حريق سنترال رمسيس وسؤال من يملك التكنولوجيا؟

في مساء يوم الإثنين 7 يوليو، لم يحتج الأمر أكثر من شرارة صغيرة، حريق اندلع في طابق من مبنى سنترال رمسيس، حتى تحوّلت القاهرة، بكل ما تُمثله من رمزية الدولة، إلى مسرح لانكشاف شامل لهشاشة المشروع الرقمي المصري. لم يكن المشهد مجرّد حادث عرضي في منشأة حكومية، بل تجسيدًا ماديًا لانهيار سردية متكاملة تُسوّقها الدولة منذ سنوات عن دخولها العصر الرقمي وتحقيقها قفزات تكنولوجية، فإذا بكل هذه «الحداثة» تنهار أمام عود ثقاب.
توقّف الإنترنت، تعطّلت الهواتف الأرضية والمحمولة، شُلّت أنظمة الدفع الإلكتروني، تباطأت حركة الطيران، توقفت البورصة، وتراكمت الطوابير أمام ماكينات الصراف الآلي. كل ذلك لم يكن نتيجة لهجوم سيبراني خارجي، ولا لزلزال مفاجئ، بل لحريق محدود في موقع واحد. كانت تلك لحظة رمزية بامتياز: نقطة واحدة تنهار فينهار معها ما بُني عليها من أنظمة، كأننا إزاء سلسلة دومينو رقمية تكشف التمركز الفادح في البنية التحتية، والانكشاف البنيوي الكامل أمام الطوارئ.
لقد كشف الحريق عن أن ما يُسمّى بـ”التحول الرقمي” في الحالة المصرية ليس إلا هيكلًا سطحيًا لا يمتلك الجذور المؤسسية والتقنية التي تُتيح له الصمود. فالتحول الحقيقي لا يكمن في عدد التطبيقات الحكومية المطروحة، ولا في الواجهات الإلكترونية، بل في قدرة البنية على التوزيع والتكرار والتعافي الذاتي، وهي خصائص غائبة تمامًا عن المشهد الذي رأيناه.
سنترال رمسيس لم يكن مجرد مبنى تقني، بل أصبح – بحكم التمركز المفرط – بمثابة “مركز الأعصاب” للدولة، النقطة التي تتقاطع عندها أغلب خدمات الاتصالات، والمعبر الذي تمر منه البيانات والمعاملات اليومية لملايين المصريين. وما جرى لا يدل فقط على فشل في تأمين هذه العقدة الحيوية، بل على سوء تقدير في تصميم منظومة تعتمد كليًا على نقطة فشل واحدة، دون بدائل أو مسارات احتياطية.
الرقمنة كقناع للاستبداد
يتجلى مسار التحول الرقمي الذي تتبناه الدولة المصرية منذ سنوات كوجه آخر من أوجه تحديث سلطوي زائف، يقوم على استيراد أدوات تقنية دون أن يصاحبه أي تحول في علاقات الإنتاج أو في طبيعة السلطة. فالنظام الذي يحتكر القرار السياسي والاجتماعي لم يرَ في الرقمنة سوى وسيلة لتعزيز أدوات السيطرة المركزية، لا كفرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس ديمقراطية. وبالتالي لم تكن الرقمنة سوى عملية فوقية، تقنوية، تُكرّس موازين القوى القائمة بدل أن تعيد توزيعها.
تتكامل الرقمنة في مصر مع مشروع طبقي أشمل يهدف إلى ترسيخ هيمنة الدولة السلطوية على مفاصل الحياة الاجتماعية. فكما خُصخصت المرافق والخدمات لصالح تحالف بيروقراطي-رأسمالي، جرى ترميز هذه السيطرة رقميًا، وتحويل الخدمات إلى منصات احتكارية تُدار مركزيًا، وتُستخدم لضبط الحاجات اليومية للسكان.
ما يُسوَّق له كتحول رقمي في مصر لا يمثل قطيعة مع أنماط السيطرة القديمة، بل يتقنّع بحداثة شكلية تخفي في جوهرها استبدادًا محدثًا. تُطلق المنصات وتُربط قواعد البيانات وتُدشّن بوابات الخدمات، دون أن يُمسّ جوهر السلطة أو يُفتح المجال لمشاركة فعلية أو مساءلة حقيقية. فالأدوات الرقمية لم تُفرض من الأسفل كتعبير عن تطور شعبي، بل فُرضت من أعلى، كامتداد لجهاز بيروقراطي-أمني مغلق، يسعى إلى مضاعفة قدراته في المراقبة والتحكم. فجرى ربط البيانات لا لتكثيف الخدمة، بل لتكثيف التتبع؛ وأُطلقت المنصات لا لتوسيع الحريات، بل لإحكام القبضة من نقطة مركزية واحدة.
أبرزت حادثة سنترال رمسيس الطابع البنيوي العميق للرقمنة السلطوية، إذ كشف الانهيار الكامل للبنية الرقمية أمام حادث محدود عن هشاشة مقصودة لا عرضية. لم يكن الانقطاع نتيجة فنية معزولة، بل تعبيرًا دقيقًا عن نموذج هيكلي قائم على التمركز القصدي للسيطرة. فاختيار تجميع الوظائف الرقمية الحيوية في عقدة واحدة لا يعكس فقط سوء التخطيط، بل يُجسد تصورًا سياسيًا يرى في السيطرة المطلقة ضمانًا للاستقرار، حتى لو جاء ذلك على حساب الصمود الهيكلي أو المصلحة العامة.
كل خلل في البنية الرقمية يكشف عن عمق الأزمة السياسية، ويُظهر كيف صُممت هذه المنظومة لخدمة احتكار السلطة وقمعها. وكما مثّل المصنع في القرن العشرين ساحة صراع طبقي على أدوات الإنتاج، تمثل اليوم الخوادم وقواعد البيانات ميدانًا جديدًا للصراع على السلطة والمعرفة والمصير.
انفصال التحديث عن التغيير الجذري
حين نحلّل أزمة انقطاع الإنترنت في مصر إثر حريق سنترال رمسيس، لا يمكننا فهمها بوصفها حدثًا تقنيًا معزولًا، بل باعتبارها نتاجًا مباشرًا لطبيعة التطور الرأسمالي غير المتكافئ الذي تعيشه المجتمعات داخل النظام الرأسمالي العالمي، وفق ما صاغه تروتسكي في مفهومه عن “التطور المركب اللامتكافئ” يفترض هذا المفهوم أن الدول المتأخرة لا تسلك مسارًا مشابهًا لما شهدته المجتمعات الصناعية المتقدمة، بل تستورد عناصر من الحداثة (كالتكنولوجيات، والبنى التحتية، والنظم الإدارية) دون أن يصاحبها تحوّل جذري في البنية الاجتماعية والسياسية.
مصر ليست خارج العصر الرقمي، بل مندمجة فيه بصورة مشوهة وغير متجانسة، لا تتبع منطقًا عضويًا لتراكم القدرات الإنتاجية والمعرفية أو تطور علاقات الإنتاج، وإنما تُدمج في السوق العالمية بوصفها طرفًا مستخدمًا للتكنولوجيا. فعندما يكون التحول التقني عبر استيراد أدوات ومنصات رقمية تُطبّق على نطاق واسع، لكن دون مرافقة ذلك بإصلاحات جذرية في الدولة أو علاقات الإنتاج أو توزيع السلطة، تكون النتيجة هي حداثة سطحية تُعلّق فوق مؤسسات تقليدية مغلقة لم تخضع لإعادة هيكلة ديمقراطية. وبالتالي ما ينتج هو تناقض بين تكنولوجيا متقدمة وأرضية اجتماعية متأخرة، تتعايش فيها مظاهر التقدم مع منطق سلطوي تقليدي.
يتجلى هذا التناقض بوضوح في الطريقة التي تُدمج بها التكنولوجيا داخل مؤسسات الدولة. فبينما تُستخدم تقنيات السحابة والحوسبة ومبادرات الذكاء الاصطناعي، الهياكل الإدارية التي تدير هذه التقنيات ما زالت تعتمد على منظومات تشغيل تقليدية تتسم بالبطء وتعقيد الإجراءات والبيروقراطية، وتُقدَّم المنصات الحكومية لا كوسيلة للتمكين الشعبي، بل كبنية مركزية جديدة تُعيد إنتاج نفس الهرمية القديمة.
هذا التناقض بين “الحداثة التقنية” و”التقليد المؤسسي” لا ينتج عنه تطور عضوي، بل حالة عدم استقرار مزمن، تظهر بشكل فجّ عند كل أزمة. فالدولة التي لم تُنجز إصلاحًا سياسيًا واجتماعيًا جذريًا، لا يمكنها أن تُنتج حداثة حقيقية، لأن الحداثة ليست شكلًا تقنيًا، بل نتاجًا لنضالات طبقية تُعيد صياغة علاقات الإنتاج وتوزيع السلطة.
وإنهيار الإنترنت أمام حريق سنترال رمسيس كان تجسيدًا حيًا لهذا التناقض. فقد تم استيراد أدوات اتصال متقدمة، وتعميم الاعتماد على الخدمات الرقمية، دون بناء بنية احتياطية موزّعة أو بنية تحتيه أو أنظمة تأمين مادي مناسبة. فعندما انهارت نقطة واحدة (سنترال رمسيس)، انهارت معها عشرات الخدمات الحيوية. السبب ليس فقط تقنيًا، بل سياسيًا-طبقيًا، لم تُبنَ البنية الرقمية على أساس توزيع القوة والقرار، بل على تكثيف السيطرة في يد الدولة، دون مساءلة، ودون بنية لامركزية تعزز الصمود.
وتتجسد إحدى مظاهر التناقضات أيضًا في التفاوت الرقمي في مصر بوصفه انعكاسًا مباشرًا لبنية اجتماعية تدمج التقنيات الحديثة في سياق غير متكافئ طبقيًا. ففي حين تُركّز شبكات الجيل الخامس في المناطق الثرية مثل العاصمة الإدارية والتجمع الخامس والشيخ زايد، تُترك قرى الدلتا ومحافظات الصعيد على هامش البنية التحتية الرقمية، تُعاني من ضعف في التغطية، وانقطاع متكرر، وغياب شبه تام للحلول الاحتياطية. هذه الفجوة لا تُعبّر فقط عن تفاوت في التوزيع الجغرافي، بل عن منطق سياسي-طبقي يحدد من يستحق الخدمة ومن يُترك خارجها.
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى المواطن كجزء من عملية صنع القرار الرقمي، بل كمتلقٍ سلبي لقرارات تُصاغ في دوائر مغلقة، دون شفافية أو مساحات حقيقية للمشاركة أو الاعتراض. حين يُطلب منه استخدام التطبيقات الحكومية أو التعامل مع المنصات الرقمية، فإن ذلك يتم ضمن علاقة سلطة غير متكافئة، يُملى فيها السلوك الرقمي دون أن يُتاح له التأثير على السياسات أو تصميم الخدمات. وبهذا لا تصبح الواجهات الرقمية مجرد أدوات لتقديم الخدمة، بل واجهات لسلطة تكرّس التراتب الطبقي عبر أنظمة تقنية تُقصي الفئات الأوسع من أي دور فاعل في إدارة المجال الرقمي.
ليست الأزمة كامنة في أدوات التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في طبيعة البنية التي تُدمج فيها. فعندما تُوظف التقنيات الحديثة ضمن منظومة تفتقر إلى الشفافية وتُدار من أعلى دون مساءلة، فإن كل خلل تقني يكشف عن خلل أعمق في منطق توزيع السلطة والمعرفة. وحين تنهار البنية الرقمية أمام أزمة واحدة، يتضح أن ما جرى بناؤه ليس منظومة صامدة أو عادلة، بل واجهة تقنية تغطّي بنية غير مستقرة وغير متكافئة.
لذلك، لا يكون تجاوز هذا المأزق بإضافة مزيد من الأجهزة أو توسيع قاعدة البيانات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة. فلا تتحقق الجدوى من التحول الرقمي ما لم يُبنَ على ملكية جماعية وتوزيع حقيقي للقدرة، وآليات مساءلة ديمقراطية، وتمكين فعلي للمجتمع.
لمن تعود الشبكة؟ ولأجل من تعمل؟
لا يمكن فهم أزمة حريق سنترال رمسيس دون العودة إلى السؤال الجوهري، من يملك البنية الرقمية؟ من يحدد موقعها، وشكلها، ووظيفتها؟ من له سلطة القرار في كيفية تصميمها وتشغيلها واستثمارها؟
هل البيانات التي تمر عبر سنترال رمسيس، أو تُخزن فيه، تخضع لأي شكل من الرقابة المجتمعية؟ هل للمواطنين حق معرفة كيف تُستخدم؟ من يقرر ما يُجمع ويُخزن؟ من يملك حق الوصول؟ ومن يُستثنى؟
واقعيًا لا توجد بنية تحتية محايدة. فكل بنية مادية، سواء كانت مصنعًا أو شبكة ألياف ضوئية، تجسّد علاقات قوة، وتعكس توازنات طبقية بعينها. وينطبق ذلك بشكل مباشر على البنية التحتية الرقمية.
في الحالة المصرية، لا تُبنى البنية التحتية الرقمية على أساس الحاجات الاجتماعية أو بوصفها منفعة عامة، بل بوصفها امتدادًا لجهاز الدولة السلطوي. تُحتكر ملكية الكابلات ومراكز البيانات، وقواعد البيانات من قبل الدولة، لا بوصفها ممثلة للإرادة الجمعية، بل ككيان فوقي يتحالف مع النخب الرأسمالية لإدارة وتوجيه المجال الرقمي من أعلى. هذه السيطرة لا تعبّر عن نمط إداري فقط، بل تجسّد منطقًا سلطويًا يستبعد الجماهير من التخطيط والرقابة والقرار.
وحين انهار مركز مثل سنترال رمسيس، تكشّفت هذه المعادلة بالكامل، فلم يعبرعن مجرد خلل هندسي، بل يكشف منطق التمركز القصدي للسلطة الرقمية. فتمركز الخدمات، وغياب البنية الاحتياطية، واحتكار الدولة لمفاتيح التشغيل، تعكس تصورًا أمنيًا للرقمنة، كأداة للضبط.
هذه الأزمة أيضًا تفتح الباب أمام مساءلة سياسية، من يقرر شكل البنية؟ هل المهندس في وزارة الاتصالات؟ أم الضابط في جهاز أمني؟ أم لجنة مغلقة من البيروقراطيين؟ أين صوت النقابات؟ وجماعات المستخدمين؟ والمجتمعات المحلية؟ من يملك حق الاعتراض أو التعديل أو المراجعة؟ وهذه أسئلة سياسية بامتياز، لأنها تتعلق بتوزيع السلطة والقوة في المجتمع.
البنية المركزية تُبنى على افتراضات أمنية وسلطوية، فتفترض أن الأفضل هو التحكم الكامل، والمراقبة الشاملة، والتوجيه من نقطة واحدة. لكن هذا النموذج ينهار أمام كل أزمة، لأنه لا يتحمل الضغط، ولا يتيح التكيف. في المقابل، تُبنى الشبكات اللامركزية على منطق المشاركة، والتوزيع، والمرونة، وإشراك المجتمع في الإدارة. هذه هي شبكات الصمود.
ومن أجل الانتقال من البنية السلطوية إلى بنية عادلة، لا بد من مراجعة شاملة لأسس بناء الشبكة الرقمية في مصر، ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية. أولها هو تفكيك التمركز في البنية التحتية الرقمية، من خلال توزيع نقاط الخدمة والربط وتخزين البيانات، بما يضمن أن لا يؤدي فشل موقع واحد إلى شلل كامل في المنظومة. فالتنوع الجغرافي والتقني للبنية هو ما يمنحها القدرة على الصمود.
والمحور الثاني يتمثل في إدخال آليات للمساءلة الديمقراطية، تتيح للمجتمع المدني، والنقابات، والمجتمعات المحلية دورًا فعّالًا في اتخاذ القرار ورقابة الأداء. فالمشاركة المجتمعية ليست خيارًا تجميليًا، بل أداة ضرورية لضمان أن تُدار البنية الرقمية بما يخدم احتياجات المواطنين لا مصالح السلطة وحدها.
أما المحور الثالث، وهو الأكثر أهمية، فيتعلق بإعادة تعريف الملكية ذاتها، إذ لا يجب أن تكون البنية مملوكة حصريًا للدولة أو محتكرة من قبل الشركات، بل ينبغي إعادة صياغتها كحق جماعي، تُدار من خلال نماذج تشاركية أو بنى مجتمعية مستقلة، تعكس مصالح المستخدمين وتضمن التوزيع العادل للموارد والقدرة على اتخاذ القرار. ذلك لأن إعادة بناء الرقمنة على أسس تحررية لا تبدأ من الكفاءة التقنية، بل من مساءلة من يملك البنية، ومن إعادة تعريف التكنولوجيا بوصفها مجالًا للصراع الطبقي، لا وسيلة إدارية. عندها فقط، يمكن أن تصبح البنية الرقمية أداة للتحرر والمشاركة، لا للهيمنة والسيطرة.





