الملكية الفكرية كأداة للهيمنة: عن عبد الرحمن خالد والمتحف الكبير

في مداخلة تلفزيونية، خرج وزير السياحة والآثار شريف فتحي ليهاجم شابًا يُدعى عبد الرحمن خالد، بعدما أعد مقطعًا ترويجيًا غير رسمي للمتحف المصري الكبير باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. جاءت لغة الوزير قاطعة وحادة، مستخدمًا ألفاظًا مثل “سرقة”، و”محتوى مزيف”، و”انتهاك للملكية الفكرية والحقوق المجاورة”، و”اعتداء على الحرية الشخصية لشخصيات عالمية”.
الوقائع التي أحاطت بالقضية – من استجواب النيابة، إلى إخلاء سبيل الشاب، إلى دفع الدفاع بحسن النية وعدم السعي إلى الربح- تكشف أننا أمام مبادرة فردية نابعة من موقع اجتماعي أدنى، جرى تأويلها رسميًا كتهديد للامتياز السردي والاقتصادي (بما أن الشركة المتحدة هي الراعي الوحيد للاحتفال) المرتبط بالسلطة الطبقية قبل افتتاح المتحف الكبير.
هنا يتجاوز النقاش حدود النص القانوني إلى سؤال أكثر جوهرية، كيف يعمل القانون، في السياق الرأسمالي السلطوي، كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية، حين يُصاغ لخدمة تحالفات السلطة ورأس المال؟ وهل يُستخدم القانون لحماية المبادرات الثقافية الشعبية بوصفها تعبيرًا عن حاجات مادية وتطلعات تحررية لجماعات مُستغَلّة، أم لضبط هذه المبادرات وتطويقها ضمن منطق الامتياز الطبقي واحتكار أدوات الحكي والمعنى؟
حين يتقاطع القانون مع السيطرة الطبقية
تتضح طبيعة قضية الملكية الفكرية في حادثة المتحف الكبير بجلاء حين ننظر إلى السياق من زاوية التطور المركب اللامتكافئ، كنتيجة لتفاعل غير متكافئ بين أنماط إنتاج مختلفة في ظل الهيمنة العالمية للرأسمالية.
فالحداثة في هذا السياق لا تتطوّر عبر مراحل متتالية، بل تُعاد تركيبها بشكل غير متوازن داخل مجتمعات تخضع لهيمنة رأس المال، في تَجاوُر قسري بين أدوات قانونية وتنظيمية رأسمالية متقدمة وبين علاقات إنتاج متخلفة. وبالتالي يتبلور خطاب “الملكية الفكرية” بوصفه أحد أدوات إعادة إنتاج الهيمنة، وجزء من البنية الفوقية التي تُكرّس السيطرة على أدوات إنتاج المعرفة والتعبير، وامتدادًا مباشرًا للسيطرة على أدوات الإنتاج المادي.
الجمهور في هذا السياق ليس متفرجًا محايدًا، بل منخرط في صراع طبقي، إذ تُقيَّد قدرته على الوصول إلى المعرفة والتعبير وتُفرَض عليه شروط استهلاك لا يملك
أدوات إنتاجها أو إعادة توزيعها. حتى المبادرات الجماعية في إنتاج البرمجيات والمحتوى والتعاونيات الرقمية، لا تنشأ كرد فعل مثالي، بل كتعبير عن تناقض طبقي مادي في قلب البنية الرقمية، حيث يُخاض صراع حقيقي على أدوات إنتاج المعرفة والتوزيع، وعلى الحق الجماعي في السيطرة على الوسائط الحديثة، بما هي جزء من وسائل الإنتاج في طورها الرقمي المعولم.
في هذا السياق، لا يُفهم القانون بوصفه أداة محايدة، بل كجزء من البنية الفوقية للرأسمالية يُعاد إنتاجه بما يخدم احتكار الطبقة المسيطرة لأدوات الحكم والمعرفة والتعبير. ومع ذلك، وتحت ضغط النضالات الطبقية المنظمة، قد تُنتزع بعض التنازلات من القانون، لا لأنه حيادي، بل لأنه يُضطر حينها إلى الانحناء مؤقتًا أمام ميزان قوى يفرضه نضال الجماهير.
الحياد المزعوم للقانون
في قضية عبد الرحمن خالد، كان الاستدعاء السريع لسيف التجريم تذكيرًا بوظيفة القانون الأصلية في الدولة السلطوية: الدفاع عن تراكم رأس المال ضد أي محاولة من الطبقات المستغَلّة لامتلاك أدوات إنتاج أو إعادة تنظيمها خارج قبضة السوق والدولة.
فتُساق النصوص القانونية بلغة محايدة ظاهريًا، لكنها تخفي خلفها بنية قمعية، وتُوظف لإدامة السيطرة، لا لتمثيل أي مصالح اجتماعية حقيقية. فلا وجود لنقابات جماعية تمثل العاملين في الثقافة بوصفهم جزءًا من الطبقة العاملة، ولا لقضاء يُخضع سلطة الدولة لمصالح الطبقات الكادحة، ولا لمؤسسات إنتاج معرفي حُر قادرة على كسر الاحتكار السياسي والاقتصادي المفروض على أدوات التعبير، بل تُفرض حدود صارمة على أي محاولة لتحرير الثقافة من السوق والدولة.
في هذا الوضع، لا يُمثّل القانون خروجًا عن حياد مزعوم، ولا انحرافًا عن مسار تنظيمي، بل يُمارس وظيفته الأصلية بوصفه أداة في يد الدولة الطبقية، تهدف إلى تأبيد السيطرة على أدوات إنتاج المادية وأدوات إنتاج المعرفة والتعبير. حتى وإن كانت بعض النضالات الجماهيرية -في دول أخرى- قد نجحت، في لحظات تاريخية داخل الرأسماليات المتقدمة، في فرض مكاسب قانونية مؤقتة، فإن تلك المكاسب لم تكن ناتجة عن “تحول القانون”، بل عن موازين قوى فرضتها الطبقة العاملة، وسرعان ما قوبلت بمحاولات نزعها أو الالتفاف عليها.
ومن ثمّ، فإن واقعة المتحف لا تُفهم كاستثناء ثقافي أو حادثة معزولة، بل كتمظهر لوظيفة القانون القمعية في سياق رأسمالي تحكمه تحالفات بيروقراطية أمنية
واقتصادية تحتكر أدوات تشكيل الوعي.
إبداع تحت السيطرة الطبقية
حين تُعلن الدولة -ممثلة في وزير السياحة- أن جميع المواد الدعائية يجب أن تمر عبر قنواتها الرسمية، فهي تُعيد إنتاج امتيازها في احتكار أدوات التعبير والإنتاج. وكل محاولة فردية تنبع من موقع طبقي مقموع، تتجاوز هذا الاحتكار، تُعامَل كخرق سياسي يستدعي التأديب. المسألة إذن تبدو قانونية الشكل وطبقية الجوهر.
وحين تتحالف الدولة مع رأس المال، لا يصبح الوصول إلى الجمهور حقًا، بل امتيازًا طبقيًا. يتحوّل الفضاء الثقافي إلى جهاز لإعادة إنتاج الهيمنة، وتُغلق القنوات أمام المبادرات الجماعية الخارجة عن السيطرة. فيُقصى كل من لا يندمج في السوق، ويُعاقب من يحاول الإنتاج من خارج السلطة.
وبالتالي، لا معنى لأي حديث عن “تنظيم قانوني” للإبداع أو التعبير أو الملكية الفكرية، دون الاشتباك مع كسر البنية القانونية التي تؤسس للسيطرة والاحتكار والاستغلال. ولا معنى للحديث عن “حقوق ثقافية” في ظل استمرار علاقات الإنتاج القائمة. والمطلوب ليس مسارات أقل وطئة ولا قوانين أو تراخيص، بل تحطيم البنية القانونية والثقافية للسيطرة الطبقية، وانتزاع أدوات إنتاج المعرفة من يد الدولة والسوق، وإخضاعها لملكية جماعية ديمقراطية تُدار من قبل العمال أنفسهم، كجزء من مشروع تحرري شامل لتجاوز الرأسمالية.
الدولة كمدّعٍ طبقي
يعيدنا ما سبق إلى سؤال جوهري: لماذا تتقدّم الدولة بصفتها المدّعي الأصيل؟
في النظم الرأسمالية المتقدمة، قد تتحرك الدعاوى من قبل مالكي الامتيازات، عبر آليات السوق البرجوازي، الذي يعكس اختلال موازين القوى لصالح رأس المال، حتى حين تُنتزع بعض المكاسب المؤقتة تحت ضغط النضال الطبقي.
أما في السياقات السلطوية، فتتقدّم الدولة بوصفها صاحبة الهيمنة الطبقية على أدوات السرد والثروة، حارسة للرواية الرسمية، مانعةً للمبادرات الشعبية من تحدي احتكارها لأدوات التعبير.
مرة أخرى يبرز مفهوم التطور المركّب اللامتكافئ، فنحن لا نعيش انقسامًا بين “تقدم” و”تخلف”، بل تركيبًا تاريخيًا غير متكافئ تفرض فيه أدوات قانونية رأسمالية فوق أرضية طبقية غير متكافئة، فتكون أدوات قمع لا أدوات تنظيم. لا يُستورد القانون فقط، بل يُستورد كأداة هيمنة منزوعة من سياق الصراع الذي أنتجه. وهكذا يُكرّس خطاب تقني/قانوني/نخبوي، معزول عن صراعات الطبقات المنتجة.
وفي هذا الإطار، تتضخم الدولة باعتبارها المنتج المركزي للمعنى، وتُقصى الجماهير إلى موقع المتلقي السلبي الذي لا يُسمح له بالإنتاج إلا ضمن حدود مرسومة سلفًا. ويُقفل الباب أمام التعبير الشعبي بحجج التنظيم والحماية، بينما الهدف الحقيقي هو تأبيد السيطرة الطبقية على الخيال والمعرفة.
الذكاء الاصطناعي وسؤال من يملك أدوات التعبير؟
وإذا كان القانون جزءًا من البنية الفوقية، فإن القاعدة المادية التي تقوم على احتكار الثروة وقمع التنظيم الشعبي، تفرض على القانون أن يتحوّل من أداة تنظيم إلى أداة قمع طبقي، وتوظّف لحماية الامتيازات وقمع أي تحدٍ للهيمنة الطبقية.
وفي حالة عبد الرحمن خالد، تزداد هذه الصورة وضوحًا حين نضع الذكاء الاصطناعي ضمن سياق اتساع استخدام الجماهير لأدوات الإنتاج الرقمي، دون أن تخرج هذه الأدوات من قبضة الرأسمالية والملكية الخاصة. فكلما اقتربت هذه الأدوات من أيدي المنتجين الجماهيريين، تصاعدت محاولات السلطة لإحكام السيطرة على قنوات التعبير من خلال تقنين الاستخدام وفرض خطاب رسمي يخدم مصالح الطبقة الحاكمة.
فتستخدم السلطة منطق «الحماية» لتجريم المبادرات الفردية، وفي نفس الوقت تُوجَّه رسالة واضحة إلى المنتجين الثقافيين من الطبقات الشعبية: لا تجازفوا، وإذا فعلتم، فافعلوا في الظل، بعيدًا عن المجال العام المسيطر عليه. وهذه وصفة لتجريف الثقافة وتحويلها إلى امتياز محفوظ للطبقات المالكة، بينما يُمنع المجتمع من التعبير عن مصالحه ضمن شروط الإنتاج الطبقي.
إن واقعة «إعلان المتحف المصري الكبير» ليست حدثًا شاذًا، بل تعبير عن وظيفة الدولة كأداة للسيطرة في لحظة صعود طبقي مضاد. هي لحظة تكثّف فيها التشريعات والأنظمة والمؤسسات لخدمة من يملكون وسائل إنتاج الثقافة والمعرفة، وتُقصى منها الطبقات الشعبية بوصفها مصدرًا للتهديد لا للإبداع.
لكن في قلب هذا القمع، تُفتح نافذة للصراع، وفرصة لإعادة طرح العلاقة بين القانون والثقافة بوصفها مسألة طبقية خالصة، ولتسييس النقاش حول الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة يجب أن تُنتزع من يد السيطرة، وتُستخدم في بناء مشاعات رقمية ومجال عام أكثر اتساعًا. فالخيارات القانونية ليست مسألة تقنية، بل سياسية بامتياز، والخط الفاصل بين القمع والتحرر يُرسم بموازين القوى لا بعبارات القانون المجردة.





