بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

منصة القضاء ليست بيت الطاعة: الحرية الرقميّة حق للجميع

في 29 أكتوبر 2025، حكمت المحكمة الاقتصادية في القاهرة بحبس صانعة المحتوى “سوزي الأردنية” سنة مع الشغل وغرامة 100 ألف جنيه بتهمة نشر فيديوهات “خادشة للحياء”.

حكمٌ جديدٌ بلغةٍ قديمة؛ لغة تخفي خوف السلطة من النساء المستقلات اقتصاديًا، حين يصبح وجودهن الرقمي مصدر رزق خارج سيطرتها. الحديث عن “الحياء” يخفي صراعًا على الجسد والعمل والربح.

ليس هذا الحكم استثناءً، بل حلقة في مسلسل ملاحقة النساء اللاتي تجرأن على أن يكن مرئيات ومستقلات، ودخلن الفضاء الرقمي كمنفذٍ للبقاء، فحوّله النظام إلى مصيدة.

اقتحم مصطلح “القيم الأسرية” حياتنا اليومية منذ خمس سنوات، وظلّ بلا تعريف دقيق، سوى كأداة لإسكات المرأة عند تهديدها جسدًا أو كلمةً النظام.

المفارقة ليست في الخطاب فقط، بل في القانون نفسه. الشخص المتهم بـ”نشر محتوى يخدش الحياء” يُحاكم تحت “الجرائم الإلكترونية” (قانون 175 لسنة 2018)، الذي يجرّم “الاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية”، فيتحول الجسد إلى بيانات، والرغبة إلى جريمة تقنية. وكأن الحرية نفسها اختراق أمني، والجسد موقع جريمة بمجرد ظهوره خارج حدود الطاعة.
ومنذ 2020، ومع موجة ما عُرف بقضايا “بنات التيك توك”، صار هذا القانون يُستخدم كسلاحٍ جاهز ضد النساء اللواتي وجدن في الفضاء الرقمي مساحةً للحياة والعمل والتعبير. لكن السؤال الأهم: هل يقتصر هذا السلاح على النساء؟ أم أنه تمهيدٌ لتقنين أوسع للقمع الاجتماعي والاقتصادي؟

هو أداة يستخدمها النظام الرأسمالي–الأبوي لإخضاع النساء للطاعة، ولإعادة إنتاج التراتبية، ولتسوية كل حياةٍ وكلمةٍ وحركةٍ داخل صندوق الطاعة المزيَّن باسم الفضيلة. فالأسرة، في هذا السياق، ليست ملاذًا ولا حماية، بل قفصًا كبيرًا—جهاز ضبطٍ اجتماعي— تتحكم فيه الدولة والرجال معًا، حيث يتحول الجسد والممارسة إلى ممتلكات عامة، فيصبح التعبير عن الذات تهديدًا للقواعد المكتوبة والمضمَرة معًا.

اختيار المحكمة الاقتصادية لمعاقبة هذا النوع من الجرائم يوضح أن الدولة لم تعد تكتفي بالتحكم في الجسد، بل تسعى أيضًا إلى التحكم في الأرباح الناتجة عنه —في كل ما تنتجه المرأة عبر الإنترنت من محتوى أو حضور.

وهكذا يتحول الفقر إلى أداة إضافية للعقاب والوصاية، وتتحول الاستقلالية الاقتصادية إلى جريمة. هذا ليس مجرد تحكّم في سلوك فردي، بل آلية لمنع الفقراء —خاصة النساء منهن— من تحقيق الحراك الطبقي العمودي، أي منعهم من استخدام الموارد الرقمية لرفع موقعهم الاجتماعي والاقتصادي، الصعود من طبقة أقل إلى طبقة أعلى، أو حتى تحسين وضعهم ضمن نفس الطبقة.

هذا ليس دفاعًا عن سوزي فحسب، بل فضحٌ لمنظومةٍ كاملة من النفاق الطبقي والجندري. الدولة، بإقرارها قوانين وتطبيقها بطريقة انتقائية، تحافظ على الهيكل الطبقي القائم.

تكشف هذه المحاكمات بوضوح الطابع الطبقي لـ”الدولة الأخلاقية”: فلا أحد يجرؤ على محاكمة بنات الطبقة البرجوازية اللواتي يملأن الشاشات بفيديوهات الرقص والمكياج والسفر، أما الفقيرات فحين يفعلن الشيء ذاته ويتجرأن على كسر الحدود المفروضة على الطبقة والنوع الاجتماعي، يعاقبن.

هذا هو جوهر الطبقة في نظامنا الأخلاقي: المال يُطهِّر، والفقر يُجرِّم…من ينتمي لمصالح الطبقة الحاكمة يبرّأ، ومن يتجرأ عليها يُعاقب (بدرجات متفاوتة)، فقيرًا كان أم غنيًا.
النخبة تمتلك ترف التجريب، تملك الحق في أن تختبر حياتها كما تشاء، أن تحلم، أن تسافر، أن تظهر على الشاشات وتُسطر أسلوب عيشها بحرية، بينما تُجبر النساء الفقيرات على دفع ثمن كل لحظة يحاولن فيها أن يعشن، كل لحظة تجرأن فيها على الحلم، على التعبير عن أنفسهن، على محاولة اقتطاع مساحة لوجودهن في العالم، فالفقر هنا ليس مجرد غياب المال، بل وسيلة للعقاب، للوصاية، وللقمع الطبقي والجندري الذي يحوّل استقلاليتهن وحركتهن إلى جريمة، ويجعل من حق الحياة الكامل امتيازًا محصورًا بالنخبة فقط.

بهذا تُكرّس الدولة أخلاقًا طبقية تحمي احتكار النخبة الرأسمالية-الذكورية للفضاء العام والإنتاج الرمزي، وتقمع أي محاولة نسوية–شعبية للاستقلال الاقتصادي أو الرقمي. فمعاقبة النساء باسم “القيم الأسرية” لا تحمي الأسرة، بل تكشف عمق الخوف من استقلال المرأة، وأزمة نظامٍ لا يحتمل جسدًا حرًا ولا اقتصادًا خارج سيطرته.

نحن أمام دولةٍ لا تخاف من الرذيلة بل تخاف من المساواة، ومجتمعٍ يختبئ خلف “الحياء” ليحمي امتيازاته القديمة.

ولذلك، نحن لا نرفض الحكم على سوزي فقط، بل نطالب بإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر الإلكتروني، وبمراجعة قوانين الجرائم الإلكترونية التي تحوّلت إلى سلاحٍ بيد الدولة ضد النساء المستقلات.

نرفض تحويل “القيم الأسرية” إلى فزّاعةٍ أخلاقية تبرّر القهر، وندعو إلى تعريفٍ جديدٍ للقيم: قيمٍ تقوم على العدالة والاختيار، لا على الطاعة والإنكار.

نؤكد أن استقلال النساء الاقتصادي—حتى عبر الإنترنت— حقّ لا يحتاج إلى تصريحٍ من أحد.
فالحرية لا تُمنَح، بل تُنتزع من بين أصابع الذين يخافون منها.
وسوزي، في لحظةٍ ما، انتزعت نصيبها الصغير من الضوء—فقررت الدولة أن تُطفئه.