بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة التي تُقصي النساء تُقصي نفسها

مقدمة: لماذا تمرّ الثورة عبر النساء
يتحدّد موقع المرأة في أي ثورة من خلال موقعها داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تستهدفها تلك الثورة. فالعلاقة بين المرأة والثورة علاقة تأسيسية تمسّ جوهر الصراع الطبقي ذاته، لأن السلطة القائمة ترتّب المجتمع على نحو يضمن تراكم الثروة في يد طبقة بعينها، ويُخضع الحياة اليومية لشروط الملكية الخاصة. يظهر هنا تصور شائع داخل قطاعات من الحراك يعتبر قضية المرأة مسارًا مؤجلًا يأتي تلقائيًا مع نجاح الثورة والإطاحة بالرأسمالية، ويعامل وجود النساء في قلب الثورة كعنصر مساعد. هذا التصور يصنع ثورة منقوصة، لأن بنية الاستغلال تتغذّى على تقسيم اجتماعي للعمل يضع النساء في موقع إعادة إنتاج الحياة، ويحوّل هذا الدور إلى أداة سيطرة.

يربط ماركس وإنجلز بين تطور اضطهاد النساء وتكوّن الملكية الخاصة وانقسام المجتمع إلى طبقات، حيث تحوّلت العائلة إلى وحدة اقتصادية تخدم توريث الثروة وتنظيم العمل غير المدفوع. ومع تطور الرأسمالية، جرى تعميم الإنتاج اجتماعيًا، بينما استمر تحميل النساء عبء إعادة الإنتاج داخل المجال الأسري، فتكرّس انقسام حاد بين المجال العام (الإنتاج والسياسة والسوق) والمجال الخاص (الرعاية والإنجاب والعمل المنزلي). هذا الانقسام يقوم بوظيفة مادية داخل الرأسمالية، لأنه يضمن استمرار تراكم رأس المال عبر تخفيض تكلفة إعادة إنتاج قوة العمل، ويضع الرعاية خارج الحسابات الاقتصادية والسياسية المباشرة، مع تحويلها إلى “طبيعة” نسوية أو “واجب” أسري.

من هنا يظهر حضور المرأة في الميدان بوصفه تهديدًا لفكرة الملكية الخاصة التي تحميها الدولة، لأن هذا الحضور يزعزع الفصل الذي تبني عليه السلطة هيمنتها. لهذا ترتبط مصالح الثوريين ارتباطًا مباشرًا بقضايا النساء، ويصير التضامن معهن تعبيرًا عن اشتراك مادي في الصراع، لا مجرّد موقف إنساني أو أخلاقي. تجارب النساء من الطبقة العاملة، اللواتي يخضن المجال العام بدافع الضرورة المادية للبقاء بأجساد تُعامل اجتماعيًا بوصفها “خاصة”، تكشف جوهريًا التوتر القائم بين الطبقة والنوع الاجتماعي. ومن ثم، يكشف الدور النشط للنساء في الثورة عن جوهرها باعتبارها صراعًا طبقيًا. يتتبع هذا المقال عنف الدولة قبل الثورة وأثناءها وبعدها لفهم كيف ولماذا تستفيد السلطة من محو النساء، وخاصة المنتميات إلى الطبقات الكادحة، بوصفه آلية لإجهاض مسار التحرر الاجتماعي.

نسوية الدولة: إدارة الصراع الاجتماعي عبر واجهة تقدمية
عملت الدولة المصرية الحديثة على تنظيم مكان المرأة بما يخدم مصالحها الطبقية، مستخدمة خطابًا إصلاحيًا جندريًا يقدّم صورة تقدمية مع الحفاظ على أسس السلطة الاقتصادية والسياسية. تشكّلت ما يمكن تسميته بـ«نسوية الدولة» كأداة لإدارة الصراع الاجتماعي، حيث يجري إنتاج “تحسينات” قانونية ورمزية تضمن تهدئة المجتمع وتقديم الدولة بوصفها راعية للتقدم، مع استمرار البنية الطبقية نفسها.

في ظل نظام مبارك، اتخذت نسوية الدولة شكل مشروع قادته سوزان مبارك لاستعراض التقدمية عبر أداء ليبرالي يهدف إلى تهدئة الجماهير وترسيخ الفصل بين العام والخاص، بدعم من نساء النخبة وأجهزة الدولة. عبر مبادرات مثل إنشاء المجلس القومي للمرأة وتعيين عدد محدود من الوزيرات، جرى “مأسسة” العلاقة بين السياسات الجندرية للدولة السلطوية ودور السيدة الأولى، فبرزت نسوية الدولة كمشروع طبقي يشير إلى الحداثة مع بقاء توزيع السلطة والثروة على حاله.

ارتبط هذا المشروع بمصالح النخبة الحاكمة بصورة مباشرة، وظهر ذلك في الدور السياسي لسوزان مبارك في التمهيد لمسار توريث الحكم. رأى جزء واسع من الجمهور هذا الدور بوصفه تجسيدًا لطبقة مفصولة عن المجتمع، فانتشر لقب «الهانم» كعلامة على هذه المسافة الطبقية. وعندما صدرت تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية، جرى تداولها شعبيًا بوصفها «قوانين الهانم»، بما يعكس إدراكًا اجتماعيًا لطابعها الطبقي، وحدود تأثيرها على حياة غالبية النساء الكادحات. عبر هذه السياسات، تعززت الثنائية الأبوية بين العام والخاص بوصفها أداة للسيطرة الطبقية، لأن الدولة قدّمت “حقوقًا” تفترض امتلاك النساء موارد مادية تسمح بالانتفاع بها.

شملت هذه السياسات منح المرأة حق الخُلع مقابل التنازل عن الحقوق المالية (2000)، والسماح بنقل الجنسية المصرية للأبناء من أب أجنبي (2004)، ومدّ حضانة الأم حتى سن الخامسة عشرة (2005)، وتطبيق نظام الكوتا في انتخابات متتالية لتحسين التمثيل السياسي للنساء (2010). اتخذت هذه الإجراءات مظهرًا تقدميًا، لكنها أبقت عبء الرعاية مسؤولية فردية تتحمّلها النساء داخل الأسرة، ورسّخت الدور الرعائي بوصفه وظيفة اجتماعية غير مدفوعة تُدار في المجال الخاص. بهذا الترتيب، تحوّل ما قُدِّم كحق قانوني إلى عبء مادي يومي يقيّد قدرة النساء، خاصة في الطبقات الكادحة، على الاستقلال الاقتصادي والمشاركة العامة. جرى استخدام القانون لإعادة توزيع الأعباء بدل إعادة توزيع السلطة، وتحولت “حقوق المرأة” إلى امتيازات طبقية تُعرض كدليل على التقدم.

كفاية: حين دخلت الأجساد النسوية الشارع واهتزّ الفصل بين العام والخاص
تصاعد التوتر ضد نظام مبارك مع اتساع الاستبداد وانسداد المجال السياسي، فظهرت حركة «كفاية» عام 2004 بوصفها ردًا مباشرًا على دولة قمعية ومشروع توريث. نشأت الحركة لتنظيم المعارضة في نهاية حكم مبارك ومنع توريث السلطة لابنه، وفتحت مساحة جديدة للفعل السياسي في الشارع. ورغم أن الحركة لم تُبنَ على خطاب نسوي، إلا أن النساء تصدرن مشهد التنظيم والاحتجاج بحضور جريء ومستمر في الشوارع.

وجود أجساد النساء في الشارع، وهنّ يحتجن ضد النظام السلطوي، نقل الصراع حول العام والخاص إلى قلب المجال العام ودمجهما عمليًا. تحوّلت أجساد النساء إلى أدوات مقاومة سياسية، لأن ظهورها في الشارع يطيح بالتصنيف الذي يقصر المرأة على “البيت” بوصفه مجالًا طبيعيًا. هذا الذوبان العملي للفصل بين العام والخاص خلق خطرًا وجوديًا على الدولة، لأن نسوية الدولة نفسها قامت على إنتاج هذا الفصل وإدارته، ولأن الدولة تستخدمه كآلية “فرق تسد” داخل المجتمع.

يظهر رد الدولة العنيف على احتجاجات كفاية في 25 مايو 2005 علامة كاشفة لهذه المعادلة. واجه المتظاهرون اعتداءات منظّمة نفذها بلطجية وعناصر أمن بملابس مدنية، وتعرّضت النساء المشاركات لعنف مباشر شمل الضرب والتحرش الجنسي. حمل هذا العنف وظيفة سياسية محددة: إعادة رسم الحدود على الجسد النسوي نفسه، وتحويل الشارع إلى مساحة تهديد لإجبار النساء على الانسحاب من المجال العام. الرسالة السياسية جاءت مباشرة: حضور المرأة في الشارع يواجه ردًا يربط “العقاب” بالجسد، ويحوّل الانتهاك إلى أداة ضبط اجتماعي.

العمل بوصفه بوابة الثورة: عاملات المحلة وكسر الحاجز عمليًا
يمثّل حضور المرأة في المساحات العامة مكسبًا مباشرًا للثورة، لأن هذا الحضور يزعزع الفصل الصارم بين المجالين العام والخاص. هنا تتبدّى أهمية العمل بوصفه مدخلًا أساسيًا لتحوّل النساء من موقع الانغلاق الاجتماعي إلى موقع الفعل داخل الصراع الطبقي. المرأة التي تعيش داخل المجال المنزلي المحض تكتسب خبرة يومية بالضغط والعبء، بينما يفتح الانخراط في سوق العمل والانتماء إلى نشاط جماعي أفقًا للثقة والمواجهة، ويحوّل الوعي من فردي إلى طبقي.

تكتسب المرأة العاملة قدرة خاصة على كسر هذا الحاجز، لأن المجالين العام والخاص يندمجان في حياتها اليومية بفعل الضرورة المادية. العمل في المصنع أو الخدمة أو الزراعة يتقاطع مع مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة، ليخلق وعيًا عمليًا بوحدة الصراع. يظهر الاستغلال في المصنع مرتبطًا بالبؤس داخل البيت، ويظهر “الخاص” كجزء من الاقتصاد السياسي لا كمساحة محايدة.

شكّل إضراب المحلة عام 2006 لحظة فارقة في هذا المسار، إذ لعبت النساء العاملات دورًا مركزيًا في تنظيم الاحتجاج وقيادته. في البداية، ظهرت تصورات اجتماعية حصرت الإضراب في إطار ذكوري، واعتبرت أن الإضراب “ليس مكانًا للنساء”. غير أن المبادرة التي قادتها العاملات حسمت اتجاه الحركة. خرجت العاملات في مظاهرة حاشدة إلى ميدان طلعت حرب بالمحلة مرددات: «الرجالة فين؟ الستات أهم». مع انطلاق هذه الصيحة، تدفّق آلاف العمال إلى الميدان، وأُعلن الاعتصام والإضراب حتى تتحقق المطالب، فانكشف اشتراك المصالح المادية بين العاملات والعمال في صورة مباشرة.

هذا الدور القيادي يعكس ما أشار إليه تروتسكي في تحليله للثورات حين أبرز حساسية النساء تجاه الأزمات بحكم موقعهن في إعادة الإنتاج الاجتماعي، وقدرتهن على تحويل المعاناة اليومية إلى فعل سياسي جماعي يدفع الصراع إلى الأمام. في هذه التجربة، تحوّلت مقولة «الست زي الراجل» إلى حقيقة عملية تُصاغ بالنضال اليومي بعيدًا عن الخطاب الرسمي الذي يردده المجلس القومي للمرأة والحزب الوطني حول “تمكين النساء”. عاملات المحلة قدّمن وعيًا متقدمًا بطبيعة الصراع بين الفقراء وحكومة رجال الأعمال، وقدّمن نموذجًا عمليًا لانتزاع الحقوق عبر الإضراب. تقول إحدى العاملات: «ما فيش غير الإضراب هو اللي حيجيب حقوقنا. إحنا طلبنا بالذوق وما حدش عبرنا، يبقى حقوقنا نجيبها بإيدينا». هذا الوعي خلاصة تجربة تربط الأجر بالكرامة وبقدرة الأسرة على الاستمرار.

حين تضرب العاملة، تتوقف عجلة الإنتاج في المصنع، ويتزامن ذلك مع تعطّل العمل الرعائي غير المدفوع داخل المنزل. بهذا الفعل، كشفت العاملات اعتماد النظام على العمل غير المرئي داخل البيوت، وعلى هشاشة الأجور في مواقع الإنتاج. جاء رد الدولة بحملة قمع مزدوجة جمعت بين العنف الميداني والقمع القضائي، مع إحالة المئات للتحقيق ومحاكمة العشرات أمام محاكم الطوارئ. عكس هذا الرد إدراك السلطة لخطورة ما حدث: الإضراب تجاوز المطالب الاقتصادية إلى كسر فعلي للحدود التي تحمي النظام.

يناير 2011: منطق ذوبان المجالات يصل إلى الميدان
تبلور منطق الثورة، بوصفه ذوبانًا للحدود بين المجالين العام والخاص، داخل خطوط الإنتاج قبل سنوات من وصوله إلى الميدان. فجاءت ثورة يناير 2011 حاملة لهذا الإرث المتراكم، حيث لعبت النساء دورًا مركزيًا في التعبئة والتنظيم وصياغة الخطاب الثوري نفسه. قبل اندلاع الثورة بأيام، أطلق عدد من الناشطات والنشطاء نداء عبر يوتيوب، دعوا فيه الناس إلى مغادرة عزلة الشاشات والمنازل والنزول إلى الشارع في 25 يناير. في تلك اللحظة، تحوّل فعل منزلي (تصوير الفيديو) إلى دعوة عامة، وجرت إعادة تعريف الخاص بوصفه مسؤولية سياسية جماعية.

داخل الميدان، تجسّد هذا التحول في هتافات حوّلت تهميش صوت المرأة إلى قضية سياسية في قلب الصراع، وربطت ازدراء الجسد النسوي بسقوط شرعية الحاكم: «قالوا صوت المرأة عورة… صوت المرأة هو الثورة» و«طول ما جسم البنت رخيص… يسقط يسقط أي رئيس». بهذا الوعي، ظهر التحكم في المجال الخاص بوصفه شرطًا للهيمنة على المجال العام، وظهر الجسد النسوي بوصفه موقعًا سياسيًا تتصارع عليه السلطة والثورة.

العنف الجنسي كأداة دولة: إعادة رسم الحدود على الأجساد
مع اهتزاز الترتيب الذي يحمي الفصل بين العام والخاص، لجأت الدولة إلى العنف بوصفه وسيلة لإعادة رسم الحدود. استخدمت السلطة إرهاب النساء في الميدان كأداة سياسية تهدف إلى محو الوعي المتشكّل حول تسييس الخاص، ودفع النساء بعيدًا عن المجال العام المكتسب بالنضال.

اعتمدت الدولة استراتيجية قلب المعادلة: إخراج ما اعتُبر “خاصًا” إلى المجال العام بالقوة من أجل تحويله إلى أداة إذلال وردع. تعرية الأجساد والسحل والانتهاك العلني تحولت إلى وسائل لإنتاج الخوف الجماعي ودفع النساء للعودة إلى “المكان” الذي رسمته السلطة. ظهرت هذه السياسة بوضوح في أحداث «الأربعاء الأسود» عام 2005، ثم في اختبارات العذرية القسرية في 9 مارس 2011، بوصفها محاولة لإعادة ضبط الجسد النسوي تحت سيادة الدولة. مع الوقت، تسللت شرعنة هذا العنف إلى المجال العام، فشهدت الميادين موجات من الاعتداءات الجماعية، كما في حالات ياسمين البرماوي وعلا شهبة، حيث تكرر نمط العنف في مناخ يسمح بالإفلات من المحاسبة.

تجسّد قضية هند نافع خلال أحداث مجلس الوزراء في ديسمبر 2011 هذا المنطق العقابي المنهجي. تعرّضت للسحل والضرب والصعق الكهربائي، ثم جرى تحويلها من ضحية إلى متهمة عبر المحاكمة والسجن، في رسالة سياسية تحوّل المشاركة في المجال العام إلى فعل يستدعي عقابًا جسديًا وقانونيًا. وفي اليوم التالي، جُرّت «ست البنات» في الميدان، كُشف جسدها، ودُهست بالأحذية العسكرية، في مشهد صُمّم ليُرى ويُتداول بوصفه أداة ردع جماعي.

بهذا العنف العلني، سعت الدولة إلى استعادة السيطرة على المجالين العام والخاص معًا، عبر إخضاع الجسد النسوي وتحويله إلى وسيلة لإعادة إنتاج الطاعة الاجتماعية. أعادت السلطة رسم حدود العام والخاص على أجساد النساء، فكشفت حجم التهديد الذي مثّله حضور النساء في الثورة، وأكدت أن كسر الحدود بين الخاص والعام أحد أخطر التحديات التي واجهت بنية السلطة.

حين يعمل البيت كجهاز دولة: العائلة، الوصم، وإعادة إنتاج القمع
امتد العنف من الميدان إلى المنازل. بعد تعرّض هند للعنف خلال أحداث مجلس الوزراء، قامت عائلتها بعزلها بوصف الثورة تهديدًا للنظام الاجتماعي الذي تستند إليه سلطتها. في هذا السياق، أدّى البيت وظيفة مزدوجة: عزل سياسي ومنع جسدي، فتحوّل المجال الخاص إلى سجن ثانٍ يُكمّل عقاب الدولة بدل أن يوفر حماية.

في الوقت نفسه، جرى توجيه اللوم الاجتماعي نحو هند بدلًا من توجيهه إلى السلطة المسؤولة عن العنف. عبّرت هند عن ذلك بوضوح حين قالت: «المجتمع قال: هي راحت التحرير ليه من الأساس؟». بهذا المنطق، تحوّلت المشاركة السياسية للنساء إلى “خطأ أخلاقي”، وحُمّلت الضحية مسؤولية العنف الذي تعرّضت له، في إعادة إنتاج مباشرة لسياسة النظام التي تبرّر القمع عبر إخضاع الجسد النسوي لمنطق الردع والانضباط.

بلغ هذا الصراع ذروته كذلك في الجدل حول الشهيدة سالي زهران، حيث جرى التلاعب بصورتها، وتحوّل حجابها إلى ساحة صراع حول “الشكل الصحيح” للمرأة الثورية. ظل جسدها، حتى بعد الموت، مجالًا عامًا خاضعًا للضبط، في محاولة لإعادة تأطير الثورة وفق معايير محافظة تخدم استقرار النظام الاجتماعي القائم.

خطاب “السلامة” داخل الثورة: حين تتحوّل الحماية إلى إقصاء
أُعيد إنتاج منطق الضبط كذلك عبر دعوات موجّهة إلى النساء بالعودة إلى المنازل “حفاظًا على سلامتهن”، صدرت أحيانًا من العائلة وأحيانًا من رفاق في الميدان. هذه الدعوات أسهمت عمليًا في ترسيخ السياسة التي تستخدمها السلطة لعزل النساء عن الفعل السياسي، وتحويل “السلامة” إلى أداة إقصاء. حين يُدار وجود النساء في الثورة عبر منطق الحجب، يتسع نطاق نفوذ الدولة داخل المجتمع، لأن الفصل بين العام والخاص يعود بوصفه قاعدة تنظيم، فتتراجع القدرة الجماعية على كسر المنظومة القمعية.

تظهر هنا نقطة ماركسية حاسمة: الدولة تحمي الملكية الخاصة عبر حماية تقسيم اجتماعي يضع الرعاية في المجال المنزلي، ويضع السياسة في المجال العام، ويجعل المجال العام مجال الرجال “المفترض”. أي إعادة تثبيت لهذا التقسيم داخل الثورة يمدّ السلطة بأداة من أدواتها الأساسية. حماية النساء تتحقق عبر توسيع المشاركة الجماعية وبناء أدوات دفاع تنظيمي داخل الميدان، لأن الوجود في الساحة جزء من المعركة، وحضوره يحرّك مصالح الطبقة العاملة كلها.

التنظيم النسوي في قلب الثورة
في مواجهة العنف، نظّمت النساء أنفسهن وابتكرن أشكالًا متقدمة من الحماية والتوثيق والدعم المتبادل. ظهرت مبادرات بقيادتهن ركّزت على الحماية الجماعية مثل تنظيمَي «أوبانتيش» و«مصريين»، لحماية المتظاهرات وتوثيق الجرائم. أسست هند نافع منظمة «ضحايا التعذيب»، فصار الاعتراف بالانتهاك خطوة في مسار العدالة. وحوّلت خديجة الحناوي بيتها إلى ملجأ ومستشفى ميداني، في استعادة ثورية للمجال الخاص، حيث جرى تعريف المنزل بوصفه مساحة عامة للنضال والتنظيم.

استخدام الكاميرا، وتنظيم المساحات الآمنة، وتحويل البيوت إلى مراكز إسعاف ودعم، ممارسات ربطت الرعاية بالسياسة، وربطت “الخاص” بالفعل الجماعي بدل عزله. بهذه الأفعال، شقّت النساء طريق تحررهن من حدود المنزل إلى قلب الميدان، ووسّعن المعركة من مطلب سياسي إلى إعادة تنظيم للحياة.

خاتمة: الثورة القادمة تحمل النساء في مركزها
الثورة التي تحمل مشروعًا للتحرر الاجتماعي الشامل تنبني على وحدة نضال جميع الثوريين، وعلى إدراك أن موقع النساء في قلب المعركة ضرورة مادية لانتصار الثورة. فكما يوضح ماركس وإنجلز، تتجسّد علاقات الهيمنة داخل تقسيم العمل الاجتماعي، وتفكيك هذه العلاقات يتحقّق عبر إشراك كل من يتحمّل عبء الإنتاج وإعادة الإنتاج في الفعل الثوري. بهذا المعنى، يبرز نضال النساء بوصفه أحد أكثر أشكال النضال الثوري كثافة، لأنه يضرب في قلب التنظيم الرأسمالي للمجتمع، ويفتح أفقًا لتحويل الثورة من فعل سياسي محدود إلى عملية شاملة لإعادة تنظيم الحياة الاجتماعية بأكملها.

يتحقق الأمان للنساء داخل الثورة عبر انتزاع حقهن الكامل في الوجود داخل الميدان. بناء شبكات الحماية الجماعية، وممارسة التضامن العملي، والدفاع عن حضور النساء في الساحات العامة، أدوات لتحرير الجميع، لأن كسر الخوف عن جسد واحد يوسّع أفق الحرية للجماعة كلها. واجب كل ثوري المشاركة في النضال لضمان مركزية المرأة في الثورة، لأنه ضمان لنجاح الثورة ذاتها.