بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

غضب "محدود" وشماتة "واسعة"

الدرس الأول: استقلال القضاء يحميه الشعب لا النظام

بعد وصول قطار “العسكرة” لتعيينات وترقيات القضاة نظم نادي قضاة مصر اجتماعًا طارئًا وحاشدًا لأعضائه، بمقره في وسط القاهرة، يوم 21 يناير الجاري، لمناقشة ما وصفه بـ”أمر جسيم” يتردد في أروقة القضاء ويمس شؤونه.

قال مصدر قضائي حضر الاجتماع لموقع “المنصة” إن الأزمة تتعلق بوجود توجه داخل الدولة لنقل ملف تعيينات الجهات والهيئات القضائية وترقياتها بالكامل إلى الأكاديمية العسكرية، لتصبح هي الجهة المسؤولة عن التقديم والمقابلات والاختيار، بدلًا من الهيئات القضائية نفسها.

وقال النادي، في بيانه، إن هذه الدعوة تأتي انطلاقًا من دوره الأصيل في صون استقلال القضاء وحفظ مكانته، مشددًا على أنه يتابع بدقة ومسؤولية ما يثار ويتداول في الوسط القضائي، وأنه “لن يتوانى قيد أنملة عن الدفاع عن استقلال القضاء وصون هيبته” بمجرد تبيّن الحقائق. (!!) علامات التعجب من عندنا.

وأهاب مجلس إدارة النادي بالقضاة “الالتفاف والاصطفاف” خلف ناديهم في هذه المرحلة التي وصفها بـ”الدقيقة”، مؤكدًا أن وحدة الصف هي السياج الوحيد لضمان بقاء القضاء حرًا ومستقلًا. (!)

وبدأت الأحداث في 9 يوليو 2024، حين شهدت الأكاديمية العسكرية المصرية حفلة تخريج الدفعة الأولى (ب) من المعينين الجدد بالجهات القضائية، وسط احتفالات رسمية وشعارات عن الانضباط والتفوق، مما أثار استياء واسع داخل الدوائر القضائية.

وأثناء الانتخابات النيابية الأخيرة التي شهدت تزويرًا واسع النطاق، أصدر نادي القضاة بيانا غسل في يديه من هذه التجاوزات تزامنًا مع إبطال الانتخابات في 19 دائرة لوجود مخالفات، مؤكدًا أنه لم يشرف على العملية الانتخابية.

هذا وقد عبرت شريحة واسعة من النشطاء والمعارضين عن “شماتة” في القضاء الذي كان بحق سندًا رئيسيًا للانقلاب العسكري في صيف 2013، وحوله النظام الراهن الى جهة تنفيذية تصدر الأحكام التي يرضى عنها الأمن الوطني، في مقابل اعتمادات وبدلات وامتيازات بعشرات الألوف من الجنيهات من عرق الشعب الكادح.

وفي هذا السياق قال المناضل اليساري عماد عطية على صفحته على الفيسبوك “موش متضامن.. بالعكس.. شمتان.. والغضبان يتفلق”.
وأضاف “أوعى حد يقول لي “استقلال القضاء”.. أحنا كلنا عارفين ان استقلال القضاء ده بالنسبة لهم.. يعني وفقط تعيين الأولاد والأحفاد والحبايب.. واستقلال الميزانية عن أي رقابة.. علشان محدش يتابع الميغة ولا يعرف هما بيعملوا ايه بالفلوس وبيوزعوها ازاي”
وتابع “انما بالنسبة للأحكام والفتاوى.. وفي قضايا الرأي والسياسة خصوصا.. الأحكام والقرارات.. ولا بلاش.. ما كلكم عارفين”.
وختم كلامه قائلًا “على رأي الست حنة آرندت، رضي الله عنها وأرضاها،”من يحاول إرضاء الأنظمة التوتاليتارية (الشمولية)، كمن يطعم تمساحاً جائعاً آملاً في أن يكون هو نفسه آخر من يفترسه هذا التمساح”.

وعبر المحامي عماد مبارك على صفحته على الفيسبوك، بدوره عن هذا الاتجاه قائلًا “يا جماعة، باب التضامن مع القضاة مش مقفول، بالعكس مفتوح على الآخر.. اللي حابب يتضامن معهم، يتفضل… أنا مش مانع حد كل ما في الأمر إن المرة دي هتفرج كمواطن صالح”.

بينما رصد المحامي الحقوقي جمال عيد، أوجه الخلاف بين معركتي القضاة والقضاء، خلال عامي 2005 و2026، قائلا “ليلة لا تشبه البارحة.. لا أبرئ النظام الحالي من محو التاريخ ومحاولة إخفاء المعلومات عن معركة استقلال القضاة في 2005. تلك المعركة التي احتضنها الشعب المصري، لأن القضاة انتفضوا ضد تزوير نظام مبارك للانتخابات، والصاق وزعم أن الانتخابات تمت تحت اشرافهم، ومن ثم، فهم المسئولين!! هذا باختصار كان أحد أهم أسباب انتفاضة القضاة.
انتفاضة لتيار الاستقلال وقطاع هام من الشعب من جانب، ضد النظام وإعلاميه وبعض القضاة من جانب آخر”.
تابع عيد “انتفاضة احتضنها الناس وتضامنوا مع القضاة، لأنهم، وبشكل بسيط وواعي يدركون أن استقلال القضاء مثل حرية الصحافة، ليس من أجل القضاء أو الصحفيين فقط، بل ضرورة للمجتمع بأكمله”.
“دارت الأيام، ومرت السنين، ليغضب القضاء في مطلع 2026، لما تداول من أخبار عن سلب القضاة حقهم في التعيينات الخاصة بهم، ومنحه لما يسمى بالأكاديمية العسكرية”.
“المفزع، والمخيف، والذي اتمنى من قلبي أن ينتبه له القضاة، هو رد فعل المصريين، أو على الأقل القطاع المهتم بالشئون العامة من غضبة القضاة”.
رد فعل في أغلبه، شماته وتشفي في القضاة!!!
ويلاحظ عيد، أن الكثير والكثير ممن علقوا تصريحا أو تلميحا، كانوا داعمين وبقوة لانتفاضة القضاة في 2005. أصبح كثير منهم غاضبين، شامتين، ساخرين، فرحين بما يتعرض له القضاة الان!!
ودعك من اتهامات الإعلام المأفون، واستخدامه لفزاعة الإخوان! دعنا نناقش الشرفاء والمهمومين فعليا بهذا الوطن.
لماذا؟ وهل يصح هذا؟ وعلى إثر قرار أو محاولة سلب القضاء اخر ” في رأيي” أعمدة استقلالهم، وهو التعيينات والترقيات لجهة – حكومية – عسكرية.
لماذا؟ في رأيي، لأن الكثير من القضاة “ودعونا من التعميم” لاسيما في القضايا السياسية، انحازوا ضد القانون والعدالة، وساهموا في دعم وتثبيت أركان دولة القمع والاستبداد بحبس الاف الأبرياء دونما جريمة فعليه!!!
الحبس الاحتياطي لسنوات لأبرياء استنادا لمجرد مذكرات تحريات مفبركة، قالت محكمة النقض نفسها “أي قضاة آخرين ” أنها لا تعدو أن تكون آراء لأصحابها!! حريات الناس ليس أمر هين.
التدوير، هذه الظاهرة البغيضة، المسئول عنها النيابة والقضاء قبل الداخلية.
تصنيف مخزي ومهين لمؤشر العدالة في مصر على الأقل لعشر سنوات سابقة من 2016 إلى 2025، حيث مصر في ذيل قائمة احترام القانون وسيادته واستقلال القضاء، لتقبع بجانب أعتى الديكتاتوريات في العالم. محاكمات غير عادلة، وأحكام جائرة، كثيرة، واعمار الأبرياء تضيع.
الانحياز الواضح، بل والخضوع للأجهزة الامنية، وهي اجهزة بوليسية ثار ضدها الشعب، ولم يتم إصلاحها.”مرة أخرى وتحسبا لمن يصطاد ويتربص، نقول بعض، وليس كل”. بالإضافة الى تجاهل مظالم الناس، والابرياء، بل والمشاركة فيها، وتجميل صورة القمع بإضفاء غطاء قانوني عليه، عبر قرارات قضائية ونيابة “بعض” لتمريرها وارهاب من يعترض.
القبول بتدخل صريح في شئون القضاء من قبل النظام وحكومته وإعلامه وتابعيه.
لا نحتاج لتفاصيل، فالأمر واضح وجلي، لمن يعٌمل ضميره.
هل يصح هذا؟ بالطبع لا، لكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله.
يتمنى البعض، ومنهم كاتب هذه السطور، أن ينأى القضاة عن الصراع السياسي الدائر بين دعاة الديمقراطية والنظام المستبد، أي عدم الانحياز لطرف وعدم الوقوع في براثن السياسة، كيف؟
انحازوا للقانون، اعملوا الدستور ومواده، احكموا بقيم العدالة. هذا يكفينا.
لا نطلب منكم الانحياز لنا، للديمقراطية، المشاركة في معركة إنقاذ مصر، بل الحياد.
تذكروا شيخ القضاة يحيى الرفاعي واستقالته، تذكروا مؤتمر العدالة الأول في الثمانينات، وقراراته. تذكروا سمعه القضاة ليس في الثلاثينات والاربعينات، بل في التسعينات وبداية الالفية، المستشار عوض المر، المستشار سعيد العشماوي، المستشار منير صليب، وغيرهم كثيرين. الانحياز للقانون والعدالة والدستور، يكفينا.
ويقول المثل: إذا لم تستطع مقاومة الظلم، فلا أقل من وقف دعمه.
ويرى عيد أن “أثر حالة التشفي والغضب من القضاة “من بعضهم على الأقل”. كارثية، وتؤدي بالمجتمع كله لمزيد من التردي والانهيار.”
لكن الخطوة الأولى، لإصلاح هذا الوضع المخيف، لدي القضاة. وقف الانحياز لجانب السلطة، ضد الشعب والقانون والعدالة والدستور. إعمال القانون وروحه.
ووقف تعالي “البعض” على باقي فئات الشعب، ولا سيما المحامين، والإيمان بأن استقلال القضاء واحترامه يأتي من ترسيخ قيم العدالة واحترام الدستور والتعاون بين أطرافه، وليس بالتقرب من النظام، والسعي لترقي طبقي.
أنا مع استقلال القضاء، ومع الفصل بين السلطات، ومنحاز للقضاة، ولا أثق بالنظام وحكومته وبرلمانه، القضاء هو الحصن والحكم أو هكذا يجب أن يكون.
ويختم عيد كلامه قائلا “أتمنى بشده أن يعود القضاء، مستقلا، جريئا في تطبيق القانون، وإحلال العدالة، واحترام الدستور، فعليا، لمصلحة هذا البلد. وكما قال المستشار الراحل هشام البسطويسي: استقلال القضاء يحميه الشعب، لا النظام”.

من جهتها، أعربت “مؤسسة دعم العدالة بالمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة” عن قلقها إزاء ما جرى تداوله بشأن توجه السلطة التنفيذية لإلغاء “مكتب تعيينات القضاة” التابع للنائب العام، ونقل صلاحيات تدريب وتعيين معاوني النيابة الجدد، بالإضافة إلى ملف الترقيات القضائية، إلى سلطة الأكاديمية العسكرية.
وحذرت المؤسسة، من أن هذه الخطوات، التي لم تنفها أي جهة رسمية حتى الآن، تمثل “هجومًا خطيرًا على العدالة “وانتهاكًا صارخًا للدستور المصري ومبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة القضائية.
واعتبرت المؤسسة أن إخضاع شؤون القضاة لمؤسسة تتبع السلطة التنفيذية (المؤسسة العسكرية) ينسف مقتضيات الفصل بين السلطات.
واستند البيان إلى المادة 184 من الدستور المصري، التي تنص على أن “السلطة القضائية مستقلة… والتدخل في شؤون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم”.
وشدد البيان على أن استقلال القضاء ليس شأنا خاصًا بالقضاة وحدهم أو بحقوقهم، بل أنه شأن يمس حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية وممتلكاتهم الخاصة والعامة.
وربطت المنظمة الحقوقية بين هذه التطورات وبين ما وصفته بـ”المسار التصاعدي” لانتهاك استقلال القضاء في السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن قبول المجالس القضائية العليا بخضوع أعضائها لدورات تدريبية “تكوينية” داخل الأكاديمية العسكرية مَهّد الطريق لهذا التدخل غير المسبوق.
وطالبت المؤسسة بوقف هذه الممارسات فورًا “دون قيد أو شرط”، داعية للالتزام ببنود إعلان بيروت وإعلان القاهرة لاستقلال القضاء، مشددة في الوقت نفسه إلى أن المساس بمنظومة تعيين القضاة يضرب في مقتل حق المواطن في “الإنصاف والعدالة” أمام قاضٍ مستقل لا يدين بالولاء إلا للقانون.

ويبقى أن هذه المعركة تعبر بدرجة عن تنامي الصراع بين السلطات، التي هيمن عليها الجيش تمامًا طيلة الفترة الماضية، وهو ما يجب أن نرصده، لأهميته ولأنه سيخلق مساحات ينبغي ملؤها من قوى المجتمع، وفي هذا السياق ينبغي التضامن مع حركة القضاة، بدون أوهام حول طبيعة السلطة القضائية الراهنة واندماجها العضوي مع النظام.
نعم، ينبغي الكفاح من أجل منع تغول المؤسسة العسكرية على كل منظمات المجتمع المدني، مع تبني اجندة إصلاحية لتحرير القضاء من يد السلطة.