بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

لا بديل عن اليسار الجذري

أفريقيا جنوب الصحراء: عقود من النضال للإفلات من “فخ الصندوق”

في أعقاب الأزمة العنيفة التي ضربت اقتصادات العالم في سبعينيات القرن الماضي، تحولت الدفة الاقتصادية العالمية إلى توجه جديد، برعاية رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر والرئيس الأمريكي رونالد ريجن آنذاك، في ما أُطلق عليه “الليبرالية الجديدة”. انطلقت منذ ذلك الحين الأبواق الرأسمالية في كل مكان تبشر بانقضاء عصر الأزمات أو نهاية التاريخ. لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا على مدار العقود الخمسة الماضية.

يمكن تعريف هذا المذهب العالمي بمجموعة من الإجراءات الاقتصادية الهادفة إلى إتاحة كامل فرص الاستثمار أمام كبار رجال الأعمال وكبرى الشركات وتحرير وتوحيد الأسواق على مستوى العالم، مما يقتضي انسحاب الدولة من الاقتصاد وتقليص الإنفاق الاجتماعي إلى حدود دنيا. وكانت المؤسسات المالية الدولية، لا سيما صندوق النقد والبنك الدوليين، هي الأدوات الأشرس في فرض هذا التوجه من خلال سياسات “التكيف الهيكلي” لاقتصادات الدول بالأخص الأفقر منها، مع الليبرالية الجديدة والسوق الحرة. وأبرز هذه السياسات هو رفع الدعم الحكومي وخصخصة الشركات المملوكة للحكومة.

أثرت هذه السياسات على مستويات معيشة مليارات البشر في العالم، لكنها لم تمر دون رد فعل جماهيري قوي. وليس من الغريب أن يشهد العالم في الفترة من 1985 إلى 2014 أحداثًا ثورية تقدر بمعدل 4.10 حدثًا سنويًا، مقارنة بـ 2.8 حدثًا خلال عقود الحرب الباردة من 1950 إلى 1984، و2.4 سنويًا خلال النصف الأول من القرن العشرين. إن عصر الليبرالية الجديدة، بما يشمله من سيادة العولمة الرأسمالية وإجهازه على حياة ومقدرات الشعوب وما ترافق معه من ضرب حق الجماهير في تنظيم نفسها، هو أيضًا عصر الثورات والانتفاضات الكبرى.

وعلى نحو مشابه، صحيح أن إفريقيا هي قارة الانقلابات العسكرية والأنظمة الاستبدادية، إلا أنها أيضًا قارة النضال ضد الاستعمار والكفاح ضد الديكتاتورية، ولم تكن خارج مشهد الانتفاضة والثورة في عصر الليبرالية الجديدة. فقد تحركت الجماهير في العديد من بلدان إفريقيا ضد سياسات التكيف الهيكلي، التي كانت أشد ضراوة في القارة السمراء وارتبطت بالفساد وسوء الإدارة والديكتاتورية، في أعقاب التطبيق الأولي لهذه السياسات في النصف الثاني من السبعينيات، وصولًا إلى الأمس القريب.

يهدف هذا المقال المختصر إلى إلقاء نظرة عابرة على ثورات وانتفاضات بلدان إفريقيا جنوب الصحراء ونتائجها، عسى أن يشجًع هذا العرض السريع على المزيد من الاطلاع على خبرات ثورية غنية لم تحظ بما يكفي من الدراسة والبحث مقارنة بالتطبيق الهائل لدروسها الوفيرة.

فخ الصندوق
حتى من قبل الليبرالية الجديدة والتكيف الهيكلي، كانت الأزمة الاقتصادية العالمية في السبعينيات نقطة انعطاف محورية في تاريخ ما بعد الاستعمار للكثير من دول إفريقيا. كانت هذه الدول، التي أفقرها الاستعمار من قبل على مدار قرون، كثيفة الاعتماد على واردات النفط وصادرات المواد الخام. البن مثلًا كان يمثل في منتصف السبعينيات ثلثي صادرات غانا، والقطن ثلثي صادرات تشاد، وصادرات النحاس نصف الناتج المحلي الإجمالي لزامبيا، ومصدر رئيسي يرتكز عليه اقتصاد زائير (الكونغو). هكذا كان لأزمة النفط وانهيار السلع في منتصف ذلك العقد وقع بالغ الأثر في اقتصادات هذه البلدان، ودمرت الأزمة الآمال والتوقعات التي رسمتها الكثير من هذه الدول في عيون شعوبها.

دفعت الأزمة هذه الدول إلى الاقتراض، ومع احتدامها تحولت القروض إلى تراكم هائل للديون، وصار المزيد من الاقتراض من صندوق النقد والبنك الدولي مرهونًا بشروط يفرضها كل منهما بإعادة هيكلة الاقتصاد وانسحاب الدولة من أدوارها التقليدية. منذ ذلك الحين صارت اقتصادات إفريقيا تتشكل كالصلصال على يد خبراء الليبرالية الجديدة في الصندوق والبنك، وانعكس ذلك على المستوى السياسي في تقويض سيادة وسلطة النخب الإفريقية الحاكمة، التي قادت من قبل مرحلة الاستقلال، أمام شعوبها. وبما أن هذه النخب، التي فقدت شرعيتها الآن، رغبت في البقاء في السلطة، فقد أدى ذلك إلى ترسيخ أنظمة الحكم الديكتاتورية في بلد بعد آخر.

وعلى المستوى الاقتصادي، أدى الوقوع في فخ الصندوق إلى أثار مدمرة، لعلها كانت أكثر جلاءً في زائير (الكونغو) التي ظل متوسط دخل الفرد فيها يتدهور من 1973 إلى 1985 بمعدل 3.9% سنويًا. وأضحت في أواخر الثمانينات ثامن أفقر دولة في العالم، رغم ثراءها الهائل بالمعادن المهمة.

الموجة الأولى: البروفة
أشعلت هذه السياسات غضبًا شعبيًا عارمًا لما قضته من رفع الدعم وما سببته من تدهور للخدمات. وعبًر ذلك عن نفسه في احتجاجات وانتفاضات أصبحت الآن تُعرف الموجة الأولى من الاحتجاج ضد المشروع الليبرالي الجديد. بدأت هذه الموجة الأولى أولاً في الشمال، حيث الانتفاضة الجماهيرية في مصر، يناير 1977، عقب رفع الدعم عن الخبز وغيره من السلع الأساسية، وامتدت إلى المغرب وموريتانيا والجزائر، وتونس التي ضاعف فيها حزب “الدستور” الحاكم سعر الخبز في ديسمبر 1983.

ضربت الموجة جنوبًا أيضًا، وكان أبرز تجلياتها انتفاضة طلاب الجامعات في نيجيريا، منتصف الثمانينات، احتجاجا على برنامج التكيف الهيكلي الذي تسبب في عجز كبير في التمويل الجامعي، ومرة أخرى في 1988 ضد زيادة أسعار الوقود التي فرضها البنك الدولي. تجدر الإشارة أيضًا، على سبيل المثال لا الحصر، إلى الاحتجاجات الواسعة في زامبيا ضد قرارات على الغرار نفسه في ديسمبر 1986. وبصورة إجمالية، شهد عقد الثمانينيات حوالي 20 حالة احتجاج كبير سنويًا في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

إن أهم ما كشفته هذه الموجة هو هشاشة السلطات الحاكمة وعجزها عن السيطرة على حركة الجماهير فيتراجع السادات عن قرارات رفع الدعم، وتخلي الحبيب بورقيبة في تونس عن قرارات مشابهة بعد اتخاذها، وهكذا أيضًا الرئيس الزامبي كينيث كاوندا زعيم حزب “الاستقلال الوطني” الحاكم وغيرهم.

لم تسفر الموجة الأولى عن تحول سياسي فوري في أي من البلدان التي اندلعت فيها، لكنها كانت بمثابة بروفة للموجة الثانية الأكثر حسمًا بطريقتين متشابكتين. أولًا، أوجدت سياسات التكيف الهيكلي كوكتيلًا متفجرًا وغير مُتوقع من القوى الاجتماعية، وبدورها وضعت الموجة الأولى هذا الكوكتيل في المحك العملي ووحًدت بين القوى المكونة له (الطبقة العاملة والعاطلين والطلاب وفقراء الفلاحين) في تحالفات فضفاضة. ثانيًا، صحيح أن هذه الموجة ركزت حصرًا على تغيير السياسات الاقتصادية، لكنها ساهمت في زعزعة شرعية أنظمة الحزب الواحد في بلد إفريقي بعد آخر. وبالتالي أرست الخبرة التي انطلقت منها لاحقًا مرحلة جديدة من التحركات السياسية الرامية إلى تغيير الأنظمة وليس فقط تحدي سياساتها.

الموجة الثانية: العاصفة
بحلول عقد التسعينيات، دشنت الموجة الثانية من الاحتجاجات مرحلة ثورية بأهداف سياسية أوضح وأبعد، متفشية عبر القارة وكعاصفة سياسية.
بدأت الموجة أولًا في بنين في العام 1989. في يناير من ذلك العام، انطلق الطلاب في مظاهرات حاشدة مطالبين بضمان وظيفي في القطاع العام بعد التخرج. اعتقدت الحكومة، التي تعاني من فضائح الفساد وهروب رؤوس الأموال وانهيار الحوائج الضريبية، أن بإمكانها قمع الاحتجاجات بسهولة، لكن الحركة تنامت في المقابل جاذبة العمال والنقابات وفقراء المدن. عمد الرئيس ماثيو كيريكو آنذاك إلى تغيير استراتيجيته بإعلان استعداده خوض انتخابات متعددة الأحزاب، عُقدت بالفعل في 1991 وأسفرت عن هزيمته.

في تلك الأثناء، دفعت المظاهرات الجماهيرية والإضرابات العامة وتيرة التغيير الثوري عبر أرجاء القارة. شهد العام 1991 وحده 86 حركة احتجاجية كبرى في 30 بلدًا إفريقيًا. أُجبرت الكثير من الحكومات الإفريقية على إدخال إصلاحات سياسية كبرى لامتصاص الغضب الشعبي. وفي 1993، أي بعد 3 أعوام فقط من بداية الموجة، كانت 14 دولة إفريقية قد أجرت بالفعل انتخابات ديمقراطية لم تشهد مثيلها من قبل على مدار جيل كامل على الأقل. وبحلول العام 1994، كان إجمالي 35 نظامًا إفريقيًا قد سقط إما جراء احتجاجات واضطرابات جماهيرية، وإما بصندوق الاقتراع تحت ضغط التحركات الشعبية.

الملفت في هذه الموجة هو الحضور النقابي القوي والواضح، إذ لم تكن نقابات تطالب بحماية مصالح أعضائها فحسب، بل سعت أيضًا إلى إعادة تشكيل النظام السياسي. أظهرت الحركة النقابية الإفريقية آنذاك استقلالًا ونضالية أكبر كثيرًا من أي وقت مضى في تاريخها.

المشكلة أنه سواء اضطر الحكام الديكتاتوريون إلى الفرار من بلادهم خوفًا على رقابهم أو أُجبروا على انتخابات ديمقراطية أدت إلى إطاحتهم، أو ظلوا متشبثين بالسلطة، فقد ظلت السياسات الاقتصادية المجحفة بحق مئات الملايين من سكان القارة كما هي دون مساس، مما أبقى الباب مواربًا أمام الموجة الثالثة من انتقاضات إفريقيا التي قامت على أساس أقوى من خبرات الموجتين السابقتين.

الموجة الثالثة: الإعصار
تجمعت عواصف التغيير في أفق القارة التي تتحول إلى إعصار جامع من انتفاضات شعبية في أكثر من 40 بلد إفريقي في الفترة من 2005 إلى 2014. العام 2011 وحده شهد احتجاجات كبرى في 20 بلدًا إفريقيُا.

لم تكن إذًا ثورات تونس ثم مصر ثم ليبيا بداية لموجة ثورية في إفريقيا، بل كانت ذروة لموجة كانت قد بدأت بالفعل منذ سنوات. نحن فقط لم نلتفت بما يكفي، أو لم نلتفت على الإطلاق لما كان يحدث جنوبًا.

لعل بوركينا فاسو هي المثال الأبرز ضمن هذه الموجة على كارثية الإجراءات المفروضة من المؤسسات المالية الدولية واستنهاض حركة الجماهير جراءها. في الثمانينات شن الرئيس البوركيني توماس سانكارا طريقًا فريدًا في إفريقيا ضد الإفقار المتزايد بسبب سياسات التكيف الهيكلي في أرجاء القارة. قاد برنامجًا للإصلاح الاجتماعي بقيادة الدولة. وبدا أن اغتياله على يد بليز كومباوري الذي اغتصب منه السلطة في 1987، قد وضع نهاية لمشروع الإصلاح في البلد الأفقر في غرب إفريقيا.

سار كومباوري في الاتجاه المعاكس تمامًا، وتبنى إجراءات خبراء الصندوق والبنك بحماسية بالغة، وحتى أنهما اعتبر بوركينا فاسو في مطلع التسعينيات “تلميذًا نجيبًا” في تطبيق التكيف الهيكلي. يكفي أن نقول أن هذا البلد صار بحلول العام 2020 ثامن أفقر بلد في العالم وفقًا لتصنيف التنمية البشرية التابعة للأمم المتحدة.

انطلقت جراء ذلك حركة جماهيرية هادرة في بداية 2011 تصاعدت إلى إضراب عام في 8 أبريل من العام نفسه. لم تنجح الحركة الجماهيرية في إسقاط كومباوري آنذاك لكنها كانت على موعد آخر معه في أكتوبر 2014. حاول الرئيس آنذاك تغيير الدستور بغرض تمديد فترات حكمه الذي كان سينتهي في العام 2015، فاندلعت الجماهير مرة أخرى في انتفاضة أخرى أسفرت عن إسقاطه بعد 27 سنة في السلطة.

من الثورة الديمقراطية إلى ماذا؟
بالطبع هناك الكثير من التباينات بين ثورات وانتفاضات إفريقيا في موجاتها الثلاث، من حيث العمق والتنظيم والقوى الاجتماعية الأكثر تأثيرًا.. إلخ، لكن المشترك بينها هو أنها جميعًا كانت ثورات مُجهضة بشكلين مختلفين. أولًا، في بلدان مثل الكاميرون وتوجو وزيمبابوي والكونغو، تمكنت الأحزاب الحاكمة من ركوب موجة الاحتجاجات وإعادة تأكيد سلطتها. استبقت السلطات حركة الجماهير قبل أن تحتدم ضدها، وبادرت بتقديم بعض الإصلاحات السياسية التي طالبت بها الجماهير بالفعل في صورة تنازلات من أعلى (ما قد يتوافق بشكل ما مع مفهوم الثورة السلبية الذي صاغه الاشتراكي الثوري الإيطالي أنطونيو جرامشي قبل نحو 9 عقود). أي أن هذه التحركات الجماهيرية العملاقة قطعت السلطة القائمة الطريق عليها، ومن ثم واصلت نفس سياستها السابقة.

ثانيًا، في بلدان أخرى، مثل زامبيا ومالي ومالاوي، صحيح أن الجماهير تمكنت من إسقاط الأحزاب الحاكمة وعقد انتخابات متعددة الأحزاب لأول مرة منذ الاستقلال، بيد أن النخب السياسية الجديدة في السلطة واصلت هي الأخرى السياسات الاقتصادية نفسها حيث التقشف و”شد الحزام” وتفكيك الصناعات وتحرير السوق.. إلخ، تحت غطاء من الانفتاح الديمقراطي.

في كلتا الحالتين، ازدادت حياة الجماهير سوءًا، بل أحيانًا بصورة صارخة للغاية كما في زيمبابوي، التي بلغت فيها نسبة السكان تحت خط الفقر، قبل 3 سنوات من إسقاط روبرت موجابي (أي في 2014) 75%، وبعد 3 سنوات من إسقاطه (أي في 2020) صعدت النسبة إلى 85%.

بالطبع كانت الديكتاتورية والفساد مشكلتين ضخمتين في هذه البلدان، لكن الديمقراطية والانتخابات النزيهة والرقابة على الفساد والحد منه، لم يمنعوا السياسات الاقتصادية التي يكتوي الملايين بنارها. يقول الاشتراكي الثوري البريطاني الراحل كريس هارمان: “في هذه العملية (الثورية) يفقد الناس رؤية الجذور الاجتماعية والاقتصادية لهذه المشكلات السياسية”. كان التصور السائد هو أن الديمقراطية هي العصا السحرية التي ستحل كل المشكلات. في المقابل، كانت – مع أهميتها البالغة – هي حصان طروادة الذي حمل سياسات السوق الحرة بلا عراقيل بل بمشروعية صندوق الاقتراع، وأحيانًا بوتيرة أسرع مما كانت.

هناك وجه تشابه كبير بين هذه الموجات الثورية والحركات الوطنية التي هبًت لانتزاع الاستقلال من القوى الاستعمارية قبلها بثلاثين أو أربعين سنة. لقد شهد كلاهما درجة كبيرة من الوحدة العابرة للطبقات بين قوى اجتماعية متنوعة، ومتناقضة. كان هناك اتفاق عام حول ما وقفت هذه القوى “ضده” (الاستعمار قديمًا، والديكتاتورية لاحقًا)، مع عدم تحديد أي اتجاه على وجه الدقة ستكون “معه” في المستقبل، وكأن الشعارات البسيطة التي التفت حولها هذه الوحدة العامة كفيلة وحدها بإرساء الجنة على الأرض. فمثلًا في الانتفاضات المطالبة بالديمقراطية، وجد النقابيون الذين ناضلوا ضد سياسات التكيف الهيكلي وآثارها قضية مشتركة مع رجال الأعمال الذين رأوا هذا التناقض في التوجهات ترفع المطلب الأولي نفسه، لكنها تتنافر في المصالح الكامنة وراءه، يخلق استقطابًا سياسيًا، وهذا الاستقطاب يتطلب حسمًا من أجل ترجيح كفة على أخرى.

البديل الثوري
في كل هذه التجارب الثورية، كانت هناك قوى وأحزاب وتنظيمات سعت إلى تجاوز مرحلة الإصلاح الديمقراطي، أو الانتقال الديمقراطي إلى ثورة اجتماعية شاملة تحقق تغييرًا جذريًا يكسر الحلقة المفرغة لنفس السياسات الاقتصادية. وفي بعض الحالات تصورت هذه القوة إمكانية ربط الثورات الوطنية في عملية ثورية واحدة على مستوى القارة. لكنها كانت إما محدودة التأثير أو غائبة عن الخريطة السياسية من الأصل. للأسف، كان من شأن هذا الفراغ السياسي والإيديولوجي أن ترك الحركات الاجتماعية التي ناضلت ضد التكيف الهيكلي عاجزة عن صياغة برامج متماسكة لتغييرات وإصلاحات جذرية، وبالتالي وقعت هذه الحركات فريسة لمفهوم ديمقراطية الصندوق الانتخابي كعصا سحرية – والأسوأ: الانخداع فيها كحصان طروادة.

يمكننا أن نكتفي هنا بمثالين فقط على خطورة مسألة الفراغ السياسي هذه. الأول هو حركة التغيير الديمقراطي التي تأسست في زيمبابوي سبتمبر 1999، بعد 3 سنوات من المظاهرات الطلابية والإضرابات العمالية الجامحة. كان التأثير العمالي واضحًا في هذه الحركة منذ البداية، حتى أنها نشأت بالأساس على يد مؤتمر نقابات زيمبابوي. ظلت الحركة تتوسع بسرعة بالغة حتى صار الناس يرون فيها بديلًا يمكنه تحدي حكم موجابي. لكن على مدار سنوات قليلة أخذت تنحرف تدريجيًا حتى أصبحت ترى أن حل معاناة مواطني زيمبابوي يكمن في ديمقراطية تسمح بالإسراع في وتيرة إجراءات التكيف الهيكلي (داوني بالتي هي الداء!). وبحلول 2003، كانت الحركة قد شهدت انشقاقات عديدة اضعفتها كثيرًا وتركتها عاجزة عن مواجهة موجابي. في المقابل، كانت منظمة الاشتراكيين الأمميين في زيمبابوي جزءًا من الحركة وعملت بجدية على جذبها يسارًا، لكن حجمها الضئيل (حوالي 100 عضو فقط آنذاك) كان أصغر كثيرًا من أن يؤثر في عشرات ومئات الآلاف من الناس – ناهيك عن أن يقودهم. في النهاية، سقط موجابي بانقلاب الجيش في 2017.

المثال المأساوي الآخر هو بوركينا فاسو في ثورة 2014. لم تكن تنظيمات المعارضة البوركينية متماسكة على أي تصور للمستقبل، اللهم إلا ديمقراطية صورية وتغييرات سياسية شكلية دون مضمون اجتماعي يُذكر. ومن فرط إفلاسها السياسي، كانت هي التي بادرت باستدعاء الجيش، فتولى العقيد إسحاق زيدا النظام الانتقالي.

كان البديل الثوري في الحالة الأولى ضعيفًا وفي الثانية غائبًا.

بالطبع أيضًا ترك الفراغ السياسي بعض النضالات في عدد من البلدان الإفريقية يتخذ أبعادًا إثنية ودينية وقبلية ضيقة الأفق، بالأخص في المناطق الريفية، وبعضها حتى رجعي.

لابد من بناء بديل يساري جذري يملأ هذا الفراغ ويربط المطالب من أجل تعميق ما أُحرز من ديمقراطية بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية الملموسة لجماهير العمال والفقراء. ولا يعني هذا أن البناء سيبدأ من الصفر. فرغم أن المسار الطويل لانتفاضات إفريقيا لم يحقق حلولًا جذرية حاسمة، فهو لم يذهب أدراج الرياح. سوف يأتي هذا البديل على أساس الهوامش الديمقراطية المنتزعة بالفعل، وينطلق من خبرات الماضي، حتى وإن كان هذا الماضي لا يحوي إلا إجهاض الثورات ووأد الانتفاضات، أو حتى الهزائم. فالثورة، كما قالت الاشتراكية الثورية روزا لكسمبورج منذ أكثر من قرن، هي شكل الحرب الوحيد الذي لا يتحقق فيه النصر إلا عبر سلسلة من الهزائم.