بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل كان ماركس مفكرًا اقتصاديًّا فحسب؟

شهد كارل ماركس في سنين حياته ترسيخ الرأسمالية بوصفها نظامًا شاملًا عالميًّا نشأت معه الطبقة العاملة العالمية، تلك القوة القادرة على التغيير الاجتماعي الجذري. ومع تطور هذا النظام القائم على الاستغلال والمنافسة الشرسة، انكبّ ماركس على دراسته وعُرف بنظرياته عن الطبقة والاستغلال والقيمة.

كان من نتائج قوة كتابات ماركس الاقتصادية أن رؤاه السياسية كثيرًا ما أُهملت، عن عمد في بعض الأحيان، لكن ماركس كان قبل كل شيء ثوريًّا وناشطًا سياسيًّا راديكاليًّا. ويتضح من تطور كتابات ماركس السياسية، في ضوء فهم رؤاه الاقتصادية، كيف أصبح ماركسيًّا وأسس حركة استمر نضالها من أجل التغيير الاجتماعي الجذري لأكثر من 140 عام بعد وفاته.

في فبراير 1848، نشر ماركس “البيان الشيوعي” الذي وضعه بالتعاون مع فريدريك إنجلز للعصبة الشيوعية، وهي حزب ثوري كان قد تأسس حديثًا في لندن وكان كلاهما عضوًا فيه. وكان البيان الشيوعي دعوة صريحة إلى الثورة وتأكيدًا على ألا يُمكن قيادتها إلا من الطبقة العاملة، ولم يمر وقت حتى أثبتت الوقائع التاريخية صحة ما ورد في هذا البيان بالتجربة.

طغت على أربعينيات القرن التاسع عشر معاناة الجوع الجماعي والفقر في طبقات المجتمع الدنيا، أما في رأس الهرم الاجتماعي، فقد نشأت خلافات وانقسامات بين الحكام –عائلات النبلاء القديمة والطبقة البرجوازية المحافظة— ومعارضيهم الإصلاحيين البرجوازيين الليبراليين.

في عام 1848، اندلعت موجة من الانتفاضات والثورات الشعبية في أوروبا، حيث انطلقت الانتفاضة من فرنسا لتهز أركان إمبراطوريات هابسبورج وروسيا وبروسيا، وكانت الفعل الراديكالي الأخير للطبقة البرجوازية الناشئة.

انطلقت الانتفاضة في فرنسا عام 1848 وكانت ناجحة في بدايتها، إذ أطاحت بنظام لويس فيليب الذي كرهه الشعب، وكان ذلك بتحالف بين الإصلاحيين الليبراليين والعمال الراديكاليين في المدن. وانتهت الانتفاضة بعد أشهر قليلة حين انقلبت القوى الرأسمالية على العمال وأغرقت نضالهم في بحر من الدماء، فأسس الرأسماليون دكتاتورية عسكرية ذات مسحة ليبرالية، ومهدوا بذلك الطريق لديكتاتورية لويس نابليون الوحشية التي تولت من ثم زمام الحكم. وبالرغم من تفوق جنود الرأسمالية على العمال من حيث الأعداد والتسليح، أقام العمال المتاريس في شوارع باريس وقاتلوا ببسالة.

في المقاطعات الألمانية، كان البرجوازيون أكثر خضوعًا بكثير للنبالة القديمة، فقد أضعفوا بأنفسهم مشروعهم القومي لتوحيد ألمانيا في دولة رأسمالية حديثة، حيث رفضوا مواجهة ملوك ألمانيا وأمرائها، وتخلوا عن قوى الطبقة العاملة لتواجه وحدها هزيمةً قاسية.

راقب ماركس وإنجلز هذه التطورات من كثب وشاركا في الانتفاضات الألمانية، حيث قاتل إنجلز حتى النهاية المريرة في جنوب غرب ألمانيا وشارك ماركس في انتفاضة راينلاند مع العصبة الشيوعية.

انخرط ماركس في مناقشات حول الإستراتيجية والتنظيم في العصبة آنذاك، وخرج من هذه الأيام المثيرة بفكرتين رئيسيتين: الأولى أن الطبقة البرجوازية لم تعد طبقة ثورية ولا يُمكن الاعتماد عليها في مواجهة الطبقات الإقطاعية القديمة الحاكمة، والثانية أنه لا بد للطبقة العاملة من تنظيم نفسها باستقلال.

خلُص ماركس، بعد أن رأى بعينيه الردة الوحشية للنظام القديم بالتحالف مع الطبقات الرأسمالية الجديدة الحاكمة، إلى أن البرجوازية الليبرالية لا ترغب في إجراء إصلاحات ديمقراطية، بما فيها الإصلاحات التي كانت ستستفيد طبقتهم نفسها منها مثل الحريات السياسية، وقارن بين نهجي الطبقة البرجوازية الفرنسية والألمانية في مقال كتبه في نوفمبر 1848: “في فرنسا، لعبت الطبقة البرجوازية دور الطاغية وقامت بثورة مضادة، أما في ألمانيا، فهي بمثابة عبد قام بهذه الثورة المضادة نيابةً عن الطغاة”.

تمخضت هذه الاكتشافات عن نتائج تنظيمية، ألا وهي الحاجة المُلحّة إلى استقلال الطبقة العاملة، إذ رأى ماركس أن لا بد للطبقة العاملة أن تعمل تحقيقًا لمصالحها وأنها في حاجة إلى التنظيم المستقل لتتمكن من ذلك، ووجد تجربة حية مُلهمة لتنظيم الطبقة العاملة في نماذج وليدة طُبقت في إضراب النساجين السيليزيين وحركة الشارتيين –المُطالِبة بالإصلاحات الاجتماعية والسياسية— في بريطانيا واتحادات العمال في باريس.

شرح ماركس هذه الرؤية بوضوح في “خطاب إلى اللجنة المركزية بالعصبة الشيوعية” في مارس 1850، المعروف بخطاب مارس، وقال أن “لا بد للعمال، والعصبة في مقدمتهم، أن يعملوا على تشكيل تنظيم مستقل لحزب العمال … وأن تسعى العصبة إلى تحويل كل كميونة من كميوناتها إلى مركز ونواة لجمعية عمالية تُناقش فيها أوضاع البروليتاريا ومصالحها بحرّية وبعيدًا عن تأثير الطبقة البرجوازية“.

بعد أن قُمعت انتفاضات 1848، نُفي ماركس وإنجلز إلى لندن حيث وجدا نفسيهما في قلب الإمبراطورية البريطانية – مركز الرأسمالية الصناعية – ومن حولهما أكثر الطبقات العاملة تطورًا في العالم آنذاك. واشتبكت هذه الطبقة العاملة، بحلول ستينيات القرن التاسع عشر، مع الحرب الأهلية الأمريكية مطالبةً بإلغاء العبودية ودعمت استقلال أيرلندا. وغلبت على حياة ماركس السياسية انشغاله بالكيفية التي يمكن بها للطبقة العاملة تنمية وعيها السياسي اللازم للاستيلاء على السلطة، حتى أتاح له عقد الستينيات فرصة لتكوين رؤية واضحة حول هذه الكيفية بالملاحظة المباشرة لحركة العمال المحيطين به.

اندلعت الحرب الأهلية في أمريكا عام 1861، وكان أحد طرفيها الكونفدراليون الذين حاربوا من أجل الانفصال للإبقاء على العبودية تحقيقًا لمصالح نخبة مُلّاك الأراضي الجنوبيين، وكان طرفها الآخر البرجوازيون الشماليون، الاتحاديون، الذين رأوا أهمية التطور الصناعي وإمكانية التخلي عن العبودية.

أيّدت الطبقة الحاكمة البريطانية الكونفدراليين، حيث كان من بين أغراضهم ما دفع بريطانيا إلى التدخل، فقد وفّرت العبودية لبريطانيا وأوروبا القطن الرخيص وكانت جزءًا أصيلًا من التحول الصناعي والتجارة العالمية، بل ويُقدّر أن مصدر رزق 25% من البريطانيين اعتمد على صناعة القطن. وعلى الجانب الآخر، كان معظم العمال الأوروبيين والإنجليز داعمين للاتحاديين، حتى عمال لانكشاير الذين حطمتهم مجاعة القطن.

كشفت الحرب الأهلية عن إمكانات سياسية جديدة بعد عقد أو أكثر من التراجع الذي تلا العام 1848، فقد دعا مجلس لندن لاتحاد النقابات إلى اجتماعات للعمال بهدف دعم الاتحاديين، وأصبحت هذه الأممية الجديدة مقدمة لتأسيس الاتحاد الأممي للشغيلة الذي عُرف من بعد باسم الأممية الأولى، وقد أسهم ماركس في تأسيسه عام 1864، وحضر الأممية اتحادات وتيارات سياسية راديكالية من جميع أنحاء أوروبا.

دعم ماركس الاتحاديين بقوة، على عكس الكثير من غيره من الراديكاليين آنذاك، إذ كان على دراية بأهمية مناهضة العبودية وأن استمرارها في أي مكان يقوض ظروف العمل في كل مكان آخر. يقول ماركس “لا يمكن للعمال ذوي البشرة البيضاء تحرير أنفسهم بينما لا يزال العمال السود تحت قبضة العبودية“. ورغم أن إبراهام لينكولن وغيره من قادة الاتحاد المحافظين أنكروا في بادئ الأمر أن الحرب كانت على العبودية وامتنعوا عن الوعد بإلغائها، أعلن ماركس أن انتصار الكونفدرالية ستكون نتيجته التوسع في العبودية، وكان مدركًا أن هذه الحرب نزاع بين نظامين اقتصاديين لن ينتصر فيه أحدهما دون هزيمة الآخر.

على نحوٍ مماثل، أتاح نضال الأيرلنديين من أجل التحرر من قبضة الاستيطان البريطاني فرصة لماركس ليزيد إدراكه بمدى محورية القضايا السياسية في نضال الطبقة العاملة نحو تحرير ذاتها، ففي ستينيات القرن التاسع عشر، ظهرت الفينيانية، وهي حركة راديكالية معبرة عن القومية الأيرلندية، لتلهم الكثير من العمال الأيرلنديين والإنجليز ليأخذوا هذه القضية على عاتقهم.

كان من أبرز أعمال هذه الحركة الحملة التي حاولت بها إنقاذ شهداء مانشستر عام 1867، حيث خضع ثلاثة قوميين أيرلنديين للمحاكمة وأُعدموا شنقًا أمام العامة عقابًا على موت أحد ضباط الشرطة، وأطلقت الطبقة الحاكمة حملة هستيرية لتأجيج المشاعر المعادية للأيرلنديين، ما بعث على إطلاق حملة للإفراج عن جميع السجناء السياسيين الأيرلنديين.

رغم انتقاد ماركس وإنجلز للتكتيكات الإرهابية التي انتهجتها الحركة الفينيانية، فقد دعما القضية الأيرلندية وحثا الأممية على تبنيها. وجادل ماركس قادة النقابات المحافظين الأقرب إلى اليمين وأعضاء أقصى اليسار المحيطين بباكونين، من ترددوا في دعم استقلال أيرلندا، مبيّنًا أن سياسة الإفقار التي تعرضت لها أيرلندا كانت مصدرًا هائلًا لثروات الإمبراطورية البريطانية وأن الشعور المعادي للأيرلنديين لدى العمال الإنجليز قوّض ظروف العمل وقدرتهم على مقاومة الطبقة الحاكمة الإنجليزية. وأكّد ماركس أن “مهمة الأممية في كل مكان أن تضع الصراع القائم بين إنجلترا وأيرلندا في مقدمة أولوياتها، وأن يُعلن الجميع انحيازه إلى أيرلندا … كي يُدرك العمال الإنجليز أن تحرر أيرلندا الوطني ليس قضية عدالة مجردة أو عاطفة إنسانية، بل هو أول شروط تحررها الاجتماعي“.

يظهر حماس ماركس وإنجلز لنضال الطبقة العاملة وشدة ارتباطهما به في كلمات إنجلز إلى ماركس التي أرسلها إليه بعد يومٍ واحد من إعدام شهداء مانشستر عام 1867: “في حدود علمي، لم يحدث من قبل أن أُعدم أحدٌ لأسباب مشابهة في دولة متحضرة إلا في قضية جون براون ببلدة هاربرز فيري، فلا سابقة أفضل من هذه لنضال الفينيانيين“.

وضع ماركس نظريته عن تحرر الطبقة العاملة الذاتي لأول مرة في أربعينيات القرن التاسع عشر، وتحولت هذه الفرضية النظرية إلى واقع حي بعد عقود قليلة في عام 1871، حيث ظلت باريس 71 يومًا تحت حكم العمال، ما يُعدُّ تجربةً بطولية غير مسبوقة في الديمقراطية الراديكالية.

وصف ماركس كميونة باريس في كتيّب “الحرب الأهلية في فرنسا” الذي كتبه في يونيو نيابةً عن الأممية بأنها “بشرى مجيدة بمجتمع جديد“، وهو واحد من أوصاف مؤثّرة كثيرة وردت في كتيبه.

دارت الحرب الفرنسية البروسية عام 1870 في خلفية هذه الانتفاضة، وكانت فرنسا في طريقها إلى الهزيمة، ورفض أدولف تيير –رئيس الجمهورية الجديدة— الدفاع عن باريس طالما كان مؤدى ذلك تسليح الطبقة العاملة، بل وأرسل جنودًا إلى حي بيلفيل الذي سكنه العمال في فجر يوم 18 مارس لنزع سلاح الحرس الوطني، وهو قوّات شعبية من العمال. بحلول منتصف النهار، كان الجنود قد انضموا إلى رجال الحرس الوطني، وأُقيمت المتاريس، وفرّ الجنرال فينوي –قائد العملية— تاركًا باريس، ونزلت جموع الشعب الغاضبة رجالًا ونساءً وأطفالًا إلى الشوارع لتبني المتاريس، وبدأت كميونة باريس.

على مدار الأشهر التالية، بنى العمال دولة جديدة بمؤسسات ديمقراطية راديكالية فوضت بشؤونها الطبقةُ العاملة ممثلين منتخبين قابلين للعزل. ووضع العمال تصورًا وتشريعًا للتغيير الراديكالي في جميع جوانب المجتمع، من الأسرة إلى أماكن العمل، وكان كل شيء محلًا للنقاش، من الإستراتيجية السياسية والدفاع عن الكميونة إلى العلوم والكنيسة، بل والفنون. وتسنى لماركس أن يرى ازدهار البشرية، ولو لفترة قصيرة، تحت حكم العمال، وكتب أن “لأول مرة منذ أيام فبراير 1848، كانت شوارع باريس آمنة … ودون وجود رجل أمن من أي جهة”.

ارتكبت الطبقة الحاكمة مجزرة وحشية لتعيد حكم البرجوازية، وقتلت ثلاثين ألفًا من أعضاء الكميونة في غضون أسبوع، واحتفت طبقات الأثرياء وصحفها بأخبار تعذيب أعداد لا تحصى منهم وسجنها.

ردّ ماركس على الثورة المضادة بغضب مُقابل ووضوح نظري حول ضرورة هدم الدولة الرأسمالية ليتمكن العمال من الاستيلاء على السلطة وبناء المجتمع الاشتراكي، ووضّح أن وجود العمال في السلطة يعني بطبيعة الحال القضاء على الاستغلال، وأن الكميونة كانت “ثمرة نضال الطبقة المُنتِجة ضد الطبقة المُستغِلة، والشكل السياسي الذي توصل إليه العمال أخيرًا ليتمكنوا من تحرير أنفسهم اقتصاديًّا”.

يقول ماركس أن كميونة باريس بيّنت عدم جدوى استيلاء العمال على الدولة القائمة فحسب، حيث كان من الضروري أن تُطبق أشكال راديكالية جديدة من الديمقراطية. ولا بد من مواجهة الدولة الرأسمالية، فانتقاد ماركس الوحيد للكميونة أنها تأخرت كثيرًا في بدء القتال، إذ كان من الضروري أن تحمي مؤسسات الحكم الذاتي في طورها الجنيني الهش من بطش الدولة البرجوازية.

ترك ماركس لنا تراثًا سياسيًّا يحمل دروسًا لا غنى لنا عنها اليوم، فقد طور نظريته في الثورة الاجتماعية ونقحها عبر الانخراط في مناظرات زمنه والمشاركة في أهم النضالات التي شهدها عصره. ولا يزال هذا النهج، القائم على التعلُّم وتطوير النظرية بناءً على التجربة العملية لحركة الطبقة العاملة، هو المبدأ التوجيهي الذي تستند إليه الحركة الماركسية في يومنا هذا.

هوامش

  1.  أضرب النساجون في سيلزيا في يونيو 1844، وكان إضرابهم أول تحرك جماعي حقيقي للعمال في ألمانيا ضد ظروف العمل والظروف الاجتماعية التي فرضها عليهم نظام إنتاج المصانع الحديث.
  2.  حركة إصلاحية إنجليزية مطالبة بالحقوق السياسية، وهي أول حركة جماعية بقيادة الطبقة العمالية، ونمت هذه الحركة بعد فشل مشروع القانون الإصلاحي لعام 1832 المعني بمنح حق التصويت لغير ملّاك الأراضي.
  3.  الكونفدرالية: تكونت من 11 ولاية جنوبية انفصلت عن الولايات المتحدة بقيادة جيفرسون ديفيس.
  4.  الاتحاد: الولايات الشمالية التي حاربت من أجل إلغاء العبودية.
  5.  في أكتوبر 1859، قاد جون براون مجموعة من المتمردين المطالبين بإلغاء العبودية واستولوا على أسلحة فيدرالية في هاربرز فيري بولاية فيرجينيا استعدادًا للتمرد المسلح، لكنه حوصر وقُتل عشرة من رجاله، من بينهم اثنين من أبنائه. وخضع جون براون للمحاكمة بتهمتي الخيانة والقتل وأُعدم شنقًا.

* المقال منشور لأول مرة في 1 أعسطس 2024 بجريدة “الراية الحمراء”، تصدرها منظمة البديل الاشتراكي الأسترالية