بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

«عنف مُمنهج» و«أجور سُخرة»

تقرير حقوقي يكشف أشكال قهر العاملات

فيما كان يحتفي العالم باليوم العالمي لحقوق الإنسان، الموافق 10 ديسمبر الجاري، كشفت مخرجات حملة “مناهضة العنف ضد المرأة” عن واقع مغاير تعيشه العاملات في مصر، حيث أظهرت البيانات والشهادات الموثقة أن العنف داخل أماكن العمل ليس مجرد انحرافات سلوكية فردية، بل هو “جزء من بنية عمل مُختلة” تغيب عنها معايير الأمان الوظيفي والعدالة الاجتماعية.

التقرير الختامي للحملة، الذي استند إلى مؤشرات دولية ومحلية (منتدى الاقتصاد العالمي، والبنك الدولي، ودراسات ميدانية)، رسم صورة قاتمة لوضع النساء في سوق العمل، مؤكداً أن قدرة النساء على البقاء والترقي محاصرة بأنماط عنف مركب، تبدأ من التمييز في الأجور، مرورًا بالتحرش، وصولًا إلى غياب المظلة التأمينية.

فجوة تتسع وتهميش يتعمق
أشار التقرير إلى أن المؤشرات تضع مصر في مراكز متأخرة عالميًا (المرتبة 139 من 148 دولة) في الفجوة بين الجنسين. وتتجلى هذه الفجوة بوضوح في المشاركة الاقتصادية الهزيلة للنساء التي لا تتجاوز 15.9% مقارنة بـ 74.2% للرجال، في ظل تركز الغالبية العظمى من القوة العاملة النسائية في أعمال هشة، بعقود مؤقتة أو بلا عقود، خاصة في القطاعين الخاص والزراعي.

ولم يتوقف التمييز عند فرص العمل، بل امتد للأجور، حيث يقل متوسط دخل النساء عن ربع دخل نظرائهن من الرجال، مع انحسار فرص وصولهن للمناصب القيادية (7.2% فقط).

«مواكب الموت» في القطاع الزراعي
سلط التقرير الضوء على واحدة من أكثر قضايا العمل قسوة، وهي النقل غير الآمن للعاملات الزراعيات. واعتبرت الحملة أن استمرار نقل مئات النساء يوميًا في سيارات مكشوفة وغير مجهزة، وما يخلفه ذلك من ضحايا وإصابات، ليس قضاًء وقدرًا، بل هو “عنف مباشر ومسؤولية مؤسسية”. وطرح التقرير تساؤلات مشروعة حول غياب الرقابة الحكومية التي تحول رحلة البحث عن الرزق إلى رحلة موت محتملة، «كم حياة يجب أن تُفقد لكي ندرك أن السيارة المكشوفة ليست وسيلة نقل؟ وكم إصابة يجب أن تتكرر قبل أن يصبح القانون واقعًا يطبق؟»

وأكدت الشهادات أن «وجع الطريق» ليس قدرًا، بل نتيجة إهمال حكومي وصمت مجتمعي، مشددًا على أن «النقل الآمن حياة، وأي شيء أقل من ذلك هو عنف مباشر ومسؤولية مؤسسية».

قطاعات تحت الضغط: التمريض والصناعة والحكومة
من خلال رصد ميداني لثلاثة قطاعات حيوية، كشف التقرير عن أنماط انتهاك متنوعة:

في التمريض: رصدت الحملة ساعات عمل مرهقة تصل إلى 14 ساعة يوميًا، وتعسفًا إداريًا في منح الإجازات، وأجورًا تقل في كثير من الأحيان عن الحد الأدنى، كل ذلك وسط غياب كامل لسياسات الحماية من العنف والتحرش داخل المستشفيات.

في القطاع الصناعي: تحكمه لغة التهديد بالفصل والخصم، وبيئة عمل تفتقر للخصوصية كغياب غرف تبديل الملابس في بيئة عمل تتستر على التحرش، وغيابًا للعقود الرسمية التي تضمن الحقوق.

في القطاع الحكومي: حتى داخل جهاز الدولة الإداري، تعاني النساء من تمييز في الترقيات وتوزيع الحوافز، ومواجهة صور نمطية تقلل من كفاءتهن، مع غياب آليات واضحة للشكوى من التمييز الوظيفي.

الأسباب والحلول: أين الخلل؟

الجذور الهيكلية للأزمة
أرجع التقرير استمرار هذا العنف إلى عدة أسباب جوهرية، أبرزها:
الفجوة بين النص والواقع: تظل القوانين حبرًا على ورق لكنها معطلة، والقطاعات الهشة (الزراعة، العمل المنزلي) هي الأكثر تضررًا.
خطر الاقتصاد غير الرسمي: يمثل البيئة الأخطر والأكثر توحشًا ضد النساء لغياب الرقابة، و يبتلع النسبة الأكبر من النساء العاملات دون أي حماية قانونية أو اجتماعية.
غياب النقابات: أدى تراجع الحريات النقابية والحق في التنظيم إلى فقدان النساء لظهير يحميهن ويفاوض باسمهن.
تقاعس وزارة العمل: غياب دور الوزارة في التفتيش الميداني والتدريب، جعل أماكن العمل مناطق خارج القانون.

توصيات عاجلة ومعركة مستمرة
اختتمت الحملة أعمالها بتقديم “روشتة إنقاذ” عاجلة لصناع القرار، شملت:
الحماية القانونية الشاملة: عدم استثناء عاملات المنازل من الحماية بموجب قانون العمل الجديد رقم 14 لعام 2025، والتصديق الفوري على اتفاقية العمل الدولية رقم 190 للقضاء على العنف والتحرش.
الأمان الوظيفي: ضمان عقود عمل رسمية، وتوسيع مظلة التأمين الاجتماعي لتشمل العاملات في القطاع غير الرسمي.
بيئة عمل آمنة: رقابة صارمة وفعالة على وسائل نقل العاملات الزراعيات، وتوفير حضانات أطفال داخل أماكن العمل، واعتماد سياسات مكتوبة وملزمة لمنع العنف والتحرش.
تعزيز الرقابة: زيادة أعداد مفتشي العمل وتدريبهم وتفعيل دورهم الرقابي.
الدعم والمساندة: تقديم الدعم القانوني للنساء، وتعزيز الوعي بمخاطر العنف الرقمي في بيئات العمل.

وأكد القائمون على الحملة استمرارها في توثيق الشهادات، وإصدار أوراق عمل شهرية حول الانتهاكات، وبناء قدرات النساء النقابية والقانونية. واختتم التقرير رسالته القوية بالتأكيد على أن: “الحماية لا تتحقق بالشعارات، والقوانين وحدها لا تكفي ما لم تُطبَّق عبر آليات ردع فعّالة.. انتهاء الحملة ليس نهاية العمل، بل بداية مرحلة أعمق من المتابعة والتوثيق، لانتزاع بيئات عمل عادلة وآمنة للجميع”