الاستثناء الفلسطيني.. كيف يلتقي الاستبداد العربي مع الليبرالية الغربية على قمع التضامن

هناك لحظةٌ كاشفة في السياسة، حين لا تحتاج السلطة إلى أن تشرح كثيرًا، لأن القمع نفسه يصبح الرسالة. هذه هي لحظة التضامن مع فلسطين اليوم. القمع الذي يطارد متضامني فلسطين في القاهرة وعمّان ولندن ليس “سوء تقدير” عابرًا أو إفراطًا شرطيًا يمكن إصلاحه بتوجيهات داخلية. ما نراه هو نمط حكم متماسك. تسييسٌ مفرط لفلسطين عندما تحتاجها الدولة خطابًا، ثم أمننتها فورًا عندما تتحول إلى سياسة شعبية. فلسطين، في هذه المعادلة، ليست مجرد قضية خارجية؛ إنها اختبار لقدرة الدولة على ضبط المجال العام ومنع تشكّل كتلة اجتماعية يمكن أن تربط بين الإبادة في غزة وبين منظومات النهب والاستبداد والتحالفات الإقليمية ودوائر الربح.
الدول تختلف في الأسلوب، لكنها تتشابه في الوظيفة؛ القاسم المشترك بين أنظمة تبدو متباعدة هو ما يمكن تسميته بالاستثناء الفلسطيني. حيث تنتهي فجأة مساحة “الحق” وتبدأ مساحة “الأمن”، وحيث تُجرَّم الأفعال السلمية لأن ما تخشاه الدولة ليس الفعل ذاته، بل إمكان تراكمه وتنظيمه.
السؤال ليس لماذا تقمع هذه الدول احتجاجًا، هذا سؤال ساذج. السؤال الجدي هو لماذا تُعامل فلسطين تحديدًا كقضية “عالية الخطورة” تستدعي أقصى أدوات الدولة القسرية؟
والإجابة هي أن التضامن مع فلسطين لا يزعج “المزاج العام” فقط؛ بل يقترب من مفاصل النظام العالمي، استقرار التحالفات، واستمرارية أنماط التبادل الاقتصادي، وسلامة منظومة أمنية-عسكرية تضمن أن لا تتحول فلسطين إلى شرارة داخلية. إنه احتجاج يهدد الربط الحميم بين الهيمنة والرأسمال، ولهذا يُقمع.
من التضامن إلى “الملف”.. كيف تُصنع الجريمة سياسيًا؟
القاعدة الذهبية في القمع السياسي ليست “منع الحدث” فقط، بل منع تراكمه. تظاهرة واحدة قد تُحتوى؛ أما حركة تضامن واسعة تُنتج شبكات دعم قانوني، وتربط الشارع بالنقابات، وتُحرج الدولة اقتصاديًا وسياسيًا وأخلاقيًا، فهذا يشكل تهديد من نوع مختلف. لذلك لا يكفي تفريق مظاهرة؛ يجب تحويلها إلى سجل جنائي؛ أسماء، أرقام قضايا، حبس احتياطي، وتوسيع معنى “الإرهاب” ليلتهم كل شيء.
هذا ما يفسر لماذا تستدعي الدول نصوصًا مطاطة وأطرًا استثنائية. الإرهاب، أمن الدولة، “تعكير العلاقات”، “نشر أخبار كاذبة”، أو حتى تجريم مفردات بعينها. ليست الغاية الوصول إلى حكم إدانة قدر ما الغاية هي أن يصبح الإجراء نفسه عقوبة. الحبس السابق للمحاكمة، التدوير والنقل التعسفي، العزل، المنع من الزيارات، والتشهير.
مصر: كيف تُحوِّل الدولة “بانر تضامن” إلى معمل ردعٍ سياسي
إذا كان لا بد من دراسة حالة تلخّص كيف تعمل آلة القمع ضد التضامن في مصر، فملف شادي محمد يقدّمها بوضوح. هنا لا نتحدث عن حركة احتجاج عمالية داخل مصنع، ولا عن تلويح بإضراب في شركة، ولا عن تصعيد نقابي على خطوط الإنتاج. الحديث، يبدأ من شيء شديد البساطة: لافتة تضامن مع غزة—“بانر فلسطين/بانر الإسكندرية”—ثم ينتهي إلى سلسلة من الإجراءات التي تُدار كما لو أن الدولة لا تعاقب فعلًا بعينه، بل تعاقب الفكرة القابلة للتكرار؛ أن يتصرف المواطنون سياسيًا خارج قنوات الدولة.
شادي قيادي عمالي، لكن الربط المباشر بين القبض عليه وبين كونه “قياديًا” على نحو سببي آلي سيكون تعسفًا؛ لا توجد إشارة موثوقة إلى أن واقعة القبض جاءت على خلفية حراك تضامني داخل شركته أو تهديد باحتجاج عمالي. الأهم سياسيًا هو أن الدولة تعاملت مع “اللافتة” كاختراق لمعادلة التحكم. تضامن مستقل، لا يمكن ضبطه، ويستطيع أن يُلهم آخرين—وهذه وحدها كافية في منطق السلطة لتحويله إلى ملف أمني.
ويُذكر أنه قُبض على شادي في 19 أبريل 2024 وتم عرضه على نيابة أمن الدولة في 30 أبريل/نيسان. الإطار الذي تُدار به القضية—وفق ما يرد عادةً في هذا النوع من ملفات أمن الدولة—يجعل “الفعل الرمزي” قابلًا لأن يُقرأ بصفته تهديدًا واسعًا: ليس لأن اللافتة تفعل شيئًا ماديًا، بل لأن الدولة تريد ترسيخ قاعدة ردعية: التضامن المستقل = قابل للتأثيم.
هذه هي آلية “التسييس العكسي”: بدل أن يُترجم التضامن إلى سياسة شعبية، تُترجم السياسة الشعبية إلى أمن.
التصعيد داخل السجن: النقل والتجريد كعقوبة مُعَمَّدة
الأشد دلالة هو ما جرى لاحقًا: قرار نقل شادي تعسفيًا من سجن إلى سجن آخر، مع حرمانه من أخذ متعلقاته الشخصية، ووضعه في عنبر الاستقبال الذي وُصف بأنه مكتظ وغير إنساني. وهذا ليس تفصيلًا إداريًا؛ إنه جزء من تصميم العقوبة. جعل الحياة اليومية نفسها امتدادًا للعقاب، وإشعار السجين أن الدولة تستطيع نقله وتجريده وعزله دون محاسبة.
رد شادي كان سياسيًا بقدر ما هو إنساني. بدأ إضرابًا عن الطعام في يوم النقل نفسه، 29 يناير/كانون الثاني 2025، احتجاجًا على سوء المعاملة. والإضراب واستمر نحو 12 يومًا، وما ترتب عليه نقله لمستشفى السجن.
وكما تستخدم الدولة أدواتها لإيصال السجين إلى نقطة يائسـة، فالسجين يحاول قلب المعادلة بإجبار الدولة على الاعتراف بوجوده ومعاناته. الإضراب في حد ذاته مؤشر على طبيعة العلاقة. سلطة تملك الجسد، ومعتقل يحاول استعادة الحد الأدنى من السيادة على جسده.
قضية شادي لا تقف عنده وحده. يُذكر أن هناك خمسة طلاب محبوسين على ذمة القضية نفسها، من بينهم عمر الأنصاري, وشهاب الدين اشرف, و محمد احمد دياب, و عبد الله أحمد عبد الدايم.
ذكر هؤلاء ليس مجرد “استكمال أسماء”، بل جوهري لفهم فلسفة القمع. السلطة لا تطارد شخصًا بعينه، بل تطارد “شبكة احتمالات”—مجموعة صغيرة يمكنها أن تُصوّر التضامن كفعل جماعي مستقل. حين تضع الدولة ملفًا كهذا تحت أمن الدولة، فهي تقول عمليًا أن أي بيئة شبابية أو طلابية يمكن أن تتحول إلى تضامن منظم هي بيئة تستحق المراقبة والعقاب.
إحياء قانون الإحتلال؛ “نحن ندعم فلسطين”… ونعتقل من يصدق
في سياق آخر، أعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إحالة 64 متهمًا للمحاكمة في قضيتين “حصر أمن الدولة العليا” على خلفية التضامن ودعم الحقوق الفلسطينية. الرقم وحده لا يشرح الكارثة، تكمن الكارثة في التفاصيل.
أحمد بهجت عزت، متهم تعتبره النيابة “هاربًا”. لكن أسرته قدمت بلاغات متكررة لجهات عدة، بينها النيابة نفسها، تطالب بالتحقيق في تعرضه لـالإخفاء القسري المستمر منذ نحو 19 شهرًا. ليس هذا فقط؛ المبادرة تقدمت في يونيو الماضي بشكوى للفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري التابع لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة؛ وبعد مراجعة تفاصيل الحالة خاطب الفريق الحكومة المصرية في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أي قبل الإحالة للمحاكمة. ورغم ذلك كله، تُصر الدولة على تثبيت الرواية الأكثر فجاجة. “هارب”.
الدولة تُخفي الشخص، ثم تُحوّل اختفاءه إلى دليل إدانة ضده. تختفي الضحية من المجال العام كي لا تتحول إلى قضية رأي؛ ثم تُعاد إلى الواجهة كـ“متهم” كي يصبح السؤال: ماذا فعل؟ لا: أين هو؟
القضية رقم 2469 لسنة 2023 تضم 14 شخصًا بينهم طفل. بدأ القبض على المتهمين في أكتوبر 2023، بالتزامن مع الإبادة في غزة، بعد محاولتهم التظاهر دعمًا لفلسطين—في لحظة كان الخطاب الرسمي من الرئيس نفسه يلوّح بفكرة أن “الملايين مستعدة للتظاهر” رفضًا للتهجير.
أما الاتهامات، فهي الكلاسيكيات التي تعرفها مصر ما بعد 2013. “الانضمام لجماعة إرهابية” لبعضهم، و”التجمهر” للجميع. لكن الأكثر دلالة هو سلاح “التجمهر” نفسه. قانون رقم 10 لسنة 1914—قانون صدر تحت الاحتلال البريطاني—تُصر النيابة على استخدامه بعد أكثر من قرن لأن قانون التظاهر 107 لسنة 2013 لم يلغِه.
هكذا يتواطأ التاريخ. الاستعمار كتب أداة، والدولة الحديثة تُعيد توظيفها. النتيجة هي أن قانون الاحتلال يصبح لغةً يومية لتجريم الشارع.
الأردن: الدولة تُحاكم “الإمكان” وتُجرّم الضغط على التموضع الإقليمي
في الأردن، يأخذ القمع شكلًا أقل صخبًا ,أكثر “احترازًا”، لكنه يتماثل في خطورته؛ توسيع مفهوم الجريمة ليشمل “النية” وجرائم مثل “تعكير العلاقات مع دول أجنبية”. هذه صيغة تجعل المجتمع في حالة رقابة ذاتية دائمة: ليس المطلوب أن ترتكب “فعلًا” حتى تُعاقب، بل يكفي أن تُصنّف الدولة نيتك بوصفها تهديدًا.
في الأسبوع الماضي، صدرت إشارات أردنية شديدة الدلالة. في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، حذّرت “صحفيات بلا قيود” من أحكام لمحكمة أمن الدولة قضت بسجن أربعة أشخاص ثماني سنوات، معتبرةً أن الإدانة القائمة “أساسًا على النية” لا على أفعال ملموسة توسّع نطاق التجريم وتحوّل “الانسجام مع العلاقات الخارجية”, وخاصة مع إسرائيل, إلى معيار للعقاب.
ومن هنا يصبح التجريم خادمًا لسياسة خارجية داخلية. حين تتعلق فلسطين بالتوازنات الإقليمية، يصبح المطلوب أن يبقى الشارع ضمن حدود التعبير الذي لا ينتج تكلفة على الدولة في علاقاتها وتحالفاتها. أي أن “العلاقات الخارجية” تتحول إلى معيار يحدد سقف السياسة الداخلية.
التحليل السياسي هنا واضح؛ حين تُعامل الدولة “العلاقات الخارجية” كمعيار داخلي للعقاب، فهي لا تحمي المجتمع من خطر؛ بل تحمي خريطة تحالفاتها من ضغط المجتمع. أي أن الوظيفة النهائية للقمع هي منع السياسة من أن تقترب من سؤال: لماذا تُدار فلسطين بحدود لا يضعها الشعب بل الأجهزة الأمنية؟
بريطانيا: الليبرالية لا تمنع القمع… بل تُحسنه إداريًا عندما يتصادم التضامن مع اقتصاد الحرب
في المملكة المتحدة، القمع يعمل عبر مزيج “قانوني-إجرائي”. حبس على ذمة التحقيق، تصنيفات، وتوسع في أطر مكافحة الإرهاب بحيث يمكنها ابتلاع الاحتجاج السياسي, خصوصًا عندما يستهدف شركات سلاح أو قواعد أو بنى لوجستية مرتبطة باقتصاد الحرب.
في ديسمبر 2025، أعرب خبراء أمميون عن قلق بالغ على حياة وحقوق ثمانية نشطاء مؤيدين لفلسطين مضربين عن الطعام منذ نوفمبر، وأشاروا إلى تقارير عن تدهور صحي وتأخير رعاية وممارسات تقييدية أثناء العلاج، وربطوا ذلك بسياق أوسع من القيود على النشاط المؤيد لفلسطين، منتقدين توظيف تشريعات مكافحة الإرهاب بصورة توسعية ضد احتجاج سياسي.
وعندما تنتقل الدولة إلى ضبط اللغة نفسها—مثل التشدد تجاه هتافات بعينها وربطها مباشرةً بالاعتقال—فهذا ليس لأن “الكلمة” سلاح، بل لأن الدولة تريد احتكار سردية الصراع ومنع تشكل خطاب جماهيري يصف ما يحدث باعتباره استعمارًا أو إبادة تستدعي الفعل. تقرير حول سياسة الشرطة بشأن هتاف “globalise the intifada” وما ترتب عليها من اعتقالات يعكس هذا المنحنى؛ تأميم المعنى بوصفه جزءًا من تأميم السياسة.
المادة التي أوردتها عن “مضربي الجوع” الثمانية (على ذمة الحبس الاحتياطي دون محاكمة) تُظهر جوهر التحول. هؤلاء محتجزون على خلفية أعمال مرتبطة باستهداف شركة إلبيت سيستمز. الاحتجاجات التي خرجت دعمًا لهم أمام وزارة العدل وداونينغ ستريت ليست مجرد “تضامن” بل محاولة لفضح حقيقة بسيطة, الدولة مستعدة لترك ناشطين يتآكلون في السجن، لأنهم اقتربوا من البنية الاقتصادية للحرب.
وهنا تتضح نقطة مركزية, ليس كل احتجاج متساويًا في نظر الدولة. الاحتجاج الذي يكتفي بالشعار قد يُحتوى. لكن الاحتجاج الذي يقترب من العقود، والتوريد، والشركات، وسمعة “الشريك الصناعي”, يُعتبر تهديدًا للنظام، لأنه يهاجم الحلقة التي تربط السياسة بالمال.
لماذا يتكرر النمط؟ لأن النظام العالمي يفضّل “استقرار الحلفاء” على حق الناس
قد يبدو السؤال البديهي, إذا كانت هذه الممارسات فاضحة، فلماذا لا تردعها المؤسسات الدولية؟ لأن معظم آلياتها غير إلزامية، ولأنها تعمل داخل ميزان قوة لا خارجه. مخاطبة فريق أممي للحكومة المصرية بشأن حالة اختفاء لا تمنع استمرار الرواية الرسمية وإحالة القضية، وبيان أممي يحذر من خطر على الحياة في بريطانيا لا يملك إلا الضغط الرمزي.
الدول جزءًا من منظومة تحالفات ومصالح استراتيجية، بالتالي ملف الحقوق قابلًا للإدارة، لا قابلًا للمحاسبة. تُدار الانتهاكات بقدر ما لا تُربك الترتيبات الكبرى—والترتيبات الكبرى، في حالة فلسطين، هي قلب النظام العالمي القائم.
بعبارة أخرى: الشرعية الدولية تُدار بما يناسب النظام الدولي، لا بما يناسب الضحايا.
ماذا بعد؟ لماذا يخافون من فلسطين؟
الكتابة أو الحديث عن قمع التضامن يجب أن يتجنب فخين متعاكسين.
فخ “الإنسانوية المجردة” التي تكتفي بالتعاطف دون تفكيك البنية؛ من يقمع؟ ولماذا؟ وبأي أدوات؟
وفخ “التحقيق البارد” الذي يكدّس الوقائع دون تحويلها إلى حجة سياسية واضحة.
الحجة، في جوهرها، بسيطة لكنها ثقيلة: قمع التضامن مع فلسطين هو شكل من أشكال حماية النظام القائم. داخليًا عبر تجفيف السياسة، وخارجيًا عبر ضمان موثوقية الحلفاء واستمرارية اقتصاد الحرب. ومن هنا تأتي الجملة التي تخشاها الأنظمة؛ فلسطين ليست ملفًا خارجيًا, إنها مرآة بنية الحكم. ولذلك يُراد لها أن تبقى “قضية” لا “سياسة”، “رمزًا” لا “حركة”، “تعاطف” لا “قوة”.
وإذا كان القمع هو اعتراف ضمني بأن التضامن قادر على التحول إلى ضغط فعلي، فالمعركة ليست فقط على حق التظاهر، بل على حق المجتمع في أن يربط بين ما يحدث في غزة وما يحدث في الداخل. بين الاستبداد والتبعية، بين اقتصاد الحرب واقتصاد النهب، بين شرعية الدولة وصمتها الفعلي أو تواطؤها العملي.
القوة التي يعرضها القمع ليست قوة نظام واثق؛ إنها قوة نظام يخشى أن تُسمّى الأشياء بأسمائها. أن يُقال إن “الاستقرار” الذي يطلبونه ليس استقرار المجتمع، بل استقرار التحالفات والمصالح. وأن “سيادة القانون” التي يتغنون بها قد تتحول—عند فلسطين—إلى سيادة الاستثناء.





