الفاشر تحت الحصار: حين يتحوّل الجوع إلى سلاح حرب وإبادة

في غرب السودان لا يقتصر الحصار على الرصاص والمدافع، بل يمتد إلى لقمة العيش. في الفاشر، آخر مدينة كبرى ما تزال تحت سيطرة الجيش في دارفور، يعيش عشرات الآلاف وسط طوق خانق تفرضه قوات الدعم السريع، يترافق مع هجمات متكررة على المعسكرات والطرق المؤدية إلى الغذاء. الجوع هنا لم يعد أثرًا جانبيًا للحرب، بل تحوّل إلى أداة مقصودة لإضعاف جماعات بعينها ودفعها إلى الرحيل أو الفناء.
من المجاعة إلى سياسة ممنهجة
تقارير الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة تؤكد أن الفاشر ومعسكرات النازحين مثل أبو شوك وزمزم تعيش مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي. ففي أغسطس 2024 أعلنت لجنة مراجعة المجاعة التابعة لـ IPC أن مخيم زمزم دخل المرحلة الخامسة، أي مرحلة المجاعة المؤكدة، مع تضاعف أعداد النازحين إلى ما بين 300 و500 ألف شخص بحلول يونيو من العام نفسه. وهذه اللجنة، وهي آلية مستقلة ضمن الشراكة العالمية لتصنيف الأمن الغذائي، وظيفتها التحقق من صحة أو نفي أي إعلان بالمجاعة عبر مراجعة البيانات الميدانية وضمان أن يستند القرار إلى أسس علمية محايدة.
الهجمات المتكررة على قوافل الإغاثة ــ بما في ذلك مقتل خمسة من العاملين الإنسانيين في يونيو 2025 ــ تكشف عن استراتيجية متعمدة لحرمان المدنيين من ضروريات الحياة. والأخطر أن هذا الحرمان يستهدف مناطق ومجموعات سكانية بعينها.
الاستهداف على أساس الهوية
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وُثّقت مئات الهجمات التي شنّتها قوات الدعم السريع على قرى تسكنها قبائل أفريقية غير عربية مثل الفور والزغاوة والمساليت. في الجنينة، وُصفت المجازر ضد المساليت بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وربما إبادة جماعية.
في شمال وغرب دارفور، بما في ذلك أطراف الفاشر، يتكرر النمط نفسه: حصار، قصف، نهب، حرق القرى، قتل المدنيين على الهوية، اغتصاب النساء، ومنع وصول الغذاء ــ في مسعى واضح لإفراغ المناطق من سكانها الأصليين وتغيير تركيبتها الديموغرافية.
إبادة جماعية صامتة؟
يعرف القانون الدولي الإبادة الجماعية بأنها أفعال تُرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية. وتشمل هذه الأفعال القتل الجماعي، التجويع المتعمد، والعنف الجنسي الممنهج. ما يجري في الفاشر يتقاطع بوضوح مع هذا التعريف: ليس فقط منع الغذاء، بل استهداف جماعات بعينها لدفعها إلى النزوح أو الفناء.
أبعاد سياسية وعسكرية
المجاعة في الفاشر لا يمكن فصلها عن ميزان القوى في السودان:
· قوات الدعم السريع، المدعومة مباشرة من الإمارات، تسعى لترسيخ نفوذها في الغرب عبر السيطرة على المدن الكبرى، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا عبر إعادة تشكيل التركيبة السكانية.
· الجيش السوداني يتمسك بالفاشر كآخر معاقله في دارفور، لكنه عاجز عن حماية المدنيين وتأمين خطوط الإغاثة، ما يضعف موقعه السياسي والأخلاقي.
· القوى الإقليمية والدولية تستثمر المأساة كورقة ضغط متبادلة، حيث يسعى كل طرف لتوظيفها لتعزيز موقعه على طاولة المفاوضات.
في هذا السياق يصبح الجوع نفسه أداة سياسية: الدعم السريع يضغط على المجتمع الدولي بخلق كارثة إنسانية لا يمكن تجاهلها، بينما يحاول الجيش الظهور بمظهر الضامن لوحدة السودان. أما المدنيون فيبقون مجرد ورقة مقايضة في لعبة سياسية أكبر من حقهم في البقاء.
جريمة حرب بلا عقاب
استخدام المجاعة كسلاح حرب محظور دوليًا ويُصنَّف كجريمة حرب. منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وصفت ما يجري بأنه تطهير عرقي، فيما أعلنت الولايات المتحدة عام 2025 أن قوات الدعم السريع ارتكبت “إبادة جماعية” ضد المساليت وغيرهم في غرب دارفور.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة محاصَرة؛ إنها نموذج لالتقاء المجاعة مع الإبادة والسياسة. حين يُستهدف شعب في غذائه وموارده وحياته اليومية بسبب هويته القبلية، لا يعود الجوع نتيجة ثانوية للحرب، بل سياسة مُعلنة لتغيير وجه المكان.
ويبقى السؤال المعلّق: متى سيسمّي المجتمع الدولي ما يحدث في دارفور باسمه الحقيقي ــ إبادة جماعية عبر سلاح الجوع ــ وهل ستتبع التسمية مساءلة فعلية للميليشيا والدول الداعمة لها، أم ستظل الفاشر شاهدًا جديدًا على حرب بلا عقاب؟





