بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

روسيا: كيف أُجهِضت الثورة

« السابق التالي »

الحرب الأهلية

بدت السنوات الأولى من الحكم السوفييتي وكأنها تؤكّد أفق الثورة العالمية. وقد تميّزت الفترة 1918–1919 باضطراباتٍ اجتماعية لم تُرَ منذ 1848. ففي ألمانيا والنمسا أعقبت الهزيمةُ العسكريةَ الإطاحةَ بالملكية. وكان الحديث عن السوفييتات يدور في كل مكان. وفي المجر وبافاريا تولّت حكوماتٌ سوفييتية السلطة، وإن كانت لفترةٍ وجيزة. وفي إيطاليا جرى احتلال المصانع.

ومع ذلك، لم يكن بالإمكان محو إرث خمسين عامًا من التطوّر التدريجي بهذه السرعة. فقد ملأت القياداتُ القديمة للاشتراكيين الديمقراطيين والنقابات العمّالية الفراغَ الذي خلّفته الأحزابُ البرجوازية التي فقدت مصداقيتها. أمّا اليسار الشيوعي، من جهةٍ أخرى، فكان لا يزال يفتقر إلى التنظيم الكافي للاستجابة لهذا الواقع، وتحرّك حين لم يكن هناك دعمٌ جماهيري، وحين وُجد الدعمُ الجماهيري أخفق في التحرّك.

مع ذلك، كان استقرارُ أوروبا بعد عام 1919 -في أفضل الأحوال- هشًّا. ففي كل بلدٍ أوروبي تعرّض البناءُ الاجتماعي لتهديداتٍ جسيمة خلال السنوات الخمس عشرة التالية. كما أن خبراتِ الأحزاب الشيوعية والطبقةِ العاملة وضعتْهما في موقعٍ أفضل بكثير لفهم ما يجري.

ومع ذلك لم يكن البلاشفةُ الروس ينوون انتظارَ الثورة في الخارج. فقد بدا الدفاعُ عن الجمهورية السوفييتية والتحريضُ على الثورة خارجها أمرين لا ينفصلان. وعلى الأقل في الوقت الراهن، كانت المهامُّ المطروحة في روسيا تُحدَّد لا من قِبل قادة البلاشفة، بل بواسطة القوى الإمبريالية الدولية، التي شرعت في «حملةٍ صليبية» ضدّ الجمهورية السوفييتية. كان لا بدّ من دحرِ الجيوش البيضاء والأجنبية قبل النظر في أيّ مسائل أخرى. ولتحقيق ذلك، وجبَ استخدامُ كل الموارد المتاحة.

وبمزيجٍ من الدعم الشعبي والحماسة الثورية وأحيانًا، على ما يبدو، الإرادة الخالصة، جرى طردُ القوى المضادّة للثورة (مع أنّها واصلت العمل في الشرق الأقصى السوفييتي حتى عام 1924). لكن الثمن المدفوع كان هائلًا.

ولا يُقاس هذا الثمنُ بالمقاييس المادية فحسب، وإن كان من هذه الزاوية وحدها عظيمًا. فقد أصيب قبل كل شيء الإنتاجُ الصناعي والزراعي بأذى جسيم. ففي عام 1920 لم يتجاوز إنتاجُ الحديدِ الزهر 3٪ من مستوى ما قبل الحرب؛ والقنّب 10٪؛ والكتّان 25٪؛ والقطن 11٪؛ والبنجر 15٪.

وقد عَنى ذلك حرمانًا وشدّةً ومجاعة، وأكثر من ذلك. فاختلالُ الإنتاج الصناعي كان أيضًا اختلالًا في أوضاع الطبقة العاملة؛ إذ تقلّصت إلى 43٪ من حجمها السابق، وعاد الباقون إلى قراهم أو قضَوا في ساحات القتال. وبالمعنى الكميّ الخالص، تقلّصت أهميةُ الطبقة التي قادت الثورة -تلك التي شكّلت عملياتُها الديمقراطية النواةَ الحيّةَ للسلطة السوفييتية- إلى النصف.

أمّا في الواقع الفعلي فكان الوضع أسوأ؛ فما تبقّى لم يكن حتى نصفَ تلك الطبقة التي كانت تُدفَع إلى الفعل الجماعي بحكم طبيعة شروط حياتها. كان الناتجُ الصناعي لا يتجاوز 18٪ من مستوى ما قبل الحرب، وكانت إنتاجيةُ العمل لا تزيد على ثلث ما كانت عليه. وللبقاء أحياء، لم يكن بمقدور العمّال الاعتمادُ على ما يشتريه منتَجُهم الجماعي؛ فلجأ كثيرون إلى المقايضة المباشرة لمنتجاتهم -أو حتى أجزاءٍ من آلاتهم- مع الفلّاحين مقابل الغذاء.

لم تُستنزَف الطبقةُ القائدة للثورة فحسب، بل كانت الروابطُ التي تصل أعضاءَها تتفكّك سريعًا. ولم يعد العاملون في المصانع هم أنفسُهم الذين شكّلوا نواةَ الحركة الثورية عام 1917؛ إذ قاتل العمّالُ الأشدُّ نضاليةً -وهذا طبيعي- في الجبهة، وتحمّلوا أفدحَ الخسائر. ومن نجا منهم كان مطلوبًا لا في المصانع فحسب، بل ككوادر في الجيش، أو كمفوّضين لضمان استمرار عمل جهاز الدولة. وحلّ مكانَهم فلّاحون عزل من الريف، بلا تقاليد أو تطلّعاتٍ اشتراكية.

لكن ما مصيرُ الثورة إذا كفّت الطبقةُ التي صنعتها عن الوجود بمعنىً ذي دلالة؟ لم يكن هذا سؤالًا بوسع قادة البلاشفة توقّعه. فقد قالوا دائمًا إن عُزلة الثورة ستفضي إلى تدميرها على يد الجيوش الأجنبية والثورة المضادّة الداخلية. أمّا ما واجهوه الآن فكان نجاحَ الثورة المضادّة القادمة من الخارج في تدمير الطبقة التي قادت الثورة، مع الإبقاء على جهاز الدولة الذي شيّدته سليمًا. لقد نجت السلطةُ الثورية، ولكن تغييراتٍ جذريةً كانت تتشكّل في بنيتها الداخلية.

« السابق التالي »