة. وبالإضافة إلى تصريحات مبارك الأخيرة فقد ساهمت عوامل عديدة في نجاح تكتيك المراوغة الذي استخدمه النظام للقضاء على معارضي القانون.
يأتي في مقدمة هذه العوامل طبيعة نقابة الصحفيين ذاتها حيث تتشكل النقابة من خليط من أصحاب المصالح المتناقضة والمتعارضة، فهي تجمع في عضويتها بين الصحفي ورئيس التحرير وأيضا رئيس مجلس إدارة المؤسسة الصحفية، علاوة على أن غالبية أعضاء النقابة من العاملين في الصحف الحكومية، وكما أشرنا في العدد السابق إلى أن “هناك خطورة من الاعتقاد الزائف بوجود وحدة داخل حركة الصحفيين ” فقد أثبتت الأيام القليلة قبل اجتماع الجمعية العمومية الثانية إلى أي مدى كانت هذه الوحدة وهمية، حيث سارع رؤساء تحرير الصحف الحكومية الذين يعينهم رئيس الجمهورية بإعداد كشوف بأسماء من سينكل بهم لمعارضتهم “الشديدة” للقانون، يتضح من ذلك أن ولاء رؤساء تحرير الصحف الحكومية لن يكون أبدا للصحفيين بل سيكون لمن سيبقيهم على كراسي رئاسة وإدارة صحف الحكومة، وتحقق بذلك توقعنا في العدد السابق بان القيادات الصحفية سوف تسعى لاحتواء حركة المعارضة التي يقودها صغار الصحفيين. وبالفعل كانت المكافأة سريعة فتم تعيين إبراهيم نافع وسمير رجب وآخرون كأعضاء في مجلس الشورى بقرار من رئيس الدولة.
أما رؤساء الصحف الحزبية فقد ساهموا أيضا في إفشال المعارضة للقانون من خلال كلماتهم الحماسية المفرغة من المضمون الحقيقي، حيث كانت ولا تزال كلماتهم وكتاباتهم تعبيرا عن هيمنة الدولة على أحزاب المعارضة ولانفصال هذه الأحزاب وعزلتها عن الجماهير وعدم قدرتها على التأثير فيها أو تنظيمها أو قيادتها. كما تبدى التنسيق التام بين أحزاب المعارضة والنظام الحاكم في المؤتمر الذي عقد في حزب الوفد للتضامن مع الصحفيين فلم يكن هذا المؤتمر سوى فرصة لزعماء الأحزاب لكي يمارسوا دورهم المسموح به في الصراخ في إطار النظام، ولم يستطع قادة المعارضة أن يصدروا كعادتهم في مثل هذه المؤتمرات بيان أو أن يتفقوا على أي عمل تجاه القانون اكتفوا فقط بترديد كلماتهم الجوفاء، ولان النظام الحاكم يعرف جيدا الحدود التي تتحرك فيها أحزاب المعارضة ويضمن عدم خروجها عن هذه الحدود فانه لا يتوقف أمام مطالبها ويضمن عدم قدرتها على التصدي له أو تنظيم معارضة جماهيرية للقانون.
إن أحد العوامل الهامة التي ساهمت في فشل حركة الصحفيين كانت تتمثل في طبيعة قيادة الحركة نفسها، فقد سلم الصحفيون دفة القيادة لمجلس النقابة الذي قام بدوره بالتفاوض مع النظام، وقام بتعطيل باقي قرارات الجمعية العمومية الأولى مثل الامتناع عن نشر أسماء وصور من ساهموا في إصدار القانون وتأجيل تشكيل لجان للإضراب في المؤسسات الصحفية، هكذا فقد كانت قيادة الحركة لا تقود بل كانت تعرقل نمو واستمرار الحركة المعارضة للقانون بشكل فعال، و انتظرت جموع الصحفيين ما ستسفر عنه مفاوضات المجلس بدون أن تستمر في الضغط على مجلس النقابة حتى يغير من طريقته في التعامل مع قرارات الجمعية العمومية. وعمليا لم يقم مجلس النقابة بالتفاوض مع النظام بل كان يطرح وجهة نظر الصحفيين في القانون، وانتظروا الرد من رئيس النظام الذين اعتبروه حكما عادلا وليس خصما عنيدا بالنسبة للصحفيين. لذلك كانت النتيجة المنطقية هي فشل المجلس في تحقيق مطلب الصحفيين وإلغاء القانون، لان رئيس مجلس النقابة وأغلب أعضائه لم يعتبروا أنفسهم في خصومة مع النظام لان مصالحهم مرتبطة به وولائهم له. من ناحية أخرى لم يقم الصحفيون بأي دور للضغط على مجلس النقابة فلم يشكلوا لجان للإضراب بالمؤسسات الصحفية الأمر الذي كان قد يقلل من فرص نجاح مجلس النقابة في تمييع المعارضة في اجتماع الجمعية العمومية الثانية، بالإضافة إلى أن نقابة الصحفيين لا تمارس فعليا عملا نقابيا ويظهر ذلك بوضوح بالنظر إلى الطريقة التي تعاملت بها مع من تم نقلهم من أعمالهم نتيجة معارضتهم للقانون، وكمثال على ذلك نقل صحفي بالأهرام الصباحي إلى المسائي لإدانته لإبراهيم نافع في المؤتمر الاحتجاجي الأول للصحفيين، فقد كان موقف النقابة التجاهل التام رغم الأهمية الفائقة لهذا الموضوع من وجهة النظر النقابية البحتة. كما أن النقابة لم تتخذ أي إجراء ضد أعضائها الذين خالفوا قرارات الجمعية العمومية ونشروا تأييدا للقانون على صفحات الجرائد.
ولم تهتم قيادة الصحفيين بكسب تأييد النقابات المهنية والعمالية في موقفها المعارض للقانون، علاوة على عدم الاستفادة بمساندة الصحفيين من خارج النقابة الغير معينين بالمؤسسات الصحفية سواء الحكومية أو المعارضة، والواقع أن هؤلاء الصحفيين يقعون تحت طائلة القانون تماما ولكنهم غير أعضاء بالنقابة وتفصل أسوار النقابة بينهم وبين زملائهم الأعضاء، ونتيجة لذلك فقد شارك الصحفيون من خارج النقابة في اجتماعين الجمعية العمومية – رغم عدم قانونية مشاركتهم – وكانوا الأعلى صوتا في المطالبة باتخاذ مواقف حاسمة تجاه القانون الذي سيطبق عليهم وهم يعملون في ظل ظروف عمل قاسية جدا، وأصدر الصحفيون من خارج النقابة بيانين عبروا فيهما عن ضرورة توسيع قاعدة الجمعية العمومية للنقابة لتدعيم قدرتها في مواجهة القانون، إلا أن مجلس النقابة وأعضائها لم يتخذوا أي موقف يعبر عن قبولهم لفكرة هدم السور الذي يفصل بين الصحفيين.
كل ما سبق يمكن أن يفسر لماذا نجح قادة الصحفيين في احتواء الحركة عبر صياغات تظهر ما توصلوا إليه على أنه انتصار لإرادة الصحفيين، كما ساهمت بعض القيادات الصحفية المؤثرة في أعداد كبيرة من الصحفيين مثل عادل حسين وجمال بدوي اللذان توليا وقف نداءات الصحفيين المطالبة بتغيير صياغة قرارات الجمعية العمومية الثانية في 24 يونيو بدعوى ترك مساحة للتحرك والمساومة مع النظام باعتبار أن الصحفيين يلعبون ” سياسة ” وعليهم أن يتميزوا بطول النفس. والواقع أن السياسة التي دعا إليها جمال بدوي تتغافل وجود أي ورقة للضغط حاليا في يد الصحفيين تمكنهم من إلغاء القانون فقد أظهرت الأيام الماضية أهمية امتلاك الصحفيين آليات لقيادة حركتهم بعيدا عن القيادات الحالية، وأهمية أن يكسبوا الدعم والتأييد من النقابات المهنية والعمالية، وأن يضموا إلى صفوفهم بقية الصحفيين من خارج النقابة حتى تتسع قاعدة المعارضة للقانون.





