بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من يختار القضاة الآن؟

أوامر رئاسية صدرت في منتصف يناير تقضي بنقل اختبار واختيار القضاة وأعضاء النيابة الجدد إلى الأكاديمية العسكرية، في خطوة تسحب من الهيئات القضائية صلاحيات طالما اعتبرتها جوهر ما تسميه “استقلال القضاء”. ووفق تقارير نشرها موقعا مدى مصر ومتصدقش، نُقلت هذه الأوامر خلال اجتماع ترأسه رئيس ديوان الرئاسة عمر مروان، وجرى تقديمها بوصفها قرارات فورية غير قابلة للنقاش. الخطوة أثارت غضباً نادراً وعلنياً داخل الأوساط القضائية، وفتحت الباب أمام احتمال مواجهة مباشرة بين القضاء والسلطة التنفيذية.

هذا الغضب تُرجم عملياً في 21 يناير 2026، حين احتشد مئات القضاة من مختلف المحافظات في مقر نادي القضاة بالقاهرة، في أكبر تجمع من نوعه منذ عام 2013، بحسب مشاركين. وخلال الاجتماع، أبلغ أعضاء من مجلس القضاء الأعلى الحاضرين بأن مروان نقل قراراً يقضي بإسناد تعيينات وترقيات القضاء إلى الأكاديمية العسكرية، وإلغاء مكتب التعيينات في مكتب النائب العام، وربط الترقية باجتياز دورات عسكرية متقدمة. ورغم مطالبة بعض القضاة بالتصعيد الفوري، انتهى الاجتماع إلى منح مهلة تفاوض مدتها أسبوعان، مع تكليف وفد من نادي القضاة بالسعي لفتح قنوات تفاوض مع الرئاسة والأكاديمية. كما تقرر الدعوة إلى جمعية عمومية غير عادية يوم الجمعة 6 فبراير 2026 في حال فشل هذه المساعي.

وفق النموذج المقترح، تصبح الأكاديمية العسكرية نقطة الدخول وبوابة العبور النهائية في آن واحد. يبدأ المتقدمون بسلسلة من الفحوص الطبية والبدنية والنفسية، إضافة إلى قياسات الطول والوزن والتحريات الأمنية داخل الأكاديمية. وبعد اجتياز هذه المراحل فقط، يُسمح لهم بأداء امتحانات قانونية تشرف عليها “لجنة السبعة” التابعة لمجلس القضاء الأعلى، على أن تُعاد الدرجات إلى الأكاديمية لترتيب المتقدمين نهائياً قبل التصديق الرئاسي. ما يبدو إعادة ترتيب إجرائية هو في الواقع انقلاب في الأولويات، حيث تسبق الموافقة الأمنية و”اللياقة البدنية” الكفاءة القانونية.

هذه الخطوة تمثل أحدث مراحل مسار أوسع لعسكرة الحكم المدني تسارع منذ عام 2023. فالدولة دأبت على نقل عمليات التوظيف والفحص والتنشئة المهنية للوظائف المدنية من الوزارات إلى مؤسسات عسكرية. وفي أبريل 2023، صدر توجيه عبر مجلس الوزراء جعل اجتياز دورة “تأهيل” بالأكاديمية العسكرية شرطاً للتعيين في طيف واسع من وظائف الدولة، بما في ذلك الهيئات القضائية. هذا التحول قوض تدريجياً الحدود المؤسسية التي كانت تفصل الإدارة المدنية عن المؤسسة العسكرية.

داخل القضاء، اتخذت مقاومة هذا المسار في البداية شكل التكيف الصامت لا المواجهة العلنية. ورغم التعبير عن القلق من توسع الإشراف العسكري على التعيينات والتدريب، بقيت الخلافات محصورة وإجرائية. لكن هذا الوضع تغير مع تمدد دور الأكاديمية من التدريب الأولي إلى التحكم في المسار الوظيفي.

بحلول يناير 2025، تحولت الأكاديمية إلى عنق زجاجة لا يمر عبره فقط المعينون الجدد، بل أيضاً الطامحون إلى الترقية. وأصبح اجتياز الدورات العسكرية، برسومها المرتفعة، شرطاً فعلياً للترقي. وسرعان ما أخذت المسألة طابعاً شخصياً. فقد جرى استبعاد عشرات من أبناء القضاة خلال اختبارات طبية وبدنية مرتبطة بهذه الدورات، عبر مسارات مجلس الدولة والنيابة الإدارية والنيابة العامة. وانتشر الغضب داخل الأوساط القضائية مع اكتشاف العائلات أن بوابة الأكاديمية، لا الجدارة القانونية (ولا واسطة الروابط العائلية)، هي التي تحسم الوصول إلى القضاء.

سعى القضاة إلى الضغط عبر الوزراء، وطلبوا استثناءات، ودفعوا باتجاه إعادة تقييم الحالات، خصوصاً مع تزامن هذه الاستبعادات مع انتخابات داخل نادي القضاة. كشفت الأزمة عن استياء متزايد، لكنها كشفت أيضاً عن انقسام واضح. فالمطالب جرى السعي لتحقيقها بشكل فردي أو عبر قنوات غير رسمية، لا من خلال تحرك جماعي منظم. وانتهت الأزمة دون المساس بدور الأكاديمية، ما عزز الشعور بأن التكيف، لا المقاومة، لا يزال هو الخيار الغالب.

لو نُظر إلى هذه التطورات بمعزل، قد تبدو مجرد خلاف فئوي. لكن وضعها في سياق سلوك القضاء خلال الأزمات الانتخابية الأخيرة يشير إلى ما هو أعمق، توتر متزايد وتصدعات داخل النظام نفسه. ففي الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر الماضي، وُضعت المحاكم مراراً في مواجهة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية والسلطة التنفيذية. أصدرت محاكم أحكاماً بوقف الانتخابات أو إعادتها أو إبطال نتائجها وسط تدخلات أمنية فجة. وفي عدة حالات، جرى تجاهل هذه الأحكام أو الالتفاف عليها، بينما انقسم القضاة أنفسهم بين من أراد المضي في فرض أحكامه ومن فضّل التراجع.

ما يربط تلك المواجهات الانتخابية بالنزاع الحالي ليس تبنياً مفاجئاً للتعددية السياسية، بل القلق من تآكل الدور المؤسسي. في الحالتين، كان رد الفعل القضائي أشد حين جرى تهديد دور القاضي كحارس للإجراءات. الفارق اليوم أن التعدي لم يعد ظرفياً كما في الانتخابات، بل بنيوياً. إنه يستهدف قدرة القضاء على إعادة إنتاج نفسه.

كما يبين محمود حمد في دراسته عن القضاة والعسكر في مصر الحديثة، لطالما عمل القضاء شريكاً في الحكم السلطوي، مقابل صفقة ضمنية تقوم على تقديم الغطاء القانوني والإجرائي مقابل الاحتفاظ بالسيطرة على التعيينات والترقيات والانضباط الداخلي. ينشأ الصدام لا عندما تُقيد الحقوق، بل عندما يُخل بهذه الصفقة الفئوية.

بنقل تعيينات وترقيات القضاء إلى مؤسسة عسكرية تخضع للقائد الأعلى، تتجاوز الدولة هذا الخط تحديداً. فهي تُدخل الجهاز الأمني مباشرة إلى صميم القضاء، وتعيد تشكيل من يدخل المنصة وكيف يتقدم داخلها. الغضب الذي أثارته قضية استبعاد أبناء القضاة كان نذيراً لما هو آت. أما اجتماع نادي القضاة في يناير 2026 فيمثل انتقال هذا الغضب من تظلم شخصي إلى إنذار مؤسسي.

يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة القضاة على تحويل هذا الإنذار إلى مقاومة مستدامة. عقد من القمع ضيّق هوامش الحركة، وغريزة التفاوض لا تزال قوية. لكن بإصرار الدولة على تحويل بوابات القضاء إلى نقاط تفتيش عسكرية، فإنها تختبر الحد الوحيد الذي دافع عنه القضاة تاريخياً بشراسة، وهو السيطرة على من يصبح قاضياً، وما يترتب على ذلك من مكانة وسلطة.