بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مُعين لا ينضب: عرض كتاب “ماركس الأخير” (1883-1881)

يبدو أن كارل ماركس، الذي حلَّل آليات عمل الرأسمالية وكرَّس حياته لتقديم نظرية ثورية لإطاحتها، يأبى أن يغادر عالمنا المعاصر، حتى بعد 140 عامًا على وفاته. ففي كل مرة تعصف الأزمة بالنظام الرأسمالي، يحضر ماركس إلى واجهة المشهد ليثير الجدل حول أفكاره ويجذب فضول الباحثين والدارسين.

عادةً ما تدور الدراسات والأبحاث عن ماركس، حتى من جانب نقاده، حول ثلاث مراحل في تطور أفكاره. أولًا: المرحلة الهيجلية، التي كان متأثرًا فيها بالفيلسوف فيلهلم هيجل. وبشكل خاص أفكار اليسار الهيجلي. وثانيًا مرحلة ماركس الشاب، الذي كتب مع رفيقه فردريك إنجلز “البيان الشيوعي” في 1848، قبيل الموجة الثورية التي اجتاحت أوروبا في ذلك العام، والذي بدأ اسمه في البروز على الساحة السياسية في القارة آنذاك على خلفية قيادته الأممية الشيوعية الأولى التي وحَّدت قطاعًا كبيرًا من المناضلين في بلدان مختلفة. وأخيرًا، مرحلة ماركس الناضج، أو ماركس الأخير، التي تتضمن جوانب شديدة الأهمية، لكنها إما مجهولة وإما لم تلقَ اهتمامًا كافيًا.

يُسلِّط كتاب “ماركس الأخير”، الذي كتبه مارشيللو موستو، أستاذ مساعد علم الاجتماع بجامعة يورك (تورنتو)، والذي ترجمه إلى العربية أحمد حسن وأصدرته دار المرايا للنشر الثقافي بالقاهرة عام 2019، الضوء على السنوات الثلاث الأخيرة في حياة ماركس الفكرية والشخصية من عام 1881 إلى 1883.

يصحبنا الكتاب في جولة مثيرة داخل عالم ماركس؛ غرفته ودفاتره وكتبه واهتماماته النظرية، وكذلك علاقاته الشخصية بأفراد عائلته وأصدقائه المقربين، وكل ما تداخل في هذا العالم من معاناة ومآسي، ويستعين الكاتب خلال ذلك بفيض هائل من المقتطفات من رسائل ماركس الشخصية.

لكن الأهمية القصوى لهذا الكتاب إنما تتجلى في أنه سيرة فكرية وأنه يستكمل صورة ماركس الحقيقية، كاشفًا كيف تطورت أفكاره بصورة مدهشة في تلك السنوات الأخيرة، على عكس ما هو مُتداول حول مؤلف “رأس المال” في خريف أيامه. وكانت تلك الفترة التي اكتسبت فيها أفكار ماركس المزيد من التوضيح، الذي ينسف بدوره بعض التصورات المغلوطة حول ماركس ويصححها. ربما لا يكون هذا الكتاب وحده كافيا لتحقيق غرض كهذا، لكنه يُقدم مساهمة مهمة تساعد في إعادة النظر في ماركسية رائجة شوَّهت الفكر الماركسي.

تبديد الأوهام
على عكس ما قد يشاع عن ماركس، كان كاتب “البيان الشيوعي” عدوًا لدودًا للقوالب النظرية الجامدة. كان دائم الاختبار لأفكاره على أرض الواقع، فيراجعها ويعيد مراجعتها مرةٌ بعد أخرى. لم يدَّعِ قط أن نظريته اكتملت تمامًا بحيث يمكن تعليبها واستهلاكها، فهي ليست نظرية في الكيمياء، أو العلوم الحيوية يمكن أن تنتهي عند حد معين، بل نظرية اقتصادية واجتماعية تتطور في عالم واسع ودائم التغير. وحين سأله زوج ابنته ذات مرة عمَّا إذا كان الوقت قد حان لنشر أعماله الكاملة، قال له: “لا بد أن تكتمل أولًا”.

كان يدرك أن عليه دائمًا الإبحار في مياه جديدة. المثال الأبرز على ذلك الذي يضربه الكتاب هو عندما سألته مناضلة روسية عمَّا إذا كان لزامًا على المشاعية القروية في الريف الروسي أن تمر بكل المآسي التاريخية للرأسمالية حتى يمكنها تحقيق التطور الاقتصادي اللازم والانتقال إلى الاشتراكية. وجد ماركس نفسه آنذاك مضطرًا لسبر أغوار المجتمع الروسي، بل وتعلَّم اللغة الروسية حتى يتمكن من دراسة المراجع الروسية بلغتها الأصلية. وكانت إجابته بالقطع “لا”، شارحًا ذلك بأن المشاعية القروية يمكنها الاستفادة من التقدم التقني للرأسمالية حولها، ومن بلدان أخرى، دون أن تغرق أولًا في وحل النظام الرأسمالي كشرط ضروري.

يشرح الكتاب، بالدليل من رسائل ماركس في سنواته الأخيرة، أنه كان يدرك أن التطور الرأسمالي الموصوف في “رأس المال” يتعلق فقط بالجزء الأصغر من العالم الحديث، وتحديدًا دول غرب أوروبا التي شهدت تطورًا قياسيًا من العبودية إلى الإقطاع إلى الرأسمالية، بينما أجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا والمشرق العربي وغيرها لم تمر بالمسار نفسه. ولقد اعتقد ماركس أن “دراسة صراعات سياسية جديدة ومناطق جغرافية جديدة أمرٌ جوهري لنقده المستمر للنظام الرأسمالي”، كما يذكر الكتاب.

يمثل هذا الشرح قطيعة نهائية مع الفكرة الرائجة والمشوهة عن رؤية ماركس لتطور التاريخ عبر مراحل اقتصادية ثابتة، وهو في الحقيقة صفعة على وجه الحتمية التاريخية والاقتصادية المُلصقة زورًا بماركس.

علاوة على ذلك، تدحض رسائل ماركس وملاحظاته في سنواته الأخيرة كل ما يمكن أن يُوجَّه إليه من انتقادات تتعلق بالنزعة المركزية الأوروبية أو الميول الاقتصادية الصِرفة، إذ تعج الرسائل بالدعم الحاسم للنضال الأيرلندي التحرري، والمعارضة الثابتة للاضطهاد الاستعماري في الهند ومصر والجزائر، وغير ذلك من القضايا المهمة.

رحابة الأفق
تكشف السنوات الأخيرة من حياة ماركس أيضًا أنها كانت شديدة الثراء الفكري الذي لمع به عقل ذلك العجوز. وفي الحقيقة، يصعُب حصر المجالات التي امتد إليها اطلاعه وتشعبت فيها أفكاره، وهو الذي عرَّف نفسه بأنه “آلة محكوم عليها بأن تلتهم الكتب ثم تقذف بها في وجه مزبلة التاريخ”. بعد وفاة زوجته، جيني فون فيستفالن، في ديسمبر 1881، خصص ماركس جزءًا كبيرًا من اهتمامه النظري للدراسات التاريخية. ولعل الاتساع الهائل لنطاق هذه الدراسات مثير للدهشة بحق؛ من روما القديمة إلى دور بيزنطة، والجمهوريات البحرية الإيطالية، وتطور الإقطاع، والحروب الصليبية، وبغداد وخلفاء الموصل، ومن الاقتصاد والسياسة في ألمانيا القرن الرابع عشر والخامس عشر إلى الصدام بين فرنسا وإسبانيا، وجمهورية فلورنسا، والإصلاح البروتستانتي، والصراعات الدينية في أوروبا القرنين السادس عشر والسابع عشر. لقد ملأ العديد من الدفاتر بملاحظات وأفكار أفرزتها هذه الدراسات ولم يتسن له الوقت الكافي لمراجعتها وإعادة مراجعتها كما كان يفعل مع جميع مؤلفاته السابقة.

اشتد ولعه في تلك السنوات أيضًا بالأنثروبولوجيا، فقرأ قائمة طويلة من المراجع وأنتج مجموعةً من المخطوطات المهمة؛ أغلبها لم يُنشر أو نُشر بالألمانية فقط. كان ذلك في الفترة التي عمل فيها على جمع ومراجعة مسودات المجلد الثاني من “رأس المال”، وهكذا لم يكن شغفه بالأنثروبولوجيا نتيجة لفضول معرفي فحسب، بل أيضًا بغرض تثبيت أسس تاريخية أقوى لنظريته حول أنماط الإنتاج الاجتماعي والتحول المحتمل إلى الشيوعية؛ أي إعادة بناء التاريخ المعقد للانتقال من العصور القديمة إلى الرأسمالية، ثم أفق وإمكانية تجاوز الرأسمالية نفسها. وبطبيعة الحال، كانت دراساته التاريخية المشار إليها جانبًا مكملًا هي الأخرى في هذا المسعى. واستفاد إنجلز من هذه الدراسات الأنثروبولوجية، فكتب كتاب “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” (1884، أي بعد وفاة ماركس بعام) “تنفيذًا لوصية صديقه الذي لم يمهله القدر وقتًا كافيًا لكتابته.

استعاد ماركس في تلك الفترة أيضًا شغفه القديم بقراءة الشعر والرواية (كانت له في سنوات شبابه المبكرة محاولات في كتابة الشعر تخلى عنها وعن حلمه بأن يصبح شاعرًا). كان ذلك على سبيل الاسترخاء الذهني من إرهاق البحث والدراسة المستمرين، لكنه تمتع بأسلوب مميز آخر في هذا الشأن، وهو الرياضيات. وكما كتب زوج ابنته، “فقد جلب له الجبر عزاءً معنويًا، ولجأ إليه في أكثر اللحظات إيلامًا خلال حياته الصعبة… وكتب عملًا حول عمليات التفاضل والتكامل متناهية الصغر”. تعمق ماركس في دراسة نظريات إسحق نيوتن وفيلهلم لايبنتز، ورأى في الرياضيات العليا “الشكل الأبسط للحركة الجدلية”، وآمن بأن “العلم لن يتطور فعلًا إلا بتعلم كيفية استخدام الرياضيات”. ومن الطريف أن مؤلف “رأس المال”، ذلك العقل الاقتصادي الفذ، كان ذي قبل يكره العمليات الحسابية وقال قديمًا: “لم أشعر قط أنني منسجم في علم الحساب”!

ليس بالسياسة وحدها يحيا الإنسان
من السهل أن نتصوَّر ماركس شخصًا عبوسًا غارقًا في الكتب والأوراق والدفاتر، والمسئول عن هذه الصورة بالطبع هو الفيض الغزير لإنتاجه النظري، لكنه في الأخير كان إنسانًا. في هذا الصدد، يكشف كتاب “ماركس الأخير” قدرًا وفيرًا ونادرًا عن الملامح الشخصية لحياة ماركس في آخر سنواته. وصفه أحد الصحفيين الأمريكيين، الذي أجرى معه لقاءً في تلك الفترة، بأنه كان “كريمًا، ودودًا، دمثًا، ويتمتع بروح ساخرة، وفكاهة رائعة، وبهجة مسلية”، “وليست لديه ميول استعراضية أو رغبة في الشهرة، وخالٍ تمامًا من الاهتمام بالمظاهر وعلامات النفوذ”.

كانت علاقته بأصدقائه المقربين، الذين كانوا ينادونه بـ”مور”، عميقة وممتدة وعلى رأسهم فردريك إنجلز، الذي تشهد صداقته على إخلاص وتفانٍ لا حدود لهما. وكان عاشقًا ملتهبًا لزوجته منذ أن كان في الثامنة عشر من عمره، وأبًا حنونًا لبناته، فيتألم أشد الألم لاكتئاب ابنته إلينور، التي ظلت لأسابيع دون طعام، ويلتفت إلى أدق تفاصيل علاقته بهم، حتى أنه حرص على التقاط صورة لنفسه قبل أن يحلق لحيته “على مذبح حلاق جزائري” (سافر إلى الجزائر في فبراير 1882 للاستشفاء وقضى هناك 72 يومًا)، فقط لكي تحتفظ بناته بآخر صورة له في هيئته الأصلية. كانت حرارة الطقس هي السبب وراء الحلاقة بالطبع. أما عن علاقته بأحفاده، فيقول الصحفي المشار إليه أن ماركس “عرف فن أن تكون جدًا لأحفاد”. كان هؤلاء الأحفاد يلقبونه بـ”نيك العجوز”، وكان يلعب معهم كأنه طفلٌ مثلهم، ويتعلق قلبه بهم كصديقٍ لهم، ويملأ جيوبه بقطع الحلوى لتوزيعها على أطفال الحي عند خروجه للتنزه.

مواصلة النضال في أحلك الظروف
إن كانت هناك فترة في حياة ماركس قد تكشفت فيها مآسيه وكوارثه ومعاناته، فهي تلك السنوات الثلاث الأخيرة. فأولًا كان هناك شبح الفقر الذي لازمه طوال حياته الناضجة تقريبًا بلغت ذروته في تلك السنوات، ولم يكن الدخل الضئيل الذي يحصل عليه نظير أعماله يكفي لتغطية نفقاته العائلية، فكان يعتمد -بخجل شديد- على المساعدات المالية التي كان إنجلز يتفانى في إرسالها له. وثانيًا كان هناك مرض زوجته بسرطان الكبد، ثم صدمة وفاتها بعد 45 عامًا من الارتباط الروحي بينهما، وهي التي كانت بالنسبة له “الوجه الذي يوقظ أروع وأجمل ذكريات الحياة”. ثم وفاة ابنته جيني، التي حملت اسم والدتها نفسه في يناير 1883. وثالثًا كان هناك مرض ماركس نفسه، الذي أجبره على الانتقال بين بلدانٍ عدة بحثًا عن طقسٍ دافئ وهواءٍ جاف للشفاء من الالتهاب الرئوي الحاد والمزمن والسُعال شبه الدائم الذي حرمه من النوم ليالٍ لا تحصى في تلك السنوات. وهذا بالإضافة إلى الإصابة بالروماتيزم والدمامل والثآليل التي ملأت أجزاء عديدة من جسده وآلمته طويلًا. وحتى قبل أن تشتد معاناته مع المرض، كان الأطباء قد نصحوه بـ”عدم القيام بأي عمل أيًا كان نوعه”، من أجل ” إنعاش جهازه العصبي المتداعِ تقريبًا”، وكان ذلك بالطبع أشبه بحكم إعدام لماركس. كانت سنواته الأخيرة جحيمًا مقيمًا، وقد تكالبت عليه الآلام النفسية والجسدية.

لكن رغم هذه المعاناة، لم يكف ماركس عن متابعة التطورات السياسية، والتعليق على أبرز الأحداث، والاشتباك النظري والسياسي مع قضايا مختلفة، والمشاركة في إعداد البرامج السياسية، والرد على المراسلات الغزيرة من أصدقاءٍ ورفاق يطلبون رأيه ومشورته في مسائل وصل بعضها من التعقيد ما دفعه إلى المزيد من البحث والدراسة لكي يوفي الإجابة. وقد اشتكى ذات مرة أن لديه “مديونية كبيرة من الرسائل” التي وجب الرد عليها.

حاول ماركس جاهدًا الشفاء من أمراضه، وكان هاجسه الأساسي وراء ذلك هو إكمال “رأس المال”، الذي لم يصدر منه خلال حياته إلا الجزء الأول فقط، فيما تولَّى إنجلز جمع مسودات المجلدين الثاني والثالث ومن ثَمَّ إصدارهما.

هكذا كان كارل ماركس؛ يواصل النضال والإسهام الثوري بعقله وقلمه في أحلك الظروف وحتى الرمق الأخير، إلى أن وافته المنية في 4 مارس 1883. حين سُئِلَ في حاورٍ صحفي في سنواته الأخيرة “ما هو قانون الوجود؟” ردَّ بنبرة عميقة ومهيبة بعد لحظات من الصمت: “النضال”. فإذا كان ماركس قد ترك إرثًا نظريًا ما يزال جزء كبير منه في إطار الاكتشاف والبحث (وكتاب “ماركس الأخير” يُعد مساهمة قيِّمة في هذا المسعى)، فإن إرثه الشخصي، ألا وهو النضال، لابد أيضًا أن يتسلَّح به المنتمون لفكره بقدر انتمائهم لنظريته.