روسيا: كيف أُجهِضت الثورة
يصنع البشر التاريخ، ولكن ليس في ظروفٍ من صنعهم. وفي أثناء ذلك يغيّرون تلك الظروف كما يغيّرون أنفسهم. ولم يكن الحزب البلشفي في منأى عن هذه الحقيقة أكثر من أي جماعةٍ أخرى في التاريخ. فبينما كان يحاول الحفاظ على تماسك النسيج الروسي في فوضى الحرب الأهلية والثورة المضادّة والمجاعة، كانت نواياه الاشتراكية عاملًا محدِّدًا لمسار التاريخ؛ غير أنّ القوى الاجتماعية التي اضطر للعمل عبرها لم تترك أعضاء الحزب من دون أثر.
إن الحفاظ على وحدة روسيا في عهد السياسة الاقتصادية الجديدة اقتضى التوسّط بين طبقاتٍ اجتماعيةٍ مختلفة لمنع الصدامات المُعطِّلة. ولم يكن بوسع الثورة البقاء إلا إذا لبّى الحزبُ والدولةُ احتياجاتِ طبقاتٍ متعدّدة، كثيرًا ما كانت متناقضة المصالح. لذا كان لا بدّ من ترتيباتٍ تُرضي تطلّعاتِ الفلاحين الفردية إلى جانب المقاصد الجماعية، أي الديمقراطية للاشتراكية.
وفي هذا المسار، إذ ارتفع الحزبُ فوق الطبقات الاجتماعية المختلفة، كان عليه أن يعكس داخل بنيته تلك الاختلافات نفسها. لقد دفعت ضغوطُ الطبقات المتعدّدة على الحزبِ فِرَقَه المختلفة إلى تعريف طموحاتها الاشتراكية بعباراتٍ تنسجم مع مصالح تلك الطبقات. أمّا الطبقة الوحيدة القادرة على ممارسة ضغوطٍ اشتراكيةٍ أصيلة -أي الطبقة العاملة- فكانت الأضعف، والأكثر تفككًا، وبالتالي الأقل قدرةً على التأثير.






