بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مدغشقر: انتفاضة شعبية جديدة تطالب برحيل الرئيس

منذ أواخر سبتمبر 2025، تشهد مدغشقر موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية، خاصة في العاصمة أنتاناناريفو، للمطالبة باستقالة الرئيس أندري راجويلينا. بدأت الشرارة بسبب أزمات خدمية حادة تتعلق بانقطاع المياه والكهرباء، لكنها سرعان ما تحولت إلى انتفاضة أوسع ضد الفساد، سوء الإدارة، وانهيار الثقة في مؤسسات الدولة. ورغم إعلان الرئيس حلّ الحكومة في محاولة لامتصاص الغضب، استمرت المظاهرات في الشوارع، ما يعكس حجم الأزمة السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد.

بحسب تقارير الأمم المتحدة، سقط ما لا يقل عن 22 قتيلاً وأكثر من 100 جريح منذ اندلاع الاحتجاجات، فيما تتحدث السلطات عن أعداد أقل وتتهم “مخربين” باستغلال الوضع. لكن المشهد على الأرض يُظهر أن الأزمة أعمق من مجرد اضطرابات عابرة.

أسباب المظاهرات
1. فشل البنية التحتية الأساسية
السبب المباشر للاحتجاجات كان الانقطاع المستمر للمياه والكهرباء في أنحاء واسعة من البلاد، وخاصة المدن الكبرى. المواطنون لم يعودوا قادرين على ممارسة حياتهم اليومية: المستشفيات والمدارس تعطلت، الأنشطة الاقتصادية تضررت، وحتى الحصول على مياه صالحة للشرب أصبح صعبًا. بالنسبة للكثيرين، هذه ليست مجرد أزمة خدمية، بل انتهاك صارخ لحقوق أساسية.

2. الفقر والتفاوت الاجتماعي
مدغشقر من بين أفقر دول العالم، وغالبية السكان يعيشون في ظروف اقتصادية هشة. سنوات من الركود الاقتصادي، مع غياب إصلاحات حقيقية، جعلت الناس يشعرون أن الدولة تخلت عنهم. لذلك، عندما انهارت الخدمات الأساسية، خرج الغضب المكبوت إلى العلن.

3. الفساد وغياب الثقة بالمؤسسات
الاحتجاجات لم تقتصر على المطالب المعيشية. المتظاهرون يرفعون شعارات ضد الفساد المستشري، ويتهمون مؤسسات الدولة – من اللجنة الانتخابية إلى البرلمان والقضاء – بأنها مجرد أدوات بيد النخبة الحاكمة. تراكمات من انتخابات مثيرة للجدل وتدخلات سياسية سابقة قوّضت شرعية الرئيس راجويلينا بنظر قطاع واسع من الشعب.

4. دور الشباب والإعلام الرقمي
الموجة الحالية توصف بأنها انتفاضة شبابية. جيل جديد من الشباب، خصوصاً طلاب الجامعات وخريجيها، هو الذي يقود الحراك. هؤلاء استلهموا حركات مشابهة في كينيا ونيبال خلال العام نفسه، واستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي للتعبئة السريعة وتنظيم المسيرات، ما جعل الاحتجاجات أكثر عفوية وأصعب على السلطة في السيطرة عليها.

لماذا انفجرت الآن؟
هناك عدة عوامل جعلت هذه الموجة تتفجر في هذا التوقيت بالذات:

شدة الأزمة الخدمية: الانقطاعات الأخيرة كانت الأطول والأوسع نطاقاً منذ سنوات، ما جعل حياة الناس شبه مستحيلة.

تراكم الغضب: الفشل المزمن في تحسين الوضع الاقتصادي تراكم لسنوات، ومع كل أزمة كان الصبر الشعبي ينفد أكثر.

إلهام خارجي: نجاح الحركات الشبابية في دول أخرى أعطى دفعة معنوية للمدغاشقريين بأن التغيير ممكن.

ضعف المعارضة التقليدية: غياب بديل سياسي موثوق جعل الاحتجاجات تركز على مطلب واحد وبسيط: رحيل الرئيس.

القمع الأمني: الاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة والجيش زاد من الغضب وأدى إلى سقوط قتلى، ما وسّع رقعة الاحتجاج.

حتى خطوة حلّ الحكومة لم تُعتبر تنازلاً كافياً. بل اعتبرها المتظاهرون محاولة للالتفاف على المطالب الجوهرية، فازداد إصرارهم على الاستمرار.

أهداف المتظاهرين
رغم الطابع العفوي للحراك، إلا أن هناك مجموعة من المطالب الواضحة التي يرفعها المحتجون:
استقالة الرئيس راجويلينا: المطلب الأول والأكثر ترديداً في الشارع.
حل المؤسسات المرتبطة بالنظام: مثل اللجنة الانتخابية، مجلس الشيوخ، والمحكمة العليا، باعتبارها أدوات لحماية النخبة.
محاسبة المسؤولين عن سقوط الضحايا: المتظاهرون يطالبون بتحقيق مستقل ومحاسبة قوات الأمن المتورطة في قتل المحتجين.
ضمان الخدمات الأساسية: وضع خطة عملية لتأمين المياه والكهرباء بشكل منتظم، باعتبارها حقوقاً لا يمكن التنازل عنها.
تجديد النظام السياسي: ليس فقط تغيير الحكومة، بل إعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة، تقطع مع الفساد وتفتح المجال أمام مشاركة حقيقية للشباب.

التحديات والمخاطر
الوضع في مدغشقر مرشح للتصعيد أو الانفجار في أكثر من اتجاه:

العنف المتبادل: استمرار القمع قد يؤدي إلى تفجر أعمال عنف أوسع.

غياب قيادة موحدة: الطابع الشبابي والعفوي للحركة يجعلها قوية من حيث الزخم، لكنها معرضة للتشتت أو الاختراق.

احتمال الاستنزاف: إن لم تتحقق إنجازات ملموسة، قد يُصاب الشارع بالإحباط مع مرور الوقت.

مقاومة النخبة: القوى الاقتصادية والسياسية المستفيدة من الوضع الحالي قد تتكتل ضد أي تغيير جذري.

الاحتجاجات في مدغشقر اليوم ليست مجرد مظاهرات مطلبية عابرة، بل هي تعبير عن أزمة نظام كامل فقد شرعيته في نظر قطاع كبير من الشعب. الشباب يقودون المشهد، والخدمات الأساسية شكلت الشرارة، لكن الجذور أعمق بكثير: فساد مزمن، فقر متفشي، وانعدام الثقة بالمؤسسات.

سواء أدت هذه الموجة إلى سقوط الرئيس أو إلى إعادة ترتيب شكل من أشكال التسوية، فإن مدغشقر دخلت بالفعل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي. الشارع لم يعد صامتاً، والجيل الجديد يفرض نفسه لاعباً أساسياً في رسم مستقبل البلاد.